|
الأحـد
:
10/05/2009
الآثار
النفسية والاجتماعية للفساد على الفرد والمجتمع
العراق
نموذجا
د. ريسان عزيز (**)
(خاص
للمعهد)

مقدمة
تعد ظاهرة الفساد ظاهرة عالمية
شديدة الانتشار ، ذات جذور عميقة تأخذ ابعاد واسعة تتداخل فيها عوامل
مختلفة ومتنوعة يصعب التمييز بينها .
ويشير الكثير من الباحثين ومنهم
رئيس قسم الانثربولوجيا في جامعة كولومبيا الى ان الفساد ظهر في
المجتمعات ذات الحضارات العليا (الهايدروليكية) والتي تعتمد في قيامها
على وجود النهر فيها( مثل حضارة وادي الرافدين ووادي النيل والحضارة
الصينية ) ، حيث يشير الى ان وجود النهر ادى الى القيام بعدد من
الواجبات والمهام مرتبطة بوجود هذه النهر، منها :
1- حماية ضفة النهر من الانكسار
والانهيار وخاصة وقت الفيضان .
2- حفر الجداول والقنوات .
3- بناء السدود والخزانات .
4- توزيع الحصص الاروائية .
5- جباية رسوم الارواء والسقي .
وبطيعة الحال فان هذه الاعمال
والوظائف تحتاج الى ايدي عاملة كثيرة،ومن ثم تقسيم العمل ، وهذا ادى
الى خلق وايجاد اول نظام بيروقراطي ،وتوزيع المهام والمناصب ين الافراد
وتفاوت صلاحياتهم ، مما ادى الى استغلال هذه المراكز في تحقيق المصلحة
الخاصة على حساب المصلحة العامة ، وخاصة عندما تضعف قوة الملك او
الحاكم ، وكذلك سلطة وسطوة القانون ،وهنا ظهرت اول بوادر واشكال الفساد
.
وتختلف درجة وجود ظاهرة الفساد
وشموليتها من مجتمع الى لآخر ، اذ حظيت ظاهرة الفساد في الاونة
الاخيره بأهتمام الكثير من الباحثين في مختلف الاختصاصات كالاقتصاد
والقانون والسياسة والاجتماع ، كذلك تم الاهتمام به ومناقشــته وتعريفه
من قبل عدد من المنظمات العالمية ، حتى اضحت ظـــاهرة لا يكـــــاد
يخلو مجتمع او مؤسـسة او نظام سياسي منها (1) .
وعلى الرغم من ان ظاهرة الفساد تعد
من الظواهر الاجتماعية التي لم يخل منها اي مجتمع من المجتمعات ، الا
انها ظاهرة تتباين وتتنوع بتباين وتنوع المجتمعات والثقافات الاجتماعية
. فلكل مجتمع مشكلاته الخاص به والتي يعاني منها بدرجة او بأخرى .
ففي حين يعد الفساد ظاهرة منتشرة
في بعض المجتمعات وفي مستويات مختلفه ، الا ان قد يكون اقل انتشارا في
مجتمعات اخرى ، وحتى في هذه المجتمعات لايمكن تجاهله والاطمئنان على
نسبته فيها ، اذ ظهرت في المجتمع العربي اتجاهات وسلوكيات افرزتها
عمليات الانفتاح الثقافي والاجتماعي ادت الى تبدل انماط وسلوكيات
الحياة داخل هذه المجتمعات والتحول القيمي الذي ينعكس في مواقف الافراد
وسلوكياتهم ومن ثم قدرتهم على التوافق والتلائم والاختلاط مع الحياة
ومستجداتها ، او في الانسحاب منها والانعزال عنها (2) .
استخدم الباحث المنهج البنائي
الوظيفي وكذلك المنهج التحليلي لفهم ودراسة هذه الظاهرة وعلاقتها ببنية
المجتمع العراقي ومؤسساته ، وكذلك لفهم وتحليل اثر هذه الظاهرة على
الفرد والمجتمع العراقي.
اما ادوات البحث فقد استخدم
الباحث الملاحظة العلمية والمباشرة، وكذلك المقابلة بانواعها ، كما
استعان بالمخبرين.
وتكمن مشكلة البحث في ان الفساد
بكل انواعه واشكاله بات يشكل مشكلة كبيرة وافة خطيرة تؤثر بشكل كبير
جدا على مجمل حياة وسلوك الانسان الفردية والاجتماعية ، تؤثر في تشكيل
حاضره وبناء مستقبله .
اهمية البحث: لقد اخذت تبرز معدلات
ازدياد ظاهرة الفساد في العديد من دول العالم سواء المتقدمة او الدول
النامية على حد سواء ، الامر الذي جعل هذه المشكلة تفرض تساؤلا شغل
الباحثين على اختلاف تخصصاتهم ، وهو: ماهي ابرز الخصائص التي يتسم بها
هؤلاء الذين يمارسون او يرتكبون هذا السلوك او الظاهرة السلبية ؟ ومن
ثم تعددت الاجابات عن هذا السؤال وذلك تبعا لتعدد الانتماءات
والتخصصات للباحثين وعلومهم التي يمثلونها (3) .
وتكمن قيمة رصد هذه المشكلة من
خلال ما تجسده من تدمير للفرد والمجتمع ومؤسساته في وقت واحد .
هدف البحث :يضطلع البحث هنا بدراسة
هذه الظاهرة السلبية وما ينتج عنها من اثار نفسية واجتماعية ذات اثر
سلبي كبير على صعيد الفرد والاسرة والمجتمع ، كونها تعد ( ظاهرة الفساد
) من السلوكيات المرفوضة اجتماعيا التي تعاني منها المجتمعات كافة في
مختلف الاوقات وعلى كافة الانواع والمستويات .
ان معرفة الخصائص النفسية
والاجتماعية لظاهرة الفساد يساعد على كشف الخلفية النفسية والاجتماعية
التي تستند اليها هذه السلوكيات المنحرفة اول ، ومن ثم العمل على
احتوائها ومنع تأثيراتها السلبية والخطيرة ثانيا ، ووضع ابرز الحلول
والمعالجات الموضوعية والعلمية للحد من تأثير هذه الظاهرة على
المجتمعات الانسانية ثالثا .
وهنا يكمن الغرض والهدف الرئيسي
المرجو من دراسة هذه الظاهرة (4) .
تحديد مفهوم الفساد :
ليس هناك تعريف محدد للفساد
بالمعنى الذي يستخدم فيه هذا المصطلح اليوم ، لكن هناك اتجاهات مختلفة
تتفق في كون الفساد هو : ( اساءة استعمال السلطة العامة او الوظيفة
العامة للكسب الخاص او المصلحة الشخصية ) .
ويحدث الفساد عادة عندما يقوم موظف
بقبول او طلب او ابتزاز رشوة لتسهيل عقد او ابرام صفقة او طرح لمناقصة
عامة . كما يمكن للفساد ان يحدث عن طريق استغلال الوظيفة العامــة من
دون اللجـوء الى الرشوة وذلك بتعيين الاقارب ضمن منطق المحسوبية
والمنسوبية ( وخاصة ضمن المناصب او المراكز الحساسة وذات المسؤلية في
مؤسسات الدولة وبالاخص اذا كانت هذه المناصب تحتاج الى كفائه وخبرة
وتخصص ) ، او سرقة اموال الدولة بشكل مباشر او غير مباشر .
وتكاد تكون ظاهرة الفساد ظاهرة
طبيعية في المجتمعات الراسمالية ، وحيث تختلف درجات هذا الفساد تبعا
لأختلاف تطور مؤسسات الدولة ، اما في بلدان العالم الثالث فأن فساد
مؤسسات الدولة وتدني مستويات الرفاه الاجتماعي تصل الى اقصى مدياتها ،
وهذا ناتج عن درجة التخلف وازدياد معدلات البطالة . فالفساد قد ينتشر
في البنى التحتية للدولة والمجتمع ، وفي هذه الحالة يتسع وينتشر في
الجهاز الوظيفي ونمط العلاقات المجتمعية فيبطئ من حركة تطور المجتمع
ويقيد ويعطل ويعيق حوافز التقدم والنمو الاقتصادي (5) .
ومع تعدد التعاريف المتناولة
لمفهوم الفساد ، الا انه يمكن القول ان الاطار العام للفساد ينحصر في
سوء استعمال السلطة والوظيفة العامة وتسخيرها لمصالح ومنافع شخصية ضيقة
تتعلق بالفرد او بجماعة معينه (6) .
اليات الفساد :
ان الفساد له آلياته واثاره
ومضاعفاته التي تؤثر في نسيج المجتمع وسلوكيات الافراد وطريقة اداء
الاقتصاد ، كما انه يؤثر في اعادة صياغة ( نظام القيم ) . وهناك آليتين
رئيسيتين للفساد وهما :
1. الية دفع الرشوة والعموله
المباشرة الى الى الموظفين والمسؤلين الحكوميين ، وفي القطاعين العام
والخاص لتسهيل عقد الصفقات وتسهيل الامور والاجراءات لرجال الاعمال
والشركات المحلية او الاجنبية .
2. وضع اليد على المال العام ،
واستغلاله لمصالح او منافع شخصية ، والقيام بعقد صفقات او ابرام عقود
مشبوهة (كماً ونوعاً) مقابل مكاسب مادية شخصية. وكذلك تعيين الاقارب
وخاصة في المواقع المهمة والحساسة التي تحتاج الى كفائه وخبره وتخصص .
والنوع الاول يسمى ( بالفساد
الصغير ) وهو مختلف عن النوع الثاني والذي يطلق عليه ( الفساد الكبير )
والذي عادة ما يرتبط بعقد الصفقات الكبرى وابرام العقود المشبوهة في
عالم المقاولات والتجارة على مختلف انواعها سواء كان المشروع منها او
غير المشروع ، ويحدث مثل هذا ( الفساد الكبير ) عادة على المستويين
السياسي والبيروقراطي ، مع ملاحظة ان الاول ( الفساد الصغير ) يمكن ان
يكون مستقلا بدرجة او بأخرى عن الثاني ( الفساد الكبير ) . او يمكن ان
تكون بينهما درجة عالية من التداخل والتشابك . اذ عادة ما يرتبط الفساد
السياسي بالفساد المالي حين تتحول الوظائف البيروقراطية العليا الى
ادوات للاثراء الشخصي المتصاعد والمتسارع (7) .
مظاهر الفساد :
والفساد من حيث مظهره يشمل انواع
عدة منها :
1. الفساد السياسي : والذي يتعلق
بمجمل الانحرافات المالية ومخالفات القواعد والاحكام التي تنظم عمل
النسق السياسي ( المؤسسات السياسية ) في الدولة . ومع ان هناك فارق
جوهري بين المجتمعات تنتهج انظمتها السياسية اساليب الديمقراطية وتوسيع
المشاركة في الحكم ، وبين الدول التي يكون فيها الحكم شموليا
ودكتاتوريا ، لكن العوامل المشتركة لأنتشار الفساد في كلا النوعين من
الانظمة تتمثل في نسق الحكم الفاسد *، وتمثل مظاهر الفساد السياسي في
الحكم الشمولي الفاسد ، وفقدان الديمقراطية الحقيقية ، وفقدان المشاركة
، وفساد الحكم وسيطرة نظام الدولة على الاقتصاد ، وتفشي المحسوبية (8)
.
2. الفساد المالي : والذي يتمثل
بمجمل الاغراقات المالية ومخالفة القواعد والاحكام المالية التي تنظم
سير العمل الاداري والمالي في غير مؤسسات الدولة ، ومخالفة التعليمات
الخاصة بأجهزة الرقابة المالية – كالجهاز المركزي للرقابة المالية –
المتخصص بفحص ومراقبة الحكومة والهيئات والمؤسسات العامة والشركات ،
ويمكن ملاحظة مظاهر الفســــاد المالي في الرشـــاوي ، الاختـــلاس ،
التهرب الضـــريبي ، وتخصيــص الاراضي ، المحاباة والمحســوبية في
التعيينات الوظيفية وخاصــة للمهمــة منها .
3. الفساد الاداري : والذي يتعلق
بمظاهر الفساد والانحرافات الادارية والوظيفية او التنظيمية ، وتلك
المخالفات التي تصدر عن الموظف العام اثناء تأديته لمهام وظيفته في
منظومة التشريعات والقوانين والضوابط ومنظومة القيم الفردية التي لا
ترقى للاصلاح وسد الفراغ لتطوير التشريعات والقوانين التي تغتنم الفرصة
للاستفاده من الثغرات بدل الضغط على صناع القرار والمشرعين لمراجعتها
وتحديثها بأستمرار.وهنا تتمثل مظاهر الفساد الاداري في : عدم
احترام اوقات ومواعيد العمل في
الحضور والانصراف ، او تمضية الوقت في غير مجال العمل الجدي والانتاج ،
كقراءة الصحف واستقبال الزوار والتكاسل في اداء العمل ، واللامبالاة
وعدم تحمل المسؤولية ، وكذلك افشاء اسرار الوظيفة والخروج عن مبادئ
العمل الجماعي والمؤسسي .
4 .الفساد الاخلاقي : والذي يمكن
ان يتمثل في مجمل الانحرافات الاخلاقية والسلوكية المتعلقة بنشاط وسلوك
الموظف الشخصي وتصرفاته ، كالقيام بأعمال مخلة بالحياء في اماكن العمل
، او ان يجمع بين الوظيفة واعمال اخرى خارجية دون اذن او موافقة
ادارته ، او استغلال السلطة لتحقيق غايات ومآرب شخصية له على حساب
المصلحة العامة ، او ان يمارس المحسوبية بشكلها الاجتماعي الذي يسمى (
المحاباة الشخصية ) دون النظر الى اعتبارات الاستحقاق والكفاءة
والجدارة والقدرة (9) .
اسباب
الفساد :
للفساد اسباب وانعكاسات عديدة يمكن
ملاحظتها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ، على ان هذا لايعني ان الفساد
مقتصر على وجود هذه العوامل الثلاث فقط ، ولكن لاغراض البحث العلمي
ولاهميته هذه العوامل في بنية وتكوين المجتمع يمكن رصد وتناول هذه
الاسباب .
فيما يتعلق بالجوانب
والاسباب السياسية الملازمة لظاهرة الفساد ، يمكن القول ان عوامل
مختلفة تقف وراء شيوع هذه الظاهرة تتناغم في شدتها ودرجتها طرديا مع
تنامي ظاهرة الفساد ، منها عدم وجود نظام سياسي فعال يستند الى مبدا
فصل السلطات وتوزيعها بشكل النسب ، اي غياب دولة المؤسسات ، وعجز
مؤسسات الدولة السياسية والقانونية والدستورية . وعند هذا المستوى تظهر
حالات غياب الحافز الذاتي لمحاربة الفساد في ظل غياب دولة المؤسسات
وسلطة القانون والتشريعات تحت وطأة التهديد بالقتل والاختطاف والتهميش
والاقصاء الوظيفي ، كما ان الصراع على السلطة بين الاحزاب والجماعات
المختلفة يمكن ان يكون احد العوامل المهة في ظهور وتفشي ظاهرة الفساد،
حيث يرى العالم ريموند فيرث انه اذا ما استحوذت الاقلية على الحكم فان
ذلك سيدفع بالجماعات الاخرى الى محاولة احداث التخريب والفساد كنوع من
الاعتراض والمحاربة للنظام ، اما اذا تناوبت الجماعات والفئات المختلفة
فان الجماعة التي تتولى مقاليد الحكم ستعمل على اثارة المشاكل
والاضطراب بشكل سري ، لتبقى محتفظة بالحكم لاطول فترة ممكنة .
يضاف الى تلك العوامل والاسباب
السياسية المتعلقة بظاهرة الفساد وعوامل اخرى اقتصادية منها : غياب
الفعالية الاقتصادية في الدولة ، وذلك ان اغلب العمليات الاقتصادية هي
عبارة عن صفقات تجارية مشبوهة او ناتجة عن عمليات سمسرة يحتل الفساد
المالي فيها حيزا واسعا ، وهو ما ينعكس بصورة او بأخرى على مستوى وبنية
الاقتصاد الوطني ، اذ ستؤثر هذه العمليات على مدى سير عملية تنفيذ
المشاريع ، وبالتالي على عملية الانتاج من جهة ، كما ان مستوى الجهل
والتخلف والبطالة بشكل عامل حاسم في تفشي ظاهرة الفساد من جهة اخرى ذلك
ان قلة الوعي الحضاري والثقافي ظلت ملازمة او ملتزمة بالرشوة ، كما ان
ضعف الاجور والرواتب تتناسب طرديا مع ازدياد ظاهرة الفساد (10) .
ومن الجدير بالاشارة هنا ، الى ان
هنالك عوامل اخرى يمكن ان يضيفها الباحث وذلك من خلال ملاحظات ميدانية
يمكن ان تعد من العوامل والاسباب المهمة والفاعلة في الفساد يمكن ان
تقسم الى قسمين هما :
1. الضعف او عدم الكفاءة الادارية
: حيث ان هذا العامل يؤدي الى وقوع المسؤول او الموظف الحكومي في كثير
من الاخطاء التي يمكن ان تسهم بشكل او بأخر في عملية الفساد وتدمير
المجتمع ومؤسساته ، كما انها يمكن ان تكون ارض خصبة وتمنح فرصه جيده
للمحتالين والمتلاعبين لاستغلال مثل هذا الموظف او المسؤول في عقد
صفقات وابرام عقود مشبوه هاو غير ذات فائده ، واقناعه بجمله من
التبريرات وما يمكن ان يتبع عن ذلك من تدمير وتخريب للمجتمع ، وهذا
يحدث عندما يكون الموظف او المسؤول لم يحتل مكانه او منصبه بأستحقاق ،
وانما عبر وسائل اخرى اساسها الفساد ايضا .
2. الولاء السياسي : ان عدم الولاء
الكامل للوطن وللدولة ومؤسساتها بصورة عامة ، وابدالها بالولاء للمصالح
الشخصية او لفئة اوحزب اوجماعة او قومية او طائفة معينة ، يؤدي الى
تفضيلها على مصلحة الدولة او المصلحة العامة ، او قد يكون الامر ابعد
من ذلك بحيث يعمل هذا المسؤول الفاسد عبر الموالي للدولة الى العمل
بشكل او بأخر الى التأثير السلبي على عمل مؤسسات الدولة والعمل على
اعاقة تحقيق مصالحها ومحاولة اضعافها والاضرار بها عن طريق القيام
بعقود او صفقات مشبوهة يمكن ان توثر بشكل سلبي على المجتمع ومؤسسات
الدولة وتضعف فعاليتها الايجابية وخدمة المواطن مما يؤدي الى اثارة
الافراد ضد مؤسسات الدولة والحكومة واثارة الفوضى وعدم الرضى والاضطراب
بين صفوف ابناء المجتمع وبالتالي تعمل على تدمير بناء وثقافة المجتمع
ومؤسساته ما دام ذلك يحقق اهداف او مصلحة الفرد او جماعته الخاصة دون
الاهتمام او مراعاة المصلحة العامة ، ان لم يكن التعمد والاصرار على
ذلك .
الاثار النفسية والاجتماعية لظاهرة
الفساد على الفرد والمجتمع :
عند دراسة اي سلوك سلبي يتصف
بالانحراف ، فأن اي متخصص في العلوم النفسية والاجتماعية سيأخذ
بالحسبان التأثير السلبي لهذا السلوك ، سواء كان من حيث حدود تأثيره
على الفرد او من حيز اشمل واوسع بتأثيره على الاسرة والمجتمع (11) .
وعلى الرغم من ان اثار الفساد
ومظاهره قد لا تبدو بأنها متصلة بشكل مباشر بحياة الافراد على اعتبار
انها تخص الدولة ومؤسساتها ، الا ان من الواضح ان اثارة لابد وان تعود
بشكلها وتأثيرها السلبي على الافراد في ذلك المجتمع ، فهو المتضرر
الرئيس في هذه العملية رغم انه غير مشارك فيها بشكل مباشر ، فالغلاء
وسـوء الخدمات وانعدام الثقة والظلم والبطالة وانخفاض الاجور وغيرها هي
اثار يتحملها الفرد في المجتمع الذي يدير مؤسسـاته موظفين ومسـؤولين
غيرمؤهلين(12).
اولا : الاثر
النفسي والاجتماعي للفساد على الفرد :
لم تنل السلوكيات المنحرفة في
مجتمعنا ما تستحقه من الاهتمام والبحث العلمي ، وتقصي اثارها السلبية
على الفرد والمجتمع (13) .
فعلى الرغم من ان ظاهرة الفساد
تعد من الظواهر الاجتماعية التي لم يخل منها اي مجتمع من المجتمعات (
على اختلاف انواعها ) الا انها تتباين بتباين الثقافة لتلك المجتمعات ،
والتي ادت الى تغيير اتجاهات وسلوك الفرد في المجتمع نتيجة لما افرزته
عمليات الانفتاح الثقافي والاجتماعي ، والتي ادت الى تبدل نمط الحياة
لدى الفرد داخل المجتمع ، والتحول القيمي الذي انعكس في مواقف الافراد
ومن ثم قدرتهم على التوافق والتلاؤم والاختلاط مع الحياة ومستجداتها او
في الانسحاب منها والانعزال عنها ، حيث خلقت ظاهرة الفساد فجوة كبيرة
بين الفرد والدولة ، وذلك من خلال انعدام وغياب الثقة لدى الفرد بكافة
مؤسسات الدولة ، نتيجة لتفشي ظاهرة الرشوة والعمولة في اغلب – ان لم
يكن كافة – اجهزة ومرافق ومؤسسات الدولة ، والتي ادت بالتالي الى
انعزال المواطن عن المجتمع الذي يعيش فيه وعدم التواصل مع كافة
الموظفين العاملين في كل وزارة ومؤسسة ، فالفرد او الموطن يعول على
امرين مهمين ويرى انهما عاملين اساسين في مكافحة الفساد وهما :
أ) انجاز معاملاته بأقل كلفة
ونفقة ممكنة .
ب) انجاز معاملاته بيسر وبأقرب
مكان ممكن وبالتالي باسرع وقت ممكن (14) .
وبعكس ذلك نرى حدوث خلل في منظومة
السلوك لدى الفرد والذي ينعكس نفسيا واجتماعيا على تصرفات الفرد
وتعامله مع المجتمع ومؤسساته نتيجة تأكل قواعد الاخلاق والقيم ، وكذلك
احساسه بأن المؤسسات التي يخدمها ويتعامل معها يمكن ان تأتي بأثار
سلبية وضاره له ، مما يضطره الى مقاطعتها بل واحيانا محاربتها ، وهذا
يشبه كثيرا ما اشار اليه العالم كارل ماركس والذي اطلق عليه مفهوم
الاغتراب (ALINATIEN ) والذي يعني به قيام العامل او الفرد المنتج
بمقاطعة او محاربة الحاجة او البضاعة التي ينتجها ويتعامل معها ، لانها
ستؤدي الى زيادة الضغط عليه من خلال تحولها الى وسيلة واداة بيد
المسؤولين او المستثمرين المنتجين(صاحب راس المال ) للضغط على الفرد او
العامل واسقلاله وتحقيق الارباح من خلاله ، وخلق نوع من التميز
والفوارق بينهم ، وبذلك تكون الاداة او السلعة التي انتجها العامل هي
وسيلة لايذاءه والسيطرة عليه واستغلاله ، فيبدأ العامل بكره ومقاطعة
تلك السلعة او البضاعة التي انتجها بنفسه لانها ستكون الاداة في
الاساءة اليه واستغلاله من قبل الاخرين (15) .
وهذا يمكن ان يكون نفس الشعور
والاحساس للمواطن العادي الذي يعيش فيه مجتمع يسيطر على مؤسساته الفساد
، فأن اي تعامل او خدمة يمكن ان يقدمها هذا المواطن او الفرد العادي
يمكن ان تستغل سلبيا وتعود عليه بالاساءة والضرر، لذلك سيعمل على
مقاطعة هذه المؤسسات بل حتى محاربتها بشكل او بأخر، مما يسهم ويزيد في
عملية الفساد .
مما تقدم يمكن القول ان الاثار
النفسية والاجتماعية للفساد على الفرد تكون في اتجاهين هما :
أ) الاثر النفسي والاجتماعي
للفساد على الفرد : حيث ان ماينتج من اثار لهذا السلوك المنحرف بكل
اشكاله وانواعه وصوره ، وما يلحق بالفرد من جراءه من اساءة وضرر على
مستوى الخدمات التي يحصل عليها الفرد او طبيعة الفرص التي يمكن ان تتاح
للفرد في اشباع حاجاته المادية والمعنوية او في طبيعة العلاقات التي
يمكن ان يقيمها الفرد مع الاخرين والناتج عن تبدل وتغير المكانات
والادوار لللافراد داخل المجتمع وخلق الفوارق على مستويات مختلفة ، ما
يمكن ان يسببه ذلك من ضرر واساءة وتوتر في شخصية الفرد وتعاملاته مع
الاخرين ، نتيجة احساسه بالغبن والظلم والعوز وعدم الثقة .............
ب) ردود الفعل المتوقعة من الفرد
نتيجة اثار الفساد تجاه المجتمع : ونتيجة لما يشعر به الفرد من ظلم
وعدم ثقة وتوتر وعدم ارتياح وعوز لكثير من الحاجات النفسية
والاجتماعية والمادية ، فأنه سيلجأ بشكل ارادي او لا ارادي ، مباشر او
غير مباشر الى مقاطعة او محاربة مؤسسات الدولة ، وذلك عن طريق اللجوء
هو نفسه للفساد لغرض الانتقام او التعويض عن الاحساس بالحاجة او النقص
او قد يتحول الى شخصية مضادة للمجتمع ، او ان يغض النظر ويبدي عدم
الاهتمام واللامبالاة تجاه مايراه من فساد وتدمير لمؤسسات الدولة
والمجتمع ، او ان يعمل هو نفسه كجزء من هذا الفساد وهذا السلوك المنحرف
لغرض الاساءة الى المؤسسة التي يشعر بأنها قد اساءت اليه او الحقت به
الضرر وهو بذلك يشعر عند اضعافها انه قد اضعف مصدر الضرر او الخطر
والاساءة .
وهذا بطبيعة الحال سيكون عملية
جدلية تراكمية يقوي ويدعم كل منها الاخر فالفساد في المؤسسات يؤدي الى
احساس وشعور الفرد بالغبن والظلم والاساءة ، فينعزل عنها ، او يقوم هـو
نفسه بالاساءة اليها عن طريق قيامه بالسلوك الفاسد والمنحرف داخل نفس
هذه المؤسسات على اساس اخذ حقه منها او الانتقام منها ، وهو بذلك يدعم
ويعزز عملية الفساد والسلوك المنحرف في مؤسسات الدولة والمجتمع ،
وبهذا تكتمل الحلقة ويبدأ الدوران في حلقة مفرغة تقوي نفسها .
ثانيا :
الاثار النفسية والاجتماعية للفساد على المجتمع :
استأثر موضوع السلوكيات المنحرفة
بأهتمام واسع لدى معظم المختصين في العلوم النفسية والتربوية
والاجتماعية ، ونال عنايتهم الكبيرة ، وذلك بعد ان بدأت المجتمعات في
عالم اليوم تواجه ظاهرة الاتجاهات المضادة للقيم والمعايير السائدة
فيها ، بسبب ما افرزته التغيرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي
لحقت بمؤسساتها الاجتماعية .
عموما ان دراسة السلوكيات المنحرفة
تواجه صعوبات منهجية لا تحل بسهولة ، لتعقد وتشعب ابعادها (16) .
وتمثل ظاهرة الفساد في مجمل
المجتمعات مشكلة سلوكية ذات اهمية نفسية واجتماعية الامر الذي دفع
الباحثين في العلوم الانسانية ولا سيما علم النفس والاجتماع الى محاولة
رصدها على مستوى الفرد والمجتمع ومعالجة اسبابه النفسية والاجتماعية .
ان الاثار النفسية والاجتماعية والنتائج السلبية لتفشي هذه الظاهرة
المقيتة والافة الخطيرة تطال كل مقومات الحياة لعموم ابناء المجتمع ،
فتهدر الاموال والثروات والوقت والطاقات وتعرقل اداء المسؤوليات وانجاز
الوظائف والخدمات ، وبالتالي تشكل منطومة تخريب وافساد تسبب مزيدا من
التأخير في عملية البناء والتقدم ، ليس على المستوى الاقتصادي والمالي
فقط ، بل في المجال النفسي والاجتماعي ، ناهيك عن مؤسسات ودوائر
الخدمات العامة ذات العلاقة المباشرة واليومية مع حياة الناس (17) .
كما يمكن لظاهرة الفساد ان تنمو
وتتزايد بفعل عوامل اجتماعية ضاربة في بنية وتكوين المجتمعات البشرية
ونسق القيم السائدة ، اذ تلعب العادات والتقاليد الاجتماعية دورا في
نمو هذه الظاهرة او اقتلاعها من جذورها ، وهذه العادات والتقاليد
مرتبطة ايضا بالعلاقات السائدة في المجتمع ، كما ان التنظيم الاداري
والمؤسسي له دور بارز في تقويم ظاهرة الفساد من خلال العمل على تفعيل
النظام الاداري ووضع ضوابط مناسبة لعمل هذا النظام ، وتقوية الاطار
المؤسسي المرتبط بخلق وايجاد تعاون وتفاعل ايجابي بين الفرد والمجتمع
والفرد والحكومة استنادا الى علاقة جدلية ترتبط بينهما على اساس ايجابي
بناء يسهم في تنمية وخدمة الجميع (18) .
ان التحليل الموضوعي لظاهرة الفساد
واثرها النفسي والاجتماعي على المجتمع يقتضي بيان جانبان اساسيان لتلك
الظاهرة هما :
الاول : هو الجانب الاخلاقي
المرتبط بظاهرة الفساد والذي يعتبر معيار ومدى التزام المجتمع بالعادات
والتقاليد واحترامها ، وضمن هذا الاطار تختفي النظرة الى العمل بوصفة
الحاجة الحيوية الاولى للانسان ، بل وتهتز نظرة الانسان الى الاخلاص
والامانه والنزاهة والشرف وكل ما يتعلق بالقيم والعادات والتقاليد
الايجابية في المجتمع ، بل وتظهر حالة من التفكك والتحلل الاجتماعي
يظرب كل مؤسسات المجتمع وبناءاته ويفقدة تماسكه وترابطه بل وحتى تاثيره
على تفكير وسلوك الافراد(وهو الحالة التي اطلق عليها العالم الفرنسي
اميل دوركايم مصطلح الانومي ) ، فاذا ما ادى كل منا واجباته على وفق ما
تمليه اخلاقيات الوظيفة العامة ، فأن مساحة الفساد ستنحسر الى حدودها
الدنيا ، وبالتالي يقل تأثيره النفسي والاجتماعي على المجتمع (19) .
الثاني : وهو الجانب المالي الذي
يعد المحرك والدافع الاساس لتلك الظاهرة ، اذ ينشأ شعور داخلي لدى
الافراد او الجماعات بفكرة تتجذر في نفوسهم تستند الى كون من يملك
المال يملك السلطة ، ومن يملك السلطة يملك المال ، مستغلين بذلك مواقع
السلطة والمسؤولية لتحقيق مزايا ومكاسب تخالف القوانين والاعراف
السائدة في المجتمع .
ومن الجدير بالذكر هنا الاشارة الى
ان الفساد يؤثر ويتأثر بشكل مباشر او غير مباشر بثقافة المجتمع ، فهو
يؤثر في طبيعة البناء المؤسسي لكل هيئات ومؤسسات المجتمع المختلفة تبعا
لحاجات المفسدين من المسؤولين القائمين عليها . ومن جهة اخرى فانه
يتأثر بطبيعة تفكير افراد المجتمع بمفهوم الفساد وبممارساته وسلوكياته
، فقد ينظر الافراد الى بعض الممارسات والسلوكيات الفاسدة على انها
نوع من انواع الشطارة والقدرة على تدبر الامور والعيش في ظروف معينة
على الرغم من قناعاتهم ومعرفتهم بأنها سلوك غير سوي(وهذا يعد وفق مبدأ
التغالب المتخذ من الثقافة القبلية وثقافة المناطق الشعبية من الرجولة
والشطارة والدهاء) ، وانه يفضل المصلحة الخاصة على العامة وما يمكن ان
يمثله ذلك من ضرر على المصلحة العامة . فهو بذلك يضع مفهوم الفساد
مقابل مفهوم او مفردة ( الشطارة ) او القدرة على التكيف مع الظروف ،
وكذلك عد بعض الممارسات والسلوكيات المنحرفة كتعاطي الرشوة والعمولة
على انها نوع من الهدية او المجاملة على انها عمل ايجابي يتضمن مفهوم
مبدا ( فيد واستفيد ) ورد الجميل نتيجة تسهيل عمل معين او تسهيل مهمة
معينه ، او انه نوع من القدرة على تدبر الامور في الظروف الصعبة
والازمات . فيصبح المرتشي شاطر والحرامي والمختلس شخص قادر على تدبر
الاموره .
مما تقدم يمكن القول ان الفساد
يؤثر في ثقافة المجتمع ومفاهيمه وتعاملاته ، كما انه يؤثر في طبيعة
البنية الاجتماعية وطبيعة الطبقات الاجتماعية وطبيعة الفوارق وانواعها
ومستوياتها بل وحتى اساسها ومرتكزاتها ، فالفساد يخلق الفوارق ويعززها
ثم يعمل على بقائها واستمرارها في المجتمع .
وفي معرض حديثنا عن الاثار النفسية
والاجتماعية لظاهرة الفساد الاداري لابد من ان نسلط الضوء على خصائص
وابعاد الفساد الاداري في مجتمعنا العراقي باعتباره احد المجتمعات التي
ابتليت بهذه الافة الخطيرة ومحاولة وضع بعض الحلول والمعالجات
الموضوعية للحد من تأثير هذه الظاهرة عليه (20) .
الفساد في المجتع
العراقي :
يصعب تحليل ظاهرة الفساد في
العراق دون ربطها بتاريخ الظاهرة في ظل اوضاع نظام الحكم المتعاقبة على
هذه الدولة ، وعليه يمكن القول ان الفساد في العراق ليس وليد اللحظة
الانية ، بل يتجذر في البيئة المجتمعية منذ تشكيل الدولة العراقية
الحديثة ، وهذا يكشف عن احدى الاسباب المهمة في تبلور تلك الظاهرة
الخطيرة التي تقف عقبة في طريق تقدم العملية التنموية بأصعدتها
المختلفة، مبددة الطاقات المالية والبشرية ، ومكرسة لحالة التخلف في
مجتمعنا العراقي (21) .
لقد شجع النظام الملكي في العراق
الاقطاع كنظام اجتماعي كان في طريقه الى الانحلال ثم الزوال بشكل نهائي
نتيجة التطورات في العلاقات الاجتماعية كأنعكاس للواقع المادي الجديد
انذاك . اذ ادت تلك السياسة الى نزوح الفئات الفلاحية هربا من
الاستغلال لينشؤوا مناطق فقيره بائسة ماديا في ضواحي العاصمة ذلك ان
وجود ما ينص على المساواة بين المواطنين لم يجد له مكانا على ارض
الواقع ، وذلك بسبب غياب الديمقراطية المبنية على اشراك جميع الموطنين
من جهة ، وفصل السلطات من جهة اخرى . واستمرت حالات الفساد مستشرية في
جميع مفاصل الدولة ، وكان لعائدات النفط المرتفعة اثرا كبيرا في فتح
منافذ متعددة استطاعت بؤر الفساد في الدولة النفاذ منها لاجل اشباع
حاجاتها ورغباتها الخاصة بأستمرار على حساب مصلحة ومعاناة افراد
المجتمع التي فاقت كل الحدود . حيث تكونت فئات لاترتقي لمستوى الطبقة
الاجتماعية وافرازاتها متحصنة باسلحة متنوعة سياسية ومالية واعلامية
تسيطر على الاراضي والممتلكات العامة ، وكانها اصبحت مشاعية خاصة بهم ،
حتى اصبحت هذه الممارسات تحمل صفات ما يمكن ان يطلق عليه ( ثقافة
الفرهود ) المتجذرة في المجتمعات البدوية التي اعيد احيائها لتتفق
والمعطيات المشوهة .
ومن جهة اخرى تمثلت حالات
الفســـاد في العـراق خـلال فترة الاحتلال الامـريكي ( 2003 ) وقبل
تشكيل اول حكومة عراقية بالممارسات والاعمال التي قامت بها قوات
الاحتلال وهي قضية تعيين ( مستشارين ) امريكان بصفة ممثلين لقطاعات
مختلفة من التكنواقراط واصبحوا يديرون الوزارات والمؤسسات الرسمية ،
واغلبهم ان لم يكن جميعهم من العاطلين عن العمل في اوربا وامريكا وهم
يفتقرون الى ابسط معايير الخبرة والكفاءة التي تعد من اهم مقومات الحكم
الصالح والادارة الرشيدة .
وقد استخدم هؤلاء المستشارون
مناصبهم للقيام وادارة اعمال مشبوهة خاصة بهم ، كالسمسرة بين مؤسسات
الدولة والشركات الاجنبية ، مما تسبب بهدر كبير من الاموال المخصصة
للاعمار والبناء (22) .
لقد اتسمت الفترة التي شهدها
العراق ابان فترة الاحتلال الامريكي ، بتزايد حالات الفساد والتي عبرت
عنها حالات متكرره من الانحراف في القيم الاخلاقية التي لم يعتد عليها
المجتمع العراقي مثل القتل والخطف والابتزاز والسرقة والتي تقوم بها
جماعات اجرامية منظمة وضمن ما يطلق عليه اسم الجريمة المنظمة ، فظهرت
الصفقات المشبوهة والعقود الوهمية والمناقصات غير الشرعية وغير
الكفوءة التي تم خلالها هدر وسرقة المليارات من اموال الدولة دون رقابة
او محاسبة .
ومن الجدير بالذكر ان اتساع ظاهرة
الفساد في العراق قد رافقت نشأة المؤسسات بعد رحيل النظام السابق (
2003 ) اذ لم توافق سلطة الاحتلال على استقلالية قرار المؤسسات
الحكومية الناشئة ، لذا تم تكون مايعرف بمجلس الحكم الانتقالي ليتحمل
مسؤولية التحول ، وكان من مخرجات ذلك التحول السياسي انشاء نظام وظيفي
في اطار السلطة التنفيذية غير كفوء قائم على الولاءات السياسية ، ومن
ثم الاعتماد على توزيع الحصص بدلا من تكافؤ الفرص . هذا من جهة ومن جهة
اخرى فان المكاسب التي حصل عليها المسؤولين الفاسدين قد دفعت بهم الى
محاولة الحفاظ على مناصبهم وامتيازاتهم التي تتبع لهم المزيد من الربح
كما انها تمنحهم السلطة والقوة لاستخدام العنف السلوكي تجاه خصومهم من
جهة او وسيلة لاثارة الاضطراب وعدم الاستقرار في الدولة ، وهذا ما يمد
ويسهل عملية حصولهم على المكاسب المادية دون مسائلة او عقاب سواء من
الجهات الرسمية او من قبل المجتمع ، فاصبح استخدام العنف وسيلة لتصفية
الخصوم من جهة ( دون اللجوء الى القانون ) وكذلك وسيلة لالهاء المجتمع
ومؤسساته عن القيام بواجبه الرقابي والحسابي تجاه الاعمال والسلوكيات
الفاسدة والمشبوهة . وهو ما ادخل البلد في دوامة خطيره من العنف
والدمار هدرت واستهلكت جزء كبير من موارده وطاقاته المادية
والبشرية،وهو يبدو للناظر المتفحص والمختص عمل منظم مقصود وليس فورة
انفعالية .
مما تقدم يمكن القول ان اهم
المظاهر والعوامل الرئيسة لظاهرة الفساد في العراق تحت ظل الاحتلال
الامريكي هي توافق دوافع الفساد مع وجود سلطة الاحتلال ، اذ بعد
سيطرتها على مراكز السلطة واتخاذ القرار اصبحت جميع موارد الدولة تحت
سيطرتها ، حيث تم سرقة المصارف وتدمير البنى التحتية ونهب الممتلكات
العامة للمؤسسات كما انها سمحت للمفسدين واللصوص بل وشجعتهم على ارتكاب
اعمالهم التخريبية دون مسائلة او حساب وذلك لتغطية سرقاتهم وصفقاتهم
المشبوهة من جهة والسيطرة على العقود والصفقات التجارية بحجة اعادة
الاعمار بعد الخراب والنهب الذي حصل من جهة اخرى .
بعض
المقترحات والتوصيات لمعالجة الفساد :
بالنظر للعوامل والاسباب السالفة
الذكر فانه من الممكن وضع بعض المعالجات الضرورية للحد من هذه الظاهرة
، والاستفادة منها قدر الامكان للخروج بنتائج ايجابية بناءة تسهم في
تقدم المجتمع وبالتالي تسرع عملية التنمية بجوانبها المختلفة ومنها ما
يلي :
1. انجاز معاملات المواطنين
بالتساوي بأقل كلفة واسرع وقت ويسر .
2. اجراء تنقلات دورية بين
الموظفين ( كلما امكن ذلك ) يمكن ان يسهل ويعمل على خفض حالات الرشوة
والفساد .
3. تشكيل لجان خاصة لتقييم العمل
ووضع نظام متكامل لاداء الموظفين تقوم باجراء تفتيش وفحص دوري بين
الدوائر والوزارات واعداد تقارير حول ذلك .
4. وضع مصنف يتضمن تقسيم الوظائف
العامة على وفق طبيعة مهامها الى فئات ورتب تتطلب من شاغليها مؤهلات
خاصة وموضوعية ، اي اعتماد مبدأ ومعيار الكفاءة والخبرة لشغل المناصب .
5. انشاء نظام رقابي فعال ومستقل
مهمته الاشراف ومتابعة الممارسات التي يقوم بها الوزراء والموظفين
العاملين في كل وزارة ومؤسسة .
6. تفعيل ادارة الخدمات بمعنى ان
تعطى ادارة الخدمات ذات العلاقة بالموطنين الاولوية ، وذلك من خلال وضع
نظام عمل فاعل وشفاف يسهل تقديم الخدمات من جهة ويحقق رقابة اعلى من
جهة اخرى .
7. العمل على ايجاد الوسائل
والسبل اللازمة للخروج من نفق الفساد والارهاب دون الوقوع في حلقة
مفرغة ، متمثلة في البدأ باصلاح الدمار الهائل في المنظومة الاخلاقية
والقيمية ، وانماط التفكير وما يرافقها من امراض ، فالجشع والاستغلال
والانتهازية والسلبية ولغة الحوار المشوهة من الذات والاخر .
8. العمل بمبدأ الشفافية في جميع
مرافق ومؤسسات الدولة ، واطلاع الفرد على السلوب العمل وطبيعة النظام
السائد في المؤسسة ، لتحقيق التفاعل الواضح والجيد من جهة ، ولتحقيق
الرقابة من جهة اخرى .
9. اشاعة المدركات الاخلاقية
والدينية والثقافية بين عموم المواطنين لتهيأتهم وتشجيعهم للعمل
الايجابي مع الدولة .
وخلاصة القول ، ان الفساد
مشكلة ومرض وآفة وبلاء له اشكالة واسبابه ، كما ان له اثاره النفسية
والاجتماعية على الفرد والمجتمع ، لذا لابد من مكافحته وعلاجه وقبلها
الوقاية منه .
وان مكافحة الفساد لايمكن ان
تتحقق من خلال حلول انفعالية وجزئية ، بل ينبغي ان تكون مخططة ومدروسة
وشاملة تتناول جميع مرتكزات الادارة من بنيتها وهيكليتها الى العنصر
البشري العامل فيها الى اساليب العمل السائدة فيها .
..................
*الحكم الفاسد : هو الحكم
غير الممثل لعموم الافراد في المجتمع وغير الخاضع للمسائلة الفعالة .
............................
(**) قسم الانثروبولوجي/كلية الاداب /الجامعة المستنصرية
المصادر:
.....................
1. ياسر
خالد ، بركات ، الفساد الاداري ، مفهومه ومظاهرة واسبابه ، مجلة النبأ
، العدد 180 ، لسنة 2006 ، ص1 .
2. فراس
عباس فاضل ، تدمير الذات ، رسالة ماجستير غير منشورة ، جامعة بغداد ،
2004 ، ص30 .
3.
مجموعة باحثين ، الفساد والحكم الصالح في البلاد العربية ، ضمن بحوث
الندوة العربية ، الاسكندرية ، 2004 .
4. داود
خير الله ، الفساد ظاهرة عالمية وآليات ضبطها ، مجلة المستقبل العربي ،
السنة 27 ، العدد 309 ، بيروت ، سنة 2004 ، ص33 .
5. د.
نوزاد عبد الرحمن ، الفساد والتنمية ، التحدي والاستجابة ، مجلة
الاداري ، السنة 23 ، العدد 86 ، سنة 2001 ، ص42 .
6. ياسر
خالد ، بركات ، مصدر سابق ، ص7 .
7. عبد
الحميد الصائغ ، حديث الفساد الاداري في العراق ، من بحوث الندوة
العربية ، مركز دراسات الوحدة العربية ، الاسكندرية ، 2004 .
8. عادل
عبد اللطيف ، الفساد كظاهرة عربية وآليات ضبطها ، اطار لفهم الفساد في
الوطن العربي ومعالجته ، مجلة العربي ، السنة 27 ، العدد 309 ، بيروت ،
سنة 2004 ، ص90 .
9. د.
نوزاد عبد الرحمن ، مصدر سابق ، ص44 .
10.
ياسر خالد ، بركات ، مصدر سابق ، ص8 .
11. عبد
الحميد الصائغ ، مصدر سابق .
12. د .
ريسان عزيز ، تبدل القيم ، بحث منشور في مجلة العلوم الاجتماعية ،
العدد 2 ، لسنة 2008 .
13.
عاصم محمود الحياني ، بناء برنامج ارشادي ووقائي لبعض انماط السلوك
المنحرف ، اطروحة دكتوراه غير منشورة ، الجامعة المستنصرية ، 1998 ،
ص12 .
14. د .
ريسان عزيز، ضغط الثقافة واليات تبدل السلوك ن مجلة المامون ، العدد3 ،
2007 .
15.
ياسر خالد ، بركات ، مصدر سابق ، ص12 .
16. ارفنج زايتلن ، النظرية المعاصرة في علم الاجتماع ، ترجمة محمود
عودة ، مطبعة ذات السلاسل ، الكويت 1989 ، ص353 .
17.
ناجي محمود القواب ، دراسة تجريبية لسمات الشخصية الاجرامية ، اطروحة
دكتوراه غير منشورة ، الجامعة المستنصرية ، 1998 ، ص14 ؟
18.
ياسر خالد ، بركات ، مصدر سابق ، ص20 .
19.
ياسر خالد ، بركات ، مصدر سابق ، ص31 .
20.
مجموعة باحثين ، مصدر سابق .
21. خطة
لمكافحة الفساد ، بحث غير منشور ، مركز الدراسات التشريعية في جامعة
نيويورك ، 1998 .
22. عبد
الحميد الصائغ ، مصدر سابق .، ص17 .
|