|
الأربعاء:
06/05/2009
التنظيم
الإجتماعي والجريمة
إعداد : د. إفتخار
زكي عليوي (*)
(خاص
للمعهد)

أولا : المفاهيم
الأساسية للبحث :
ترد في معظم البحوث والدراسات
مجموعة من المفاهيم والمصطلحات العلمية ذات العلاقة بموضوع تلك البحوث
والدراسات مما يستوجب شرحها وتفسيرها وإزالة الغموض عنها لكي تتاح
للقارئ الفرصة لفهمها .
1. التنظيم
الإجتماعي Social Organization
يشير التنظيم الإجتماعي إلى
العملية الدينامية التي تأخذ في حسابها سلوك الأفراد , وظروب التفاعل
بينهم من جهة , والظواهر الثقافية الأخرى كالقيم والمعايير ,
والتكنولوجيا التي تضفي معنى على الحياة الإنسانية الاجتماعية من جهة
أخرى (1) .
ويعرف بأنه عملية تناغم عناصر
النسق الأجتماعي عندما تقوم الجماعة بأداء وظائفها بشكل متناسق , ويقوم
على تحقيق الأهداف الأجتماعية العامة المخططة والمتفق عليها من خلال ما
يؤديه كل عضو فيها لدوره في النسق القائم (2) .
ويعرفه كارل ماركس (k. Marx)
بالعلم الذي يدرس العلاقة بين القاعدة التحتية والبناء الفوقي للمجتمع
ويدرس الطبقات الاجتماعية من حيث طبيعتها وأسباب الإنتماء لها(3).
ويعرف أيضا بأنه مجموعة الظواهر
الأجتماعية التي تعالج على نحو عام عمليات تطبيع السلوك الإنساني
لتجعله منظما ومنتظما , إذ أن عملية التنظيم الإجتماعي تتم عبر التفاعل
بين شحصين أو أكثر لتحقيق نظاما أو نظما فرعية تميل لخلق حالة من
الأستقرار البنائي عن طريق ثقافة مشتركة ترسخ وتدعم هذه النظم وصولا
بها إلى الدرجة الممكنة من الصورية أو النمطية (4) .
أما عملية التنظيم فأنها تتمثل في
خلق مؤسسات أو إجراءات جديدة يتم من خلالها إشباع الحاجات غير المشبعة
أو تعديل المؤسسات والسياسات والإجراءات لتحقيق نفس الغرض مما يؤدي إلى
إعادة التنظيم الإجتماعي في حالة أقرب ما تكون إلى التوازن ومواجهة
الأختلال الجزئي (5) .
إذن التنظيم الإجتماعي هو مجموعة
العمليات والأساليب التي تحاول تطبيع السلوك الإنساني وإنتظامه إنتظاما
يتوقف على الظروف الإجتماعية التي يعيش في ظلها الأفراد وصولا لتحقيق
الأهداف الإجتماعية المخطط لها .
2. الجريمة Crime
:
هي ظاهرة إجتماعية تشير إلى سلوك
يخالف القانون الجنائي وتستوجب عقوبات خاصة وتعد خروجا عن قيم المجتمع
وتقاليده فهي ضارة به ومههدة لنظمه (6) .
والجريمة قانونيا "هي كل فعل صادر
من إنسان ويقرر له القانون عقابا جنائيا " (7).
وقد قسم قانون العقوبات العراقي
رقم 111 لسنة 1969 ( المعدل ) الجريمة من حيث طبيعتها إلى جريمة سياسية
, وجريمة عادية , ومن حيث جسامتها قسمها إلى ثلاثة أنواع : جنائية
وجنحة ومخالفة (8) .
ثانيا. التنظيم
الإجتماعي والجريمة :
كانت الجريمة ولا زالت جزءا لا
يتجزأ من التنظيم الإجتماعي تشير إلى نقصه وعدم قابليته على تلبية
رغبات الناس وحاجاتهم من جهة وعلى حركته وعدم ثبوته من جهة أخرى . وتعد
الجريمة خرقا للنظام العام , وخروجا على القانون يعاقب عليها من قبل
وكالات خاصة أناط بها المجتمع مهمة التطبيق والتنفيذ ورعاية القواعد
والمعايير .
وقد مر مفهوم الجريمة بثلاث مراحل
مهمة هي :
1. المفهوم الديني : اعتبر
الجريمة اعتداءا صريحا ضد الآلهة . ولما كانت الأخيرة الحارس الوحيد عن
خير الجماعة وصالحها فأن كل إنحراف عن القواعد التي رسمتها القوى
السماوية يعد تهديدا للجماعة .
2. المفهوم القانوني : حين ظهرت
الدولة كمؤسسة إجتماعية أوكلت اليها مهام رعاية مصالح الجماعة ,
واعتبرت الجريمة خطرا يهدد سلامتها وتحديا للقوانين والأنظمة التي
شرعتها .
3. المفهوم الإجتماعي : ينظر إلى
المجرم نظرة علمية تهدف إلى إصلاحه والعمل على تغيير ظروفه المادية
وتوفير كافة الأسباب التي تكفل عملية إعادته مواطنا جيدا وعضوا صالحا
في المجتمع .
وقد شاعت فرضية "المجتمع هو مصدر
البلاء والمرض هو مكمن الداء "فلا يمكن القاء المسؤولية الاجرامية على
عاتق الأفراد . فالجريمة ليست دليلا على كون الفرد شريرا أو شيطانا تحق
عليه لعنة الله وعقاب المجتمع , وإنما هي من أعراض تصدع الحضارة وتفكك
النظام الإجتماعي وأنحلاله . إن لكل مجتمع تنظيم خاص ينسجم مع قيم
الناس ومع تراثهم الإجتماعي . ولكل فرد رغبات ودوافع تحثه على العمل
وتوجه فعاليته تجد في التنظيم الاجتماعي سبيلا للتنفيس وطريقا للتلبية
. فقد أرتضت كل جماعة مهما صغر حجمها أو كبر ببعض القواعد العامة
وأعتبرتها الطريقة الوحيدة والمقبولة لتلبية تلك الحاجات والرغبات .
وقد يضطر الأفراد على ضبط بعض دوافعهم الأولية بغية تحقيق الخير العام
. وبمرور الزمن تصبح بعض القواعد الخاصة بالسيطرة على الدوافع وتنظيمها
جزءا لايتجزأ من أساليب الحياة . وتميل بعض العلاقات الاجتماعية بعد
التكرار والإستمرار إلى الثبوت النسبي فتصبح قوانين مدونة في بعض
المجتمعات أو مؤسسات خاصة في البعض الآخر . ولعل خير الأمثلة على ذلك ,
التنظيم الاجتماعي المتكون من الآداب الاجتماعية والاعراف الخاصة
بالعائلة , إذ تتميز بوجود قوة الزامية خلقية تمارس شيئا من السيطرة
على ضمائر الناس , وكذلك الحال في المدرسة والجامع وغيرها من المؤسسات
الاجتماعية .
ومن
الجدير بالذكر أن التنظيم الاجتماعي يقوم بواجبين مهمين :
أولا . تطمين وتلبية الدوافع
الأولية والرغبات الأساسية وفرض شيئا من السيطرة على السلوك البشري ,
فالعائلة مثلا تلبي كثيرا من الدوافع وتستجيب لكثير من الحاجات
والرغبات .
ثانيا. ضبط سلوك الأفراد والسيطرة
عليهم ثم إنجاز هذه الوظيفة بالعمل على إجتماعية الفرد ونقله من كائن
بيولوجي إلى كائن اجتماعي أو القيام بتأسيس الأفراد أي حصولهم على
الطبيعة الإنسانية , ونتيجة لعملية التصير الثنائية التي تحاول التطمين
والعمل على الاجتماعية يصبح الفرد قادرا على تلبية حاجاته وفقا للطرق
التي أوجدها المجتمع .
ففي أساس كل مشكلة توجد دوافع
الانسان البيولوجية التي تحاول التعبير والأفصاح عن نفسها ولكنها في
الغالب تصطدم بالنظام الاجتماعي .
إن هناك عنصران مهمان في كل تنظيم
اجتماعي هما : الأهداف والأغراض والمصالح التي يتم تعريفها اجتماعيا
وحضاريا . وتتصف هذه الأهداف بكونها متكاملة بعضها من البعض الآخر ,
وإنها منظمة بصورة تدريجية في إطار من القيم وهي تشمل درجات متفاوتة من
الأهمية . حتى أن بعض الأهداف الأساسية تكون طموح الإنسان وآماله التي
يناضل من أجلها . أما العنصر الثاني فإنه يحدد وينظم ويسيطر على
الوسائل المقبولة إجتماعيا للوصول إلى تلك الأهداف وليس من الضروري أن
يكون الأنسجام والتوافق كاملين بين القواعد والأسس التي يضعها المجتمع
وبين الوسائل . وبصورة عامة فأن قواعد المؤسسات هي التي تحدد الوسائل
وغالبا ما يشير علماء الإجتماع إلى وسائل السيطرة هذه بالآداب
الإجتماعية التي تعمل ضمن إطار المؤسسات الإجتماعية . وصار الأختلاف
بين الأهداف الحضارية واوسائل مصدرا لكثير من مشكلاتنا . فقد يحاول
الفرد الوصول إلى الهدف دون الأهتمام بمشروعية الوسائل وخير مثال على
ذلك اعتبار المال الوسيلة الوحيدة للحصول على مكانة اجتماعية مرموقة في
مجتمع رأسمالي (9).
1. التنظيم
والتفكك الاجتماعي :
التنظيم الاجتماعي والتفكك
إصطلاحان نسبيان فهناك درجات متعددة من التنظيم كما ان هناك درجات
متعددة من التفكك ويحدث التفكك عندما يكون هناك تغير في قوى التوازن
الأمر الذي لاتصلح معه التوقعات السابقة ولاتصبح قوى الضبط الإجتماعي
ذات قابلية كما كانت قبل ذلك , لأن التغير الاجتماعي في المجتمع
الإنساني يؤدي إلى تحلل العلاقات النظامية وأنماط السلوك وكلما كان
التغير سريعا كلما أصبح من الصعب إقامة أنماط جديدة . والمجتمع المتغير
يميل إلى أن يصبح مجتمعا متفككا نظرا لأختلاف مدى التغير في أجزائه .
كما أن التغيرات في البناء الاجتماعي تؤدي بدورها إلى تغيرات في القيم
الثقافية والمعتقدات والأيديولوجيات . وعندما تتغير الثقافة بسرعة ينشأ
الصراع بين العادات وبين متطلبات وأنماط الموقف الجديد ولهذا يكون
التفكك الاجتماعي جزءا من ثمن التغير الاجتماعي . وقد أشار وليم اوجبرن
الى هذا الجانب من التفكك عندما ناقش فكرة التخلف الثقافي . ويقول , أن
هناك عدة امثلة لهذا التفكك تبدو في انتشار البطالة وتفكك الأسرة
والفقر وإزدياد الجريمة والصراع العنصري ومشاكل العمل والعمال(10).
يبني ميرتون تحليله للتفكك
الإجتماعي على أساسين :
الأول : اعتبار النسق الاجتماعي
وحدة بنائية وظيفية متكاملة على الرغم من إرتباطه البنائي والوظيفي
بالأنساق الاجتماعية الأخرى .
والثاني : اعتبار النسق الاجتماعي
الواحد غير مستغرق لكل ادوار الأفراد أو الجماعات ومراكزهم في الحياة
الاجتماعية الأمر الذي يؤدي إلى نتيجتين ضروريتين :
1 . أن النسق الاجتماعي قد يفشل أو
لا يحقق بدرجة كافية الوظائف المنوطة به في علاقته بالأنساق الأخرى في
المجتمع بسبب فشله في استغراق كل متطلبات الدور والمراكز بالنسبة للفرد
والجماعة وهذا أمر يؤدي في نظره إلى ظهور احتمالات التفكك الاجتماعي .
2. أن الفرد أو الجماعة في المجتمع
الحديث المعقد لا يستغرق كلّ نشاطه داخل نسق واحد ، ولهذا تظهر
احتمالات الصراع نتيجة لاختلاف الأبعاد البنائية بين الأنساق التي تكون
الدائرة الكبرى للنشاط العام لهما وهذا يؤدي إلى احتمالات ظهور التفكك
الاجتماعي . (11)
ويرى ميرتون أن من بين عناصر
البناء الاجتماعي والحضاري هناك عنصرين مهمين , العنصر الأول يركز على
الأهداف المحددة والغايات والرغبات ذات الإطار الروحي والتي تتداخل
وعلى درجات متفاوتة من التعاطف , وأن بعض هذه الروحيات الثقافية ترتبط
بالأصول العضوية للإنسان ولكنها لا تتقرر بواسطتها فقط . والوجه الثاني
لمحددات البناء الاجتماعي ينعكس في التنظيم والسيطرة على النماذج
المقبولة التي من شأنها تحقيق الأهداف (12) .
2 . بعض
فرضيات عدم التنظيم الاجتماعي :
يرد بعض العلماء ظاهرة التناشز
الاجتماعي كأساس لعدم التنظيم الاجتماعي وينصرف مفهوم التناشز إلى عدم
تكافؤ طرفي الثقافة الواحدة , أي ان بعض اجزاء الثقافة المعنوية لا
تساير سرعة تطور بقية أجزاء الثقافة المادية وذلك بسبب التغير
الاجتماعي السريع . وهناك من حاول وضع معايير خاصة لا يكتمل التنظيم
الاجتماعي إلا بتوفرها , منها وجود حالة الأستقرار الاجتماعي والعلاقات
الوجدانية الحميمة بين الأفراد والتفاعلات الاجتماعية على المستوى
الشخصي والشعور بالانتماء الاجتماعي.
إن السلوك الإجرامي لا يعدو أن
يكون لا إنتمائية ظاهرة أو سوء توافق إجتماعي يأخذ شكل جريمة أو جنوح
وقد تتضاعف هذه اللاانتمائية الاجتماعية كلما تعقد تركيب المجتمع وكلما
تنوعت قيمه وتناقضت أتجاهاته وتباينت معاييره وهذا يجعل العلاقات
القائمة بين أفراد المجتمع الواحد أقل تماسكا الأمر الذي يضعف دور
النظم أو المؤسسات غير الرسمية في الاشراف على الضبط الاجتماعي المطلوب
حيث يخضع الفرد في مجتمعه إلى مجموعة متكاملة من المؤثرات والظروف التي
تعمل على رسم معالم شخصية وتكسبها طابعا اجتماعيا يوجه سلوكه ويشكل
قيمه واتجاهاته المتعددة . فهو عضو في أكثر من جماعة ولكل جماعة
قواعدها ومعاييرها وهو ملزم بالانتماء إلى كل منها وتزداد الضغوط على
الفرد من كل جانب فيضيع التوافق ويندم الانسجام وفي هذه الحالة يعجز
المجتمع عن إيجاد الطريق الواضح لكشف أهدافه بشكل واضح ولأجل ذلك لايجد
الفرد إلا السعي وراء طريقه الفردي الذي يحقق له بعض التوافق والانسجام
وهذا معناه ان الفرد او الجماعة تبحث عن بديل يحقق لها أهدافها في
الحياة , وهذا المسلك الذي يسلكه الفرد أو تسلكه الجماعة قد يرضي هذا
الفرد او تلك الجماعة ولكنه يكون على حساب بقية أفراد المجتمع .
وفي هذا المجال يرسم لنا عالم
الاجتماع روبرت ميرتون بعض أبعاد عدم التنظيم الاجتماعي الذي تتميز به
غالبية مجتمعاتنا الكبيرة المعاصرة كالآتي :
أ. الرغبة الجامعة لجمع المال
بكل الطرق .
ب. عدم إيمان الطبقات المحرومة
بعدالة القانون لتحقيق اهداف الحياة .
ج. لجوء بعض الطبقات إلى سلوكيات
غير قانونية بديلا عن الحاجة (13) .
3 . التفاسير
الاجتماعية للانحراف :
إن علم اجتماع الأنحراف يبدأ
بملاحظة دوركهايم الخاصة بالتصرفات التي تجعل شخصا ما رهين السجن دون
غيره من الناس أو وقوعه تحت طائلة الحكم العقلاني وأنه لا يعتبر عملا
منحرفا بالوراثة . فالأنحراف مقترن بالأعراف الأجتماعية والأعراف
بدورها مرتبطة بالزمان والمكان الذي يقع فيها الأنحراف , فالقتل يعتبر
حقا ومألوفا إذا كان الجندي في حالة الدفاع عن النفس أو الوطن ( فهو لا
يعد قاتلا لعدوه ) . ولذا فهو يختلف عن جريمة القتل التي يقوم بها
الآخر . ولذا فأن أحدهم يفتخر والآخر يسجن لقيامهما بنفس الفعل ( القتل
) .
إن مايؤكد عليه علم الاجتماع هو
كيف يعتبر هذا العمل إنحرافا ؟ ويكمن أولا بما يقترن به الحدث أو
بقرينته . وتى بين اولئك الذين حرى الاتفاق على كونهم منحرفين فإن بعض
الاعتبارات لابد أن تؤخذ في الحسبان لمعرفة أسباب إنحرافهم ولكن هذه
الاعتبارات لايفترض أن تكون بتريرا وحيدا لتبرئتهم حيث أن مقاومة
القانون لابد أن تواجه بعقوبات مختلفة تتناسب والاعتبارات المارة الذكر
فتخطى السرعة على خطوط المرور السريع (مثلا) يعاقب عليها بغرامة محددة
غير ان القتل العمد يقود صاحبه إلى عقوبة الاعدام .
ان الانحراف كمحدد للسلوك هو
بمثابة تهديد للنظام الاجتماعي يمكننا من معرفة ما يفترض أن يكون عليه
النظام الاجتماعي . ففي كثيرا من المجتمعات نجد الحدود بين السلوك
المقبول وغير المقبول غير واضحة والمحددات تتغير وهنا فإن الانحراف
يؤدي دورا مزدوجا في العملية .
الأول : هو في تحديد الأنواع
الخاصة من السلوك كسلوك منحرف .
والثاني : في توحيد وضعية المنحرف
حيث تعمل الجماعة والمجتمع معا على تأشير الابعاد العامة للأنحراف ثم
على تعزيز القيم وتقوية النظام الاجتماعي الذي يلتزمون به أو يعيشون
تحت ظلاله .
وقد وجد علماء الاجتماع ان للبيئة
الاجتماعية تأثيرات على أنماط الانحراف المتعددة , أهمها نظريات الضغط
أو التوتر الاجتماعي التي ترى أنه عندما تخفق الاعراف الاجتماعية في
ارضاء الرغبات الشخصية الشرعية فان الشخص يجد نفسه مضطرا للبحث عن
وسائل ارضاء أخرى منحرفة وهنا تظهر حالة التحلل وقد تسود النظرة
السوداوية وخاصة أثناء التغيرات التكنولوجية المتسارعة التي قد تقود
إلى الانتحار كما يرى دوركهايم . وقد طبق ميرتون مفهوم التحلل بالمعنى
الامريكي في وصف الطرق المختلفة التي يوافقوا بواسطتها بين التوقعات
والفرص المتاحة . وقد استخدم نظرية التوتر لاحصاء معدلات الجرائم
المتباينة بين مختلف الطبقات الاجتماعية عام 1957 وربط المعدلات
العالية للانحراف بالتحلل (14).
4 . الضبط
الاجتماعي والتنظيم :
ان الضوابط التي يمارسها المجتمع
تمكن الافراد من التوافق مع توقعات المجتمع وقواعده , ولوائحه , وهي
أيضا تلزمه بأن يفعل ذلك وإلا فسوف ينال عقابه إذا انحرف عنها ولايمكن
للضوابط أن تكون فعالة إلا من خلال الاطار التنظيمي الذي يحدد لمختلف
صور الحياة في أية وحدة اجتماعية .
ويرى "هولنج شيد Holling Shead "
أن السلوك الاجتماعي يتم باعتباره استجابة وظيفية للضوابط التي يتعلمها
الشخص نتيجة لمشاركته في وسط إجتماعي ثقافي . ولذلك فإن السلوك هو
التعبير الموضوعي عن التجربة المنظمة والمشتركة التي يكتسبها الفرد عن
طريق المشاركة . ويشير "هولنج" أن دراسة التنظيم الاجتماعي هو نقطة
الانطلاق لدراسة الضبط الاجتماعي , فطالما أن السلوك ينضبط عن طريق
القواعد والتعليمات التنظيمية التي تعمل على دفع وتوجيه السلوك , فإنه
لابد من دراسة التنظيم ككل , والتنظيم في نظر "هولنج شيد" هو النسق
الذي يتكون من القيم والممارسات المتبادلة , والتي توجد في ثقافة معينة
وتزود أعضاء المجتمع بالاتجاهات المشتركة وأساليب السلوك المتشابهة .
وعليه فهو يرى أن التنظيم والضبط صورتان متلازمتان من عملية توجيه
السلوك نحو الاستجابة التفاعلية الجماعية المتشابهة , لدرجة أنها تجعل
كل أعضاء المجتمع يمثلون نفس استجابات زملائهم في موقف معين . وتكون
النتيجة وجود التنظيم الاجتماعي الذي يطور إستجابات السلوك لمواقف
محددة , ويضبط تلك الاستجابات .
وعليه فإن الاهتمام يجب أن ينصب
على تحليل الأنساق التنظيمية التي تؤدي وظيفتها في ثقافة معينة , وأن
يبين كيف تقوم هذا الأنساق بتنظيم سلوك الأفراد , ولكي نتمكن من القيام
بذلك . يجب أن تكون هناك دراسات متعمقة لنظم وممارسات وأيديولوجيات
معينة وأنساق سلوكية في مجتمعات محددة , لكي يكون من اليسير بعد ذلك
التوصل الى إطار تصوري يحلل ويفسر الضبط الاجتماعي (15) .
....................
(*)
جامعة بغداد / كلية الآداب ـ قسم الإجتماع
الهوامش
:
........................
(1) د.
محمد علي محمد ,علم إجتماع التنظيم , دار المعرفة الجامعية ,
الأسكندرية , 1972 , ص 13 .
(2)
Elliot A. Mabel & Francis E. Merrill , Social Disorganization ,
Harper , Row Publishers , New York , 1961 , p.4.
(3) د.
احسان محمد الحسن , رواد الفكر الاجتماعي , دار الحكمة للطباعة والنشر
, بغداد , 1991 , ص 153 .
(4) د.
محمد حربي حسن , علم المنظمة , دار الكتب الطباعة والنشر , جامعة
الموصل , 1989 , ص 22 .
(5) د.
ابراهيم عبد الرحمن رجب , تنظيم المجتمع , دار الثقافة للطباعة والنشر
, القاهرة , 1983 , ص 14 .
(6)
الجمهورية العربية المتحدة , المركز القومي للبحوث الاجتماعية
والجنائية ( الهجرة والجريمة ) , بحث ميداني , القاهرة , 1967 , ص 214
.
(7) د.
أكرم نشأت ابراهيم , الأحكام العامة في قانون العقوبات العراقي , ط2 ,
ص 19.
(8)
الوقائع العراقية , العدد 1778 في 15 / 9 / 1969 , وزارة العدل ,
بغداد.
(9) د.
عبد الجليل الطاهر , التفسير الاجتماعي للجريمة , شركة الرابطة للطباعة
والنشر المحدودة , بغداد , 1954 , ص 35 ـ 45 .
(10)
د. محمد عاطف غيث , دراسات في التنمية والتخطيط الاجتماعي , دار
المعرفة الجامعية , 1978 , ص 301 ـ 303 .
(11)
د. محمد عاطف غيث , المشاكل الاجتماعية والسلوك الأنحرافي , دار
المعرفة الجامعية , الأسكندرية , 1989 , ص 88 ـ 89 .
(12) E.
Marvin , The Sociology of Crime and Delinquency , Wolf gang ,
Leanard Savitz & Norman Johaston , John Wiley , Inc., 1970 p. 238 _
239 .
(13)
د. عدنان الدوري , أسباب الجريمة وبيعة السلوك الإجرامي , منشورات ذات
السلاسل , 1984 , ص 271 ـ 276 .
(14) E.
Marvin, The Sociology of Crime and Delinquency , Ibid., p. 232_ 240
.
(15)
Holling Shead, "Concept of Social " , American Sociological Review ,
Vol. 6, 1941 , pp. 220 _ 223 .
المصادر
:
............................
1 ـ د.
ابراهيم عبد الرحمن رجب , تنظيم المجتمع , دار الثقافة للطباعة والنشر
, القاهرة , 1983 .
2 ـ د.
احسان محمد الحسن , رواد الفكر الاجتماعي , دار الحكمة للطباعة والنشر
, بغداد , 1991 .
3 ـ د.
أكرم نشأت ابراهيم , الاحكام العامة في قانون العقوبات العراقي , ط2 .
4 ـ
الجمهورية العربية المتحدة , المركز القومي للبحوث الاجتماعية
والجنائية ( الهجرة والجريمة ) بحث ميداني , القاهرة , 1967 .
5 ـ د.
عبد الجليل الطاهر , التفسير الاجتماعي الاجرامي , منشورات ذات السلاسل
, 1984 .
6 ـ د.
عدنان الدوري , أسباب الجريمة وطبيعة السلوك الاجرامي , منشورات ذات
السلاسل , 1984 .
7 ـ د.
محمد حربي حسن , علم المنظمة , دار الكتب للطباعة والنشر , جامعة
الموصل , 1989.
8 ـ د .
محمد علي محمد , علم اجتماع التنظيم , دار المعرفة الجامعية ,
الأسكندرية , 1972 .
9 ـ
الوقائع العراقية , العدد 1778 في 15 / 9 / 1969 , وزارة العدل , بغداد
.
10 ـ د.
محمد عاطف غيث , دراسات في التنمية والتخطيط الاجتماعي , دار المعرفة
الجامعية , 1978 .
11 ـ
ـــــــــ , المشاكل الاجتماعية والسلوك الانحرافي , دار المعرفة
الجامعية , الاسكندرية , 1989 .
12 ـ E.
Marvin , The Sociology of Crime and Delinquency , Wolf gang, Leanard
Savitz & Norman Johaston , John Wiley , Inc.,1970.
13 ـ
Elliot A. Mabel & Francis E. Merrill , Social Disorganization ,
Harper , Row , Publishers , New York , 1961.
14 ـ
Holling Shead, "Concept of Social Control", American Sociological
Review, Vol. 6,1941.
|