الحضارية «دراسات اجتماعية»

الثلاثاء: 01/04/2009

  ((في الانثروبولوجيا والمجتمع ))*

                                       الجزء الأول : عسكرة الانثروبولوجيا  **                                    

 

د. كامل جاسم المراياتي***  

 

المقدمة

  للعلم والمعرفة وظائف وأهداف وآليات  محدده ،  ويعد  استخدام العلم  أحد العلامات الاساسيه  التي تؤشر مدى رقي المجتمع ودرجة حضارة البلد وعنوان مجد المجتمع ومساراته ، فهو الركيزة الاساسيه التي يستند عليها تقدم الأمم ورقيها ، وقد وظف العلم  منذ زمن بعيد من خلال جوانبه التطبيقية  في فهم طبيعة الحياة ودراسة الظواهر الطبيعية والكشف عن أسرار الكون والحياة وتطويع البيئة  وخدمة الإنسان.

  وإذا  كان منطق العلم يفترض عدم المفاضلة بين دور العلوم الصرفة والطبيعية ودور العلوم الاجتماعية والسلوكية في معرفة حقائق الكون والحياة  وفي اكتشاف  القوانين وآلية التتابعات الزمانيه، فان منطق الواقع –  ولاسيما في ظروف الأزمات والتحولات الاجتماعية الكبرى  –  يتطلب  تنشيط حركة البحث التطبيقي في دراسة الواقع الاجتماعي  ورصد الظواهر الباثولوجية  وتسليط الأضواء على الأدوار التي يؤديها العلم الاجتماعي في مثل تلك الظروف ، انطلاقاً من حقيقة أساسيه تربط  فهم حركة المجتمع بالبحث الميداني والتطبيقي  ربطا  تبادلياً من خلال دور الفعل التطبيقي  في رصد الظاهرات وتحليلها والوقوف على المشكلات ومعالجتها  ورسم السياسات وتخطيط النشاطات . ومثل هذا الجهد يتطلب - دون ريب - الدقة في متابعة الإحداث  والموضوعية في إصدار الإحكام والعلمية في الالتزام  بالنهج الدراسي السليم .

ونظرا لما لنتائج الدراسات التطبيقية من  دور كبير  في رسم صورة واضحة للواقع الاجتماعي وتحديد العوامل والمتغيرات  التي   تؤثر في إحداث الحدث الاجتماعي  وفي تبدل وتعديل العلاقات والأدوار والمكانات   الاجتماعية ، فان لنتائجها الرأي القاطع في التحكم بإيقاعات  الحياة الاجتماعية والضبط الاجتماعي وتغير القيم والمعايير وفي رسم صيرورات الحراك الاجتماعي إضافة إلى دورها في  رسم معالم الطريق وتحديد ملامح النشاطات الاجتماعية والسلوكية للإفراد والجماعات داخل المجتمع  وفي التعرف على اتجاهات حركة المجتمع  ومسار التاريخ .

لقد أضحت الحاجة ملحة  في عصرنا الحضر  لتوظيف معطيات العلوم الاجتماعية والسلوكية في خدمة السكان المحليين والاهتمام بالبحوث الميدانية والتطبيقية من اجل أنسنة الإنسان وترشيد حركة  المجتمع ، وذلك  بعدما تسارعت  حدة وثائر الحراك الاجتماعي  وتزايدت إرهاصات الأزمات المجتمعية وتعقدت  ظواهر التحولات الاجتماعية  وما نتج عنها من مشكلات ماديه واجتماعيه  في ظروف العولمة  وتحول العالم من قرى ومجتمعات متباينة متباعدة  إلى قرية كونية صغيره واحده .

ودون شك فان التطبيقات العملية زاخرة  بالوقائع التي تؤكد أهمية البحوث الاجتماعية الميدانية في توفير البيانات والمعلومات اللازمة  لنجاح مشروعات وخطط التنمية ، بل إن كثيرا من المشروعات التي  لم يكتب لها النجاح  ولم تحقق أهدافها إنما يعود  لعدم تعرف القائمين على نلك المشاريع  على الظروف الاجتماعية المحيطة بتلك المشروعات  وعدم وقوفهم على الخصائص الاجتماعية للسكان  وطبيعة المجتمعات أو عدم مراعاة الظروف البيئية في الأوساط المستهدفة ، وربما عدم إدراك صيرورات عمليات الحراك والتغير الاجتماعي .

ولا ريب  إن التغير الاجتماعي  إنما يعني  حركة تحول تطال أسس التنظيم الاجتماعي للمجتمع ، ويترتب على ذلك التحول تعديلات في انساق  البناء الاجتماعي  وتبدلات في النظم والعلاقات والتفاعلات الاجتماعية  ، بيد إن هذا التحول أو التغير قد يأخذ شكلا واحدا من إشكال عديدة  أو يتخذ مسار مختلف دون آخر ،  مما يرتب على اختلاف تلك الإشكال والصور والمسارات  نتائج متباينة.  , فقد يتخذ  التغير  شكل ثورة أو  تغير عنيف جذري  مفاجئ ً أو قد يكون تراجعاً ، أو قد يتخذ صورة إصلاح اجتماعي بطيء ،  وربما يتخذ  التغير مسارًا أفقياً أو عمودياً  . ولاشك إن  هذا يتطلب فهما نظرياً بظروف المجتمع  ونظريات التغير وعوامله ونتائجه    

والواقع فإن الفعل التطبيقي للبحوث الاجتماعية  في المجتمعات والدول المختلفة اظهر تباينا في درجة الاعتماد على إدراك  الإبعاد النظرية والميدانية  للظاهرة المدروسة ، واختلافاً في فهم طبيعة الظاهرة ،وتبايناً  في درجة الالتزام  بالموضوعية والعلمية في الدراسة  وكذلك في علمية اختطاط البحوث الميدانية ، واختلاف درجة أهلية القائمين على تلك المشاريع  نظرياً وميدانياً ،  مما ينعكس بشكل أو بآخر على نتائج البحث الميداني  وعلى نتائج  تطبيقات ما توصلت إليه  تلك الدراسات في  قطاعات وشرائح المجتمع .

لقد أدى الاهتمام  بعمليات  التغير والتنمية والتحديث  في بلدان العالم  إلى ظهور دراسات كثيرة في ميادين العلوم الاجنماعيه  مستثمرة  آليات  المعرفة الفكرية  الاجتماعية  في  علوم  الاقتصاد والاجتماع  والانثروبولوجيا والعلوم السياسية ، وقد لعبت  تطبيقات  العلوم الاجتماعية بمختلف تخصصاتها دورا كبيرا في  فهم ودراسة التغيرات التي واجهتها مجتمعات العالم ، بل وكان لبعض من تلك الدراسات  فعلا مؤثرا في التحكم بالمتغيرات ، وفي التحكم بمسارات العمليات الاجتماعية  مما أدى إلى استخدام أدوات ومناهج تحليليه معقده ومتطورة  والجمع بين النظرية والتطبيق في الدراسات الميدانية ، وكان لعلم الاجتماع التطبيقي  وحقل الانثروبولوجيا التطبيقية  دورا متميزاً وواضحا في تلك الجهود .

غير أن الوعي بأهمية البعد الميداني  والحذاقة في امتلاك ناصية العلم النظري  والتمكن من استخدام الأطر المنهجية والأدوات الميدانية في البحث  إلى جانب الإحاطة بادراك خصوصية الواقع الاجتماعي  في المجتمع المستهدف ، لابد أن يتباين من باحث لآخر ومن حقل معرفي لآخر مما ينتج عنه تداخل في الرؤى المعرفية للحقول المتشلبهه الاهتمام  سيما بعد أن  ظهر على الساحة الميدانية للعلوم الاجتماعية حقل جديد عرف  باسم الانثروبولوجيا التطبيقية والذي كان عليه أن يضطلع بالأدوار التي كانت مناطة بعلم الاجتماع  التطبيقي  أو علم الاجتماع المقارن .

 وهكذا أسهمت الانثروبولوجيا من خلال فرعها الجديد بدراسة البنى الاجتماعية في المجتمعات التقليدية والحديثة على السواء ، فتوجهت نحو الإسهام في برامج ومشاريع تنموية وتقرير الزعامات المحلية ومساعدة السكان في  تحريك النشاطات التنموية الثقافية والتكيف مع عمليات التغير التكنولوجي إلى جانب إسهام  بعض البرامج بتدعيم علاقات السيطرة والتبعية  فيما يعرف باسم  دراسات الإدارة الاستعمارية .

وكان على العلم الانثروبولوجي في العراق أن يواكب عمليات ترجمة الإبعاد النظرية للفكر الاجتماعي  انثروبولوجيا من خلال تفعيل الاستخدامات التطبيقية والإسهام  الجاد  في دراسة الواقع الاجتماعي العراقي الزاخر بالمشكلات والتوترات والتغيرات الحادة ، وهذا ما شكل هاجسا ُودافعاً نحو تأسيس فرع دراسي جديد يهتم بالبعد التطبيقي لمشكلات المجتمع العراقي، ويعنى بتنمية المجتمعات المحلية  ومساعدة السكان المحليين في إدارة شؤونهم من خلال دراسة واقع تلك الجماعات وتقديم استراتيجيات ورؤى بديله  ورسم برامج وخطط  تنموية وثقافيه تعالج مشكلات  البيئة وإرهاصات السكان ،وما نتج عنها من توترات ،  بيد أن الفعل الأكاديمي العراقي لم  يكن في مستوى الحد الأدنى من الطموح المعرفي ، الأمر الذي شوه معالم التجربة الانثروبولوجيه العراقية ، فكانت النتائج هزيلة سطحيه  أضافت لرداءة اغلب النتاجات والبحوث الاجتماعية  في العراق دفعة أخرى نحو الوراء.

لقد تعرض مجتمعنا العراقي في القرن المنصرم  وبدايات القرن الحالي  إلى هزات عنيفة وحروب  إقليمية وصراعات داخليه وكوارث بيئيه واختلالات بنيوية  نتج عنها  العديد من تحولات وتغيرات جوهريه في المفاهيم والقيم والمعتقدات والولاءات ، وقد تزامنت تلك  التبدلات مع نمو اتجاهات معرفية وحقول دراسية جديدة في العديد من دول العالم  وأقطار الوطن العربي ، غير أن ذلك التوافق الزمني  لم يكن ليتوافق مع كفاءة  الفعل الأكاديمي في العراق ً ، الأمر الذي تسبب في  تشوه الصورة المعرفية لبعض الحقول الدراسية  وعجز الأداء  التطبيقي عن مواكبة سرعة التحولات المجتمعية ، بل وعجز بعضها  عن فهم متغيرات الحركة الاجتماعية ، فاتسعت الفجوة بين حركة المجتمع وحركة الأداء الأكاديمي ، وكان  أن أصبحنا  نمتلك المعرفة شكلاً  دون أن نستوعبها مضموناً .  وهذا لعمري  آفة الآفات ،  ذلك أن الانثروبولوجيا وعلم الاجتماع ليسا مجرد دراسات وصفيه وقراءات استعراضيه ،  بل علوم تصف وتربط وتحلل وربما تساعدنا قراءة التاريخ على استخلاص النتائج والعبر  وفهم الأسباب الدوافع وأدراك دقة التحليل . ففي كتاب انثربولوجيا الصراع المسلح والعدوان الذي اشرف على تحريره مورتون فرايد (M. Fried) وزملاؤه سنجد قراءات عن انثروبولوجيا الحروب  تفسر لنا بعضا من حوادث الحروب في ضوء الفهم الانثروبولوجي .

لقد تعرضت روما خلال تاريخها الحضاري في عهد الامبراطوريه الرومانية  للعديد  من الغزوات والحروب والنكبات ، ولكن الملاحظ من  قراءة سجل تلك الحوادث والصراعات أن هزيمة عام 391 ق. م  قد أدت إلى بعث الحياة في أوصال الامبراطوريه الرومانية والى تنمية هائلة في المجتمع ، بينما ترتب على خراب المدينة وهزيمتها على يد القبائل القوطيه  عام( 410)  أن المدينة أصبحت غير  قادرة على تجاوز نكبنها   والنهوض ثانية. وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال أساسي: لماذا نجحت روما في طرد البرابرة بعد هزيمة 391 ق.م  واستعادت مجدها ، ولماذا عجزت عن النهوض بعد كبوتها عام 410؟ يبدو أن المشكلة تكمن في مبدأ الولاء ، ذلك أن الحكومة في علم 410  لم تعط الجماهير سببا مقنعا يدفعهم للولاء للمدينة ، بينما أدرك الشعب الروماني بعد هزيمة عام 391 ق.م  انه صاحب الأمر في الإمبراطورية وعماد محاربيها.

  لقد أدرك القديس أوغسطين حينها سبب العلة فحاول أن يقدم المسيحية كأساس لولاء جديد من خلال مدينة لقد استهدفنا في دراستنا هذه التعرف على واقع المعرفة الانثروبولوجيه وفتح سجل النشاط الانثروبولوجي  ومراجعة بعض الاهتمامات الانثروبولوجيه ، فضلا عن محاولة الاجتهاد في تقديم رؤية معرفية نظريه عسى أن تكون قابلة للاختبار الميداني والتقويم والتصويب . و قد اعتمدنا في الدراسة  على بعض  المراجع المكتبية وعلى المعلومات والانطباعات النظرية المستقاة من البعد الميداني للتطبيق الانثروبولوجي وعلى الملاحظات المتكررة المكتسبة من التماس المباشر بالحقل الطلابي والتعليمي الانثروبولوجي  وكذلك من  تدريس بعض المواد الانثروبولجيه والسوسيولوجيه  ومراجعة بعض ما أنجز من نشاطات وجهود تطبيقية ميدانيه  في الحقل الانثروبولوجي العراقي ،ولاسيما تلك الجهود والنشاطات الطلابية  التي صاحبت  تأسيس أول  قسم متخصص بالدراسات الانثروبولوجيه والتي عكست  صورة بائسة   لمستقبل التصورات المعرفية والجهود الاكاديميه  في   هذا التخصص الدراسي البالغ الأهمية في مجتمع متعطش لتقويم المسار ، وعلى وفق هيكلة هذه  الدراسة فإنها ستكون على جزأين أساسين يتناول كل منها جانبا من جوانب الفهم  الانثروبولوجي ،  فضلا عن مباحث فرعيه تضمنها  كل قسم من أقسامها الاساسيه ، فقد استهدف الجزء الأول  من الدراسة  التعريف بالعلم الانثروبولوجي من حيث تخصصاته وفروعه  واهتماماته واختلاف وجهات نظر الرواد والمتخصصين حول جوانب التركيز في الدراسة النظرية  والتطبيقية ، إلى جانب محاولة اجتهادية أوليه لفك الارتباط بين حقلي علم الاجتماع والانثروبولوجيا  - على ما في تلك المحاولة من احتمالات الخطأ وعدم الصواب -  ومن ثم  التطرق نحو  موضوع عسكرة الانثروبولوجيا باعتباره موضوعاً يمثل واحداً من أهم التطبيقات الميدانية في هذا الحقل المعرفي لاسيما بعد تزايد مظاهر الصراعات الدولية وتفكك ثنائيه النظام الدولي بانهيار الاتحاد السوفيتي وتزايد الحاجة إلى توظيف المعرفة الانثروبولوجيه في الحروب والصراعات المحلية  والخارجية

 وفي الجزء الثاني  كان لابد من التطرق إلى موضوع علاقة هذا الحقل  بمواضيع التنمية والتحديث  والتغيرات  الاجتماعية المخططة  تمهيداً للتحول نحو الغاية الاساسيه للدراسة والتي تتمثل  في طرح  مشروع برنامج عن شبكة العلاقات الاجتماعية بغية إعادة ترتيب نسج  مفرداتها على نحو يحقق الغاية الانسانيه  ويمتن أواصر الألفة والتعاون بين السكان والجماعات المحلية  في مجتمع تعرض لمحاولات التفكيك والتجزئة ، وذلك  من خلال طرح تصور لبعد تطبيقي وبرنامج  تنموي يستهدف تعديل أنماط الاتجاهات والسلوك ،  أو إعادة البناء القيمي والسلوكي  لدى شرائح مجتمع مستهدفة.

القسم الأول : الانثروبولوجيا وعسكرة الفعل الانثروبولوجي   

 الانثروبولوجيا  Anthropology   مصطلح علمي مركب مرتكز على لفظة ( Ethoc) الإغريقية والتي تعني شعب أو قوم . ويشير هذا المصطلح إلى العلم الذي يهتم بدراسة بني البشر الإنسان من حيث كونهم كائنات عضوية واجتماعية وثقافية ، ويقال لهذا العلم أحيانا علم الاناسه أو علم الانسنة ، لأنه لا يهتم بدراسة الإنسان الفرد  كما هو الحال في علم النفس أو الفزيولوجيا ، بل يهتم بدراسة الأجناس البشرية التي تعيش في جماعات وتجمعات  ويتناول تنظيماتهم وأعرافهم وإحداثهم وأفعالهم الحياتية.  لذا يرى البعض تسمية هذا الحقل  بعلم السلالات أو علم الأجناس، أو ربما علم الأعراف (1)

وكان عالم الطبيعة الألماني جوهان بلومينباخ J.Blumenbach )) المؤسس الأول للانثروبولوجيا الطبيعية أول من أدخل كلمة الانثروبولوجيا في منهج تدريس التاريخ الطبيعي  قبل أن تصبح مفردة  من مفردات الخطاب السوسيولوجي.(2)

والانثروبولوجيا كحقل متخصص يعد  تطوراً حديثاً في تاريخ الفكر الإنساني، لاهتماماته المتداخلة والمتعددة  والزوايا المختلفة التي يتعامل بها مع قضايا الإنسان والثقافة والمجتمع . ولم يتبلور هذا العلم كدراسة متخصصة إلا في أواخر القرن التاسع عشر حيث أصبح حقلا مستقلا عن الفلسفة الاجتماعية .

فمن الزاوية البايولوجيه  تتعامل الانثروبولوجيا (الجسدية) أو الفيزيقية  Physical anthropology  مع الإنسان كنتاج لعمليات التطور البايولوجيه وتهتم بطبيعة تركيب جسم الإنسان الفسلجي والتشريحي ، وتحليل مقاييس الجسم البشري والسمات الفيزيقية للكائنات البشرية بمناهج كميه ، وتتبع مراتب الحياة العضوية مع التركيز  على دراسة أصول الأجناس البشرية وتطوراتها البايولوجيه وتصنيفاتها عبر العصور الجيولوجية المختلفة التي مر بها الجنس البشري ، واختلاف التراكيب العضوية والجسدية والتنوع السلالي للأقوام  البشرية ،وأسباب تباين تلك السلالات عضويا وفيزيقيا ومقارنة سمات الجماعات العرقية المختلفة ببعضها ، مع دراسة اثر الظروف والمؤثرات البيئية والايكولوجية في اختلاف أو تشابه  التراكيب الجسدية للعناصر البشرية ومدى قدرة تلك المجاميع البشرية على التكيف مع الظروف البيئية والايكولوجية، مستعيناً بذلك بدراسة المتحجرات والشواهد الدالة على تلك التطورات والتكيفات ، كالآثار المادية  وبقايا العظام والأسنان وغير ذلك من أدلة (3) .

ومن هنا يعد موضوع التكيف على اختلاف صوره واحداً من شؤون الدراسة الانثربولوجيه وحلقة وصل بين المعرفة البايولوجيه والمعرفة الاجتماعية ولذا كان على الباحث في الانثروبولوجيا الفيزيقية أن يستعين في دراساته بعدد من العلوم المختلفة كعلم التشريح وعلم الآثار وعلم الأحياء والجيولوجيا والكيمياء البايولوجية والانثروبومتري(Anthropometry) والساموتولوجيا ( Somatology )  .

وإذا كانت الانثروبولوجيا الثقافية   (Cultural anthropology)حقلاً يختلف عن ميادين الانثروبولوجيا الفيزيقية  بكونها تولي مفهوم الثقافة أهمية مركزيه وتتجه نحو الدراسات المقارنة لثقافات المجتمعات البشرية ودراسة السلوك اللغوي فيها واختلاف إدراك المفاهيم الرمزية بين جيل أو جماعة أو عصر وآخر ، فإنها لاشك أكثر التصاقاً بعلم اللغة الانثروبولوجي(اللسانيات) وعلم آثار ما قبل التاريخ ، وهذا ما تراه المدرسة الانثروبولوجيه الامريكيه التي لا ترى في الحقل الانثروبولوجي إلا فرعين فقط هما الانثروبولوجيا الطبيعية ، والانثروبولوجيا الثقافية التي تضم بدورها حقول معرفيه عديدة مثل (الاثنوغرافيا     Ethnography ، الاثنولوجيا    Ethnology، علم  آثار ما قبل التاريخ Archeology ، اللسانيات linguistics ،  الفولكلورFolklore  ، والانثروبولوجيا الاجتماعيةSocial anthropology ) .  وهذا ما ذهب إليه رالف بندجتون ( R.Piddington ) عام 1960 في كتابه (مقدمه في الانثروبولوجيا الاجتماعية ) إذ قسم حقل الانثروبولوجيا إلى حقلين متمايزين هما الانثروبولوجيا العضوية  والانثروبولوجيا الثقافية ، وما يراه أيضا فلكس كيسنج( F.Keesing ) مع الاختلاف النسبي بينهما .

غير إن ما يدرجه الأمريكان  تحت عبارة الانثروبولوجيا الثقافية يشير الفرنسيون إليه   بالاثنولوجيا والاثنوغرافيا في بعض الأحيان  ويدرسون تلك المواضيع تحت مظلة علم الاجتماع . أما الانجليز فقد اختاروا تسمية الانثربولوجيا الاجتماعية لذلك الحقل منذ أن حاز السير جيمس فريزر( Sir James Frazer ) أستاذية كرسي ذلك العلم  وأطلق عليه تلك التسمية عام 1908 ، فتعامل الانجليز مع هذا الحقل كعلم قائم بذاته لا يندرج تحت مظلته حقل الاركيولوجيا ولا علم اللغويات (4) .  ويستخدم الأمريكان اصطلاح الاثنولوجيا فيما يرادف ما يسمى في بريطانيا بالانثروبولوجيا الاجتماعية.   

 ومن الجدير بالذكر أن الاثنوغرافيا تتميز بأنها دراسة وصفية أفقيه مقارنة لظاهرة من الظواهر في ثقافات أو مجتمعات متغايرة ، بينما تعد الاثنولوجيا دراسة عمودية مقارنه لظاهرة اجتماعيه أو لمظاهر ثقافيه ببعديها المادي واللامادي ، من خلال التعرف على ماضي تلك السمات وتاريخ الظاهرة . وبعبارة أخرى ، فان كانت الدراسة ألاثنوغرافيه دراسة وصفية مقارنه للظاهرة باختلاف المكان( Space ) ،فان الدراسة الاثنولوجيه هي لدراسة مقارنة باختلاف الزمان ( Time ) ، وهذا يستتبع اختلاف النهج الدراسي وأدوات البحث. (5) ومع هذا الاختلاف في الرؤية والتعامل ، فإن العمل الميداني  Field work  يظل العلامة المميزة للباحث الانثروبولوجي (اثنوغرافياً واثنولوجياً) 

هذا وقد حدد مورسيل موس (  M.Mauss ) موضوع الاثنوغرافيا في كتابه دليل الاثنوغرافيا بأنه يهتم بدراسة منتجات الإنسان المادية وغيرالمادية والعوامل التي تحدد عمليات استعارتها وانتشارها بين الشعوب ، أما علم الاجتماع فانه يدرس ظواهر المجتمع الإنساني في إطار التنظيمات الاجتماعية وما تؤديه من وظائف وتشكله من اتجاهات . ورغم تلك الاختلافات ، ورغم الاختلاف  بين  أنصار المذهب الوظيفي  في فهم النهج الانثروبولوجي وحقوله عموما ، فان علماء الانثروبولوجيا البريطانيون – لاسيما أنصار المدرسة البنائية الوظيفية-  يرون إن حقل ( الانثروبولوجيا الاجتماعية ) حقل يهتم بدراسة  البناء الاجتماعي والحياة الاجتماعية في إطار التفاعل الاجتماعي ، بينما تهتم الانثروبولوجيا الثقافية  بنفس الخصائص  ولكن من زاوية مغايره  فترى  في العادات والمعتقدات جزءاً من النظام الاجتماعي الكبير.

 إن فكرة البناء الوظيفي في النظرية الانثروبولوجيه تستند  على مبدأ التساند والتضايف بين المراكز والأدوار من خلال مفهومي البناء والوظيفة ، فلكل مركز اجتماعي دوره أو وظيفته ، والنسق البنائي نسق يربط بين المراكز التي يحتلها الأشخاص في المجتمع بينما يربط النسق الوظيفي بين الأدوار التي يلعبها هؤلاء الأشخاص في النشاطات الاجتماعية المتنوعة.

 وتسعى الوظيفية إلى اكتشاف ما إذا كان هناك منتظم عالمي Universal scheme   في ضوء فهمها لأية حضارة بكونها تمثل نظاماً يماثل في ترابط أجزائه وتكامله الكائن العضوي Organism ، وهكذا تبرز فكرة الاعتماد المتبادل بين أجزاء الحضارة والمجتمع كحقيقة تستدعي دراسة الجزء من خلال علاقته بالأجزاء الأخرى التي يرتبط بها لتكوين ذلك الكل  ، إلى جانب سعيها للكشف عن التنوع العالمي للظواهر Universal variation  بحكم اختلاف الظروف ، وهكذا ينظر الاتجاه البنائي التكاملي إلى المجتمع باعتباره نسقا يتألف من أشخاص يحتلون مراكز محدده في البناء الاجتماعي ، ويرتبطون فيما بينهم بعلاقات تحكمها معايير وجزاءات محدده . أما العلاقة الاجتماعية فهي حجرالاساس في البناء الاجتماعي وهي مفهوم يدل على أية صلة أو تفاعل بين فردين أو جماعتين فأكثر، وسواء أكانت صلة مباشرة أو غير مباشره تعاونية أو غير تعاونيه. 

لقد عرف(راد كليف براون R.Brown) - وهو من ابرز رواد المدرسة الوظيفية البنائية -  الانثروبولوجيه الاجتماعية بأنها (دراسة طبيعة المجتمع الإنساني دراسة منهجيه منظمه تعتمد على مقارنة الأشكال المختلفة للمجتمعات  البشرية بالتركيز على الإشكال الاوليه للمجتمع البدائي).

 ويرتكز التصور البنائي للمجتمع في منظور براون على مفهوم( الجماعة البنائية) الذي يشكل القاعدة الاساسيه للتصور البنائي لشبكة العلاقات الاجتماعية ، والذي يستند  بدوره على مفهوم المركز، غير أن تعريف براون للبناء الاجتماعي وتحديده لنوع العلاقة الاجتماعية التي تعد أساس البناء الاجتماعي قد أثار مشكلات منهجية عديدة  بين العلماء ، مما اضطره أخيراً إلى التميز بين نوعين من البناء الاجتماعي ( البناء الواقعي   والصورة البنائية ) وذلك لغرض  تجاوز تلك الاشكاليه وإدخال كل العلاقات الاجتماعية التي تقوم بين الأشخاص في المجتمع ضمن منظومة  البناء الاجتماعي على اختلاف مدى ما تتمتع به تلك العلاقات من خصائص الاستمرار والثبات  وبغض النظر عما إذا كانت تلك العلاقات تربط بين أفراد أو بين  جماعات ، الأمر الذي دفع (ايفا نز بريتشارد) إلى إن يقصر دراسته للبناء الاجتماعي على تلك العلاقات التي تقوم بين الجماعات التي تتمتع بدرجة عالية من الثبات والاستمرار في المجتمع  كالقبائل والبدنات والأفخاذ.

ورغم الاختلاف بين وجهتي نظر( براون وبريتشارد) في تحديد مفهوم البناء الاجتماعي  فإنهما متفقان على اعتبار البناء الاجتماعي شبكة من العلاقات التي تتمتع بدرجات متفاوتة من الثبات أو الاستقرار والاستمرار ، كما يتفاوت مدى استقرار واستمرار الأشخاص والجماعات التي تربط بينهما تلك العلاقات . فالعلاقات الثنائية التي يجعل منها( رادكليف براون) الذرات التي يتكون منها البناء الاجتماعي تبدو على درجة من البساطة النسبية بمقارنتها  بالعلاقات بين الوحدات القبلية في المجتمع  التي يركز عليها بريتشارد ،

أما( روبرت ريدفيلد R.Redfield) فانه يتفق مع ( بريتشارد E.Pritchard) على ضرورة الاقتصار على دراسة العلاقات التي تتمتع بدرجة عالية من الثبات والاستمرار مستبعدا العلاقات المؤقتة أو التي تفتقر للتبات  والاستمرار كالصداقات القصيرة والعابرة ، بيد انه يختلف معه في إدخال مثل تلك العلاقات القصيرة  إذا وجد أنها ذات أهمية في المجتمع  ومقبولة بصورة عامه بين الأصدقاء وكذلك في إدخاله العلاقات التي يسفر التغاضي عنها تغير جوهري في المجتمع.( 6)     

وتأسيساً على ما تقدم _ وبعيداً عن نقاط الاختلاف _  نستطيع القول بان العلاقة الاجتماعية (social relationship ) والتي تعد اصغر وحده من وحدات البناء الاجتماعي ،هي التي تتشكل العمود الفقري في الدراسات  الانثروبولوجيه الاجتماعية ،لان العلاقة الاجتماعية تقوم بين أشخاص في مراكز متمايزة وإنها تنتظم في  انساق متنوعة ونظم اجتماعيه ( Social institution ) ، كنظام الزواج أو نظام الملكية ، حيث يلعب النظام الواحد  دوراً محدداً في  تحديد أنماط السلوك الاجتماعي المرغوبة في ذلك النظام ، بمعنى إن النظام الاجتماعي هو ذلك السلوك  الاجتماعي المقنن السائد في المجتمع  ، -وليس أي سلوك فردي يصدر عن الفرد من حيث هو فرد والذي يختلف بالتأكيد من فرد لآخر - ، ولذلك لا يمكن اعتبار السلوك الفردي سلوكاً اجتماعياً ينتج نظاماً اجتماعياً ،لان النظام الاجتماعي يخضع لقواعد معينه وتحكمه ضوابط  وجزاءات وأحكام ثابتة لايمكن الخروج عنها . كما إن تلك الأحكام والقواعد والجزاءات لا تنعقد إلا في ظل نماذج ثقافيه تمثلها الأعراف والتقاليد والمعتقدات السائدة في المجتمع والتي تكون وظيفتها تمتين أواصر الترابط بين أعضاء الجماعة وإلا تعرضت علاقات الجماعة للتصدع  وتعرض المجتمع لحالة اختلال القيم والمعايير السلوكية  ، تلك التي اسماها دوركايم ( A.Durkheim) بالحالة اللامعياريه(الانوميAnomie )(7)  .

وهكذا يجوز لنا أن نتصور إن العلاقات الاجتماعية  تشكل البنى الفوقية للمجتمع  لكونها تمثل أنماط الإنتاج السلوكي في المجتمع (علاقات الإنتاج) ، فيما تمثل القيم والأعراف والمعتقدات البناء التحتي للمجتمع ( أدوات الإنتاج ) . وهنا يكمن الفرق في توجهات كل من الاتجاهين الانثروبولوجيين (الاجتماعي والثقافي) في ضوء الفهم البنائي  (البناء الفوقي والبناء التحتي ) .

غير أن ما يجب أن لا يغيب عن بالنا ونحن في سياق الاستطراد ، إن الفعل السلوكي لا يتحول إلى معنى اجتماعي  إلا عندما يتصرف الفاعل بطريقة تؤثر في تصرف الآخرين بحيث يشكل قاعدة سليمة للتفاعل الاجتماعي . ( وهذا تصور يتطابق إلى حد ما مع أفكار تالكوت بارسونز T.Parsons ). وهو ما يسمح لنا أيضا بتقرير وجود بناءات وسطى تتحكم بصيرورات الفعل الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية، تتمثل بالإبعاد السايكولوجيه أو النفسية  ، والتي تتوافق مع ما عبر عنها  مالينوفسكي بالحاجات الأساسية والحاجات المشتقة ، والتي تتحكم بصيرورات العلاقة بين البناءين التحتي والفوقي . كما تجب الإشارة إلى إن البناء الفوقي للمجتمع إنما يتمثل بالأنساق الثقافية والأنساق الايكولوجية . وهذا رأى يجب أن يخضع لكثير من التداول والحوار ، ومع ذلك فان العلاقة بين تلك البناءات ليست علاقة سببيه بالضرورة  بحيث أن التغير في احد البناءات يؤدي إلى حدوث تغير في البناء الآخر. ولكنها قد تكون علاقة تزامنيه أو علاقة احتمالية في الغالب ، لان حصول التغير في طرف منها قد لا يؤدي بالضرورة إلى تغير في طرف الآخر.      

ويبدو أن توجه الانثروبولوجيون البريطانيون نحو دراسة البناء الاجتماعي والوظيفة قد جاء متأثراً بالاتجاه التجريبي عامة وبأفكار المدرسة الفرنسية لعلم الاجتماع . وهكذا توجهت  المدرسة الانثروبولوجيه البريطانية  نحو دراسة الأنساق الاجتماعيةSocial systems   والبناءات الاجتماعية Social structures  مما جعل من مفهوم الانثروبولوجيا الثقافية عندهم   يتطابق مع مفهوم الانثروبولوجيا الاجتماعية Social anthropology   على خلاف المدرسة الامريكيه  التي اتخذت موقفاً متطرفاً حيال التميز بين الانثروبولوجيا الثقافية والانثروبولوجيا الاجتماعية  كما يبدو ذلك جليًا من تركيزهم على دراسات الثقافة وإهمال دراسة السلوك الاجتماعي وكما في إعمال رالف لنتون وكلاكهون وبواس. (8)

وفيما يرى(ايفانز بريتشارد  E.Pritchard ) أن مهمة الانثروبولوجي تنحصر بدراسة السلوك الاجتماعي الذي يتخذ غالباً شكل نظم وانساق اجتماعيه  كنظام العائلة ونسق القرابة والنظام السياسي والإجراءات القانونية والعبادات الدينية وغيرها من النظم والإجراءات ، إلى جانب دراسة العلاقة بين تلك النظم والأنساق ،  ترى ( ماركريت ميد  M.Mead )  العالمة الانثروبولوجيه الامريكيه أن الاهتمام الانثروبولوجي عامة يجب أن  ينصب نحو دراسة الخصائص البايولوجيه والثقافية  للنوع الإنساني عبر الأزمان وفي سائر الأماكن ، مع تحليل الصفات البايولوجيه والثقافية المحلية كأنساق مترابطة متساندة ومتغيره  وذلك عن طريق نماذج ومقاييس ومناهج متطورة ، إضافة إلى وصف وتحليل النظم الاجتماعية والتكنولوجية في المجتمع المحلي ودراسة الإدراك العقلي للإنسان وانفعالاته ومعتقداته ووسائل اتصالاته (9)

 ولعل موضوعة الإدراك (Perception  / Perceiving) ولاسيما في بعدها الانثروبولوجي النفسي (Psychological Anthropology )  تشير إلى أن إفراد عالم معين لا يستطيعون أن يفهموا عالما آخر إن كان مختلفا تماما عن عالمهم ، وقد أشارت (هلري بتمان) إلى هذه المسألة  عندما تحدثت عن مبدأ التعاطف .. فوفقاً لمبدأ التعاطف فان البشر جميعا يشتركون في عدد كبير من المفاهيم ، لكنهم  يتمايزون في الإدراك ، ذلك أن للمفاهيم سمة وراثية ، غير إن طريقة إدراكها تتوافق والادراكات المحددة المتمايزة التي تبرز في كل حصاره أو عند كل فرد لمفهوم معين بشكل مغاير .

 وهكذا فان الادراكات المختلفة لمفهوم معين لا تظهر فقط بين الأشخاص المنعزلين عن بعضهم حضارياً ، بل يمكننا تعميم ذلك بالقول إن المفاهيم المتشابه يتباين إدراكها عبر العصور المختلفة أيضا ( 10)

وهنا لابد أن نلمح إلى أهمية توجيه جهود الباحثين نحو دراسة النسق المعرفي وشبكة العلاقات الاجتماعية في ظل تطورات ظاهرة العولمة  وثورة الاتصالات  وما ترتب على تطور شبكات الانترنيت والهاتف المحمول من آثار سلبية وايجابيه على الإنسان والثقافة والمجتمع . 

وجملة القول فإن إشكالية (الثقافة والمجتمع) هي سبب التداخل والالتباس في فهم معنى الانثروبولوجيا  بين علماء الانثروبولوجيا الانجليز وعلماء الانثروبولوجيا الأمريكان . ففي الوقت الذي يسيطر فيه مفهوم (الثقافة) على أذهان العلماء الأمريكان  وينعكس على اهتماماتهم وتصوراتهم الدراسية  حيث يذهبون إلى إن الانثروبولوجيا الاجتماعية هي ذلك الحقل الذي يهتم بالدراسة المقارنة للمجتمعات والثقافات ، مقابل ميدان آخر أوسع منه  وهو ميدان الانثروبولوجيا الثقافية الذي يضم إلى جانب ذلك  فروعاً معرفية أخرى كعلم الآثار  والانثروبولوجيا اللغوية  والانثروبولوجيه الفيزيقية ، فإنهم يحاولون عدم التمييز بين الانثروبولوجيا الثقافية والانثروبولوجيا الاجتماعية  بتركيزهم على دراسة الثقافة وإهمالهم دراسة السلوك الاجتماعي  اعتقادا منهم بان الثقافة  وليست المجتمع هي التي تعطي الإنسان الطابع المميز له ، أما (مالينوفسكي) فقد رأى  أن الاتجاه الوظيفي يهتم بفهم طبيعة الظواهر الثقافية للمؤسسات البشرية كالزواج والقرابة والسحر أو النظام السياسي أو الاقتصادي ، انطلاقاً من دور تلك الظواهر في إشباع الحاجات البشرية ،( سواء الحاجات الفسيولوجية والعاطفية الاوليه أو الحاجات الاجتماعية الثانوية ) ،،  بينما لا يميز العالم (نادل) بين حقلي الانثروبولوجيا الثقافية والانثروبولوجيا الاجتماعية معتقدا بان الدراسات الانثروبولوجيه بطبيعتها لابد أن تهتم بجانبين أساسيين ، هما الجانب الثقافي والجانب الاجتماعي. وعموماً فان الانثروبولوجيون  بشكل عام  يرون إن أي ثقافة ما هي إلا نظام مترابط الأجزاء كترابط أجزاء الكيان العضوي . غير إن مالينوفسكي يختلف عن راد كليف براون في تركيز الأول على مفهوم الثقافة وتركيز الثاني على مفهوم المجتمع(11)

إن الانثروبولوجيا الاجتماعية – وكما أسلفنا – تعنى بدراسة البناء الاجتماعي  كما يرى ذلك علماء الانثروبولوجيا البريطانيون أمثال ( راد كليف براون ، برونسيلاو مالينوفسكي، ايفا نز بريتشارد ، وماير فورتس ) ، ولذلك فإنها تهتم بدراسة التنظيم الاجتماعي والقيم والأدوار والسلوك الاجتماعي  في مختلف المجتمعات البشرية وتقوم بتحليل النظم الاجتماعية إلى وحداتها الاوليه  وعناصرها البنائية كما تبدو عليه  في إطار التفاعل الاجتماعي إلى جانب اهتمامها بدراسة انساق القرابة والدين ونظام السحر والطقوس وعمليات التنشئة الاجتماعية(12)

 وفي الواقع  فان المدرسة الوظيفية البنائية  تستمد  أسسها من آراء هربرت سبنسر واميل دوركهايم  وفكر المنهج الوظيفي الذي يفسر النظم الاجتماعية والثقافية  والعلاقات والسلوك في ضوء الوظائف التي تؤديها في الأنساق الاجتماعية والثقافية  .، لذلك حاول (( بيلز)) تحديد معنى الوظيفية في الميادين الانثروبولوجيه فرأى أن في ذلك ما  يدلل على أكثر من معنى ، ففي حين يقصد بها البعض الصلة العضوية التي تربط عنصر ثقافي معين ببقية العناصر الثقافية التي تؤلف البناء الكلي للمجتمع ، يرى البعض الآخر أنها تعني الدور الذي يقوم به الجزء ويسهم به في إدامة حياة الكل الذي ينتمي إليه .

وإذا كان الأسلوب الوظيفي المستند على مفهوم البناء الاجتماعي يحاول دراسة طريقة حياة الجماعة والكشف عن ارتباطات الجوانب المختلفة للحياة الاجتماعية ببعضها وصولاً نحو فهم تساند النظام الاجتماعي وتكامل المؤسسات الاجتماعية في المجتمعات المستقرة نسبيا،  هو الدافع نحو التركيز على دراسة المجتمعات الصغيرة والمنعزلة ، والسبب في اعتماد ( الانثربولوجيا ) على المنهج الكلي التكاملي والتعامل بنظرة كلية شاملة (Holistic  method) في الدراسه  (13) ، فان تسارع وثائر التغير الاجتماعي وعمليات التطور في العالم  وظهور تيارات انثروبولوجيه حديثه  كالانثروبولوجيا الماركسية والانثروبولوجيا النقدية والانثربولوجيا الفلسفية ، تسبب في اتساع مجالات الدراسات الانثروبولوجيه والاعتماد على منهج الديناميكية الحضارية في فهم التجمعات البشرية ولاسيما التجمعات المدنية والمعقدة ،  الأمر الذي أدى إلى إفراز رؤية جديدة  للعالم ونموذجا معرفياً حديثاً لعلم الإنسان  ، فتوسع الاهتمام بدراسة الانظمه الاجتماعية في المجتمعات الكبيرة والمتحضرة  بحثا عن مظاهر عدم الانسجام أو التناقض بين جوانب الحياة الحضرية  وما يترتب على ذلك من مشكلات اجتماعيه  وثقافيه مختلفة .

ودون خوض فيما نتج عن هذا التوجه من تشظي المعرفة الانثروبولوجيه وتداخل في الجهود الميدانية ، فان الشيء المهم حقا قبل تقرير منهج الدراسه ، هو معرفة الفرق بين طبيعة المجتمعات الصغيرة والمنغلقة ، وطبيعة المجتمعات الكبيرة والقلقة ، والتي ابرز ما يميزها من فروق يكمن في سرعة الحراك الاجتماعي وطبيعة تقسيم العمل ، وما يترتب على ذلك من فروق في اختيار المنهج والأدوات . فالمجتمعات الصغيرة وشبه المنعزلة (Community) ، تتسم بأنها مجتمعات ينعدم فيها تقريبا دور الطبقات الاقتصادية(Economic class) في الفعل الاجتماعي، ولا تتميز بخصائص وسمات أنظمة الاقتصادات المعقدة والمتنوعة ، ولا تبدو فيها ظواهر تقسيم العمل (labor  division of) ولا مظاهر أو علاقات الإنتاج الواسع (Mass protection) جلية واضحة ، بل تسود فيها سمات ونظم وعلاقات الطوائف الاجتماعية (Caste) وخصائص النظم الرعوية أو الزراعية والريفية ، كما تتوارث فيها منزلات الإفراد ومراكزهم الاجتماعية(State) ، وتتميز الحياة فيها  بالبساطة وبطء الحراك الاجتماعي وبالانعزال وعدم تباين الأدوار(Role) ، وهذا يستدعي دون شك اختلاف المناهج  والأدوات البحثية  واختلاف الأسلوب الدراسي . بيد إن وقفة تفحص للساحة الفكرية  وقراءة متأ نية لخطابات المعرفة الاجتماعية والانثروبولوجيه خلال العقود المنصرمة تبين لنا تداخل الفهم المعرفي وظهور إشكالية يصدم بها الحقل الانثروبولوجي  تنطلق من تشابك خطوط التعامل  بين  ميدان الانثروبولوجيا الاجتماعية وميادين علم الاجتماع ،الأمر الذي يتطلب استجلاء الآراء ومعرفة المواقف .  

ففي حين يرى البعض إن التميز الصارم بين حقلي علم الاجتماع والانثروبولوجيا الاجتماعية  لم يعد هناك ما يبرره  بسبب  تقلص الفروق بين المجتمعات التقليدية  والمجتمعات الحديثة ، ينطلق ( راد كليف براون   R.Brown) من الحكم بان الانثروبولوجيا الاجتماعية ما هي إلا ( علم اجتماع مقارن ) ،  فيما يقرر (ريموند فيرث   R.Firth)  أن الاتثروبولوجيا الاجتماعية حقل  يهتم  بالدراسات الميكروسوسيولوجيه ، أو هي الحقل  السوسيولوجي الذي يدرس الحقول الاجتماعية الضيقة ،  وهي  بهذا تتطابق  مع موضوع علم اجتماع  الجماعات الصغيرة  وبذلك فليس هناك فرق بين الانثروبولوجيا الاجتماعية  وعلم الاجتماع ، لان الانثروبولوجيا الاجتماعية  قد انطلقت أصلا من دراسة الجماعات الصغيرة والمنعزلة نسبيا واهتمت منذ البداية  بدراسة شبكة العلاقات الاجتماعية وعمليات التفاعل الاجتماعي وانساق القرابة واثر العادات والتقاليد في  البناء الاجتماعي للجماعات والتجمعات البشرية الصغيرة .

ولعلي  شخصيا اتفق مع هذا الرأي  وأظن أن ثمة فروق أخرى  بين علم الاجتماع والانثروبولوجيا الاجتماعية ، وان تلك الفروق إنما تكمن  في اختلاف توجهات كل من  الحقلين في البحث والدراسة وفي التحليل .  ففي حين يستهدف علم الاجتماع رؤية بانورامية للتاريخ ودراسة مسيرة  المجتمعات البشرية عامة ( Societies) دراسة خارجية فوقيه (من الخارج ) سعياً  لمعرفة القوانين  التي تتحكم بصيرورة المجتمع البشري (ككل) وظاهراته،  وصياغة نظريات فلسفيه لحركة التاريخ والمجتمع، كما في إسهامات  عبد الرحمن بن خلدون واوكست كومت وكارل ماركس أو تالكوت بارسونز ، تتجه الانثروبولوجيا الاجتماعية نحو رسم صورة للمجتمعات والتجمعات البشرية الصغيرة ( Communities , Groups ) من الداخل سعياً نحو فهم آليات وصيرورات  الاختلاف بين مختلف  المجتمعات والشرائح البشرية في ضوء حقيقة وحدة النفس البشرية( Psychic unity of mankind) .

ولاشك في أن ذلك يستتبع ويتطلب أختلاف أدوات البحث الميداني ووسائل جمع المعلومات الحقلية وسبل التعامل مع المعلومات وطرق تحليل البيانات ، فضلاً عن اختلاف مناهج البحث في  كلا الحقلين –  مما سيكون موضوعنا لجهد فكري لاحق -. ومن هنا جاءت انطلاقة الانثروبولوجيا الاجتماعية وتركيزها على دراسة المجتمعات الصغيرة والمستقرة نسبياً قياساً باهتمامات الدراسة في حقول علم الاجتماع  التي تتميز بالبعد الماكرو سوسيولوجي.

 ولاشك في أن الغرض الأساسي والنهائي للبحث الاجتماعي إنما يكمن في فهم السلوك البشري في العالم وليس في مجتمع البحث فقط . وإذا كان الجهد الحقلي أو (العمل الميداني ) هو الصفة المميزة التي تتصف بها الدراسات الانثروبولوجيه عن الدراسات السوسيلوجيه  فان  التعامل النوعي أو الكمي مع المعلومات المستحصله من العمل الميداني واحد من أهم  الفروق التي تميز علم الاجتماع عن الانثروبولوجيا الاجتماعية ، فالانثربولوجيا بطبيعتها نوعية التوجه (  Qualitativeَ ) لا كمية الطابع  ( Quantitative) كما هو الحال في علم الاجتماع ، لأنها تسعى لفهم طريقة حياة الجماعة أو المجتمع المحلي ورسم صورة كليه شامله لجميع مظاهر الحياة الاجتماعية في مجتمعات صغيرة الحجم بالاستعانة بالملاحظة المباشرة والمتكررة والمشاركة الحقلية والاعتماد على المخبرين وكبار السن .فيما يستند علم الاجتماع على وسائل مغايره لعل أهمها  كشوف الاستبيان والإحصاءات الرسمية. ولعلي استطيع هنا  الاستعانة  بقول لمالينوفسكي يؤكد فيه ما ذهبت إليه، وأن الدراسات الانثروبولوجيه دراسات وصفيه تحليليه نوعيه مركزه وليست دراسات كميه (( I want to feel facts ,not to count them )).

غير أن المزاوجة بين الحقائق الوصفية الكيفية والحقائق الوصفية الكميه في الدراسات  الانثروبولوجيه الحديثة لاسيما في المجتمعات الكبيرة المعقدة والمجتمعات حديثة التحضر والذي صار امرأ لا مفر منه ، أدى إلى ظهور مايسمى بالاتجاه السوسيو انثروبولوجي، والذي ترعرع في الأوساط النفطية الخليجية  نتيجة الفجوة والقفزة في الانتقال من أنماط تجمعات الصيد والرعي ومرحلة اقتصاد ما قبل النفط إلى المرحلة الانفجارية النفطية وما ترتب على ذلك الانتقال من تغيرات في التراكيب الديموغرافيه وتحولات في البني ألاقتصاديه والاجتماعية  . أضف لذلك أن الاتجاه الكمي قد وجد سنداً له  في النهج الدوركايمي في دراسة المجتمع والذي كان يزاوج بين المنهجين التاريخي والإحصائي . يضاف لذلك إننا لابد أن نميز بين طبيعة الجهد الميداني الانثروبولوجي ذاته ، ففي حين اتسمت الجهود الميدانية المبكرة بالسمة الوصفية (الاثنوغرافيه)  دون هدي نظري كما يبدو ذلك من البحوث التي اشرف عليها فرانز بواس    F.Boas في جامعة كولومبيا عندما كان يوجه طلبته لجمع الحقائق والمعلومات الوصفية عن القبائل الهندية الامريكيه خشية انقراض النظم القبلية البدائية نتيجة عوامل التغير والاحتكاك الحضاري فقد اتصفت الجهود  الانثروبولوجيه الميدانية اللاحقة بالعمل على تحليل الظواهر الثقافية والاجتماعية وعدم الاكتفاء بوصفها فقط وذلك في ضوء عدد من التوجهات والمناهج الانثروبولوجيه الحديثة كالاتجاه الوظيفي النفسي الثقافي Psycho-culture functionalism كما في توجهات مالينوفسكي ، أو الاتجاه الوظيفي البنائي Structural-functional approach  كما في أبحاث راد كليف براون ،  أو النهج النمطيapproach  Configurational الذي اختطه روث بندكت R.Penedict  في بحوثها  أو المنهاج النفسي Psychological approach الذي تتسم به بحوث ونتاجات ماركريت ميد M.Mead  ،  أو في غير ذلك من توجهات ورؤى ً حديثه  

إن العلوم الاجتماعية والسلوكية تختلف عن العلوم الطبيعية في كونها تستمد طابعها العلمي من حصة العمل التجريبي والمختبري في دراساتها ، والذي يتضاءل كلما توجهنا نحو الفلسفة والإنسانيات ، لذلك فأن العمل المختبري في الحقول الطبيعية هو السمة الغالبة في نتائج البحث ، غير إن حصة العمل التجريبي والميداني في فروع المعرفة الاجتماعية – وان قلت نسبتها – فإنها تختلف بين حقل وآخر .  فالانثروبولوجيا مقارنة بعلم الاجتماع ينبغي أن تتصاعد فيها حصة العمل  المختبري ، أي الجهد الحقلي المستند على المشاهدة العيانيه  لتصل إلى ما يزيد على النصف بكثير من مجموع الجهد الدراسي ، بينما تتراجع حصة العمل (المختبري / الميداني) في دراسات علم الاجتماع إلى ما دون النصف كثيرا (14) . وقد يكون من المناسب أن أضيف هنا رأي  قابل للمساجلة والدحض ، أو للمناقشة والإثبات ، أقرر فيه  توافق الجهود الانثروبولوجيه مع مستويات التحليل الفكري  ( Analysis) في سلم التصنيف المعرفي وفقا لما أشار له المختص التربوي (بلوم  B.Bloom) في تصنيفه لمجالات التعلم على المستوى العقلي من مستويات التعلم  ، في حين يتطابق علم الاجتماع مع المستوى التركيبي Synthesis )) في المهارات والقدرات العقلية  (15) ، ودون إن اعني بذلك أي شكل من إشكال الفصل التعسفي  بيم مجالات التعلم . ذلك إن امتداد النشاط الانثروبولوجي نحو البنى الفوقية واختراق الحدود التقليدية لعلم الاجتماع من ناحية ، واقتحام السوسيولوجيين  لما هو انثر وبولوجي من ناحية ثانيه ، وتداخل الجهود الميدانية  بين ما هو تحليلي وتركيبي ، خلط الأوراق بين المكروسوسيولوجي والماكروسوسيولوجي، حتى غدت الحدود الفاصلة اقل صرامة  وأكثر مرونة . ويبدو ذلك الاختلاط والتداخل جلياً لو تفحصنا اغلب النشاطات الميدانية والنظرية في حقل المعرفة السوسيولوجيه والانثروبولوجيه ولاسيما في الفترات الأخيرة ، خصوصاً بعد أن  ظهر وتطور حقل عملي جديد يدعى بالانثروبولوجيا التطبيقية أو العملية

وبصرف النظر عن تقييم تلك الجهود والتي  اتسمت غالبيتها بالضعف في منهجيتها  ونتائجها ،  مقابل رصانة البعض منها إلى مستوى رفيع جدا فان اهتماماتها قد توزعت بين أكثر من حقل معرفي الأمر الذي أبعدها عن الالتزام بالشروط المنهجية للبحث العلمي . وإذا كانت الانثروبولوجيا الفيزيقية قد شكلت همزة وصل بين المعرفة البايولوجيه (العضوية) والمعرفة السوسيولوجيه (الاجتماعية ) في حينها ، فان الانثروبولوجيا الثقافية هي المنعطف الفكري والجسر الرابط بين حقل الانثروبولوجيه الاجتماعية ( علم الاجتماع المقارن ) وبين المعرفة الفكرية والنظرية ممثلة بالانثروبولوجيا المعرفية و(علم اجتماع المعرفة). ويظل علم النفس في بعده الاجتماعي والانثروبولوجي ممثلاً بعلم النفس الانثروبولوجي ، قنطرة لا يجوز تجاوزها لفهم الحقيقة بأبعادها السلوكية والاجتماعية والمعرفية ،وهكذا تبدو لي خطوط الجهد العملي والتواصل الفكري انثروبولوجياًُ متتابعة على النحو التالي: (دارون، لومبروزو ، براون )  ( مالينوفسكي ، فرويد ، مانهايم ) . ودون إنكار لجهود الآخرين  وأفكارهم .

 ولعلنا بحاجة أكيدة لتفحص إسهامات المفكرين العرب ، واستنباط مايشكل منها أضاءات  تسلط الأضواء على مثل هذا التوجه التنظيري ، كإسهامات ( ابن بطوطة، عبد الرحمن بن خلدون  ،ابن حزم الأندلسي ، الغزالي ،الفارابي ، وغيرهم ) . وذلك شأن لاشك أننا بحاجة إلى كثير من الحوارات والمناقشات الجادة في محاوره .

ولو اعتمدنا وجهة نظر منظمة اليونسكو حول أصناف النشاطات والجهود البحثية لوجدنا أنها تنطلق من تصنيف البحوث في حقلين أساسين ( بحث أساسي وبحث تطبيقي ) والفرق بينهما يكمن في الأهداف الموضوعة والمتوخاة من نتائج البحث . ولاشك في أن إطلالة أوليه على الحقل  التطبيقي  للجهود البحثية في العلوم الاجتماعية ،  ستبين لنا سبل التوظيف الإيديولوجي لحقول المعرفة الاجتماعية في معالجة مشكلات الإنسان والمجتمع .     

     إن حقل الانثروبولوجيا التطبيقية  Applied anthropology  هو الجهد الميداني  الذي انطلق منه البعض لتوظيف المعرفة الانثربولوجيه في الإغراض العملية ، وقد أسهم هذا الحقل في دراسة الأوساط الحضرية ومن زوايا متعددة كالطب والإدارة والصناعة والسياسة والعمل ، كما استخدم  هذا الحقل أيضا في أوساط أخرى  لخلق روابط اجتماعيه أكثر ايجابيه ، وتم    استخدام الفعل الاجتماعي في إعادة  إنتاج معارف ثقافيه  جديدة أو انسنة الإنسان أو لتفكيك تلك الروابط  بما يخدم غايات إيديولوجيه محدده ، فدور الباحث الانثروبولوجي هنا  يتمحور بتحويل الملاحظات الحقلية التي جمعها عن السلوك من الحقل الميداني إلى تطبيقات وإحكام وصفيه يستعين بها لدراسة وفهم البناء الاجتماعي لميدان الدراسة ومن ثم تفكيك أو تمتين العلاقات الاجتماعية في المجتمع ، الأمر الذي يسمح لنا بتقرير طبيعة البعد الامبريقي للانثروبولوجيا التطبيقية بما يجعلها أكثر التصاقا بموضوعات التخطيط والتطور والتحكم بالتغيير الاجتماعي وبما يتيح  للباحث الحقلي خيارات توسيع الأدوات المنهجية و تجاوز حدود المنهج الانثروبولوجي التقليدي في الملاحظة بالمشاركة.

  لقد تطور نهج الانثروبولوجيا التطبيقية أو الانثروبولوجيا العملية Action anthropology   في الولايات المتحدة الامريكيه بعد الحرب العالمية الثانية وظهور حاجة البلدان المتقدمة تقنياً إلى التدخل في سياسات الاداره والتنمية في العالم الثالث ،الأمر الذي ربط هذا الحقل بالتخطيط السياسي وعرض نهجه إلى انتقادات عديدة بوصفه امتدادا طبيعياً للاستعمار الجديد أو وكأنه نوعاً من ممارسة العلاقات العامة في تكريس التبعية والتخلف  والتغاضي عن المشكلات الحقيقية للجماعات المحلية   بما يخدم مصالح طبقة معينه أو الطبقة المسيطرة وتقليص الدور الحقيقي للسكان المحليين  .وكانت التطبيقات الانثروبولوجيه المبكرة قد نمت في مجال الاداره الاستعمارية أصلاً،  الأمر الذي أساء كثيراً إلى سمعة التدريب الانثروبولوجي وجهد الفعل التطبيقي لهذا الحقل  . فقد استخدمت الانثروبولوجيا التطبيقية مبكراً في تحديد الزعامة المحلية  وفي إدخال أنماط من الاداره المحلية بما يقلص من التوترات بين الجماعات المختلفة في المجتمعات البدائية . ففي اندونيسيا على سبيل المثال تم تقنين القانون القبلي  بحيث أصبحت القوانين تتلاءم مع الظروف المحلية وتختلف من قرية لأخرى . (16)

وقد تعاظمت شدة الانتقادات للنهج الانثروبولوجي التطبيقي بعد تورط الانثروبولوجيا التطبيقية بمواقف سياسيه شديدة الحساسية أو تدعيمها لعلاقات سيطرة وتبعية بدلا من مساعدة الشعوب في الوصول إلى أهدافها الوطنية. مثال ذلك مشروع (كاميلوت) الذي تبنته الحكومة الامريكيه في استخدامها للبحث العلمي في تقدير حجم الشعور المضاد للشيوعية في شيلي  وكذلك التورط الانثروبولوجي التطبيقي في مشاريع مشابهه في كل من فيتنام وتايلاند وغيرها من البلدان . ولاشك في أن مشروع عسكرة الانثروبولوجيا (militarization ِAnthropological ) الذي اعتمده الجيش الأمريكي في حروب  العراق وأفغانستان تحت اسم مايسمى ببرنامج (إقحام علماء الانثروبولوجيا في ميدان الحروب) (HTS) يمثل أوضح صور توظيف الانثروبولوجيا التطبيقية  في ميدان الحروب والنزاعات .

ويشرح العقيد الأمريكي (ستيفن فونداكارو) أهداف هذا المشروع بالقول (( إن مهمة العلماء  تقوم على تقديم فهم واضح للمشكلات التي يواجها الجيش مع السكان المحليين ، حيث يتلقى الضباط هذه المعلومات ويقررون بموجبها طبيعة الإجراءات العسكرية التي عليهم اتخاذها ))، كما يتضمن هذا  البرنامج تدريب علماء الانثروبولوجيا على حمل السلاح واستعماله لكي يخفف الجيش عن نفسه مشقة تامين الحماية لهؤلاء خلال قيامهم بمهامهم الميدانية .

 ويبدو أن هناك اليوم في كل من العراق وأفغانستان 6 فرق عامله تتكون كل منها من علماءانثروبولوجيا وعلماء لغة  ومرشدين اجتماعيين وعملاء استخبارات وضباط متقاعدين لمتابعة سير العمل  ومساندة الفعل العسكري ، وتسعى قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الأمريكي (Centcom) إلى زيادة عدد هذه الفرق من 6 فرق إلى 28 فرقه ، كما أعرب عسكريون كبار  في قيادة القوات الامريكيه  في إفريقيا AFRICOM  ومنطقة المحيط الهادي PACOM  عن نيتهم تعميم برنامج مماثل في مناطقهم .

وتشكو الدكتورة(مونتغومري ماك فايت) التي توصف بأنها المهندسة الأولى لبرنامج (HTS) من ضآلة مبلغ (40) مليون دولار الذي خصصه البنتاغون  لتمويل هذا البرنامج ، لأنها تسعى منذ فترة طويلة  من اجل مشروع اكبر  يقوم على وضع بنك معلومات دائم للمعطيات الثقافية والاجتماعية واستحداث مؤسسه اسمها ((وكاله مركزيه للمعرفة الثقافية)) على غرار ((وكالة الاستخبارات المركزية)) عمادها علماء ومحللون انثروبولوجيون واجتماعيون يعملون لخدمة الحكومة وأغراضها  بشكل دائم .

وفي أيلول 2007 أطلقت مجموعة من كبار علماء الانثروبولوجيا حملة كبيرة تحت شعار  ( شبكة انثروبولوجيون معنيين(Network of concerned anthropologists ) لرفض مشاركة علماء الانثروبولوجيا في الحروب الامريكيه  ورفض استخدام الانثروبولوجيا لأهداف الحروب والسياسة  تحت عنوان (( لا للمرتزقة الانثروبولوجيون )) وترى هذه المجموعة  أن اللجوء إلى العلماء في حربي العراق وأفغانستان شبيه بما فعلته الامبراطوريه البريطانية في مستعمراتها سابقاً

ومن الجدير بالذكر هنا أن حملة المعارضة لتسخير العلوم الاجتماعية في خدمة الحروب  ليست جديدة , فقد واكبها اليسار العالمي باكرا  وخصوصاً على الصعيد الفكري والثقافي ، فالمجلة الفرنسية الشهيرة (الازمنه الحديثة  Les temps modernes   ) التي أسسها في منتصف القرن الماضي جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار  خصصت عددين خاصين للموضوع في عام 1970 ، كما وضعت مجموعة من الكتاب اليساريين تحت إشراف جان كوبانز مؤلفا شهيرا في عام 1975 تحت عنوان (الانثروبولوجيا والامبريالية ) . ووفقا لما ذهب إليه بعض المنتقدين فان مجرد تركيز الانثروبولوجيا التطبيقية على الاهتمام بالاختلافات الثقافية من شانه أن يحجب حقيقة وجود ابنيه للسيطرة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية هي المسئولة  عن مشكلات التنمية  إضافة إلى الانتقادات التي تمحورت عن عدم ربط البحوث التطبيقية بالمسوؤليه الاخلاقيه  والعلمية لهذا الحقل وحظر تسخير العلم لغايات سياسيه

غير إن تلك الانتقادات لا تمنع من الإشارة إلى  إمكانية استثمار البحث التطبيقي في تخفيف التوترات داخل وبين الجماعات المختلفة عرقياً واثنياً  والإشارة إلى المحاولات والمشاريع الناجحة التي استخدمت فيها آليات الانثروبولوجيا التطبيقية في المجتمعات النامية ،  كمشروع فيكوس الإصلاحي (Vicos   )  الذي تبنته جامعة كورنيل الامريكيه في بيرو عام 1952، والذي كان يستهدف دراسة مشكلات التغير الثقافي وتمكين العناصر المنتجة لشعب فيكوس  من حيازة القوه في الضيعة الزراعية بمنطقة (هاسيندا) ،  ومشروع (أس.أف.نادل )عن موضوع التصرف بالأراضي في الهضبة الارتيريه ، ومشروع أسلوب العمل الشعبي الجمعي  والتوسع بالعمل الزراعي في كينيا الذي تقدم به (فاب ماير ) ، ثم طريقة التعامل مع مشكلة الكرسي الذهبي مع قبيلة الاشانتي . هذا إلى جانب الجهود البحثية التي أشرفت عليها الجمعية الامريكيه لعلم الانثربولوجيا

ولاشك أن أي مشروع تنموي آو تحسيني  لا يمكن أن ينفذ دون الحفاظ على ما هو محلي أصيل ودون إسناد من عناصر محليه ،  فقد لاحظ احد الانثروبولوجيين الذي كان يقوم بمهمة النصح والإرشاد لفرق صحية في اندنوسيا  أن المجتمعات المحلية لها اتجاهات مختلفة في الخضوع  لقادة الرأي العام  الذين لابد من الحصول على تأييدهم لنجاح حملات التوعية الصحية وبرامجها ، هذا مع احتمال وجود قادة متنافسين في الرأي في الوحدات القبلية وتقاطعات في المصالح  أو وجود اتجاهات متباينة حول برامج مشاريع التنمية والإصلاح  الأمر الذي يهدد تلك المشاريع بالفشل وعدم النجاح، ما لم تؤخذ تلك الملاحظات الميدانية بنظر الاعتبار . ولعل الحديث عن حملة إغراء النساء في بيرو على غلي الماء  قبل شربه أو ما سميت حينها  بظاهرة  طهي الماء عند النساء في بيرو تظهر كيف ولماذا اختلفت الاستجابة بين  مجاميع النساء لتلك الحملة باختلاف المركز الاجتماعي للمرأة .

إن الانثروبولوجي التطبيقي لم يعد الشخص الذي يقدم مخططا  أو رسما لبرنامج إصلاحي أو تنموي فقط  ، بل هو الشخص الذي يتوجب عليه أن يقدم تقريرا مفصلا عن معوقات العمل  والمسارات  الخطرة المحتمل أن تعترض سبل التنفيذ  وتقف حائلا دون تحقيق أهداف البرنامج أو وحدة الجماعة ، فهو الأقدر على حساب ردود الفعل الاجتماعية التي يحتمل أن يحدثها التغيير، وهو الأقدر على تخفيف مظاهر الصراع بما يخدم وحدة الجماعة ، وهو الأقدر على رسم سيناريوهات التغير والتطوير.

ولم تقتصر الجهود الانثربولوجيه التطبيقية على دراسة المجتمعات المحلية أو السكان المحليين في المناطق الجغرافية ، بل إن دراسات انثروبولوجيه تطبيقيه أخرى تناولت العلاقات الصناعية وتنظيم العمل الإداري  في المؤسسات كالمستشفيات والمعامل والمتاجر والسجون ، كما في مجموعة الدراسات والبحوث التي تمت في مصانع شركة( ويسترن أليكتريك) والتي أطلق عليها (دراسات هاوثورن). والتي استهدفت دراسة العلاقات الانسانيه في المصنع كنسق محدد مغلق وأدت إلى تأسيس جمعية الانثروبولوجيه التطبيقية سنة1941، وكذلك دراسة جامعة هارفارد الشهيرة  في ميدان الانثروبولوجيا الصناعية والتي اشرف عليها الأستاذ التو مايو وكانت تستهدف دراسة بعض المشاكل التي تتعلق بالإنتاج وقياس مدى كفاءة المصانع ، ثم تلك الدراسة الانثروبولوجيه التي تناولت تحليل البناء الاجتماعي لمحلات (سلفردج) التجارية في لندن .

ولاشك في أن المصنع أو المدرسة أو الدائرة  إنما تمثل تنظيمات اجتماعيه لها خصائص ومقومات تؤثر على نوعية المخرجات السلوكية أو على كمية الإنتاج المادي  وترتبط بالعلاقات الاجتماعية داخل تلك المؤسسات والتنظيمات ، والتي في ضوء دراستها نستطيع أن نقرر ماهية العلاقات الاجتماعية التي تربط بين أعضاء الجماعة داخل التنظيم ومدى تأثير تلك العلاقات على الانشطه المستهدفة دراسياً في المؤسسة. وفي الواقع فان  ما يقدمه الانثروبولوجي التطبيقي في رسم  وتنفيذ البرامج الاصلاحيه والتنموية لا يتعدى حدود المبادئ الاوليه التي اكتسبها من العلم في التحليل الاجتماعي   مصحوبة بحقائق أوليه عما يمكن أن يحدث من نتائج وآثار جراء تطبيق المشروعات التنموية في المجتمعات المحلية المختلفة  وما يمكن أن ينتج عنها من مشكلات اجتماعيه وإنسانيه كنتاج للتغيرات في السلوك والاتجاهات والعلاقات وفي النظم الاجتماعية .

لقد أوضحت بعض دراسات التثقيف أن إحداث تعديلات –ولو كانت  طفيفة- ( خاصة حينما يتم إحداثها عن طريق القوه أو تحت الضغوط )  يؤدي إلى صراعات نفسيه عميقة  وظهور سلوك عصابي لدى بعض  الإفراد ،. وفي بعض الحالات قد تنسحب تلك الإعراض على كل أو اغلب  إفراد المجتمع فتظهر مظاهر اضطرابات اجتماعيه ملحوظة  أو كامنة ، ما لم تساند تلك الجهود التثقيفية برامج علمية تتسم بالواقعية تأخذ بنظر الاعتبار العلاقات المتبادلة بين الجوانب- المختلفة للثقافة المحلية وضروب و أنماط التكيف المحتملة. ودون شك فإننا محليا في العراق نستطيع توظيف الفعل الانثروبولوجي والاستفادة من المعرفة الانثروبولوجيه في دراسة وتحليل ما تعرضت له الشخصية الوطنية من إرهاصات وتوترات نفسية واجتماعيه نتيجة برامج التثقيف الإيديولوجي غير المبرمجة  انثروبولوجيا ، وما تمخض عن تلك البرامج والسياسات من آثار سلبيه انعكست على الواقع الاجتماعي في العراق قبل وبعد سقوط النظام السابق وكما ظهر جلياً من ممارسات سلوكية أعقبت إحداث عام 2003 ولازالت بعض آثارها تتحكم بالفعل السلوكي والاجتماعي في المجتمع العراقي.

لقد تتبع فان ويلجن ( Van Willigen ) في دراسة مسحية له  تطور الانثروبولوجيا التطبيقية فوجد أنها تبدأ بمرحلة أطلق عليها مرحلة الاثنولوجيا التطبيقية ، ثم مرحلة المساعدة الفدرالية فمرحلة توسيع الدور ووضوح القيمة،  وأخيرا مرحلة البحوث العملية والمساعدة في رسم السياسات  . (17)

وقد قام ويلجن بمراجعة بعض الفروع الجديدة في الانثروبولوجيا التطبيقية التي انبثقت عن مواقف نظريه وإيديولوجيه مختلفة فوجد أنها تتخذ مسارات مختلفة ، منها مثلا مسار  الانثروبولوجيا  العملية التي اقترحها سول تاكس ، مسارانثروبولوجيا البحث والتنمية التي ترمز لمشروع جامعة كورنيل في بيرو،  واتجاه انثروبولوجيا تنمية المجتمع المحلي ، والاتجاهات الأكثر حداثة فيما يعرف بانثروبولوجيا الدعوة والوساطة الثقافية  وصولا نحو مايعرف اليوم بالانثربولوجيا النقدية والانثروبولوجيا الماركسية  والانثروبولوجيا البصرية  والانثروبولوجيا الايكولوجية ثم الانثروبولوجيا الدبلوماسية ، وفي البلدان النامية  توجهت التطورات الحديثة في مجال الانثروبولوجيا  نحو إزالة التقسيم الفكري بين الانثروبولوجيا النظرية والانثروبولوجيا التطبيقية  في إقرار ضمني  على إن الجهد التطبيقي والتدخل الانثربولوجي  في تحديث وتنمية المجتمعات المحلية  لابد أن  يعتمد صراحة على معايير وتوجهات إيديولوجيه وسياسيه . ولعلي ادعو لتنشيط الفعل الانثروبولوجي في العراق والتخطيط لبرنامج ونهج انثروبواوجي جديد تراعى فيه ظروف المجتمع العراقي ،أطلق عليه اسم (انثروبولوجيا إعادة بناء المجتمع)،  وستكون خطوطه الرئيسة العامة متضمنة في القسم الثاني اللاحق من هذه الدراسة

وأخيرا ففي الفترة الاخيرهِ  تبنت مجموعة من علماء الانثروبولوجيا المسلمين في الهند وباكستان الدعوة لتأسيس علم انثروبولوجيا إسلامي إيماناً بان النهج الإسلامي والفلسفة الاسلاميه لابد  أن تأخذ دورها وتكون فاعلة  في تنظيم  الحياة الاجتماعية وفي إعادة بناء العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع وجماعاته ، فهل استثمرنا –نحن في العراق- سبل المعرفة الانثروبولوجيه في الوقوف على أزمات المجتمع العراقي ؟

سؤال ما زال يراودني كثيراً ، رغم معرفتي للجواب . 

 

 

 مراجع الدراسة وهوامشها

........................................

* هذه الورقة تمثل القسم الأول وقاعدة لبحث يتناول علاقة الانثروبولوجيا بتحديث المجتمع وإعادة البناء السلوكي

** : هذا الجزء من الدراسة سينشر في العدد الثاني من حولية المنتدى الوطني لأبحاث الفكر والثقافة.

*** أستاذ الإيكولوجيا الاجتماعية في قسم الانثروبولوجيا ـ كلية الاداب ـ الجامعة المستنصرية.

1 - شاكر مصطفى سليم ، قاموس الانثروبولوجيا ، جامعة الكويت   1981  ص 56    

2- حسن فهيم ، قصة الانثروبولوجيا ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ،  ص 29 ،  169

3-  تقي الدباغ وقيس النوري ، علم الإنسان الطبيعي ، جامعة بغداد ، 1983 ، ص 9-10

4-www. Annabaa .com    26-1-2009  

5- قباري محمد إسماعيل ، الانثروبولوجيا العامة ، دار المعرفة الجامعية ، الاسكندريه، 1989، صص  9-26

6- محمد عبده محجوب الاتجاه السوسيوانثروبولوجي في دراسة المجتمع  وكالة المطبوعات    الكويت ، بدون سنه ، صص 25-28

7- انظر للتفاصيل :  R.T.Schaefer , Sociology: A, brief introduction, sixth edition, The university of California press, N.W, 2006,pp64-67

8-عيسى شماس ، مدخل إلى علم الإنسان ، اتحاد الكتاب العرب ، دمشق، 2004 ، ص 16

9-علي جباوي ، الانثروبولوجيا : علم الاناسه ، جامعة دمشق ، 1997، ص 9

10-كارمن غودن انيلو، الفلسفة والانثروبولوجيا واللسانيات في الترجمة ، ترجمة مجيد الماشطه ، مجلة دراسات الترجمة ، بيت الحكمة ، العدد الأول ، السنة الثامنة ، 2007 ، ص 5-12

11-قيس النوري ، طبيعة المجتمع البشري في ضوء الانثروبولوجيا الاجتماعية ، جامعة بغداد ، 1970 ، ج1+ج2 ،  صص،   18 ، 3-33،  91-93،   55-67 ،  164-165    

12- شارلوت سيمور سمث، موسوعة علم الإنسان ، المجلس الأعلى للثقافة، ، القاهرة ، 1992 ، صص  125-126   ،  132-174  

13-محمد الخطيب ، الانثروبولوجيا الثقافية ، منشورات دار علاء الدين ، دمشق ، 2008، ص 11-17

14- متعب مناف ، الانثروبولوجيا وأزمة العراق اليوم / مجلة دراسات اجتماعيه ، بيت الحكمة ، بغداد ، العدد 17 ، سنة 2005 ،  صص11-16.

15-   ( راجع قي هذا ) عبد المجيد نشواتي ،  علم النفس التربوي ،دار الفرقان ، عمان ،  1985 ،  صص 69- 96

16- رالف ،بيلز، وهاري هويجز، مقدمه في الانثربولوجيا العامة ، ترجمة محمد الجوهري وزملاؤه، دار نهضة مصر للطبع والنشر ، القاهرة ، 1977، ج2 ، ص  810

17- ارنست خوري ، عملاء بلقب عملاء ،.com  26-1-2009  www.al-akbbar