|
الثلاثاء:
24/02/2009
السيكودراما والمعالجة بالتمثيل المسرحي
زهير حميد علوان
البياتي (*)
(خاص للمعهد)

تعددت وظائف الفنون عامة والمسرح خاصة إزاء ما يطرحه من أفكار ومفاهيم
وما يقدمه من قضايا فلسفية تخص ماهية الحياة، وكذلك ما يقدم من قضايا
تقترب من حياة الإنسان وهمومه وطموحاته. ولأهميته هذه، وظف لعلاج بعض
الأمراض النفسية خاصة، وأطلق على عملية العلاج هذه عبارة (السيكودراما)
أو المعالجة بالتمثيل المسرحي.
تبلورت هذه الفكرة، فكرة العلاج بالدراما أو المعالجة بالتمثيل المسرحي
(السيكودراما) عام 1920 في ذهن ج. ل. مورينو الطالب في كلية الطب في
فيينا. هذا الطالب شغف بالفنون المسرحية ونتيجة لشغفه هذا، أخذ يحلم
بإعادة المسرح إلى عفويته عن طريق منح الممثل أكبر قسط من الحرية عند
أداء دوره، وذلك بوضع فكرة معينة ويترك للممثل بعد ذلك حرية معالجة
وتجسيد هذه الفكرة[1].
وعادة ما ينضم الممثل الذي يقوم بتجسيد هذه الفكرة إلى فرقة مسرحية
تعنى بهذا النوع من العروض المسرحية، وهذه الفرقة تعمل تحت اشراف شخص
يكلف بإدارتها. وغالبا ما يكون هو المؤلف والمخرج والمتابع لشؤون
الممثلين، ولا تكتمل مثل هذه العروض الا باستدعاء جمهور غير تقليدي
يساهم في موضوع المسرحية التي تعرض أمامه من خلال طرح الاسئلة على
مقدمي العرض، وكذلك تبادل الآراء حول الموضوع الرئيس للمسرحية، والتنوع
وتعدد الشخصيات في العرض المسرحي الواحد يضطر الممثل إلى تجسيد هذه
الشخصيات في سبيل ايصال فكرة المسرحية إلى المتلقي الذي هو غالبا ما
يشارك فريق العرض في النقاش حول فكرة العرض المسرحي، كما ذكرنا.
وبقدر ما كانت هذه العروض المسرحية لا تمتلك شروط نجاحها بسبب عدم
التزام الممثل بحركة معينة، وكذلك بسبب الطرح المباشر للموضوع، فإنها
لفتت أنظار المعنيين إلى جوهر المشكلة التي يعاني منها الممثل في حياته
العامة، وتشخيص بعض الأمراض النفسية، وعلاج المرضى الذين أغلبهم من
الممثلين المشتركين في مثل هذا النوع من العروض.
وبتكرار هذه العروض التي تبناها ج. ل. مورينو، المار ذكره انبثقت فكرة
العلاج عن طريق الدراما التي أخذها الأطباء النفسانيون بنظر الاعتبار
بحيث وضعوا لها أسسا خاصة بها ومرتكزات، وأهم هذه المرتكزات هي: اطلاق
الحرية للعواطف الجياشة التي لتجد متنفسا في الحياة الاعتيادية، تجد
لها متنفسا عن طريق التمثيل المرتجل، بالاستمرار في هذه العملية يتخلص
الممثل من جميع العقد التي يعاني منها. وباستمرار مشاركته، في مثل هكذا
عروض فإنه بالضرورة وبالتدريج سيصبح إنسانا يعيش بشكل متزن في البيئة
التي يعيش فيها.
وقد
نظمت طريقة علاجية من قبل مورينو وتبلورت على الشكل التالي: في قاعة
جدرانها عارية يستدعى فيها الأشخاص الذين يتقدمون للمعالجة إلى استرجاع
أو استعادة الفترات الصاخبة والمرهقة في حياتهم الخاصة وإظهار ذكرياتهم
وإثارة عقدهم بشكل يجعلهم يتخلصون تدريجيا من أمراضهم النفسية، بعد أن
كانت هذه العقد حبيسة دواخلهم، ولكي يؤدي الممثل دوره بشكل عفوي يسمح
له باختيار الموضوع الذي يريد أن يعبر عنه بأدائه التمثيلي[2].
يؤكد مورينو أن طريقته تؤثر بتوسيع مساحة العفوية، وهي عامل سايكولوجي
طبيعي يكاد المرء أن يفقده بسبب الشد النفسي والضغوط والمتطلبات
الكثيرة والمعقدة في المجتمع.
وعلى هذا الأساس قام في فرنسا محللون نفسانيون بتطبيق طرق مختلفة قليلا
للعبة المسرحية تترك لها حرية أوسع، والموضوع يُهيأ مسبقا، والسيناريو
يوضع أثناء المحاولات المرتجلة بين المرضى في بدء الجلسات ويقوم كل شخص
مشترك في العملية المساهمة وفق اتجاهاته الفردية، وفي هذه الأثناء يعدل
ويثبت الموضوع الرئيس المتعلق به. وقد تبرز حالات غير متوقعة تعترض
فكرة الموضوع الرئيس.
وعلى الشخص الذي يشرف على هذه العملية أن يركز على ضرورة وجود حالة
مثيرة وكذلك تجنب التنقل ومحاولة ايقاف المريض عند عرض حالته مما يهدد
بإبعاده عن العفوية، ولضمان استمرارية هذه اللعبة المسرحية التي تعالج
العقد النفسية يفضل أن يتواجد طبيبان نفسيان أحدهما رجل والآخر امرأة
بشكل يتمثل أمام المريض التعاطف الأبوي ليعود به إلى مراحل طفولته
وانبثاقه العاطفي عندما بدأت العقد التي هيمنت عليه تظهر ولم يستطع
الفكاك منها. إن الجلسات من هذا النوع تمنح المريض فرصة تشخيص هذه
العقد للتغلب عليها والتخلص منها تدريجيا.
إن
حالة التحويل والنقل المعروفة في التحليل النفسي والتي تتألف من ظهور
علاقات تعاطف أبوي بين المحلل والمعالج، وبين المصاب تظهر في العلاج
الدرامي بشكل خاص يمكن أن تكون إيجابية كعلاقة اعجاب واحترام يشعر بها
المريض إزاء معالجه. أو سلبية عندما يقف المريض موقفا معاكسا من طبيبه.
وكذلك يتم التحويل والنقل بين مريض وآخر، وهكذا يكشف كل واحد منهم
للآخر ويشاركون في تكوين اللعبة، وقد تمر حالات يقطع فيها انسياب طريقة
المعالجة مردها مقاومة المرضى أنفسهم وعدم الاندماج في اللعبة
المسرحية، فمنهم من يرفض الشفاء أحيانا. إن هذه المقاومة تصل إلى عدم
انسياب التدفق العاطفي وتصاعد ايقاعه وصولا إلى النتيجة المرجوة.
وهنا لا بد للمدرب المعالج من استغلال سلطته الضرورية للحيلولة دون
الاخفاق ووصول اللعبة إلى نهايتها. لذلك يتوجب أن تستمر الجلسات بمعدل
جلسة في كل أسبوع لبضعة أشهر وصولا إلى تصفية حقيقية للمشاكل.
إن
المعالجة الدرامية بوسائلها المتنوعة تشكل علاجا قيما حتى لبعض الأمراض
العقلية الحادة. لكنها تؤثر بشكل أفضل في حالات الناس المنطوين عن
الحياة الاجتماعية، فكثيرون أولئك الذي تكون علاقاتهم بالغير مشوشة
بسبب مرورهم بأحداث سيئة، فهم بالتالي يكونون شبه أسرى لعاداتهم
السلبية هذه، فتدريبهم على العفوية في التمثيل المسرحي يمكنهم من
التخلي عن شخصياتهم المزيفة والعودة إلى العلاقات الاجتماعية الطبيعية.
وهنا تأتي أهمية استخدام السايكودراما في معالجة التلاميذ الذين يعانون
من مشاكل نفسية مثل التردد والقلق والخجل وغيرها من المشاكل النفسية،
ولأهميتها هذه طُبق على كثير من الذين يعانون من هذه الحالات وخرجوا
بنتائج جيدة. وهذا يحيلنا إلى الانشطة المدرسية والمسرح المدرسي بالذات
وأهميته في علاج مثل هكذا أمراض بالإضافة إلى ما يحققه من أغراض أخرى
خارجة عن موضوعنا هذا.
بالإضافة إلى السيكودراما تجدر الإشارة هنا إلى أن هناك علاجا آخر أطلق
عليه العلاج بالدراما. وقد تبدو لأول وهلة أن وسائل الوصول إلى الهدف
متشابهة، لكنه في الحقيقة توجد عوامل للتشابه وأخرى للاختلاف، وإن أكثر
الجوانب تشابها بين العلاج بالدراما والسيكودراما يتركز حول دور
الدراما في أسلوب كل منهما[3].
ما
الفرق بين العلاج بالدراما Dramatherapy والعلاج بالسيكودراما
Psychodrama؟
سؤال يدور كثيرا في ذهن من يحاول العمل في أي من المجالين، حيث أنهما
قد يثيران في بادئ الأمر الاضطراب والتشويش الفكري تجاههما، ذلك أن
هناك عناصر مشتركة بينهما، هي التي قد تثير كل هذا الاضطراب نحو
اختلافهما أو تشابههما. ويفضل لدراسة عوامل الاختلاف والتشابه أن نبدأ
بتلك الأسس الدرامية المشتركة بين العلاج بالدراما والسيكودراما في
محاولة لنعرف مصدر التشابه بينهما قبل أن نتعرض للاختلافات.
عوامل التشابه:
إن
أكثر الجوانب تشابها بين العلاج بالدراما والعلاج بالسيكودراما يتركز
حول دور الدراما في أسلوب كل منهما كما مر ذكره، فلو نظرنا إلى تعريف
العلاج بالدراما كما وصفته الجمعية البريطانية للعلاج الدرامي فإن
التعريف يؤكد على أن العلاج بالدراما هو استخدام ذو هدف لكل من الدراما
والمسرح، وما يرتبط بهما من تقنيات من أجل تحقيق أهداف علاجية تؤدي إلى
ازاحة الاعراض النفسية والاجتماعية وخلق تكامل في النمو الانفعالي
والفيزيقي والشخصي، أما بالنسبة إلى السيكودراما، فنجد أن ج. ل. مورينو
مؤسس السيكودراما كما مر ذكره يصفها بأنها أسلوب علمي يكتشف الحقيقة
بأساليب درامية، وإن هذا الأسلوب يرتبط ويتعامل مع العلاقات الشخصية
الداخلية والعوالم الخاصة للمرضى[4]،
ومن التعريفين السابقين نلاحظ ارتباط كل من الاسلوبين بالدراما، وكل من
يشارك في اجراءات العلاج بالدراما أو بالسايكودراما لا بد أن يتوقع
وجود عناصر من المصطلحات الدرامية Dramatic Idioms أثناء الممارسة
بجانب ما يمكن استخدامه من العناصر الدرامية الإبداعية التي تساعد على
اكساب العملية العلاجية شكلها المميز ودوافعها، والتي يستخدم فيها كل
من المعالج والمريض تلك المنابع الداخلية الإبداعية في العملية
العلاجية التي تعتمد على الاندماج في أداء الفعل الدرامي والواقع
الدرامي الذي يعتبر جزءا من الفعل الذي يبدعه ويشارك في تجسيده المريض.
وذلك ان كلا من الأسلوبين يفيد مع تقنيات الأداء، والاندماج في الفعل
الدرامي، بخلاف ما يتم في العلاج النفسي الفرويدي والذي يعتمد على
التواصل اللفظي دون أي فعل.
ويمكن تلخيص ما تقوم به الدراما والجسد أو التعبير الدرامي من خلال
الجسد بعد:
-
الفراغ المسرحي.
-
الدراما والحلم
-
الدراما والدور
الدراما والجسد: عندما يعبر الإنسان عن الفعل الدرامي بالحركة فإنه وإن
كان يعبر من خلال مستوى فيزيقي فإن التعبير الفيزيقي ينشأ من خلال حركة
الجسد ينشأ نتيجة لقوة كبيرة من العالم الداخلي للفرد. فهناك ارتباط
وثيق بين الجسد والأحاسيس والانفعالات والحالة العقلية والتعبير
الفيزيقي، هنا يكون مدخلا سهلا للتعرف على الانفعالات والعالم الداخلي
للفرد.
والعلاقة بين الجسد والحالة النفسية تشكل ركنا هاما في تدريب وأداء
الممثلين الذين يتعلمون كيفية تحقيق المرونة الفيزيقية والصوتية حتى
يكون أداؤهم الدرامي ذا تأثير كبير، وبدون هذه المهارات والتدريب عليها
تظل قدرات الممثل التعبيرية محدودة. وقد ينتهي به الأمر بأن يعبر في كل
دور عن شخصيته هو، وهذا بالضبط ما يتم مع المريض الذي لا بد له من
المشاركة الجسدية في الأداء من خلال التعبير الكامل في المواقف التي
اعتمدها وتجاوزها دون أن يقوم بالتعبير في أدوار جديدة وبديلة لأداء
تعبيراته الذاتية.
هناك أيضا ارتباط ما بين الجسد واللاشعور، وقد وصفته عالمة النفس Joyco
McDougel في كتاب عنوانه (مسرح الجسد) 1989 حيث قالت: "إن الاعراض أو
المظاهر الجسدية (الفيزيقية) تعكس نفسها باعتبارها تواصلا مع الآلام
الداخلية، والشيء نفسه في السايكودراما"[5].
فبعض الأعراض الفيزيقية التي تظهر في ممارسة السايكودراما من خلال
الفعل قد تكون المدخل لسلسة من الدلالات التي في الذاكرة التي تشير إلى
أسباب الاضطرابات التي يصادفها منها المريض، وهذا ما لم يتم في كل من
العلاج بالدراما والعلاج بالسايكودراما حيث يعملان من خلال الخبرات
والممارسات الفيزيقية على تصعيد الانفعالات وخبايا اللاشعور إلى المسرح
العلاجي.
استخدام الفراغ في
المسرح والعلاج:
إن
الفراغ والمساحة العلاجية تقرن بشكل أو بآخر بالفراغ (خشبة المسرح) أو
يقصد به ذلك الفراغ أو المساحة التي يمكن خلالها تقبل الوهم Illusion
التمثيل حيث تجسد الخبرات المختلفة عن طريق الأداء في أبعاد ثلاثة،
وعندما نذهب إلى المسرح نتقبل راضين الفعل الذي نشاهده على خشبة المسرح
باعتباره واقعا خاصا مختلفا عن واقع ذات الفعل في الحقيقة، وقد وصف
الناقد الانكليزي (كولريدج) هذه العملية بوصفها إرجاء مؤقت للشك[6].
فعندما تخفت الإضاءة عند بدء العرض فإن المشاهدين يتقبلون الدعوة
لإرجاء الشك بنفس الطريقة التي يلجأ إليها الطفل عندما يسمع "كان يا ما
كان في سالف العصر والأوان" أو دعنا نتوهم، خاصة لو علمنا أن كلمة
مسرحية play تستخدم للإشارة لكل من الإنتاج المسرحي والأنشطة الإبداعية
ذات الخصائص الدرامية، أو الإيهامية التي يقوم بها الأطفال.
في
سياق العلاج بالدراما أو السايكودراما، فإن المرضى يدفعون لاستخدام
عوالم الذاكرة والخيال والأساطير في العلاج، ويحاولون تجسيد أشياء
عديدة من خلال الطفل، كل هذا وتحت مظلة الأمان التي تحققها الأساليب
العلاجية، وفي وجود الفراغ الدرامي يسمح لهم سياق التوهم التمثيلي هنا
بحرية أكثر للتعبير والتفسير.
ويمكن تفسير الكيفية الخاصة التي ينقل بها الواقع على خشبة المسرح أو
في السايكودراما أو في العلاج بالدراما بتفسير مشتق عن الانثروبولوجيا
وطقوس العبور، وهو تعبير عن الانتقال الموجود بين مرحلة وأخرى في حياة
الفرد. هناك أيضا مفهوم آخر يرتبط بهذه الظاهرة مشتق من كتابات:
Transitional Space, D. W. Winch
وهو ما يُعرف (بالمظاهرات المعبرية أو
المساحة المعبرية) أو (الفراغ الانتقالي) وهو الفراغ الذي يتم فيه
الأداء التمثيلي، وهو فراغ يتوسط ما بين الواقع الداخلي والواقع
الخارجي للطفل، وهو يلعب دورا كبيرا بالنسبة إلى الطفل وموضوعاته
الانتقالية والتي تكون عادة "دميته اللعبة" والتي تسمح بوجودها على
مستوى واقعي إلى حد ما بين "أنا" ولست "أنا" فتضع جسرا بين الذاتية
والموضوعية[7].
فالموضوع موجود في العالم الخارجي بشكل عياني لكنه ينتقل ويتحول إلى
موضوع داخلي له دلالاته ورموزه المرتبطة بالعالم الداخلي للطفل. وهذه
الكيفية تمثل قوة تحول وانتقال تطوري، نفس الشيء يوجد في كل من العلاج
بالدراما والسايكودراما، فهناك فراغ علاجي وانتقالي يعمل كجسر بين
العالمين الداخلي والخارجي ويرتبط بقوة بما يعرف بالمجاز الدرامي
وبخبرة التمثيل والموافقة على أن التمثيل يمكن أن يساعد على من يدون
الايضاح ويغير من البالغ كما يغير اللعب من الطفل.
الدراما
والحلم:
من
خلال خبرات الأحلام، أصبحت دراما العالم الداخلي مألوفة لنا، لا
تخاطبنا عن طريق الكلمات، بل تتواصل من خلال انطباع درامي أيضا، ففي
الحلم نجد عديدا من العناصر الدرامية كالقصة والموقع والحبكة والمشاهد
وتغير المشاهد والخلافات الخاصة، والشخصيات، والحوار، وتشارك كل تلك
العناصر في التعبير عن معاني الحلم وحتى في أحلام اليقظة التي هي أكثر
قربا للعقل الواعي، فإن النفس تلجأ إلى الحوار الدرامي، والخيال لتفسير
ديناميات الصراع، هذه العملية تتم بشكل طبيعي ومألوف لنا جميعا. لنفس
العناصر يلجأ المعالج بالسيكودراما لتفسير الجوانب الشعورية
واللاشعورية على السواء، فالقصص ذات الجذور الخيالية التي ترتبط
بالذاكرة يمكن استخدامها لتشارك في الدراما، وان كان كل من الأسلوبين
يعتمد على الدراما كوسيلة للتواصل واكتشاف الاهتمامات الداخلية للفرد
إلا أن الأسلوب في كل منهما مختلف.
الدراما والدور:
يأخذ مفهوم الدور مكانا هاما في العلاج بالدراما والسايكودراما. وقد
عرف مورينو الدور بأنه الشكل الفعلي والملموس الذي تتخذه النفس، اوبأنه
الشكل الوظيفي الذي يتحكم في سلوك الفرد في لحظة معينة حين يتفاعل مع
موقف معين يتضمن أشخاصا وموضوعات أخرى.
ومفهوم الدور هو مفهوم درامي أصلا، وقد طبقه مورينو على أفعال الحياة
منذ لحظة الميلاد. وقد صنف الأدوار إلى الأدوار السيكوسوماتية: وهي
التي ترتبط بالأسلوب الذي يؤدي به الفرد على مستوى فيزيقي والأدوار
الأجتماعية: وهي التي تصف الفرد في علاقاته الاجتماعية مع الآخرين.
والأدوار السيكودرامية: هي التي توجد كصور خيالات داخلية في علاقاتها
بالآخرين، وهي التي تصيغ تفاعلاتنا الحقيقية أو تبعا لسياق أو لخصوصيات
معينة، أو تبعا لبعض عادات الفرد.
كما
إن بعض الأدوار قد تميل إلى التطور على حساب أدوار أخرى، أقل نموا: كما
إن بعض الأدوار قد تصبح ثابتة، وقد تخوننا في بعض المواقف وفي مواقف
أخرى قد تكون غير موظفة وتسبب المشاكل، كل هذا يمكن مصادفته خلال
العلاج بالدراما أو السيكودراما، كما يمكن تشخيص العديد من الأدوار غير
المألوفة خارج أو داخل الفراغ العلاجي، وتطور الدوار وتكرارها يكون
أمام الفرد الحرية في الاختيار من بينها في كل لحظة، وهنا يأتي دور
التلقائية في اختيار الدور، والتي تشكل مفتاحا أساسيا في العلاج
بالسيكودراما. والتلقائية Spontaneity مشتقة من اللفظ اللاتيني Sponte
وتعني الحرية التامة Free Will ولا يعني الفعل التلقائي الفعل خارج
الضبط (التحكم) أو الذي يفتقر إلى الحدود المناسبة. إنها القوة التي
تدفع الرد تجاه الاستجابة المناسبة لموقف قديم. وتعرف السيكودراما
نفسها وتحديدا بتطور التلقائية بهذا المفهوم، وهو المفهوم المحوري في
العلاج بالدراما أيضا. هذه بعض أوجه التشابه الأساسية بين الأسلوبين،
وسوف نحاول النظر إلى الاختلاف بينهما.
الاختلافات:
هناك نقطتان أساسيتان لفهم الاختلاف بين العلاج بالدراما والسيكودراما؛
الأول: الذي يتخذه كل منهما كعلاج جماعي، وخصوصية، وبناء، وتقنيات
العلاج، والثاني، المحاولات العلاجية داخل السيكودراما ومقارنتها
بالمدى الواسع الرحب للعلاج بالدراما.
العلاج بالدراما
والسيكودراما كعلاج جماعي:
يعتبر البطل هو محور العلاج الجماعي داخل الجماعة في السيكودراما،
وبمجرد أن يتم تحديد هذا الشخص الذي يعرف بـ Protagonist يقوم بتوزيع
الأدوار الثانوية على المجموعة والذين تكون أدوارهم إلى حد كبير
انعكاسا لعالم البطل الداخلي[8].
أما في العلاج بالدراما، وان كان التركيز قد يكون على فرد واحد طول
الفترة المخصصة للعلاج، لكن يفضل في أكثر الأحيان أن يوزع التركيز
بحرية حول كل المجموعة. هذا الاختلاف يمكن فهمه بشكل أكثر وضوحا لو
حاولنا أن نفهم أولا المقصود بمفهوم السياق الجمعي Group Matrix
ويقصد به الحالة التي تكون عليها الجماعة.
وهذا المفهوم الذي وضعه S. H. Faulks في سياق التحليل النفسي للجماعة
قد ييسر توضيح الاختلاف. يقول Faulks "نعني بلفظة Matrix للسياق-
الحالة" شبكة العلاقات النفسية والتي تشكل الخاصية العقلية المميزة
للجماعة وليس بين أفرادها فقط، ولكن تميز الأفراد. وكلما تطورت الحالة
إلى شبكة من العلاقات الأكثر تدخلا، تطور من جهة أخرى تحديد الأفراد
لأنفسهم ودخولهم علاقات أكثر دينامية: في التحليل النفسي الجمعي تغرق
الحالة النفسية داخل الجماعة من خلال المناقشات المتنوعة والحرة. ,أيا
كان شكل التواصل داخل الجماعة، فإنه يشكل صدى ينعكس على كل أفراد
الجماعة متضمنا قائدها The Group Conductor وتصبح الأفكار أكثر وضوحا
وفعالية من خلال التواصل اللفظي[9].
يوجد هذا السياق أو الحالة حيث يوجد الاهتمام العام للجماعة في أية
لحظة سواء أكانت جماعة تحليل نفسي أم جماعة العلاج بالدراما أو
السايكودراما.
فأفراد الجماعة ترتبط وتبدع سياقها من خلال تواجدها في لحظة آنية
اعتمادا على مفردات من مواقف من الظروف الماضية أو الأدوار العادية.
وفي
سياق العلاج بالدراما يقترح المعالج هذه المواقف وترتيب الجماعة بها،
ومن خلال ذلك تفجر الحالة بواسطة تفاعل كل الأفراد.
أما
في السيكودراما فيجب ان يُستثار اهتمام الجماعة عن طريق المواقف
والموضوعات التي يختارها البطل أو الشخصية الرئيسية والتي تجذب إليها
اهتمامات الجماعة ككل.
2-
تركيب وبناء التقنيات: إن الاختلاف الرئيس في التقنيات بين العلاج
بالدراما والسيكودراما ينبع من الحقيقة التاريخية أن السيكودراما صدرت
عن رجل واحد هو مروينو Moreno مع بعض التطورات التي قامت بها زوجته
Zerka Moreno لذلك فإن السيكودراما الكلاسيكية ما زالت مستمرة كما هي،
وإن أقيمت مرجعا رئيسا لعديد من التنويعات مثل السيكودراما
الاستراتيجية والسيكودراما التحليلية... الخ.
أما
العلاج بالدراما الماقبل فقد يعود إلى تنويعات الاستخدام والتوظيف
لكثير من التقاليد الدرامية والمسرحية، مثل الطقوس، ورواية القصة،
وكذلك اللعب الدرامي، وأعمال عدة من تدريبات الممثل تبعا لنظرة المدارس
والمناهج المتبعة، الأمر الذي يكسب العلاج بالدراما تنوعا وثراء في
التطبيق ومن ثم في تحقيق أهدافه، بمعنى أنه وان كانت السيكودراما
محدودة في تقنياتها فالعلاج بالدراما أرحب وأكثر في وسائله.
وللأهمية الكبيرة لمثل هكذا مواضيع فإننا من الضروري أن نأخذها مأخذ
الجد، لعلاج الكثير من المشاكل النفسية التي يعاني منها الكثير من
التلاميذ والطلاب، وخاصة في هذه المرحلة المعقدة والشائكة التي نعيشها.
وهنا تتحمل وزارة التربية مسؤولية كبيرة إزاء هذا الواقع، فما عليها
إلا أن تأخذ هذا الموضوع بنظر الاعتبار وذلك باهتمامها بالانشطة
المدرسية، والمسرح المدرسي خاصة[10]
وان نحث الكثير من مديرات ومدراء المدارس، من الذين لا زلات أفكارهم لا
تلامس التطورات الحديثة فيما يخص المجال التربوي بصورة عامة، ان نحث
هؤلاء على التوجه إلى مثل هذه الأنشطة التي هي رديف وجزء لا يتجزأ من
العملية التربوية.
....................
(*) مدرس مساعد معهد الفنون الجميلة- بغداد /قسم الفنون المسرحية
الهوامش :
..................
[1] للاستزادة،
ينظر: موضوع السيكودراما، مجلة طبيبك، العدد 169 لسنة 1970،
ص58.
[2] ينظر: المصدر
السابق، مجلة طبيبك، العدد 169، صفحة 62.
[3] للاستزادة
ينظر: كمال الدين حسين، مدخل في العلاج بالدراما، مجلة الطفولة
والتنمية، المجلس العربي للطفولة والتنمية، العدد: 6، مجلد صيف
2002، ص31.
[4] للاستزادة
ينظر: المصدر السابق، كمال الدين حسين، مدخل في العلاج
بالدراما، ص32.
[5] ينظر: كمال
الدين حسين، مدخل في العلاج بالدراما، مصدر سابق، ص34.
[6] للاستزادة،
ينظر: المصدر السابق، كمال الدين حسين، مدخل في العلاج
بالدراما، ص36.
[7] ينظر: المصدر
السابق، كمال الدين حسين، مدخل بالعلاج بالدراما، ص37.
[8] ينظر: المصدر
السابق: كمال الدين حسين، مدخل في العلاج بالدراما، ص 37.
[9] ينظر: المصدر
السابق: كمال الدين حسين، مدخل في العلاج بالدراما، ص 38.
[10] للاستفادة:
يحيل صاحب هذا البحث أنظار المعنيين في وزارة التربية إلى
رسالة الماجستير المعنونة (التمثيل بين العفوية والمبالغة في
عروض المسرح المدرسي في العراق – دراسة تحليلية) للباحث زهير
حميد علوان البياتي، وهذه الرسالة موجودة في مكتبة كلية الفنون
الجميلة- بغداد.
|