|
السبت:
14/02/2009
العنف العائلي ضد المرأة .. أسبابه والتدابير الشرعية للحد منه/2
(*)
ناصر الدين محمد
الشاعر
سابعا : حسن الظن
بالزوجة مع الاعتدال في الغيرة :
الغيرة مسألة فطرية تدفع إلى الحذر
في العلاقة مع غير الشريك وتخلق مزيدا من الدفء والمحبة بين الزوجين ،
بينما اللامبالاة والبرود المطلق ، قد يفسران بعدم الاهتمام بالشريك أو
حتى بعدم محبته . من أجل ذلك لا تصح الدعوة إلى نبذ الغيرة أو محاربتها
أو نعتها بأوصاف لا تليق . ففي الحديث الشريف : "أتعجبون من غيرة سعد ؟
لأنا أغير منه ، والله أغير مني . ما من أحد أغير من الله . من أجل ذلك
حرم الفواحش ."(1) هذا اذا كانت الغيرة في مجالها الصحيح وفي حدودها
المعقولة . فليست كل غيرة محبوبة . وهو ما أكده قول الرسول الكريم صلى
الله عليه وسلم : " من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله . فأما
التي يحبها الله فالغيرة في الريبة . وأما التي يبغضها الله فالغيرة في
غير ريبة"(2) . كما أن الغيرة قد تنقلب إلى ظاهرة مرضية تعصف بالرابطة
الزوجية بل وربما تؤدي إلى ارتكاب جريمة إذا ما نفث الشيطان فيها سمومه
. من أجل ذلك ولتجنب الوقوع في المحظور ، دعا الإسلام إلى التوسط في
الغيرة وعدم المبالغة في الاحتكام إليها . خاصة وأن المبالغة قد تشير
إلى سوء الظن بالشريك ، وهو ما يمزق النسيج الأسري. واذا كان حسن الظن
بالناس عامة مطلبا دينيا ، فمن باب أولى أن يكون ذلك بين الزوجين .
ويؤكد ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم : "إذا أطال أحدكم الغيبة ،
فلا يطرق أهله ليلا" ، أي على غفلة يتخونهم ويلتمس عثراتهم ، لما في
ذلك من سوء الظن بالزوجة (3) . وإذا كانت الغيرة نارا تحرق أحشاء
الظنانين بأهلهم ظن السوء ، فإن الخطر الحقيقي إنما يكمن في تحولها إلى
بركان متفجر يحرق كل ما حوله بدءا بالرابطة الزوجية ومرورا بتشرد
الأولاد ، وقد ينتهي الأمر بارتكاب جريمة قتل . بل وقد يبلغ سوء الظن
بالزوج حد إنكار علاقته بإنجاب بعض أولاده .
والغيرة ، حتى وإن كانت بدافع
الحرص على المرأة ، فإنه لا ينبغي لها أن تقود إلى حرمانها من حقوقها
... لكن هذا لا يعني أن تتجاهل الزوجة مشاعر زوجها . بل هنالك جملة من
التدابير الاحتياطية التي على الزوجة مراعاتها لضمان عدم اثارة الريبة
في نفس زوجها . من ذلك أن لا تدخل إلى بيتها غير المحارم من الرجال في
حال غيبة الزوج ، حتى وإن كانوا من أقاربهما ... ومن ذلك أيضا دوام
تحليها بالحشمة والوقار خلال تعاملها مع الرجال عامة سواء في العمل أو
أثناء الزيارات العائلية وغيرها .
ثامنا : حسن
اختيار الشريك ابتداء
لعل أولى الإجراءات التي من شأنها
أن تحقق أعلى درجات التوافق بين الزوجين ، إنما تكمن في حسن اختيار
الشريك . وهو الأمر الذي ينبغي أن يحرص عليه كل من الطرفين ، بل معهما
عائلتاهما . لأجل ذلك فقد أوصى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ،
بضرورة اختيار ذات الدين من النساء ، من غير نكران لأهمية العناصر
الأخرى المساعدة في تحقيق الرضى . كما أوصى الأولياء بتزويج بناتهم
لمنم يرضوا دينهم وخلقهم من الرجال . أما زواج المصالح لايضمن السعادة
والاستقرار فضلا عن أن يديم الرضى والمحبة بينهما ، وهو ما يوفر بيئة
غنية لنشوء العنف وتطوره . وليس مجرد الانتساب إلى هذا الدين هو
المقصود هنا . بل إن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام يعلم أصحابه
ضرورة الأخذ بالأسباب الممكنة كالرؤية (4) وغيرها للتأكد من حصول الرضى
القلبي عن الآخر قبل الاقدام على الزواج . وهو ما ينبغي أن نحرص عليه
اليوم ، اذا ما كنا نبحث عن أسرة مستقرة . يأتي في هذا السياق التحذير
من الاكراه على الزواج ، وهو الأمر الذي دلت النصوص على منعه صراحة
.
تاسعا :
التدرج في معالجة المشاكل وعدم المبالغة في استخدام أي علاج أو التسرع
بالطلاق
تقوم نظرة الإسلام إلى المشاكل
العائلية على التوسط والحذر . سواء من حيث اعتبارها مشاكل ينبغي
الالتفات إليها ، أم من حيث العلاج الذي يفترض أن يقوم على التدرج .
وهو ما يحظر الانتقال من العلاج الأدنى إلى العلاج الأشد الا عند فشل
ذلك الأدنى في تحقيقه للمطلوب . وما دام الزوجان بشرا بطبائع قد تكون
متباينة نسبيا فإن ذلك يحتم وجود بعض الخلافات البسيطة بينهما . وهو ما
يستلزم درجة معقولة من الصبر والاحتمال . وإن كان من معالجة لتلك
الخلافات العادية فلتكن بالحكمة و الكياسة واللطف ، حتى لا يتفاقم
الأمر بينهما . وإلا فإن الوقوف عند كل اختلاف سيؤدي إلى تعكير الحياة
الزوجية وتحويلها إلى محكمة دائمة الانعقاد . هذا لا يمنع بطبيعة الحال
حصول الموعظة اللطيفة أو المعاتبة الهادئة صراحة أو بالإيحاء . بل لعل
هذا لا يمنع حتى من وقوع الهجر اللطيف في حالات معينة باعتباره عتابا
صامتا على تصرف غير لائق كان قد صدر عن الشريك . بيد أنه لا يقع
الانتقال من الوعظ إلى الهجر ، إلا عند عدم جدوى الوعظ ، كما لا ينبغي
لهذا الهجر أن يطول حتى لا ينقلب الأمر إلى ضده ، ويتحول الهجر إلى
قطيعة أو ما يشبه الإيلاء . كما تنبغي الإشارة هنا إلى أنه هجر "في
المضاجع" وليس هجرا "عن المضاجع" أي أنهما يبيتان معا ، وقد يولي
أحدهما للآخر ظهره علامة على عدم الرضى ، في دلالة على أن المقصود
بالهجر إنما هو الجماع لا غير . أما إذا بلغ النشوز حد الاستعصاء
والتعالي مع الامتناع عن فعل ما أوجبه الله تعالى عليها تجاه زوجها ،
فإن الأمر عندها بحاجة إلى علاج أبلغ من مجرد الهجر الذي لم يجد نفعا .
حيث تظهر هنا سلطة التأديب وفق الضوابط الشرعية وعلى أن يكون ذلك بدافع
الحرص ، لا بدافع التشفي أو الرغبة في الانتقام . مع ملاحظة أن لا يكون
الا مع الزوجة الناشز ، وليس مع الزوجة السوية الصالحة . وذلك بدليل
قوله تعالى : "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض
وبما أنفقوا من أموالهم . فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله
. واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن . فإن
أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا . إن الله كان عليا كبيرا" (5) . فالآية
الكريمة هنا تحدثت ابتداء عن النساء الصالحات اللاتي يحفظن ما أمر الله
تعالى بحفظه . هذا الصنف من النساء لم تتحدث الآية عن أي شكل من أشكال
التأديب معه . إنما تم الحديث عن ذلك في المقطع الذي تناول المرأة
الناشز . حتى هذا الصنف من النساء فإن الإجراءات التأديبية بحقه ليست
سوى علاجا محدودا يهدف إلى العودة به إلى طريق الاستقامة ، من غير بغي
ولا عدوان . هذا المفهوم الواضح والبسيط للآية ، يجعل المرء واثقا من
قوله ، بأن الضرب المذكور هنا ليس لجنس النساء عامة ، ولا هو مرغوب فيه
بحال ، إنما هو علاج محدود لفريق غير سوي لم يجد معه أي علاج آخر ، وهو
فريق النساء الناشزات . يؤكد ما ذهبت إليه ، سيرة الرسول الكريم ، التي
تشهد بأنه لم يضرب زوجة قط ، رغم تعددهن وحدوث عدد من المشاكل بينهن من
جنس ما يحدث بين الضرائر ، ورغم مطالبتهن إياه بزيادة النفقة . بل ان
الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لم يضرب خادما ولا أمة ، ولم ينتقم
لنفسه في شيء الا أن تنتهك حرمات الله تعالى ، وكان يستنكر على الرجال
ضربهم لزوجاتهم ... لذا فليس عجيبا أن يعنون البخاري بابا في كتاب
النكاح لتفسير الضرب غير المبرح بقوله : "باب ما يكره من ضرب النساء
وقول الله تعالى . واضربوهن ، أي ضربا غير مبرح" . وفي سنن أبي داود أن
الرسول عليه الصلاة والسلام قال : "لا تضربوا إماء الله . فجاء عمر إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ذئر النساء على أزواجهن [ أي
اجترأن عليهم ] فرخص في ضربهن . فطاف بآل رسول الله نساء كثير يشكون
أزواجهن . فقال النبي : لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن .
ليس أولئك بخياركم"(6). هكذا بكل وضوح : "ليس أولئك بخياركم" . لذا
فليس عجيبا أن يتفق الفقهاء على أن ترك الضرب أولى ، وأن الذي يصبر على
أذى الزوجة ولا يضربها خير وأفضل عند الله تعالى ممن يضربها (7) . وحتى
لو كان ضربا غير مبرح فإنه لا رغبة للإسلام فيه البتة . لأن الأذى ،
ومهما كان شكله ، لا بد وأن يخلق أثرا بليغا في نفس المرأة يفوق ذلك
الأذى الواقع على الجسد ، وهو ما يحاول دون استقامة مشاعرها تجاه زوجها
الذي يضربها كالبهيمة . ولا أحسب أننا سنجد لفظا قادرا على التعبير عما
نريد ، أو على وصف الأحاسيس التي ستعتلج في نفس المرأة المضروبة من
زوجها . وإذا كانت الآية قد جاءت من غير تحديد دقيق لمعنى النشوز ،
فبامكاننا أن نتعرف على بعض صور النشوز من خلال خطاب الرسول الكريم في
حجة الوداع ، حيث يقول : "ألا واستوصوا بالنساء خيرا ، فإنما هن عوان
عندكم . ليس تملكون شيئا غير ذلك . إلا أن يأتين بفاحشة مبينة . فإن
فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح . فإن أطعنكم فلا
تبغوا عليهن سبيلا . ألا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا .
فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم
لمن تكرهون . ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن"(8) .
فهنا حديث عن إدخال الزوجة من يكرههم الزوج من الرجال إلى بيته ، وهو
ما من شأنه أن يثير غضب الزوج بل وغيرته وظنونه ، إلى حد اعتبار ذلك
فاحشة مبينة تستحق عليها الهجر والضرب ، على أية حال ، ومهما كان
المقصود بالنشوز ، وفيما اذا أقدم الزوج على ممارسة التأديب لزوجته
الناشز ، فان الباب لن يكون مفتوجا أمامه على مصراعيه كي يفعل بها ما
يشاء . بل وضعت الشريعة ضوابط محددة لا يجوز الخروج عليها . من أهم تلك
الضوابط أن يكون الضرب غير مبرح وأن يتقيد بالسلامة ، والضرب غير
المبرح هو الذي لا يكسر عظما ولايشين جارحة لأن المقصود منه هو الصلاح
لا غير ... أما الألفاظ النابية ، والشتم والسباب ، فكلها ممنوعة من
الرجل لزوجته ، بل ومن كل مسلم تجاه أي إنسان آخر ، وذلك ما تؤكده
عشرات الأدلة الصريحة من القرآن الكريم ، ومن السنة النبوية المطهرة
... كل هذا والمشكلة لا زالت محصورة بين الزوجين لا يتدخل أحد فيها ،
وهو أمر محمود حفاظا على أسرار البيوت ، فضلا عن أن التدخلات الخارجية
قد تسهم أحيانا في تفاقم المشكلة وليس في حلها . لكن الخلاف قد يتفاقم
أحيانا ، وتفشل معه جهود الزوجين في التوصل إلى حل ، وعندها لا بد من
اللجوء إلى التحكيم الوارد في قوله تعالى : "وإن خفتم شقاق بينهما
فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريد إصلاحا يوفق الله بينهما
إن الله كان عليما خبيرا" (9). وعلى الطرفين أن ينصاعا لقرار هذين
الحكمين سواء لجهة إعادة الحياة الزوجية إلى مسارها الصحيح ، أم لجهة
تغريم أحد الطرفين بالحكم عليه بشيء ما ، أو حتى لجهة التفريق بينهما
إذا ما توصلا إلى قناعة باستحالة التوفيق بينهما.
لا يعني ذلك بحال من الأحوال ،
جواز التساهل في أمر الطلاق . بل إن الشريعة لتحذر بشكل جلي من الإقدام
على الطلاق من غير مبرر ملجئ إليه ، سواء سعى إلى ذلك الرجل أم المرأة
، لذا فلا مجال لاعتبار الطلاق مباحا أي جائزا بإطلاق ، كما أنه لا
يكون واجبا إلا إذا استحكم الخلاف ولا خيار سواه منعا للضرر . بينما قد
يكون الطلاق محرما إذا وقع بدعيا ، ولا أقل من أن يكون مكروها إذا ما
وقع من غير سبب موجب . يضاف إلى هذا عدد من التشريعات المقيدة التي من
شأنها أن تحد من الطلاق . فقد ربط الطلاق بخسارة المهر إن أقدم الزوج
عليه . أما إذا أقدمت عليه الزوجة فإنها هي الخاسر ، حيث تفتدي نفسها
بما يتفقان عليه من مال ، وما ذلك إلا لفرض مزيد من العقبات والقيود
أمام الطلاق ، فلا يلجأ إليه الإنسان بعدها إلا مضطرا غاية الاضطرار .
ثم إن القرآن جعل أكثر من فرضة للتراجع حتى بعد صدور الطلاق ، وذلك من
خلال تشريع الرجعة ، حيث تبقى المرأة في بيت زوجها عسى أن يراجعها
خلالها كما أسلفت . ليس هذا فحسب ، بل وجعل الطلاق مرتين ثم إما إمساك
بعدها بمعروف وإما تسريح بإحسان . وفق هذا وذاك ، جعلت الشريعة شروطا
لصحة الطلاق ، كأن يقع في طهر لم يمسسها فيه . وإلا سمي طلاقا بدعيا ،
يخالف ما جاءت به الشريعة المطهرة . كل هذا سبب حرص الإسلام على الجياة
الزوجية واستمرارها مكانا مستقرا وبعيدا عن أجواء العنف التي لا تصلح
معها حياة ، ولا ينشأ في ظلها أولاد مستقرون.
عاشرا :
رعاية المرأة لحق زوجها
لا شك في أن قيام المرأة بتأدية حق
زوجها وبيتها ، يعتبر مقدمة أساسية لخلق أسرة متعاونة خالية من مظاهر
التوتر ، وهو ما شأنه أن يحول دون وجود أرضية خصبة لنمو العنف وترعرعه
. بل لعل ذلك يلغي حتى الذرائع التي يحلو لبعض الازواج استخدامها مبررا
لمارسة العنف ضد زوجاتهم .
والباحث هنا لا يقصد من ايراد هذا
الموضوع تبرير العنف الذي يمارسه البعض ضد زوجاتهم . انما اورده كنتيجة
لدراسة حالات العنف ، حيث تبين أن جانبا منها انما جاء ردة فعل على
تقصير الزوجة وتطاولها على زوجها . ولما كانت معالجة اسباب العنف مقدمة
ضرورية للحد منه ، فقد كان لا بد من هذا الموضوع ، خاصة وأن المطالبة
بالحقوق انما يسبقها عادة اداء الواجبات . وإلا كانت تلك المطالبة محل
تندر واستنكار . والباحث هنا على علم بأن هذا المدخل لا يروق للبعض ،
ممن يصرون على تحميل مسؤولية العنف لممارسه . رافضين أي بحث في الأسباب
المحيطة به ، أو تلك المتعلقة بالضحية . حيث أنهم يعتبرون ذلك من باب
الدفاع عن المجرم والبحث عن مبررات واهية لفعلته . والباحث وان كان يقر
بضرورة تحميل المجرم كامل مسؤوليته عن جريمته ، الا أنه لا يوافق على
تجاهل الأسباب المحيطة به والتي قد تسهم في زيادة العنف ، وهو ما يجعل
هذا الموضوع ضروريا ، أختم به التدابير الشرعية للحد من العنف العائلي
. ليس ذلك من باب تبرير العنف وانما من باب التدابير الوقائية للحد من
الظاهرة .
فقد دلت النصوص الشريفة من قرآن
وسنة على عظم حق الرجل على زوجته ، جاعلة له عليها درجة ، فسرها
الكثيرون بالقوامة والرعاية والمسؤولية . واذا كانت الأم أعظم الناس
حقا على الانسان ، فان الزوج أعظم الناس حقا على الزوجة . ولو كان أحد
قد أمر بالسجود لبشر ، لكانت المرأة قد أمرت به لحق زوجها . لذا كان
رضى الرجل المؤمن عن زوجته أحد مداخلها إلى الجنة ، اما اذا باتت
المرأة مغاضبة لزوجها تهجره فقد تسببت لنفسها بغضب الله تعالى وبلعنة
الملائكة .
يدخل في حقوق الرجل على زوجته ، كل
من حسن معاشرتها لزوجها ، وقيامها بحقوقه عليها ، وامتناعها عن كل ما
يؤذيه من قول أو فعل ، واحترام قواميته التي وردت بنص الكتاب الكريم
ولم تكن مجرد عرف اجتماعي للانسان العربي يوم نزول الوحي (10) . هذه
القوامة انما كانت لحكمة يعلمها الله تعالى ، وقد نحيط ببعض فوائدها .
ثم انها رئاسة مظللة بالمودة والرحمة ، مما يجعلها مبرأة من التعسف ومن
الرغبة في إذلال المرأة والاضرار بها . لكن هذه المودة لا تتعارض مع حق
الزوج في ارشاد زوجته وأمره ونهيه لها اذا لزم الامر وفق حدود الشرع ،
وبالتالي يكون له عليها حق الطاعة في هذا الاطار . هذه القوامة الرشيدة
، وهذه الطاعة المشروعة ، انما هي أمور ضرورية لاستقرار الحياة الزوجية
واستمرارها ، وهو الامر الموافق للفطرة ، فضلا عن أن الرئاسة والتنظيم
شروط أكدتها التجربة لنجاح أي شراكة ولو كانت شراكة مؤقتة بين اثنين لا
ثالث لهما . وبالتالي فإن المرأة المؤمنة الصالحة لا تكون إلا مطيعة
لزوجها في حدود ما شرع الله تعالى ، "وبالمعروف". من هذه الطاعة
الواجبة ، تلبيتها لحاجته الفطرية اذا دعاها إلى ذلك ولم يكن ثمة مانع
شرعي منه كالحيض والمرض وصوم الفريضة . وقرارها الا لحاجة أو عمل ،
ولكن من غير تعسف يمارسه الزوج . وعدم ادخالها الغرباء ومن لا يرغب بهم
زوجها إلى بيتها . وأن تحفظ ماله فلا تنفقه في غير وجوهه المشروعة ...
وحفظ منزله عما لا ينبغي . فالمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن
رعيتها ، وتقوم بشؤون البيت والزوج والأولاد ، والا كانت مضيعة لبيتها
وأسرتها ، وهو ما ينعكس سلبا على علاقة زوجها بها . هذا القيام بشؤون
البيت والأسرة ، انما يكون وفق العرف وعادات الأقوام ووفق طاقة المرأة
وقدرتها . وعلى الزوج أن لا يبالغ في طلباته بهذا الخصوص ، بل ولا مانع
من أن يمد لزوجته يد العون فيساعدها في انجاز شؤون البيت . فقد كان شأن
الرسول صلى الله عليه وسلم مع أهله على هذا النحو من التعاون ، يخصف
نعله ، ويخيط ثوبه ، ويعين أهله . ولا شك في أن تقصير المرأة بشؤون
البيت ورعاية الأولاد وخدمة الزوج سيحول البيت والأولاد إلى كهف من
الفوضى والروائح الكريهة ، وهو وضعا نفسيا متوترا ويلحق أكبر الضرر
بالعلاقة بين الزوجين ، خلافا للبيت المرتب النظيف ، الذي تنبثق منه
الروائح الزكية ، وتظهر العناية في كل ركن من أركانه ، وعلى كل فرد من
أفراده ، خالقا اجواء من الراحة النفسية لكل أفراد الأسرة وليس للزوج
وحده.
الخاتمة والتوصيات
أولا : تبين من خلال هذه الدراسة
أن العنف العائلي مشكلة تعاني منها شعوب الأرض على اختلاف أجناسها
وأديانها ، وان كان ذلك بنسب مختلفة من منطقة لأخرى أو من شريحة لغيرها
. وبعيدا عن الجدل في حجم انتشار لمشكلة ، فثمة اقرار بوجودها بحجم
يستدعي البحث في أسبابها مقدمة لوضع التوصيات الوقائية والعلاجية على
حد سواء . وإذا كان البعض يناقش في ذلك بخصوص عالمنا العربي بحجة أن
الإسلام يتكفل بالقضاء على المشكلة ، فانه يعوز هذا البعض مراجعة درجة
الالتزام الشعبي بتعاليم الدين فضلا عن درجة معرفتهم بتلك التعاليم
الرائعة ، في وقت تسربت فيه العديد من الثقافات والعادات إلى العقل
العربي على حساب التعاليم الدينية الرائعة .
ثانيا : من خلال فحص أسباب المشكلة
، تبين وجود قواسم مشتركة بين أسباب العنف العائلي من جهة ، وأسباب
العنف في إطاره العام من جهة ثانية . وهو ما يشير إلى ضرورة معالجة
الأسباب بنوعيها ، إذا ما كنا نرغب بالعيش في مجتمعات صحية ومعافاة من
كل أشكال العنف والتمييز ضد المرأة وسواها .
ثالثا : لقد تنبه إلى هذه المشكلة
كثيرون على مستوى الدول والمؤسسات والجمعيات والأفراد ، وصدرت عنهم
العديد من التوصيات بخصوصها ، وهو ما يعتبر في إطاره العام جهدا
انسانيا في الاتجاه الصحيح . وبالتالي فانه يجدر الافادة من ذلك الجهد
، علما بأن هذا لا يعني بالضرورة تزكية كل بند تضمنته الأدبيات أو
التوصيات الصادرة هنا أو هناك ، خاصة وأن لكل شعب ثقافته وقيمه بل
وديانته التي لا تتمشى معها بعض تلك التوصيات .
رابعا : توصلت الدراسة إلى عدد من
التدابير الشرعية للحد من المشكلة . وهي غالبيتها اجراءات وقائية تجول
دون وجود بؤرة خصبة للعنف . بعض تلك الاجراءات يتعلق بالرجل وبعضها
يتعلق بالمرأة . لكن جانبا منها انما يعود إلى المجتمع ومؤسساته
والسلطات الحاكمة فيه ، مع تركيز خاص على المؤسسات التعليمية والثقافية
والقانونية في البلد .
خامسا : ولما كان للجهات المسؤولة
في أي بلد دور أساسي في حماية حقوق الأفراد والشرائح الاجتماعية التي
يقع عليها الظلم أحيانا ، فانني أوصي هذه اجهات بالايعاز بدراسة أسباب
العنف في البلد وبفحص المحاضن التي تفرخ آثاره المدمرة ، مقدمة لوضع
التشريعات المناسبة التي تحد من سطوته . ذلك مع الافادة القصوى من
تعاليم ديننا الحنيف الذي أكد على انسانية المرأة ودعا الى صون حقوقها
، خاصة على ضوء القدسية التي يحظى بها الدين في قلوب المؤمنين . كما
أوصي مؤسسات المجتمع المدني ذات العلاقة بأن تبذل مزيدا من الجهد
والتركيز في مجال التحذير من الظاهرة ونشر التوعية بالوسائل الوقائية
والعلاجية لها على حد سواء ، مستفيدة هي الأخرى من الأدبيات الدينية في
هذا المجال ، مع ضرب المثل لذلك بشخص الرسول الكريم عليه الصلاة
والسلام وبصحابته الكرام ، الذين يمثلون القدوة والمثل الأعلى للمسلمين
في حياتهم ونمط سلوكهم .
وفي الختام فانه ينبغي التأكيد على
أن التدابير الشرعية لا تنحصر فيما ورد في هذا البحث ، وهو ما يستدعي
التوصية بمزيد من البحث عن اجراءات تضمنتها الشريعة الاسلامية .
الهوامش
................
1) البخاري
، كتاب النكاح ، باب الغيرة ، وكتاب الحدود، باب من رأى مع امرأته رجلا
فقتله .
2) صحيح سنن
أبي داود ، كتاب الجهاد ، باب الخيلاء في الحرب ، حديث رقم 2316
3) البخاري
، كتاب النكاح ، باب لا يطرق أهله ليلا . وانظر نيل الأوطار للشوكاني ،
6/367
4) انظر
الصنعاني "سبل السلام" :3/113 .
5) سورة
النساء الآية 34 .
6) أبو داود
، وكذا الدارمي ، كتاب النكاح لكل منهما .
7) مغنية ،
محمد جواد "التفسير الكاشف": 2/317 . ط3 . دار العلم للملايين . بيروت
1981
8) سنن
الترمذي ، كتاب الرضاع وكتاب التفسير ، وقال هو حسن صحيح .
9) سورة
النساء ، الآية 35 .
10) قال
تعالى:{الرجال قوّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما
أنفقوا ..} سورة النساء ، الآية 34 .
مراجع البحث
...................
1)
بالاضافة إلى القرآن الكريم الذي جرى عزو الآيات إلى مواضعها فيه
مباشرة ، وإلى كتب الحديث الشريف التي تمت نسبة الأحاديث اليها بالكتاب
والباب مباشرة ,والى مواقع الانترنت للمقالات والتقارير في الصحف
والمجلات ، والتي كان يتم الاشارة اليها بذكر عناوينها مباشرة في صفحات
البحث ، فقد جرى الاعتماد بشكل أساسي على قائمة المراجع الآتية:
2) الآلوسي
، أبو الفضل شهاب الدين، "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع
المثاني" دار الفكر، بيروت ، (1978) .
3) أبا
بطين ,أحمد ، "المرأة المسلمة المعاصرة : إعدادها ومسؤوليتها" ، دار
عالم الكتب ، الرياض ، (1991) .
4) الترابي ، حسن ، "رسالة في المرأة" كتيب مطبوع بلا تاريخ أو دار نشر .
5) إبن
تيمية ، أحمد ، "مجموع الفتاوى" ، مكتبة النهضة الحديثة ، مكة ،
(1984) .
6) ابن
حزم ، أبو محمد ، "المحلى" ، تحقيق أحمد شاكر ، مكتبة دار التراث ،
القاهرة ، بلا تاريخ .
7) خضر ،
أسمى ، "القانون ومستقبل المرأة ، ط1 ، مركز المرأة للارشاد القانوني
والاجتماعي ، القدس ، (1998)
8)
الدركزلي ، شذى سلمان ، "المرأة المسلمة في مواجهة التحديات المعاصرة"
، ط1 ، مكتبة روائع مجدلاوي ، عمان ، (1997) .
9)
الرازي ، فخر الدين أبو عبد الله محمد بن عمر ، التفسير الكبير ، ط2 ،
دار الكتب العلمية ، طهران ، بلا تاريخ .
10) رضا ،
محمد رشيد ، "تفسير المنار" الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مصر ،
(1972).
11) زيدان ،
عبد الكريم ، "المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم في الشريعة
الاسلامية ، ط3 الرسالة ، بيروت ، (1997) .
12)
السباعي ، مصطفى ، "المرأة بين الفقه والقانون" ، ط5 . المكتب الاسلامي
. دمشق وبيروت . بلا تاريخ .
13)
الشافعي ، محمد بن إدريس ، الأم مع مختصر المزني" ، ط2 ، دار الفكر ،
بيروت ، (1983) .
14) أبو
شقة ، عبد الحليم ، "تحرير المرأة في عصر الرسالة ، ط1 ، دار القلم ،
الكويت ، (1991) .
15)
الشوكاني ، محمد بن علي ، "نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار" ، ط1 ، دار
الفكر ، بيروت ، (1982) .
16)
الصنعاني ، محمد بن اسماعيل ، "سبل السلام شرح بلوغ المرام" ، مكتبة
الرسالة الحديثة ، بلا تاريخ أو مكان .
17) الطبري
، أبو جعفر محمد بن جرير ، جامع البيان في تفسير القرآن ، ط 3 ، دار
المعرفة ، بيروت (1978) .
18) عبد
العزيز ، أمير ، "التفسير الشامل للقرآن ، ط 1 ، دارالسلام ، القاهرة،
(2000) .
19) عبد
الله ، غسان (إعداد) ، "حقوق الانسان في الإسلام" ، لمجموعة من العلماء
والباحثين ، مركز الدراسات والتطبيقات التربوية ، القدس ، (1996) .
20) العيني
، أبو محمد محمود ، "البناية في شرح الهداية" ، ط 1 ، دار الفكر ، بلا
مكان ، (1980) .
21) الغزالي
، الشيخ محمد ، حقوق الانسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة
، ط 1 ، مطبعة السعادة ، القاهرة ، (1963)
22) الفارس
، لبنى ، "العنف الاسري أسبابه وأثره على سلوك الأطفال" ، بحث تخرج
بكالوريوس ، جامعة القدس المفتوحة ، فرع نابلس ، (2000) .
23) ابن
قدامة ، شمس الدين ، "المغني ، مع شرح الكبير لموفق الدين محمد بن
قدامة" ط 2 ، دار الفكر ، بيروت ، (1997) .
24)
القرطبي ، ابو عبد الله محمد بن احمد الأنصاري ، "الجامع لأحكام
القرآن" ، ط 3 ، دار القلم ، القاهرة ، (1966) .
25)
الكاساني ، علاء الدين ، "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" ، دار
الكتاب العربي ، بيروت ، (1982) .
26) إبن
كثير ، إسماعيل ، "تفسير القرن العظيم" ، ط 3 ، دار المعرفة، بيروت،
(1989) .
27) مغنية
، محمد جواد ، التفسير الكاشف ، ط 3 ، دار العلم للملايين ، بيروت ،
(1981) .
28) النسفي
، عبد الله ، "التفسير المسمى مدارك التنزيل وحقائق التأويل" ,ط 1 ،
دار الكتب العلمية ، بيروت ، (1995)
29)
يحيى ، محمد الحاج ، وجميلة أبو دحو ، وايلين ، "المرأة الفلسطينية
وبعض قضايا العنف الاسري" ، مركز بيسان للبحوث والانماء ، رام الله ،
(1995) .
.............................
(*) بتصرف عن :مجلة جامعة النجاح للأبحاث ، (العلوم الإنسانية ) ، المجلد 17 (2)
، 2003
|