الحضارية «دراسات اجتماعية»

 الأربعاء: 11/02/2009

 

العنف العائلي ضد المرأة .. أسبابه والتدابير الشرعية للحد منه/1  (*)

ناصر الدين محمد الشاعر

 

المبحث الأول : حجم الظاهرة (1)

تكثر في هذه الأيام الكتابات والملتقيات التي تعالج العنف الواقع على المرأة . فهل لهذا الحديث ما يبرره على أرض الواقع في مجتمعاتنا ؟ من الملاحظ بهذا الخصوص ، وجود وجهتي نظر ، الأولى تقول بأننا في خير وعافية ، وأن هذه الأحاديث ماهي إلا فقاعات إعلامية مفتعلة لتحقيق أغراض خاصة لا تخدم المجتمع ، خاصة أنها ليست بحجم الظاهرة . أما وجهة النظر الثانية ، فإنها تؤكد وجود المشكلة إلى درجة اعتبارها ظاهرة يجب البحث في أسبابها مقدمة لوضع العلاج المناسب للحد منها . والباحث هنا لا يسعى للانتصار لهذا الرأي أو ذلك ، ولا لفرض قناعات وآراء مسبقة على البحث . إنما سيلجأ إلى الأبحاث والتقارير ، والمسوح الميدانية ، سواء تلك التي أجريت في مجتمعاتنا العربية أو غيرها . ولا شك بأن لغة الأرقام ومنهج الفحص والاستكشاف ، تبقى المقدمة الأساسية لأي تحليل منطقي . ولعل كثرة التقارير والمسوح مع تنوع مصادرها سيكون الكفيل بإعطاء صورة معقولة عن حجم الظاهرة .

ومن خلال تتبع التقارير سيظهر ابتداء أن هذه المشكلة ليست حكرا على مجتمع دون سواه ، أو على طبقة دون سواها ، مع التسليم بأن نسبة انتشار الظاهرة قد تختلف من مجتمع لآخر ، أو من شريحة اجتماعية لأخرى (2) . حيث أن دولا متقدمة كالولايات المتحدة الأمريكية وأوربا ، تعاني من هذه الظاهرة على حد سواء مع دول من العالم الثالث كجنوب أفريقيا(3) . ففي أمريكا ، حوالي أربعة ملايين امرأة سنويا تبلغ الشرطة عن حادث اعتداء زوجها أو شريكها (partner) عليها ، وتقتل يوميا أربع نساء بسبب الضرب المبرح في البيت ، وتتعرض واحدة للاغتصاب كل 3 ـ 6 ثوان ، كما أن 70 % من الزوجات تتعرض للضرب المبرح على يد أزواجهن ، بل يقال إن الرقم الحقيقي يفوق هذا الرقم كثيرا . وفي بريطانيا 25% من النساء يتعرض للضرب على يد أزواجهن ( أو شركائهن ) ، وثلث البنات يتعرضن لشكل من أشكال العدوان الجنسي قبل ميلادهن الثاني عشر ، ونصف البنات يتعرضن لذلك قبل ميلادهن الثامن عشر . أما بالنسبة للاغتصاب والتحرش الجنسي (sexual harassment) فانه يطال ثلث النساء بشكل متكرر . وفي فرنسا ، 95 % من ضحايا العنف نساء ، في 51 % من تلك الحالات يكون الاعتداء على يد أزواجهن ( أو أصدقائهن ) . وفي إسبانيا ، يرد للشرطة كل يوم بلاغ عن قتل امرأة بطرق بشعة . وفي كندا ، امرأة من كل أربع نساء تتوقع أن تهاجم في مرحلة ما من حياتها . وفي جنوب أفريقيا ، امرأة واحدة من كل ست نساء تضرب باستمرار على يد زوجها . وفي المكسيك ، تقع غالب النساء العاملات ضحايا للعدوان الجنسي . وفي تشيلي ، تقع غالب النساء ضحايا للعنف في بيوتهن ، في حين تتوقع امرأة من كل اثنتين في كوستريكا أن تكون ضحية للعنف في مرحلة من مراحل حياتها وفي الهند يقع حرق خمس نساء يوميا في منازعات تتعلق بالمهر . تشير المعلومات كذلك إلى أن قتل حديثات الولادة يحدث الآن في الصين ، بسبب تفضيل الذكور عليهن في ظل قوانين الحد من النسل . والتقديرات تتخوف من أن أكثر من مليون طفلة حديثة الولادة قد تكون قتلت في الصين (4) . المجتمع الإسرائيلي يشكو كذلك من العنف العائلي المستحكم في حياتهم .

وبالتأكيد فإنه لا داعي للاسترسال بالحديث عن مجتمعات غير إسلامية ، حتى لا يقع استنتاج متعجل مفاده أن هذه الظاهرة محصورة في غير المسلمين . ففي الباكستان وقعت زيادة ملحوظة في عدد قضايا القتل وبخاصة تلك المتعلقة بالشرف وكذا في عدد حالات الاغتصاب . واذا كان أكثر من نصف القتيلات متزوجات ، فإن نسبة لا بأس بها إنما يقل أعمارهن عن ثماني عشر سنة . أما الضرب ، فمستفحل ضد ربات البيوت والعاملات على حد سواء . وكذا الحال في بنجلادش التي تحتل الصدارة في الإحصائيات الدولية فيما يتعلق بالعنف ضد المرأة . أما في عالمنا العربي ، فالظاهرة منتشرة ، ولكن ربما مع اختلاف في حجم ونوع العنف السائد . فقد تحدثت التقارير عن أشكال من هذا العنف في الأردن بما فيها جرائم القتل للشرف . كذلك الوضع في مصر وسوريا وان كان بأشكال أخرى . وفي فلسطين ، ثمة دراسات وأبحاث تشير إلى وجود الظاهرة ، سواء على شكل العنف الجسدي بالضرب ، أم النفسي بالإهانة اللفظية وغيرها ، أم على شكل الحرمان من حقها في مجالات متعددة ، وهو الشكل الأكثر شيوعا ، وانتهاء بالاعتداء الجنسي ، وبالنتيجة ، وحسب الدراسات القليلة المتوفرة ، وحسب تصريحات المؤسسات الفلسطينية النسوية على وجه الخصوص ، فهنالك عنف ضد المرأة . وحسب دراسة لمركز بيسان للبحوث والإنماء أجريت على ما مجموعه 2410 من النساء الفلسطينيات ، أقرت ثلث المبحوثات بتعرضهن للضرب . يضيف هذا الفريق أن حجم الظاهرة الحقيقي لا زال غير معروف خاصة على ضوء تردد المرأة بذلك لأسباب متعددة ، فضلا عن الجو السائد في البلد بالشأن الوطني العام ، مما يقزم حجم الاهتمام بالمسائل الاجتماعية (5) . وهو أيضا ما يجعل التركيز منصبا على العنف الذي يمارسه الاحتلال على المرأة بأشكال متعددة مباشرة وغير مباشرة . وهو ما يقود أيضا إلى ضرورة الإشارة إلى العنف الواقع على المرأة نتيجة للصراعات المسلحة عامة التي تشتعل من حين لآخر في العالم وتكون المرأة ( والطفل ) أولى ضحاياه . مثال ذلك ما يحصل في أفريقيا والبوسنة والمخيمات الفلسطينية أيام الحرب اللبنانية بل حتى الآن في فلسطين . لكن وفي مقابل هذا الفريق ، يبرز فريق آخر ينكر وجود العنف العائلي في مجتمعاتنا بحجم ملحوظ يسمح باعتباره ظاهرة . هذا الفريق الثاني غالبا ما يتهم الفريق الأول بتضخيم الصورة لغايات خاصة به ، وأن هذه الغايات غالبا ما تكون مرتبطة بمصالح وتوجهات ليست محل ثقة وتحظى بالعناية والدعم والتمويل الأجنبي (6) . بالاضافة إلى هذين الفريقين المتعارضين تماما ، يبرز فريق ثالث من الباحثين والمتابعين يعتقد بوجود العنف العائلي في مجتمعاتنا بأشكال متعددة ، ويقر بأن المسألة من الأهمية بدرجة تستدعي البحث لمعرفة أسبابها ولوضع العلاج المناسب لها ، رغم اعتقاده بوجود مبالغة في الأرقام التي يعرضها الأولون (7) . وعلى أية حال ، فإن الباحث لا يملك اللجوء إلى التفاؤل الموهوم كي يزعم بأن المرأة عندنا بخير كبير ، لأن زعما كهذا لن يصمد أمام الإشكالات العديدة التي تواجه المرأة العربية على وجه العموم ، سواء كان ذلك على صعيد النظرة اليها ، أم على صعيد المعاناة اليومية التي تقع عليها ، فضلا عن حرمانها من جانب غير قليل من حقوقها . صحيح أن الإسلام قد أعطى للمرأة المكانة اللائقة ، وأنه اعتبرها شريكا حقيقيا في بناء الأسرة وفي تنمية المجتمع . لكن الصحيح أيضا ، أن نظرة واحدة إلى واقعنا المعاصر يمكنها أن تعصر الكبد على ما آلت اليه أوضاع المرأة العربية اليوم . إننا هنا لا نتحدث عن الإسلام كدين ، إنما نتحدث عن المسلمين كبشر ، وهو ما يستدعي عدم الخوف من كشف الواقع بحجة الغيرة على الدين . بل إن الغيرة عليه تستدعي الفصل بين الامرين حتى لا يقع لبس فيظن البعض بأن الدين هو المسؤول عن هذا الواقع . كما وينبغي القول هنا إنه لولا الدين لكان الواقع أكثر سوءا مما هو عليه الآن . ومن هنا فإن أي جهد اجتماعي بريء يهدف إلى إصلاح وضع المرأة القائم ، سيكون خدمة للمرأة وللدين معا .

 

المبحث الثاني : العنف في إطاره العام وإطاره العائلي

شرح المصطلح وتفسير الظاهرة

هنالك جملة تعريفات حديثة للعنف (8) ، وهي وإن كانت تختلف في بعض أوجهها إلا أنها تكاد تتفق على جوهر الموضوع . ولعل الاختلاف إنما يعود إلى الزاوية التي انطلق منها أو ركز عليها هذا التعريف أو ذاك ، من حيث التركيز على العنف الجماعي أو الفردي ، عنف الدولة أو الأشخاص ، الوسائل المستخدمة أو الأهداف المرجوة ، العنف الابتدائي الذي لا يظهر له ما يبرره أو ما كان ردة فعل .

فالعنف في بعض التعاريف بمثابة سلوك عدواني ضد طرف آخر بهدف استغلاله وإخضاعه ، في حين ينظر اليه تعريف آخر على أنه لغة التخاطب الأخيرة مع الآخرين حين يحس المرء بالعجز عن إيصال صوته بوسائل الحوار العادي وحين تترسخ القناعة لديه بالفشل في إقناعهم بالاعتراف بقيمته وكيانه . وفي تعريف آخر تجري الإشارة إلى الإحباط الذي يؤدي إلأى سلوك طريق العنف . بيد أنه في بعض التعاريف وجه من أوجه الروح السادية الكابتة في الفرد وانعكاس من انعكاسات الأنا لديه . وعند تخصيص الأمر بالعنف العائلي ، فإنه غالبا ما يجري الحديث عن العنف الموجه ضد الزوجة بصورة خاصة ، وضد الطفلة بصورة ثانوية . وقد يجري الحديث عن العنف ضد المرأة بشكل عام هنا يكون المقصود كل أشكال العدوان والتمييز ضد المرأة في المجتمع . علما بأن العنف الموجه ضد المرأة قد يقع على ثلاثة أنواع ، وهي العنف الجسدي بالضرب باليد أو بأي وسيلة أخرى تلحق الضرر بجسدها ، والعنف النفسي أو اللفظي الذي يستهدف المساس بكرامة المرأة وقيمتها ، والعنف الجنسي .

ولتفسير العنف ، يرى د. علاء الدين القبانجي أن العنف لم يكن في يوم من الأيام فطريا ، بل هو مكتسب في النفس البشرية . وأن عنف الطبيعة وعسر الحياة وعنف الآباء هي التي تغرس العنف في خلايا الدماغ حتى يكاد أن يكون موروثا ومتلبسا في البعض تلبس الشيطان لا يتوقف ولا ينتهي (9). ومجال البحث هنا ليس للفصل في الجدل المعاصر حول إمكانية توارث صفات خلقية ، وبالتالي تبرئة أو تجريم من يقومون بأعمال شاذة . علما بأن الذي يمكن أن إليه الباحث ، هو أن الإنسان مسؤول بدرجة ما عما يقع ، فكل نفس بما كسبت رهينة . وبالتالي فان البحث في اسباب العنف ليس لتبرير الجريمة أو لتبرئة المعتدي ، إنما لإزالة تلك الأسباب ، حتى لا تبقى مرتعا لنمو العنف .

أسباب العنف هذه قد تكون ذاتية فردية ، كمرور الإنسان بحالات من الإحباط والفشل المتكرر. وقد يكمن السبب في الحرمان مما يجعل العنف وسيلة تعويضية ، خاصة لمن حرم الحب والحنان ، وقد يكون العنف لإثبات الذات وإظهار الرجولة أو بدافع الانتقام . كما أن بعض تلك الأسباب قد تكون بيئية وهنالك جملة من النظريات لتفسيرها (10) . فضلا عن نظرية التعلم ، التي ترى العنف سلوكا يتعلمه الإنسان من خلال مشاهدته في البيئة المحيطة به ، سواء على أرض الواقع ، أم من خلال ما يعرض في التلفاز من مناظر عنيفة تكاد تصل ثلاثة  أضعاف المادة العلمية التي تعرضها تلك لوسائل . وقد تكون هناك عوامل ذاتية كارتفاع الروح السادية. وكذا التعصب ، هو الآخر ، لا يخلو من نزوع غريزي تظهر صورته في الحماس الشديد والمنفلت الذي يؤدي إلى العنف . التنشئة العائلية ، حسب رأي العديدين ، والمنبثقة عن المعايير المجتمعية ، قد تؤسس للعنف عامة ، وللتمييز والعنف ضد المرأة خاصة وبالتأكيد فإنه لا يمكن للدين أن يكون جزءا من تلك المعايير المنحازة ، خاصة على ضوء مساواة الإسلام العامة بين الرجل والمرأة فيما يخص جوهر القضايا الإنسانية . ذلك بالرغم من أن بعض الناس يستغلون الدين ويفسرونه تفسيرا خاطئا ، وبالتالي يقومون ببعض الممارسات الشائنة ضد المرأة باسم الدين ، والدين من ذلك براء . يلحق بذلك التسيب وعدم الانتماء . فالشخص غير المنتمي لا يشعر بالقرب أو الارتباط بما يحيط به . ذلك بالاضافة إلى أثر انتشار المخدرات والمسكرات على مضاعفة ظاهرة العنف في المجتمع وداخل الأسرة . يضاف إلى ما سبق ، ما قد يقع على بعض النساء بدافع الشرف ، وهو ما قد يحصل أحيانا حتى من غير وجود أدلة كافية ، أو على فتاة دون السنة الثامنة عشر من العمر ، و كثرة تدخلات أفراد الأسرة الممتدة ، وخروج المرأة للعمل إذا كان ذلك يتسبب بالتقصير في متطلبات الأسرة عناصر ترفع من درجة العنف (11) . بل ان حديث المرأة مع زوجها بلهجة غير مناسبة إلى حد إهانته أمام أقاربه وأصحابه ، بالاضافة إلى رفضها الاستجابة لرغبة الرجل بالمعاشرة ، أمور توتر العلاقة بينهما . في بعض المجتمعات ، التي يكون فيها على المرأة تأمين جهاز الزوجية أو المهر ، يكون عدم قدرة الزوجة وأهلها على توفير ذلك ، سببا من أسباب العنف . وكذا الغيرة الزائدة لدى أحد الزوجين أو كليهما (19) خاصة مع وجود ما يثير الريبة من تصرفات أحدهما ، يقود إلى ممارسة العنف . يضاف إلى ذلك دور الحروب في رفع مستوى العنف ضد المرأة بشكل خارق لكل المعاني الإنسانية والتفاهمات والأعراف والقوانين الدولية . 

بالإضافة إلى كل هذه الأسباب التفصيلية ، يبرز سبب إجمالي ذكره أكثر من باحث ، ألا وهو بعد المجتمع عن القيم الدينية وعدم احتكامه إلى شرع الله بخصوص الحقوق والواجبات وشكل العلاقة بين الرجل والمرأة (12) . خاصة على ضوء المفارقة الملحوظة بين تصرفات المسلمين وبين التشريعات الإسلامية التي يؤمنون بها . تلك التشريعات التي أنصفت المرأة ولم تنتقص من قدر الرجل ، وأعطت كل ذي حق حقه ، ووضعت الأمور في نصابها بالقسط والميزان ، وجعلت فوق ذلك مودة ورحمة تسودان أجواء الأسرة وتخففان من ضنك الياة وتلطفان من حدة الخصومة . وأما من أعرض ، فلا يتوقع إلا المرارة والضنك .

 

المبحث الثالث : موجز الحلول العامة لظاهرة العنف   

   وفق ماورد في أدبيات سابقة ، وفي توصيات مؤسسات حقوقية هنالك جملة من الاقترحات والتوصيات العامة لحل ظاهرة العنف . من ذلك ما ورد في العديد من الأدبيات والدراسات الاجتماعية ، فضلا عن التوصيات التي عملت مؤسسات حقوقية على تعميمها وحض الدول على تنفيذها ، كتلك الصادرة عن الأمم المتحدة وجمعيتها العامة ، وغني عن البيان ، أن هذه التوصيات والاقتراحات والتدابير ، تأتي في صميم موضوعنا محل البحث .

تدعو معظم تلك الاصدارات إلى البحث في أسباب العنف بصورة دورية مقدمة لوضع الحلول المناسبة لها ، وإلى نشر المفاهيم الإيجابية والقيم الإنسانية التي تحترم الآخر وتقاوم الأفكار السلبية كتلك التي تسيء إلى المرأة ، مع الإفادة من التعاليم الدينية تؤكد على ضرورة احترام الإنسان مهما كان جنسه ، والى التركيز على التنشئة الأولى للطفل ، والإفادة من وسائل الإعلام في مقاومة الجريمة ، بدل الإسهام في زيادة حدتها ما تبثه للصغار والكبار على حد سواء . لا يتوقف الأمر عند الجوانب الثقافية ، بل يتعداه للمطالبة بمعالجة الأسباب الاقتصادية للعنف ،  فضلا عن المطالبة بتنقية المجتمع من العناصر المدمرة كالمخدرات والمسكرات . كما ويذهب فريق إلى ضرورة فرض عقوبات صارمة على المتعدين تكون عبرة لهم ولغيرهم ، في حين يذهب فريق آخر إلى ضرورة السعي لتفريغ الطاقات الزائدة في مجالات وهوايات متعددة بدل الكبت الدائم الذي يحصر التفكير ويخلق النفسية المتأزمة . لا يقل أهمية عن ذلك ، الدعوة إلى مساندة ضحايا العنف والوقوف إلى جانبهم للخروج من أزمتهم ، فضلا عن الدعوة إلى توعية الفئات التي يمكن أن تكون عرضة لوقوع العنف عليها بهدف تسليحها بعناصر الحماية والمقاومة والجرأة في طلب المساعدة بدل الصمت الذي يستغله المعتدون لتكرار عدوانهم .

ورد بعض ذلك في نص إعلان القاهرة للمؤتمر الأول لقمة المرأة العربية (13) أما السمالوطي ، مدير مركز البحوث بالمعهد العالي للخدمة الاجتماعية بالقاهرة ، فقد طالب بالعمل على أكثر من محور من المحاور أعلاه كونها تكمل بعضها البعض ، مع الاستفادة القصوى من القيم الإسلامية بهذا الخصوص (14) ، أما الساعاتي فطالبت بدعم قوانين منع العنف والتمييز ضد المرأة ، بالاضافة إلى تنقية برامج التعليم والإعلام من المفاهيم للمرأة (15) . والقبانجي دعا إلى تطبيق العديد من الإرشادات الطبية والروحية والاجتماعية والثقافية ، وإلى ممارسة الهوايات الفردية ، فضلا عن الأجواء الروحانية التي تمنح الإنسان جوا من السكينة والرضى وتعافي من الغلظة والقسوة والأنانية (16) ...

أما الجمعية العامة للأمم المتحدة فقد صدر عنها العديد من الإعلانات الداعية للقضاء على العنف ضد المرأة (17) . من ذلك إعلان القضاء على العنف ضد المرأة عام 1993 م ، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز عام 1979م . بل ولم يتجاهل بعض هذه الجوانب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 وكذا اتفاقيات جنيف عام 1949 م . ولعل من أوضحها ، تلك الإستراتيجيات النموذجية والتدابير العملية للقضاء على العنف ضد المرأة ، الصادرة عام 1997 م ، حيث فصلت في الوسائل والآليات والإجراءات والتدابير التي من شأنها أن تحد من هذه الظاهرة ، جاعلة منها نموذجا يجري تعميمه الدول ومطالبة إياها بمراجعة السياسات والإستراتيجيات والأولويات بل  والتشريعات الداخلية ويتمشى مع هذه التدابير والسياسات النموذجية ، سعيا إلى وقف العنف بسلطة التشريع والقانون بدل الاعتماد على الأدبيات والقيم الاجتماعية وحدها (18).

المبحث الرابع : التدابير الشرعية للحد من العنف العائلي ضد المرأة

تقترح الدراسة عشرة تدابير توصل الباحث اليها من خلال تقصي وتحليل النصوص الشرعية المتعلقة بالموضوع ، فضلا عن الافادة من جهود العلماء والتربويين الذين عالجوا هذا الأمر من قبل . وغني عن البيان أن التدابير قد لاتنحصر في هذه العشرة . فقد يستنبط المتتبع تدابير أخرى لم تتوصل اليها  هذه الدراسة . ثم ان نحل هذه التدابير الانسانية التي سلف ذكرها ، ليتفق مع جملة التدابير التي توصلت اليها هذه الدراسة . وفيما يلي تبيان لهذا التدابير مع مايسندها من تدليل أو يلزمها من تفصيل .

أولا : الاعتراف بالمرأة انسانا له كرامته وحقوقه

لما كان الاعتراف بكرامة الإنسان عامة يشمل بالنتيجة الحتمية اعترافا بكرامة المرأة كونها شق الرجل في الإنسانية ، فقد كان لا بد من الحديث عن هذه الكرامة وعما يلحق بها . فالإنسان هو ذلك المخلوق الذي أبدعه الله وأحسن صورته ، ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة أن تسجد له ، وجعله خليفة في الأرض ، وسخر له ما في السماوات والأرض ، وكرمه وفضله على كثير ممن خلق . كل هذا يدل على تميز الإنسان واختصاصه بالعناية والتفضيل والتكريم . وبالتالي فلا يجوز الانتقاص من قدره وكرامته ، ما دام الله تعالى هو الذي كرمه لعل هذا الموقف من كرامة الإنسان هو الذي يفسر لنا تكرار النهي عن الظلم . ولعل هذا ما يفسر  لنا أيضا تأكيد القرآن الدائم على أصل المساواة بين البشر من غير تفريق بينهم ، إلا على أساس التقوى التي بمقدور كل الناس أن يتنافسوا فيها . فلا مجال للتمايز على أساس العرق أو اللون أو الجنس . بل إن اختلاف الناس في ذلك ما هو إلا آية من آيات القدرة الإلهية (19) ، فكيف يجوز أن تنقلب هذه الآية إلى نقمة يتصارع الناس على أساسها .

لذا شدد الإسلام في النكير على الرجال الذين يظلمون زوجاتهم من خلال تذكيرهم بالميثاق الغليظ الذي أخذنه منهم ، خاصة وأن المرأة تترك أمها وأباها وتلتصق بزوجها كما الظل الذي لا يغادر صاحبه ، وهو ما يستدعي حسن معاشرتها . وبالتالي فلا سبيل للرجل على المرأة إذا ما أدت حق الله تعالى فيه . من هنا ... فما أكرم المرأة الا كريم وما تعمد اهانتها الا لئيم ، وليس خيار القوم من ضرب زوجته وأهانتها . والمساس بحقوق المرأة هو بلا شك من أشكال العدوان على كرامتها وإنسانيتها . لذا فقد منعت الشريعة كل أشكال العدوان على المرأة أو المساس بحقوقها المادية والمعنوية ، متوعدة على ذلك بأشد العقاب . فعامة النصوص تحذر من الجرأة على مال المرأة إلا أن يطبن عنه نفسا (20) ، مراعاة منهن لظروف أزواجهن ، ولكن من غير ابتزاز يمارسه الزوج أو سواه على المرأة . وكذا بخصوص خياة المرأة الزوجية والتقرير بشأنها من غير اكراه من أحد . وكذا بخصوص الميراث ، بل وفي سائر الحقوق المالية اعتبار المرأة شخصية ذات أهلية معتبرة . وذلك فضلا عن حق المرأة في ممارسة شعائرها الدينية ...

ليس عجيبا إذا أن يهتدي الجنس البشري إلى وضع ميثاق لحقوق الإنسان عام 1948م ، وإلى صياغة اتفاقية للقضاء على كافة أشال التمييز ضد المرأة عام 1979م ، وإلى اقتراح تدابير لتحقيق ذلك عام 1997 م . والباحث هنا ليس بصدد مناقشة هذه الاتفاقيات بندا بندا ، إنما يتحدث عن الفكرة العامة التي تقف خلف هذه الاتفاقيات ، حيث عانت البشرية كثيرا من التمييز ، وهو ما دعا العقلاء لوضع التصورات لمعالجة هذه الظواهر التي تحط من قدر الإنسان . وكذا ، فليس عجيبا أن يبادر المجلي الإسلامي الدولي عام 1981 م لإصدار وثيقة لحقوق الإنسان في الإسلام ، شملت مختلف جوانب الحياة وبضمنها حقوق المرأة (21) . لا عجب في ذلك ، فحقوق الإنسان ركن أساسي في الشريعة بل ومنبثقة عن العقيدة ذاتها حسب البعض ، وهو ما يدعو لاعتبار حمايتها من باب الضرورات . وهو ما يدعو كذلك إلى تشجيع إجراء المزيد من البحث في هذا المضمار بهدف تسليح المسلم ضد الاستبداد والقهر ، ولإنصاف ديننا الحنيف وحضارتنا العظيمة ، خاصة على ضوء حملات التشكيك والتشهير التي يتعرض لها الإسلام وحضارته . لذا فليس من الإنصاف الزعم بأن حقوق الإنسان ومواثيقها إنما هي من إفرازات الحضارة الغربية بالكلية ، سواء كان الهدف من ذلك تمجيد الغرب وتجاهل دور الحضارات الأخرى ، أو كان الهدف اتهام هذه الوثيقة مقدمة لرفضها بدعوى أنها نتاج حضارة أخرى مناقضة للإسلام . إنما الصحيح أن هذه المفاهيم ما هي إلا نتاج الحضارة الإنسانية التي أسهم فيها الإسلام إسهاما متميزا . وهو ما بدا يعترف به كثير من أصحاب الرأي والفكر في الغرب وسواه .

ثانيا : تصحيح النظرة إلى المرأة

لا شك في أن النظرة إلى المرأة عامل رئيسي يؤسس إما للاحترام والتعاون والشراكة بين الرجل والمرأة ، وإما إلى احتقار المرأة وازدرائها وممارسة العنف ضدها . إذ لا أحد ينكر انعكاس الأفكار والتصورات والمعتقدات التي يحملها الإنسان على شكل سلوكياته . لذا ركز الإسلام ابتداء على تصحيح جملة المفاهيم الخاطئة التي تراكمت عبر العصور . فهو لم يجعل المرأة "أصل الخطيئة" ، خلافا للكتاب المقدس الذي يحملها مسؤولية إغواء آدم (22) ، ولم يعتبرها جسدا بلا روح إنسانية خلافا لمجمع ماكون المسكوني المنعقد في القرن الخامس الميلادي ، ولم يقل انها أمر من الموت وأسوأ من السم والنار والجحيم خلافا لشريعة الهندوس . وإذا كانت بعض المجتمعات قد أباحت للرجال بيع زوجاتهم حتى عهد قريب كما كان عليه الحال في بريطانيا حتى العام 1805 م ، أو انت تمنع المرأة من إبرام أي تعاقد مالي بدعوى أنها قاصر كالطفل والمجنون كما كان عليه الحال في فرنسا حتى عام 1938م (23) ، فقد أكد الإسلام من البداية على إنسانية المرأة وعلى أهليتها ، بل واستنكر على بعض العرب قتلهم لبناتهم تحت ذرائع متعددة . كما أنه لم يقبل فكرة الرهبنة واعتزال النساء حتى وان كان ذلك بدعوى التفرغ للعبادة. وبالرجوع قليلا إلى مسألة الخطيئة ، نجد من الأديان والمعتقدات من يحمل المرأة مسؤولية إغواء آدم مما كان سببا في خروجه من الجنة . وبالتالي فهي المسؤولة عن تلك اللعنة وعن شقاء البشرية لاحقا بناء على القول بتوارث الخطيئة عبر الأجيال حتى ظهور فكرة الخلاص . أما الإسلام فلا يعترف مطلقا بفكرة الخطئية ، فضلا عن توارثها ، فكل نفس بما كسبت رهينة . بل إن الإسلام لم يقل بتحميل مسؤولية الخطيئة الأولى للمرأة دون الرجل ، وهو ما يتضح جليا من آيات الكتاب الحكيم التي تشير اما إلى آدم وحده ، واما إلى آدم وحواء معا . من ذلك قوله تعالى : "ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (24) ، وقوله تعالى "وعصى آدم ربه فغوى" (25) . فهنا إشارت واضحة إلى آدم من غير ذكر لحواء عليهما السلام . وأما في قوله تعالى " وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة (26) ، فتتضح جليا صيغة المثنى باستخدام ألف التثنية أربع مرات ، حتى مع تلك الشجرة التي وردت بصيغة التثنية . فهل يبقى بعد ذلك أي مبرر لتحميل المرأة دون الرجل مسؤولية تلك الخطيئة ، مقدمة لصب جام غضبنا وانتقامنا عليها !! وعلى أية حال ، ومهما كان من أمر تلك الخطيئة ، فقد انتهت بالكامل مباشرة ، وذلك بعد أن تقبل الله تعالى توبة آدم . وبالتالي فانه لا مبرر للبحث عن طريقة للخلاص أو التكفير عن ذلك . ومن كان فاعلا ، فليبحث عن ذلك لأجل خطاياه الخاصة به والتي يقترفها كل يوم .

بالإضافة إلى سعيه لإزالة تلك المفاهيم الخاطئة ، جاء الإسلام بجملة من التصورات البديلة ، حيث اعتبر المرأة كيانا إنسانيا قائما بذاته ، وموضعا للتكليف يتجه الخطاب الديني إليها مباشرة من غير وساطة أب أو أخ أو زوج (27) . لذا فقد كانت المرأة تأتي لبيعة الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسها . حيث اعتبرها الإسلام أهلا للتكليف العام وجعل لها على ذلك الأجر والثواب كما الرجل . وبالتالي فإن المرأة ، وحسب عملها ، قد تكون مضربا للمثل في الخير والإيمان ، كما أنها قد تكون مضربا للمثل في الشر والكفر . ومن خلال تتبع أحكام الشريعة التي هي تعبير عملي عن مقتضى الاعتقاد ، يتضح لنا كيف أن النساء شقائق الرجال ولا يتميزون من دونهن بشريعة خاصة إلا في أحكام فرعية محدودة ومبررة . ولكن الأصل الباقي والعام هو اتحاد الشريعة وعموم الخطاب للجنسين ، إذ لا يثبت تخصيص إلا بدليل . يؤكد ذلك التكليف العيني لكل من الجنسين بالشعائر التعبدية عموما من صلاة وصيام وحج ، وفيما يتعلق بالأخلاق العامة والمعاملات كالصدق والعدل والتقوى والأدب ، وفي الشأن العام والموالاة والتزام جماعة المؤمنين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  . فالرجل والمرأة يجتمع لديهما مناط التكليف وهو العقل . وبالتالي فان نصوص الشريعة بعمومها تشمل الرجال والنساء معا. ولعل من أكثر الآيات وضوحا في الدلالة على الموضوع ، قوله تعالى : "إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما (28) . حيث تكرر في هذه الآية الكريمة ذكر المذكر والمؤنث في كل فعل مطلوب للتأكيد على تعليق ذلك الفعل بكل منهما . ومثل ذلك قوله تعالى : "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله ، أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم "(29) . كما أن للمرأة في الشريعة أهلية التملك والتصرف ، ولها الحق في اختيار الزوج فلا تنكح إلا برضاها . كما أنها تشارك في الأمور العامة للمجتمع ، من دعوة إلى الخير وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر ودفاع عن الأمة . بل لقد حذر الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام الرجال من منع النساء حظوظهن في المساجد حتى لو كان ذلك لصلوات الليل كما سبق ، وأمر بشهود النساء لملتقيات العيدين مع الرجال . وكذا الحج مشترك للرجال والنساء . ومجالس العلم كانت مشتركة للجنسين في مجلس واحد يتقدمه الرجال .

بهذا تتضح الصورة المشرقة التي يعرضها الإسلام للمرأة نظريا ، ويسعى لحمل المجتمع على تشربها وامتثالها عمليا . لكن ، ولما كانت المجتمعات الإسلامية قد فرطت بالكثير من تعاليم الإسلام ، فليس عجيبا أن تضيع أجزاء من هذه الصورة المشرقة عن المرأة ، وأن تركن عادات وتقاليد غير متوائمة مع تعاليم الإسلام . ليس هذا فحسب ، بل وأسوأ من ذلك قد حصل . حيث ظهرت بعض التفسيرات الخاطئة للدين بخصوص المرأة ، ناسبة إلى الدين عددا من تلك المفاهيم الجاهلية تحت ضغط العرف من جهة ، وتخوفا من الحداثة وما تحمله من انفتاح من جهة ثانية . حيث أن الخوف من الفكر الغربي قد دفع البعض إلى التمسك بالموروث حتى دومن فحصه جاعلا له حصانة دينية تحول دون معالجته فضلا عن مجرد الاعتراض عليه . وفق هذه التفسيرات يجري محاصرة المرأة وطردها من كل مرافق الحياة بحجج متعددة ، بالرغم من النصوص الصريحة بل والأمثلة الواضحة لمشاركة الصحابيات ونساء صدر الإسلام في شتى المجالات . ولعل هذا ما يدفع إلى تكرار المطالبة بالعودة إلى عهد الإسلام الأول للتعرف على الصورة الحقيقية التي يقدمها الإسلام للمرأة . لأن المجتمعات الإسلامية قد تعرضت عبر الزمان إلى محطات من الجمود  مما شكل تراجعا مجتمعيا عن الصورة المشرقة ، لصالح العادات والتقاليد الضاغطة . فالعقل البشري الذي اعتاد تمجيد الرجل إلى حد وأد الأنثى في بعض الحالات ، لم يستطع تفهم نظرة الإسلام الرائعة إلى المرأة كإنسان له وجوده وكيانه وشخصيته . وهو ما دفع تلك المجتمعات إلى محاصرة الامتيازات التي منحا الإسلام للمرأة . وإلى تضييق المجال عليها إلى درجة إلغاء دورها ، وحصر مبرر خلقها في أمر واحد ألا وهو إمتاع الرجل وخدمته في البيت . وبالتأكيد فإن أحدا لا يقلل من أهمية دور المرأة في البيت ، لكن هذا لا يعني إلغاء أي معنى آخر لحياتها . ولا شك بأن البعض يستغل مبررات عديدة لهذه المحاصرة ، مثل سد الذرائع ، ومنع الفتنة ، وفساد الزمان ، وادعاء النسخ ، فضلا عن سحب الأحكام الخاصة بزوجات النبي عليه السلام لتطبيقها على عموم نساء العالمين ، وهي الأمور التي لا تستقيم شرعا . وهذا ما يؤكد مرة أخرى أهمية العودة إلى الأصل الذي كان عليه الصدر الأول من المسلمين ، وذلك بفضل ما عرف عن الصحابة من مزايا إيمانية دفعتهم لالتزام الإسلام روحا وشكلا كما نزل ، خلافا لبعض العهود اللاحقة . لذا فإن الأوفق إنما يكمن في قيادة النهوض بالمرأة من وحل الأوضاع التقليدية الخاطئة ، بدل تركها مرتعا خصبا يستغله من يشاء ، خاصة وأن القديم آخذ بالتداعي مهما حاول البعض التشبث بأطرافه الجانحة للسقوط .

 ثالثا : خلق الوازع الديني لدى الرجال وتوعيتهم بالحقوق الشرعية للمرأة

   لا شك في أن الوازع الديني إذا ما وجد ، إنما يكون صمام أمان لمنع الرجل من الظلم ودافعا له لالتزام الحدود الشرعية . ولعل هذا يفسر لنا سبب بدء أو ختم العديد من الآيات بالتذكير بالإيمان ومرادفاته بمعنى أن المؤمن شأنه أن يلتزم بهذه التعاليم وإلا ففي قبول أو في كماله نظر . "ولا يضعف إيمان الرجال إلا إذا جاروا على النساء واستضعفوهن" (30) ، خاصة وأن غالب  أحكام المرأة في القرآن قد جاءت حدودا موضوعة على الرجال ليلتزموها . كل ذلك في استجاشة لضمائر المؤمنين ولأيمانهم  وللوازع الداخلي كي يراقبوا الله تعالى ويراعوا حرماته فلا يتجرأوا على شيء منها بالتطاول والعدوان . ولعل هذا ما يؤكد أيضا أن الحل لا يكمن بتوعية المرة بحقوقها فحسب ، بل لا يقل أهمية عن ذلك توعية الرجل بحقوق المرأة عليه كي يلتزمها . وعلى هذا الأساس أيضا يمكن فهم التوصية بتزويج البنت من الرجل المؤمن الصالح ، لأنه حتى لو لم يرغب بها ، فإنه لن يظلمها ، لأن مخافته لله تعالى ستجعله يراعي حق الله في زوجته . بل ولعل هذا ما يفسر لنا تضمين الرسول صلى الله عليه وسلم عددا من التوجيهات للرجال بخصوص المرأة في أشهر خطاب له ، وذلك في خطبة حجة الوداع ، مذكرا بحقوق كل من الطرفين تجاه الآخر ، ومذكرا بقول الله تعالى : "فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا" (31) .

هذه المعاني على الجملة ، ما كان الناس قبل نزول القرآن يعترفون بها . يؤكد ذلك ما وراه البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال : ".. إن كنا في الجاهلية ما نعد النساء أمرا حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم .."(32) . ...

ولا شك في أن جملة الحقوق التي تملكها المرأة على زوجها كثيرة ، وتزخر بها كتب الفقهاء والمفسرين والمحدثين وسواهم قديما وحديثا ، مما يجعل رصدها في هذه الدراسة أمرا عسيرا ، ويخرج بالدراسة عن موضوعها . وبالتالي فان الباحث يوصي بتقصي وتعميم تلك الحقوق ، لأن العلم بها شرط لازم لتحققها (79) .

رابعا : جعل التعاليم ذات طابع قانوني ملزم بدل الاكتفاء بالوعظ الديني المجرد

لما كان الطاب الوعظي المجرد غير كاف لحمل جميع الناس على التزام التعاليم الدينية ، فقد توجهت الشريعة منذ اليوم الأول إلى جعل عدد من تعاليمها ذا طابع إلزامي لا يملك الناس مخالفته . ولعل هذا أيضا ما حدا بالدول الإسلامية أخيرا إلى تفريغ جانب من التعاليم والمفاهيم الدينية إلى مواد قانونية ذات طبيعة إلزامية يحتكم إليها الناس عند اختلافهم . بعض تلك القوانين تمت صياغتها مع أواخر العد العثماني وجمعت فيما عرف "بمجلة الأحكام العدلية" و"حقوق العائلة" . ثم ظهر لاحقا جانب من الأحكام المتعلقة بالأسرة ضمن ما يعرف بقانون العائلة في معظم الدول العربية . لكن هذا لا يعني بطبيعة الحال ، أنه وقبل العهد العثماني ، لم يكن ثمة صيغة إلزامية للتعاليم الدينية . فقد كان للقضاة سلطة نافذة يحترمها الناس ، وتقوم الجهة الحاكمة في هذا البلد أو ذاك على تنفيذ قراراتها . بل إن هذا هو عين ما كان يحدث زمن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، حيث كانت تأتيه الشكوى من المرأة فيقضي لها ، ثم يقول لزوجها أو لوليها : افعل كذا وكذا . مثال ذلك قوله عليه الصلاة والسلام للصحابي :  "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" ، "فردت عليه وأمره ففارقها" (33) . فقد تصرف الرسول عليه السلام هنا لا على أنه مجرد مبلغ وواعظ ثم يعود الأمر إلى الرجل إن شاء فعل وإن شاء ترك . إنما تصرف عليه السلام على أنه قاض يحكم بين اثنين ثم يكون حكمه نافذا فيهما ، فلا يملكان أي خيار آخر . لكن ينبغي الاعتراف في هذا المجال بأن جهودا كبيرة لا زالت مطلوبة لتقنين جملة التعاليم الدينية ، حيث أن عددا لا بأس به منها لا زال بحاجة إلى تقنين لضمان التزام الناس بها . ذلك فضلا عن أن عددا من تلك التعاليم التي سبق تقنينها ، قد تكون بحاجة إلى مراجعة . لا ينبغي أن يحمل ذلك على وجه الطعن أو الانتقاص من قدر التشريعات القائمة . إنما هي طبيعة الأشياء ، أن تجري مراجعة الجهود السابقة ، للإبقاء على ما ثبتت صلاحيته ، ولتعديل ما تبين عدم مواءمته لمصالح العباد على ضوء تغيرالزمان ، مادام ذلك محكوما بقواعد الاجتهاد . 

خامسا : خلق جو من المودة والرحمة داخل الأسرة

علاقة الزوج بشريكه ، إنما تقوم على المودة والرحمة والمعروف . ذلك بالإضافة إلى الضوابط القانونية التي قد يلجأ أحد الطرفين إليها لضمان حقه الذي لم يحصل عليه بالتراضي . يؤكد ذلك قول الله تعالى : "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة " (34) . فالسكن هنا ، وحتى يتحقق ، إنما يحتاج إلى مودة وأنس ولطف ولين ومسامحة وبشاشة وجه وسعة صدر وعطاء لا ينتظر رد جميل . وهذا كله لا يتحقق إلا من خلال التعامل مع الآخر بالمعروف ، لقوله تعالى : "وعاشروهن بالمعروف فان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا" (35) . فهنا أمر بالتعامل بالمعروف حتى مع من تكره منها شيئا ، وعسى أن يكون تعاملك هذا معها عاملا في تغيير ذلك الأمر الذي تكرهه . أو لعل هذا الأمر الذي تكرهه ، إنما هو على الحقيقة خير لك من حيث لاتدري . وفي الحديث الشريف : "لا يفرك مؤمن مؤمنة [ أي لا يبغضها ] ، إن كره منها خلقا رضي منها آخر" (36) . إذ ليس من العدل أن تحاكم الإنسان فترده وترفضه لأمر واحد فيه لم يعجبك متجاهلا عشرات الخصال الحميدة فيه ، بل ومتجاهلا عشرات الصفات غير الحميدة فيك انت وتكرهها زوجتك . والمعروف ، وصف عام ، ينبغي أن يظلل العلاقة بين الزوجين حتى أثناء سعي أحدهما لتحصيل حقوقه من الآخر . وفي قوله تعالى : "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة" (37) ، قد يتبادر للبعض موضوع القوامة ، في حين لا يلتفت إلى الأصل العام الذي جاءت الآية لتقريره ، وهو مبدأ التكافؤ العام بين الحقوق والواجبات . فما من واجب عليها تجاه زوجها ، الا ويقابله حق لها عليه . ليس ذلك على وجه التماثل أو التطابق في ذات العمل ، انما المقصود هنا هو التكافؤ لكل منهما بين ما يقدمه وما يحصل عليه . وليس غريبا أن يحيل النص تحديد هذه الحقوق إلى المعروف ، أو إلى العرف الذي ارتضاه الناس ما دام ذلك لا يعارض روح الشريعة . كما ينبغي على الزوج ان يقدم لشريكه غاية ما يستطيع ، وأن يتقبل منه ما قدر عليه متجاوزا عن بعض تقصيراته . بل وعليه أن ينجز واجباته أولا ، ثم هو يترفق بالمطالبة بحقوقه في حال قصر الآخر بأدائها إليه . وحتى لو أحوج الأمر اللجوء إلى القانون ، فإن الطرفين مدعوان ، ورغم تأزم الوضع بينهما ، إلى تسوية ذلك بالمعروف ، بالتي هي أحسن ، ولو بالتنازل عن جزء من الحق للآخر ، في سبيل حماية عش الزوجية المبارك ، أو حتى للخلاص من زواج ثبت أنه لا يمكن للحياة أن تدوم معه . يأتي هذا تطبيقا لقوله تعالى : "فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" (38) . ومن العجيب أن تتحدث الآية عن التسريح بإحسان بينما لا تكاد تجد في واقع المسلمين طلاقا يقع بين زوجين إلا ورافقته مظاهر عديدة من الإساءة والعنف والدعاوى والتشهير ، ثم القطيعة والبغضاء بين عائلتي الزوجين . فما هذا التناقص الصارخ بين ما نعتقد أو نعتقد أو ندعي أننا نعتقد وبين ما نصنع !

والمودة ، ليست مجرد شعار يرفعه الزوجان ، أو أمنية نأمل تهبط عليهما من السماء ، لا لشيء ، إلا لأنهما ينتسبان إلى هذا الدين . إنما هناك جملة من المقدمات التي ينبغي على كل منهما التزامها حتى تتحقق بينهما ، فالمحبة نبتة تسقى بالاهتمام . فلا يمكن للمحبة أن تسود بين الزوجين ما دام أحدهما يتجاهل الآخر أو لا يحسن اختيار الألفاظ التي يخاطبها بها ، أو يسيء الظن به إلى حد التجسس عليه ، أو كان يمارس أي شكل من أشكال العنف ضده . تزداد المشكلة إذا كان أحد الشريكين أنانيا يريد من شريكه كل شيء بينما هو لا يعطي شريكه أي شيء . ولعل التعامل مع المرأة على أنها شريك كامل الإنسانية ، مع إقرارها بقواميته مقدمات أساسية لما نريد . ولعل التباحث مع المرأة في شؤون الأسرة وسواها يزيد في تحقيق الرضى للمرأة عن نفسها ، ثم عن زوجها . لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا يحتذى به في كل ذلك ، حتى انه ليمد يد العون لأهله في شؤون البيت . ثم ان الأمر لا يتوقف عند حد اللياقة في التعامل . بل ان النفقة على البيت والتوسعة على الأهل هي من مستلزمات المودة ، فضلا عن كونها واجبا دينيا على الزوج . هذا ما يفهم من جملة المواعظ النبوية التي جعلت النفقة على الأهل أكثر قربة وأجرا من أية نفقة أخرى . ولكن دون إرهاق للرجل أو تحميله ما لايطيق. وإذا كانت النصوص تلح على الرجل للقيام بواجب النفقة على المرأة ، فثمة نصوص أخرى توصي المرأة بتفهم الظروف الاستثنائية التي قد يمر بها الرجل أحيانا ، وذلك هو الوفاء بعينه . وإذا كان القرآن الكريم يوصي بالصبر على المدين المعسر ، فلا أقل من أن تصبر الزوجة على زوجها حال إعساره ، خاصة وأن خلاف ذلك قد يستفز الرجل ويجعله يشعر بالحسرة والأسى . والنفقة هنا تشمل الطعام والكسوة وسواهما من المتطلبات وفق ما يحدده العرف العام ، لقوله عليه الصلاة والسلام : "ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن ." (39) والإحسان هنا باب عام يشمل كل ما من شأنه أن يوسع على الزوجة ويجعلها هنيئة إلى درجة جعل اللقمة في فمها . وبالتأكيد فإن الحديث هنا لا يدور حول تأييد الإسراف ، إنما لعل هدية متواضعة يفاجئ بها الرجل زوجته قد تترك أثرا مباركا في علاقته مع زوجته ، فضلا عن أن ذلك سيكسر جدار الرتابة والسآمة في العلاقة بين الزوجين ، وكم من شقاق ثار بين زوجين ، ثم تبين أن السبب إنما يعود إلى بخل الرجل الشديد .

ومن استحقاقات تلك المحبة كذلك تلبية كل منهما الرغبة الطبيعية لشريكه . سواء كان ذلك بتحقيق الإشباع العاطفي والجنسي له ، أو الظهور له بمظهر الذي يضمن الانجذاب نحوه ويحقق الراحة النفسية بمشاهدته والجلوس إليه . لأجل هذا حرم الإسلام جملة من الأمور التي كان العرب يمارسونها مع زوجاتهم لما تحمله من حرمان جنسي للمرأة ، فضلا عما يرافقها من امتهان لكرامتها . فقد نص الإسلام صراحة على تحريم الظهار (40) ... حتى الهجر الذي تحدث القرآن عنه تجاه المرأة الناشز ، فإنما هو هجر محدود المدة بهدف التأديب وليس للتعنيف أو التشفي . كما رفض الإسلام فكرة الرهبنة التي تعني اعتزال المرأة بدعوى التفرغ للعبادة . فالحياة لا تستقيم بغير اشباع الفطرة التي خلق الله الناس عليها . ليس ذلك لأجل الرجل فحسب ، وإنما لأجل المرأة أيضا . لذا فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام ينكر على أي من أصحابه إذا ثبت إهماله لأداء هذا الحق لزوجته . ففي رواية أن سلمان الفارسي زار أبا الدراداء رضي الله عنهما فرأى زوجته أم الدرداء رضي الله عنها مبتذلة تاركة الاهتمام بنفسها . فقال لها : ما شأنك ؟ فقالت : أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا . فقال لأبي الدرداء : إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه . فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك له . فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : صدق سلمان" (41) .

هذا الوعظ ليس محصورا على الرجل ، إنما يتعداه إلى الزوجة كي تلبي رغبة الرجل وتشبع حاجته ، إلى حد ترتيب اللعنة عليها إذا دعاها زوجها لحاجته فلم تستجب له . بل إن الشريعة ، قد منعت المرأة من الصيام التطوعي وزوجها مقيم عندها إلا بإذنه ، إذ لعله يريدها لحاجته تلك ، الأمر الذي يتعارض مع الصيام . ثم إن الوعظ ليذهب أبعد من ذلك ، عندما يطلب من المرأة الاستجابة لطلب زوجها حتى وإن كانت في وضع تكون فيه مشغولة ، وذلك بهدف قطع الطريق على المبررات الواهية من جهة ، وللتأكيد على أن الأعمال الأخرى ليس بالضرورة أن تكون أكثر أهمية من هذا الواجب . لا تتوقف المطالب الشرعية عند هذا الأمر . إنما يسبق ذلك المطالبة بالتزين للشريك والظهور له بالهيئة التي تدخل الراحة والسرور إلى نفسه وتجعله منجذبا إليه ... هذه الخصال ، مع ما تحمله من معان تعبدية ، فإنها ذات مصالح دنيوية تزيد في التآلف وتجعل المرء أدعى لانبساط النفس إليه . بل لقد بلغ الأمر بالسنة المطهرة أن تنهي عن مفاجأة الرجل لزوجته التي كان غائبا عنها ، مخافة أن لاتكون جاهزة لاستقباله . فقد روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنهم عندما قفلوا من غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهموا بدخول المدينة ، قال لهم : أمهلوا حتى تدخلوا ليلا ، كي تمتشط الشعثة ، وتستحد المغيبة (42) . فالرسول الكريم هنا يناهم عن سرعة الدخول إلى المدينة ، حتى يدخل الليل ، وتكون النساء قد انتهت من عملها المنزلي ، ولعل خبر عودتهم يكون قد وصل المدينة ، فتقوم المرأة بالاستعداد لاستقبال زوجها وفي في أبهى صورها ، بدل مفاجأتها وهي شعثاء متبذلة . فأي أدب أرفع من هذا ، بل وأي تربية جنسية سبقت إلى ذلك ؟ لذا فقد كانت الصحابيات يلتزمن بقدر من الزينة كالخضاب في الكفين ، والكحل في العينين ، وشيء من الطيب الذي يخفى ريحه ، فضلا عن زينة اللباس والحلي . وهنا ينبغي الحذر بشكل خاص من سعي بعض الناس وتحت ذريعة فساد الزمان ، أو تحت ذريعة الزهد والورع ، إلى تحريم كل أشكال الزينة ، وهو الأمر الذي يتعارض مع قول الله تعالى : "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق" (43) . وقد قال الرازي في تفسيره لهذه الآية : جميع أنواع الزينة مباح مأذون فيه الا ما خصه الدليل (44) . لذا فإن حصول زهد أو إهمال في ذلك ، إنما يشعر بوجود خلل إما عند المرأة ، وإما عند الرجل ، وعندها ، يكون من الواجب السعي إلى علاج الخلل ، حتى لا تفقد الأسرة استقرارها . كما ينبغي الإشارة هنا إلى أن الزينة ليست مطلوبة من المرأة وحدها حتى وإن كانت ذات أهمية خاصة بالنسبة إليها . فالرجل هو الآخر مطالب بالتزين لزوجته ، وإلا فإن النفور هو الخيار الآخر . ولعل هذا ما يفسر لنا قول بان عباس رضي الله عنهما : إنني أتزين لزوجتي ، كما أحب أن تتزين لي لأن الله تعالى يقول ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف (45) .        

سادسا : تشريع الحق في إنهاء الحياة الزوجية المتعثرة بدل  تحولها إلى بؤرة للعنف   

بالرغم من حرص الإسلام على الحياة الزوجية ودوامها ، ورغم اعتبار عقد الزواج ميثاقا غليظا ، فإنه يبقى عقدا مدنيا لا يتمتع بسر إلهي خاص . وبالتالي فإن الفكاك من هذا العقد يبقى شأنا بشريا مشروعا للزوجين وفق حالات وشروط معينة . فإما زواج تحقق أغراضه التي شرع لأجلها . وإما فراق بالتي هي أحسن ، ولكن بعد استنفاد جميع الخيارات والوسائل الأخرى ... ليس في هذا أي حض على الطلاق . إنما الحديث يدور هنا عن العلاج الأخير وبعد فشل كل الحلول الأخرى . وإلا فما البديل عند تعذر التعايش الطبيعي بين الزوجين ؟ هل سيعيش الزوجان تحت سقف واحد رغم أنفيهما ؟ وما هي آثار ذلك ؟ ألا يمكن لهذه الظروف أن تقود إلى التحايل على القانون والإبقاء على الزواج بشكله الرسمي ، في حين تكون القطيعة هي الحقيقة الغالبة ، مع ما قد يرافق ذلك من علاقات مذمومة خارج إطار الأسرة ؟ إن أقل ما يمكن التوقع به في مثل هذه الحالات ، هو موت الزواج وتفريغه من معناه وكبت الاحتياجات الإنسانية أو تلبيتها خارج إطاره ، فضلا عن كون ذلك يخلق بيئة غنية للعنف العائلي . وهذا ما أثبته الواقع حتى من غير ضرورة إلى وضع الفرضيات وفحصها . على أية ، فقد وضع الإسلام جملة من الإجراءات التي تسبق الشروع بالطلاق ، كالوعظ والتحكيم ، وذلك بهدف فحص جميع الإمكانات لرأب الصدع والعودة بالعلاقة الزوجية إلى سابق عهدها . وحتى إذا وصل الأمر إلى الطلاق ، فإن الإسلام يعطي أكثر من فرصة للتراجع . حيث جعل عدة للمطلقة تبقى خلالها في بيت الزوجية عسى أن يراجع كل من الزوجين تصرفاته تجاه الآخر ويعزم على إصلاح نفسه ... والمرجعة أمر ميسور يمكن لها أن تحصل وأن تحصل وأن تتم بأي قول أو فعل صادرين عن الزوج لزوجته ويدلان على إرادة الرجعة ، وذلك في الطلاق الأول والثاني . وإذا كان الطلاق حقا ممنوحا للرجل للخلاص من الزواج المتعثر الذي يستحيل البقاء معه . فقد جعلت الشريعة مجالا للزوجة كي تتخلص هي الأخرى من مثل هذا الزواج وفق ما عرف عند الفقهاء بالخلع ، فضلا عن الخيارات الممنوحة للقاضي كما في حالات العيب والغيبة والضرر . هذا الحق الممنوح للزوجة ، جعلت له الشريعة عددا من الضوابط . إلا أن هذه الضوابط لم توضع لإلغاء ذلك الحق . وإذا كانت بعض القوانين قد تشددت في هذه الضوابط إلى حد إلغاء حق المرأة في التخلص من الرابطة الزوجية رغم الضرورة الملحة ، الأمر الذي يقود إلى تعسف الزوج أحيانا ، فثمة حاجة ملحة عندها إلى مراجعة تلك القوانين . فالشريعة التي منحت الحقوق ووضعت الضوابط ، لا يمكن أن ترضى بالتعسف الذي يحول الضوابط إلى موانع تحول دون استخدام ذلك الحق مطلقا حيث لا يبقى من الخلع إلا اسمه . هذا التعسف قد يجعل المرأة معلقة بهدف إلحاق أذى الحرمان والمعاناة بها ، أو بهدف ابتزازها وأهلها بالمطالب الكثيرة . علما بأن فريقا من الأزواج يكون هو الكاره لزوجته ، وإنما يدفعها هو دفعا بوسائل خفية ومتعددة ، كي تطلب الخلع ، ثم يبدأ بوضع شروطه الثقيلة حتى يوافق على طلبها ، وإلا فإنها ستبقى معلقة وفق تلك الإجراءات القانونية . ليس في ذلك أي تقليل من شأن الرابطة الزوجية ، أو أي تحريض لتسهيل حلها والتحرر منها عند أي نزوة أو ثورة غضب . إنما المطلوب هنا من مقاصد الشريعة ، على حساب المقاصد الشرعية الأخرى . ويبقى هذا الأمر بحاجة إلى مزيد من البحث والتحليل والمراجعة ، إلا أن صفحات هذا البحث وموضوعه ، لا يسمحان بالمزيد هنا .

 الهوامش
.............................

1) سيعتمد الباحث هنا على التقارير الصادرة عن الجمعيات والمؤسسات الحقوقية وتلك المهتمة بشؤون المرأة والمنشورة في الصحف والمجلات وعلى شبكة الانترنت ، مع الحرص على اختيار أحدث التقارير ما أمكن .

2) أنظر: يحيى ، محمد الحاج ، وجميلة أبو دحو وايلين كتاب . "المرأة الفلسطينية وبعض قضايا العنف العائلي" ، مركز البحوث والانماء ، رام الله ، (1995) ، ص 24  .

3) الأرقام الواردة هنا مستقاة من جملة مصادر ، أنظر : الرسالة الإخبارية Leeds Women الصادرة في صيف (1996) ، ليدز ، بريطانيا ، ومجلة صوت المرأة ، (سابق) ، وتقرير "العنف في المجتمع الفلسطيني" في مجلة البيان ، 19/ 8/ 1999 . على www.albayan_mag.com

ــ وبشناق ، نادية ، دراسة عن "العنف داخل الأسرة الأردنية" ، في شبكة رافد للتنمية الثقافية . على الموقع www.rafed.net

ــ وقصاب ، نجوى . والأحمد ، رغداء ، دراسة عن "العنف في سوريا" ، في مجلة البيان ، 22/3/2001 ، على موقع البيان ( السابق ) .

ــ وتقرير عن العنف في الباكستان ، في مجلة المجتمع ، عدد 1391 ، أنظر www.almujtamaa_mag  comg

ــ والساعاتي ، سامية ، عين شمس ، مقال "وقاية المرأة من العنف" في أمان : المركز العربي للمصادر ، أنظر www.amanjordan.org

ــ ومطر ، علي محمد ، بخصوص "العنف ضد المرأة في بنجلادش" في جريدة الحدث ، 22 / 10/ 2000 . انظر al_hadath.arabia.com

ــ وتقرير "العنف يجتاح الدولة اليهودية" ، في مجلة المجتمع ، عدد (1337) ، أنظر موقع المجتمع ( السابق ) .

4) الدركزلي ، شذى ، المرأة المسلمة في مواجهة التحديات المعاصرة" ط 1 ، مكتبة روائع مجدلاوي ، عمان ، (1997) ، ص 20 ، حيث نسبت ذلك إلى 1991 United Nations  وإلى 1994  O'connell

5) يحيى ، محمد الحاج ، نتائج دراسة حول " العنف العائلي في فلسطين" ، حيث أورد في محاضرة له في جامعة النجاح بنابلس ضمن اليوم الدراسي لمركز بيسان بتاريخ 2/3/2000 . وانظر يحيى ، محمد الحاج ، وجميلة أبو دحو وايلين كتاب ، "المرأة الفلسطينية وبعض قضايا العنف الأسري" ، ص 36 ، (سابق) . وانظر كذلك "العنف في المجتمع الفلسطيني" ( سابق عن البيان) .   

6) أنظر لذلك كتيب "المرأة الفسطينية ومؤامرة العلمانيات الصادر عن جمعية الهدى" برام الله ، والذي اعتبر تلك الجمعيات بمثابة أخطبوط علماني منبوذ يتنكر لقيمنا الدينية ومثلنا الرفيعة ، ويحاول أن يفرض علينا مفاهيمه الغربية مستعينا بأمريكا وأوروبا" .

7) في بحث التخرج من جامعة القدس المفتوحة للسيدة لبنى الفارس عام 2000، حول "العنف الأسري" ، توصلت الدراسة إلى توافق مع بحث السيد محمد الحاج يحيى فيما يتعلق "بأسباب العنف وأشكاله واتجاهات المرأة نحوه" ، إلا أن الدراسة اختلفت عن دراسة السيد يحيى من ناجية حجم الظاهرة ، وهو ما صرحت به الباحثة عند مناقشة النتائج في الصفحة 70 .

8) اكتفيت هنا بثمرة التعريفات عن سرد نصوصها . كما أنني لم أتطرق للجدل السياسي الدائر حول تعريف العنف ، وبالتالي للتفريق بين ما يمكن اعتباره حقا مشروعا للمقاومة من جهة ، وبين العنف . بمعناه العدواني من جهة ثانية ، لأن ذلك ليس ضمن موضوع البحث .

9) القبانجي ، علاء الدين . سايكولوجيا العنف ",مجلة النبأ ، 47 ، أنظر www.annabaa.org   

10) السمالوطي ، اقبال . مدير مركز البحوث بالمعهد العالي للخدمة المجتمعية بالقاهرة ,"العنف نحو المرأة والطفل . أنظر أمان ( موقع سابق )

11) الفارس ، لبنى ، "العنف الأسري اسبابه وأثره على سلوك الأطفال" ، بحث تخرج ، جامعة القدس المفتوحة ، نابلس ، (2000) ، ص25 .

12) الزعنون ، فيضل . (سابق) .

13) المنعقد في 18 / 11 / 2000 . أنظرwww.Islam_online.net.Arabia.doc2000

14) السمالوطي، إقبال "العنف نحو المرأة والطفل " ، ( موقع سابق ) .

15) الساعاتي ، سامية ، (سابق ) .

16 ) القبانجي ، علاء الدين ، "سايكولوجيا العنف" ، (سابق ) .

17) اكتفيت هنا بذكر الاعلانات وتواريخها عن ايراد تفاصيلها ، وذلك لطول تلك الاعلانات مقارنة مع صفحات البحث المحدودة . ويمكن الرجوع إلى تلك الاعلانات في مظانها أو في المواقع الخاصة بالجمعية العامة للأمم المتحدة على شبكة الانترنت .

18) أنظر تلك الاستراتيجيات والتدابير على الموقع : www.un.orq.Arabia.ga.res 52086

19) الآية : "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عن الله أتقاكم " .سورة الحجرات ، الآية 13 .

20) كقوله تعالى : "فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا سورة النساء ، الآية 4 .

21) الشاعر ، ناصر الدين . "ميثاق حقوق الإنسان في ذكرى اعلانه" ، صحيفة الحياة اللندنية ، عدد 11997 / ، 28 / 12 / 1995 .

22) سفر التكوين الإصحاح 3 ، ورسالة بولص الأولى إلى تيموثاوس ، الإصحاح 2 : وآدم لم يغو ، لكن المرأة أغويت فخصلت في التعدي"

23) أنظر لكل ذلك : السباعي ، مصطفى ، المرأة بين الفقه والقانون " ، ط 5 . المكتب الإسلامي . بيروت . بلا تاريخ . ص 13 . والمجمع المسكوني كان بمثابة مجمع ديني فقهي يشرع للمسيحين ، وقد يحمل اسم المدينة التي يعقد فيها .

24) سورة طه ، الآية 15 .

25) سورة طه 121 .

26) سورة الأعراف ، الآية 22 .

27) الترابي ، حسن . "رسالة في المرأة" . ص 1 . ( كتيب مطبوع ) .

28) سورة الأحزاب ، الآية 25 .

29) سورة التوبة ، الآية 71 .

30) الترابي ، حسن . ص 41 . (سابق) .

31) سورة النساء ، الآية 34

32) البخاري ، "كتاب النكاح" ، باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها . وصحيح مسلم ، كتاب الطلاق ، باب وان تظاهرا عليه .

33) للخلع ، أنظر سائر أمات كتب الفقه والحديث والتفسير عند بابه أو ضمن مباحث الطلاق أو عند تفسير آياته . مثال ذلك : صحيح البخاري ، "كتاب الطلاق" ، "باب الخلع" ,الشوكاني ، "نيل الأوطار" . 7 / 34 . ط 1 . دار الفكر ، بيروت ، (1982) ، وهامش ص 29 من البحث .

34) سورة الروم ، الآية 21 .

35) سورة النساء ، الآية 19 .

36) مسلم ، كتاب النكاح ، باب لا يفرك مؤمن مؤمنة .

37) سورة البقرة ، الآية 228 .

38) سورة البقرة ، الآية 229 ، وفي الآية 236 ، و 237 : "ومتعوهن . إلا يعفون . وأن تعفوا أقرب للتقوى . ولاتنسوا الفضل بينكم .."

39) سنن الترمذي ، كتاب الرضاع ، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها ، وقال : حديث حسن صحيح .

40) قال تعالى : "الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وان الله لعفو غفور . "مطلع سورة المجادلة. وفي الظهار يعمد الرجل إلى تشبيه زوجته بامرأة لا تحل له ، وهو أمر محرم ومن فعله فلا يحل له أن يطأ زوجته حتى يخرج الكفارة عند أكثر أهل العلم . للتوسع ، انظر تفسير الآيات لدى جميع المفسرين ، فضلا عن أمات كتب الفقه مثل : العيني ، محمود . "البناية في شرح الهداية" ، 4 /688 ، ط 1 . دار الفكر ، بيروت (1980) . وكذلك : الشافعي ، محمد بن ادريس . "الأم ( مع مختصر المزني)" . 5 / 294 . ط 2 . دار الفكر بيروت ، (1983) . وكذلك : ابن قدامة . "المغني ( مع الشرح الكبير) " . 8 /445 . ط2 ، دار الفكر ، بيروت ، (1997) .

41) انظر البخاري ، كتاب الصوم ، باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع وباب حق الجسم ، وكتاب فضائل القرآن ، باب في كم يقرأ القرآن .

42) البخاري ، كتاب النكاح ، باب تستحد المغيبة ، ومسلم ، كتاب النكاح ، باب من قدم من سفر فلا يعجل بالدخول على أهله .

43) سورة الأعراف ,الآية 32 .

44) تفسير الرازي ، 14 / 63 .

45) ابن كثير ، اسماعيل ، تفسير القرآن العظيم ، 1 / 278 . ط 3 . دار المعرفة . بيروت (1989) ،  

.............................
(*) بنصرف عن : مجلة جامعة النجاح للأبحاث ، (العلوم الإنسانية ) ، المجلد 17 (2) ، 2003