|
الإثنين:
26/01/2009
دراسة
حال زعامة
د.
حاتم الكعبي

كان " فرد "(1) بائعاً متجولاً
يبيع بعض المنتوجات المصنوعة من الحرير – على ما يظهر - ، وكان يتجول
في الأحياء التي يسكنها الزنوج من مدينة " ديترويت " في الولايات
المتحدة الأمريكية قبل أن يصبح زعيماً من زعماء طائفة من الزنوج سنة
1931 هناك.
لقد حدث مرة أن قال " فرد " هذا
لبعض زبائنه وهو يبث دعاية لبضاعته: أنها – أعني البضاعة التي يبيعها –
من صنع الشرق ، وأن أخوانهم في الشرق يلبسون هذا النوع من الملابس ،
لقد أثارت هذه العبارة استغراب هؤلاء الزبائن وحب استطلاعهم حيث راحوا
يسألونه : ومن هم هؤلاء الذين يصنعون هذه البضائع في الشرق ؟ فأجابهم "
فرد " وقد اجتمع من حوله نفر آخر من الزنوج ، قائلاً لهم : إنهم
أخوانكم في الشرق ، فدهش هؤلاء الزنوج من هذا الجواب لأنهم لا يعرفون
لهم أخوة في الشرق وكل ما يعلمون هو أنهم قد جيء بهم من أفريقيا وأنهم
ابتيعوا من قبل البيض في أمريكا لاستخدامهم في الزراعة لأول مرة.
وهكذا صار يلحف هؤلاء بالتساؤل من
" فرد" : ترى من هم أخوتنا هؤلاء ؟ وهل لنا يا ترى أخوة في الشرق ؟ وهل
هم متقدمون الى هذا الحد بحيث يصنعون مثل هذه البضائع ؟ حدثنا يا فرد ؟
واضطر "فرد" هذا أن يجيب على هذه الاسئلة وأمثالها بما أملاه عليه
خياله حيث كان يجيب : أجل إن لكم أخوة في الشرق ، أقوياء جداً وتفوق
مدينتهم مدينة أمريكا بكثير ، وإن أجدادكم هم الذين بنوا المدنيات في
العالم ، أجدادكم من أمثال " حمورابي " ، وإن أخوانكم في الشرق هم أقوى
أمة في الأرض وأكثر تقدماً من كل الشعوب ، وهكذا اضطر " فرد" أن يستمر
في هذا الاتجاه من الاختلاق والكذب مما كان يثير الدهشة وحب الاستطلاع
أكثر فأكثر عند هؤلاء الزنوج إذ هم لا يعرفون أن لهم ماضياً مجيداً في
التاريخ البشري ، وما كانوا يدرون أنهم قد جيء بهم من الشرق وأن لهم
اخوة أقوياء في الشرق ذوي مدنية راقية وصناعة جبارة وسطوة لا تضارع ،
وهكذا انتشرت الأخبار بين الزنوج في " ديترويت" أولاً بأن أخاً من
أخواننا في الشرق قد جاء يحدثنا عن أهلنا هناك وعن حياتهم وحضارتهم
ومدنيتهم ، ثم انتشرت الاخبار بين الزنوج في " ديترويت " وأصبح هؤلاء
الزنوج يبحثون عن "فرد" ليمطروه وابلاً من الأسئلة عن أخوانهم في الشرق
ووجد " فرد " نفسه تدريجياً في وضعية لم يتوقعها من قبل إذ هو مضطر لأن
يجيب على هذه الأسئلة التي لا تعد ولا تحصى حيث يتجمهر من حوله الزوج
أينما وجدوه ، فإذا هو لا يبيع بضاعته وإنما هو منهك كل الوقت في
الإجابة عن أسئلة السائلين وإشباع فضولهم في هذ الباب ، وتضايق "فرد "
من هذه الوضعية فطلب منهم أن يجتمعوا في بيت أحدهم ليجيب على كل
أسئلتهم دفعة واحدة لا أن يتجمهروا من حوله اليوم كله يسألونه وفي
الأسئلة كثير من التكرار الممل وكثير من الاجهاد ، وكثير من ضياع الوقت
وفي ما لا طائل تحته من ناحية " فرد" نفسه.
وهكذا أصبح " فرد" وما يخبر به
موضوع الحديث بين الزنوج وموضوع اهتمامهم ومدار البشرى التي لا يحلمون
بالتطلع إليها وهم في أمريكا أوطأ الناس منزلة وأرذلهم أخلاقاً ، كما
يدعي البيض ، وأقبحهم خلقة ، وأحطهم عقلاً(2)، وأقربهم الى الأصل
الحيواني الذي تمخض عن الإنسان ، إن الزنجي ، عند البيض في أمريكا كائن
عضوي منحط بدائي من الناحية البيولوجية ناقص من الناحية العقلية وغير
نام من الناحية العاطفية والانفاعلية.... إنه غير حساس بالألم وغير
قادر على التعلم وهو يشبه الحيوان في سلوكه وتصرفاته ، إنّ هذا الزنجي
كسول خامل بطبيعته لا يعمل إلا إذا ألح عليه الجوع أو دفع الى العمل
دفعاً بالسوط ... إن الزنجي يسرق دون أن يشعر بالإثم أو بتأنيب الضمير
، إن الزنجي تعوزه الرزانة العاطفية فهو سريعاً ما يبكي أو يضحك ، إنه
رهن النزوات ، إن الزنجي طفل ولن ينضج أو يصبح راشداً أبداً ،، إن
الزنجي فطر كذلك ولا يمكن أن يكون غير ذلك(3).
لقد ظهر " فرد" هذا في هذه الاوضاع
التي تتميز بالتعصب الحاد وبالتمييز العنصري المفرط وبالظلم والهوان
الذي كان الزنوج يعانون أسوأ آثاره ، لقد كان " فرد" هذا يخبر هؤلاء
الزنوج في " ديترويت" بأنهم من أرومة أخرى وأنهم أبناء أسياد الدنيا
قديماً وحديثاً وأنهم خير أمة أخرجت للناس ، وأنهم .... وأنهم ....
وهنا لا بد لي من أن أترك القارئ النابه يسترسل مع خياله المنسرح ليلمس
المضامين والآثار الاجتماعية – النفسية لمثل هذه الدعوات في قوم سامهم
البيض سوء العذاب وبما رسموا لهم من حدود صارمة وما رسموا لهم من واقع
ملعون.
وتنافس بعض الزنوج – بناءعلى طلب
"فرد" نفسه – في عقد بعض الاجتماعات في بيوتهم الخاصة التي دعي اليها "
فرد" ليتكلم فيها ، حيث كانت تلك البيوت تغص بالحاضرين الذين يملأون
النوافذ ويتجمهرون على مداخل تلك البيوت فيسدون الشوارع المؤدية إليها
وهم يتدافعون بالمناكب ليسمعوا شيئاً من كلام " فرد".
وكان "فرد" يقوم في هذه الاجتماعات
خطيباً ليلهب حماس هؤلاء الزنوج بما يشير إليه من ظلم البيض للزنوج
وتعصبهم ضدهم وبما يشير إليه من تاريخهم المجيد في الماضي وفضل أجدادهم
على الدنيا بأسرها ... وما إلى هذا المنحى من الدعوات من كلام مثير
يشبع في هؤلاء الزنوج تطلعهم الى الرفعة وطموحهم الى التخلص من الشعور
بالهوان ولو كان عن طريق التصور والخيال ... وهكذا أصبح " فرد" البائع
المتجول زعيماً رسمياً في هذه المرحلة من مراحل التفاعل الاجتماعي بينه
وبين هؤلاء الزنوج وصارت علاقة البيع والشراء بينه وبينهم تتحول
تدريجياً الى علاقة منظمة أخرى قوامها انتظام الفريقين في أدوار
اختصاصية هي دور تابع ومتبوع .
وانتشر الخبر بين الزنوج في "
ديترويت" وفي خارجها وتكاثر الحضّار في هذه الاجتماعات بحيث أصبحت
البيوت غير وافية بالغرض ، ولذا راح فريق من الزنوج يجمع التبرعات من
اجل استئجار قاعة كبيرة لهذا الغرض ومن ثم صار الزنوج يهرعون من "
ديترويت" ومن ضواحيها النائية الى القاعة التي استؤجرت لهذا الغرض حيث
كان " فرد" يلقي فيها خطاباً حماسياً في يوم الأحد من كل أسبوع وكان
خطابه يستغرق أربع ساعات يتركز كله حول المظالم التي يعانيها الزنوج في
أمريكا وحول ماضي أجدادهم المجيد وحول مآثر أخوانهم في الشرق...
حدثني " الأجه محمد " ( 4) أنه كان
يسكن هو وعائلته في كوخ حقير خارج " ديترويت " ويبعد عنها بمقدار
ساعتين مشياً على الأقدام وأنه كان يعاني من ظنك العيش والحياة ما
يعاني قبل أن يلتقي بـ" فرد" هذا ، قال لي " الأجه محمد " ( وترامى لي
الخبر عن ظهور " فرد" وما كان يدلي به وكان الحماس قد أخذ مأخذه بين
الزنوج في هذه المنطقة فصرت أتطلع الى رؤية هذا الزعيم الفذ والى سماعه
وهو يخطب إذ كنت أعتبر ذلك من أكبر البركات الربانية ، فصرت أتطلع الى
يوم الاحد القادم وبدأت مسيرتي من كوخي فجراً لأصل محل الاجتماع مبكراً
ولأحتل فيه مكاناً أتمكن منه أن أرى وأسمع هذا الزعيم العبقري ، هذا
الأخ البار من أخواننا في الشرق ، وكنت أحث الخطى حيث أدركت المكان
مبكراً ولكنني وجدت الآلاف من الزنوج قد سبقوني وملأوا المكان كله
وسدوا الشوارع المؤدية الى القاعة من كل جهاتها فما كان مني إلا أن
تسلقت نوافذ بناية مجاورة حيث استقر بي المسعى في أحد نوافذها ، وبعد
انتظار طويل ، وهذه الحشود الهائلة من الزنوج تتدافع بالمناكب يحاول كل
زنجي أن يدنو أكثر ما يمكن من موضع الخطابة ليرى هذا البشير عندما يخطب
ويسمع صوته وهو يحدث عن أهمية الزنوج ومكانتهم في العالم ودورهم الخطير
في إنتاج المدينة الحديثة وما ينتظرهم من غد مرموق على يد أخوانهم في
الشرق ، حان الوقت وبدأ " فرد" بخطابه البليغ الذي يسحر الالباب ويبهر
النفوس ويهز الجماهير هزاً من الأعماق ... وكنت أسمع الخطاب من مكاني
بصعوبة بالرغم مما زودت به القاعة من مكبرات الصوت غير أنني ما كنت أرى
" فرد" من مكاني هذا وكانت كل أماني تدور حول رؤيته بعد أن سمعت كلامه
وما كان كلامه كلام بشر قط ... وبقي يخطب حوالي أربع ساعات . حتى إذا
فرغ من كلامه انتظم الحاضرون في صف وراحوا يصافحونه الواحد بعد الآخر
وانخرطت أنا أيضاً في هذا الصف حتى جاء دوري في مصافحته فقلت له ، وكان
يتملكني الاجلال لهذا المخلوق المقدس وأنا أتبرك بمصافحته : (يظهر أنك
" عيسى" الذي بشر بظهوره الإنجيل مرة اخرى في آخر الزمان وقد جئت لتنقذ
قومي مما هم فيه من ضلال مبين وهوان مهين) . قال " الاجه محمد" (فنظر
إليّ " فرد" نظرة جدية ملأى بالمعاني والأسرار ثم انحنى عليّ – ومن
حولنا حشود من الناس تنتظر دورها في مصافحته – وهمس في آذاني قائلاً :
نعم نعم ، أنا من بشّر بظهوره الانجيل وأنا من كنتم تنتظرون ظهوره منذ
ألفي سنة ... اذهب الآن وانصرف وسألقاك فيما بعد...) قال " الاجه محمد"
(فانصرفت وتوجهت الى كوخي الحقير خارج " ديترويت " وأنا مليء بالدهشة
مما رأيت وبالإعجاب البالغ بما سمعت وبالفخر والاعتزاز بمصافحة " فرد"
وبالأمل المشرق الذي بعثه " فرد" في نفسي بأن خلاص قومي من هذا الذل
والهوان والتمييز والظلم القاتل سيكون قريباً على يديه... وما ان وصلت
كوخي وجلست فيه أحدث أهلي بما سمعت ورأيت ذلك اليوم وكان الليل قد أرخى
سدوله حتى لمحت من بعيد ضوء سيارة تتجه نحونا وبعد فترة وجيزة وإذا
بالسيارة تقف بجانب كوخي وينزل منها " فرد" نفسه) . يقول " الاجه محمد"
( لقد أخذتني الدهشة من مجيئه هذا ومن اهتدائه الى مكاني وأنا لم أدل
بشيء عن محل سكناي ولم يخالجني شك عند ذاك في أنه كان يعلم الغيب....)
. ثم استرسل " الاجه محمد" يقول : ( لقد بادرني " فرد " قائلاً : إنك
رجل ذكي جداً ، لقد كان من دلائل ذكائك علمك بظهوري إذ أنني نبي مرسل
لإنقاذ الزنوج من وضعهم المؤلم هذا ولم أرد أن أستبق الحوادث فأصرح عن
مهمتي ورسالتي قبل أن يحين الآوان المضروب لذلك لولا أنك صدعت بهذا
الامر وأشرت إليه ... إنك ستكون ساعدي الأيمن في أداء هذه الرسالة
وسأتعهدك بالتربية والتعليم حتى أعدك لهذه المهمة .... ثم استأذن مني
وانصرف وتركني تلك الليلة تعب في الحياة عباً وتنسرح بي المشاعر
والأخيلة في كل واد ... ومضى على ذلك أسبوع حتى حان يوم الأحد التالي
وهرعت الى مكان الاجتماع مرة ثانية وبدأ " فرد" يخطب فأشار أول ما أشار
الى أنه هو " عيسى " الذي بشر به الانجيل وأنه أنما جاء ليخلص الزنوج
من أوضاعهم المؤلمة هذه وأنه سيمحق البيض في حرب مقدسة لما طغوا وبغوا
بظلمهم الزنوج – شعب الله المختار ...).
واسترسل " الاجه محمد" يخبرني
قائلاً : ( لقد كان مما قاله " فرد" في خطابه ذلك اليوم وما يلي : أنا
لست " عيسى" الذي ظهر منذ حوالي الفي عام وإنما أنا المنقذ الذي كنتم
ترجون ظهوره منذ ألفي عام وقد حان اليوم موعد ظهروه ....) . قال "
الاجه محمد " ( لقد تملكني الحماس لهذه البشرى حين صدع " فرد" بالامر
وصرت منذ ذلك الحين أقف في قارعة أحد الشوارع العامة في قرية "
هامسترانك Hamstranck -وهي قرية من القرى التابعة لمدينة " ديترويت
" – وأبشّر بين الناس واقف بينهم خطيباً متمحساً أنبئهم بما تعلمته من
تعاليم مقدسة حصلت عليها من انصاتي لخطابات " فرد" وكان الناس يتجمهرون
من حولي وأنا أخطب فيهم ساعات طويلة ، وأنا أستشهد بالإنجيل بين حين
وآخر فأؤكد لهم أن "فرد" هو الذي بشّر به الانجيل وأكد على ظهوره آخر
الزمان كل الأنبياء الذين ذكروا في الانجيل ، ثم أذكر لهم بعض تعاليم "
فرد" التي تؤكد على أن الرجل الابيض هو الشيطان الذي لعنه الإنجيل وأن
هؤلاء البيض قد خدعونا طيلة أربعمائة سنة حيث حرمونا من معرفة حقيقة
أنفسنا وتاريخنا المجيد وأنسونا أسماء أجدادنا الأصيلة فصاروا يسموننا
بأسمائهم هم – جون وجيمس وما شاكل – بعد ان كانت أسماء أجدادنا من قبيل
محمد وعمر وخالد وما شاكل وأنسونا الاسلام ، ديننا الاصلي وصيرونا
مسيحيين ، وان هؤلاء البيض لم يعطونا من المعرفة الا بمقدار ما أرادوا
وحرمومنا كل ما يمكن أن ننتفع به ) .
حدثني " الاجه محمد " قال : ( لقد
كانت الاجتماعات من هذا النوع تعقد بالعشرات في كل يوم وكان المتكلمون
من أمثالي كثيرين في " ديترويت" وخارجها وكان من السهل جداً أن يتجمهر
مئات الناس يومذاك حول أي متكلم في هذا الموضوع ... ولقد بلغ خبري "
فرد " نفسه حيث أرسلت زوجتي في يوم من أيام الأحد لتستمع له وبقيت أنا
مع اطفالي ، وكان أن نادى " فرد" في ذلك اليوم: من منكم يعرف الرجل
النحيف " الاجه يول " فاجابته زوجتي أمام تلك الحشود الغفيرة التي
تجتمع من حوله : أنا أعرفه ، إنه زوجي.
فقال لها " فرد" ألا أخبريه بأن
يمضي في مسعاه ويصدع بالإسلام وأنا في عونه ومن ورائه ، وعندما جاءت
زوجتي وأخبرتني بالخبر غمرني الفرح وطغت عليّ مشاعر لم آلفها من قبل
حتى لكأنني عدت خلقاً جديداً ، وهكذا صرت أخطب بالناس منذ ذلك اليوم
وأنشر بينهم تعاليم " فرد" وآرائه وصار " فرد" يدنيني منه ويلتزمني
ويجلسني الى جانبه يوم الاحد وهو يخطب في هذه الجماهير وكان يعلمني
ويفضي إليّ بمكونات صدره ، وكان يعلم الغيب ويعرف المجهول ، وكان في
بعض الاحيان يحذرني من الذهاب الى المعبد ( 5) لأنه يعلم أن فيه من جاء
ليؤذيني ، ولقد كان "فرد" يخبرني في بعض الاحيان – قبل ان نذهب الى
المعبد – باسم واوصاف من جاء ليلحق بي الأذى ، وعيّن لي حتى المقعد
الذي يشغله في المعبد ، لقد كان ذلك دليلاً على أن "فرد" كان علام
الغيوب...).
حدثني " الاجه محمد " قال : ( لم
يكن "فرد" قد أمرنا بأن نسميه نبياً يومذاك ولكننا نسميه النبي وقد كنت
أحث الناس على أن يسموه بهذا الاسم لأنني لم أكن أعرف أسماً أجل منه
يليق بـ "فرد" . لقد كنت ارتأيت أن يسمى ( السيد فرد) لأول مرة ثم أشرت
على الناس أن يسموه (النبي) وأخيراً صرت أخبر الناس بأنه ما كان سيداً
ولا كان نبياً وإنما هو الآله الأعظم جاءنا مجسداً على شكل إنسان وأن
تعاليمه هذه التي أفضى بها إلينا لا يمكن إلا أن تكون تعاليم آله) .
حدثني "الاجه محمد " ، قال : ( كان "فرد" يقول لي دائماً إنه هو المنقذ
المنتظر غير أنه بعد أن انتشرت الحركة ذهبنا الى شيكاغو حيث ألقى
خطاباً هناك أعلن فيه أنه هو الله نفسه). ثم قال " الاجه محمد" : ( ان
"فرد" نظر إلي ونظرت أنا إليه عندما أعلن للجمهور هذه الحقيقة ، لقد
كنت أنا نفسي أعتقد بذلك منذ لقيته لأول مرة وقبل أن يعلن "فرد" عن
نفسه بهذا لقول بزمن ليس بالقصير ) ، واستمر الاجه محمد يخبرني عن
"فرد" إذ قال : ( ولم يكن ليقول بأنه نبي مرسل منذ ذلك اليوم ولكنه كان
يقول بأنه هو الذي كان سيظهر آخر الزمان وإنه إنما نذر نفسه لهذا الأمر
منذ ملايين السنين وكان يخبرني عن عناية أبيه به في مكة ليعده لهذه
المهمة ، مهمة انقاذها في أمريكا ، لقد أخبرني بأن أباه كان مصمماً على
أن ينجبه قبل غيره ولكنه لم يفلح حيث كان المولود الاول أنثى وكان
"فرد" الوليد الثاني بعدها ، إن قصة إعداد "فرد" لهذه المهمة تبدأ من
تجوال والد "فرد" في المنطقة الجبلية حيث كان يعيش بعض الرس القفقاسي
الذين كان يدين بعضهم بالإسلام وبعضهم الآخر بالمسيحية حيث تزوج منهم
والد "فرد" لينجب ولداً يوكل إليه مهمة إنقاذ الزنوج في أمريكا وليكون
البيض ضده وبذل والد "فرد" كل جهده لأن يزوده بكل ماتيسر له من الحكمة
والمعرفة ، لقد اخبرني "فرد" بأنه كان قد رأى في الحلم ، يوم كان عمره
ست سنوات بأنه سيقضي على كل سلطان البيض (6) ويمحق ثروتهم ويبيدهم عن
بكرة أبيهم، لقد قال لي "فرد" وهو يحدثني هذا الحديث : لكأن حلمي ذلك
يوشك أن يتحقق اليوم ، أنك تدري يا "آلالجه" بأنني لست من المعتقدين
بصحة الاحلام ولكن هذا الحلم بالذات ينطوي على كثير من الحقائق كما أرى
، إنني سأحرق كل هؤلاء البيض ولن أدع منهم دياراً ، إنني سأجمع البيض
كلهم هنا في أمريكا وأحرقهم جميعاً ، لقد أخبرني "فرد" كيف سيقوم بهذا
العمل الجبار ومتى وكم سيطول هذا الاحراق ، لقد أنباني بأن النار ستبقى
تضطرم (360) عاماً حتى تدمر كل مدينة للبيض على هذه الارض ، وستمر
بعدها (610) سنوات حتى تصبح أمريكا صالحة للعيش فيها من جديد ، ومن هنا
يتبين أن مجموع هذه الاعوام هي ألف سنة بكاملها ، ولقد أخبرني "فرد"
أنه سيقوم بصنع نوع من الطائرات يسمى بالطائرة الأم حيث يستغرق صنع كل
منها (22) عاماً ليستخدمها في تدمير أمريكا ، أنه سيستخدم هذه الطائرة
لألقاء القنايل المدمرة على أمريكا ، أن هذه الطائرة كانت قد استعملت
قديماً لحمل الجبال ووضعها على الارض ، إن القنبلة التي تقذفها هذه
الطائرة تنفذ في الارض ميلاً كاملاً ... أجل لقد قال لي بأنه سيدمر
أمريكا أولاً جزاء ما ظلمونا وأساؤا لنا وهظموا حقوقنا سوء العذاب ....
لقد علمنا "فرد" كيف نأكل ، لقد
كنا نأكل أردأ أنواع الطعام قبل أن يظهر بيننا "فرد" وكنا نتناول ثلاث
وجبات في اليوم ، لقد علمنا أن لا نتناول غير وجبة واحدة في اليوم
ومنعنا من أكل لحم الخنزير ولحم أي حيوان آخر غير الحمام والسمك كما
نصحنا بأن نأكل الرز لما فيه من النشأ الكثير وألزمنا بعدم أكل الخبز
الأبيض لأنه لا يفيدنا أبداً وأكد علينا أن نتناول عوضاً عنه الخبز
الأسمر .... لقد أخبرنا "فرد" بأن كل من يقتل أربعة أشخاص من هؤلاء
الأشرار – أي البيض – في الوقت المناسب فسينقل مجاناً الى مكة المكرمة
، إن هذا التعليم الاخير قد أثار ضده الشرطة في مدينة " ديترويت" ومنذ
ذلك الحين صاروا يضيقون علينا الخناق ويوجهون لنا مختلف التهم.
لقد كنت أنا ثالث رجلين استخدمهما
"فرد" في بث دعوته إذ كان قبلي عبد المحمد ومن بعده عثمان علي ، لقد
تخلى عنهما "فرد" ولم يودهما لأنهما كانا من أتباع حركة أخرى تسمى
(Moorish Movement ) كما إنه لمس منهما استغلال دعوته لصالحهما والسعي
لمنافسته في الزعامة ، ولقد دب العداء بيننا وبين " عبد المحمد" بحيث
صار الاخير يبث دعوة أخرى هي غير ما كان يدعو اليه "فرد" وراح يفند
تعاليم فرد ، ولقد كنت وشيت عند "فرد" على " عبد المحمد" قبل ذلك
وأخبرته بأنني لا أحب الطريقة التي ينهجها في بث الدعوة التي كان
يتزعمها "فرد" فما كان من "فرد" إلا أن سألني أن تكون الى جانبي وتكون
عضدي فأجبته نعم ، ولقد كان "فرد" مدعواً ذلك اليوم عند أمينة سره (
السكرتيرة) على عشاء فأصطحبني معه ودعا بعض حوارييه الى دارها وراح
يوجه إلي الأسئلة وهم يستمعون . وبعد أن وجه عدداً من الأسئلة أجبته
عليها سألني : إذا أنا أوكلت إليك مهمة ارشاد أخواننا الزنوج وبث
التعاليم فيما بينهم فما عساك صانع؟ فأجبته أنني أسترشد بأمرك وأبث
بينهم ما تصدره إليه من تعاليم لا ما أراه أنا حتى ولو خيل لي بأنه
الأفضل ، وعندها دعاني وربت على كتفي معجباً بي مستحسناً ما أجبته به
على أسئلته وأدنى مجلسي منه وتوجه الى حوارييه يقول : هذا هو الرجل
الذي أبتغيه ... هذا هو الرجل الذي نريده ونحتاج اليه ... إننا بحاجة
الى من يعلم الناس ما أفضى به إليه ... إن "الاجه" هو وحده – على ما
يظهر – الذي يستطيع أن يقوم بهذه المهمة ثم أمرني بأن أحضر الاجتماعات
التي كان يعقدها " عبد المحمد" فأدوّن ما يقوله الاخير وصرت أقوم بهذه
المهمة وأرى "فرد" ما يتفوه به " عبد المحمد" فكان يغضب بثأر ، وهو
بالطبع يعلم كل ما يقوله " عبد المحمد" من قبل أن أعرض عليه ما دونت ،
وحدث أن كلفني يوماً بأن أهيئ موضوعاً لأتحدث عنه في المعبد وأعظ به
الناس هناك وأخبرني بأنه سيكون حاضراً في المعبد ليشهد الأمر حتى أذا
حان الوقت ذهبت فوقفت الى جانب المنبر وبدأت أوجه الكلام للحاضرين وكان
مما قلته ما يلي:
لقد كنا ننتظر رجلاً عظيماً كفرد
ونرجو ظهوره بفارغ الصبر وها هو اليوم بيننا فما علينا الا أن نجعل
أنفسننا طوع امره وبذلك وحده يمكننا أن ندرك التوفيق والفلاح ، لقد كان
"فرد" حاضراً يسمع ، لقد تكلمت في هذا المعنى قرابة ساعة من الوقت ،
لقد أخذ الخجل مني مأخذه في تلك الساعة واستولى عليّ ما يشبه الرعب من
جلال المشهد وذلك من جراء وجوده في المعبد وأنا أتكالم فقد شغلت بوجوده
أكثر من اي شيء آخر ، ولقد كان رحيماً نافذ النظر حيث لمس اضطرابي من
وجوده فكان يشجعني ويقول : لا تنشغل بوجودي ، واستمر على الكلام...
لقد كان من إعجاب "فرد" بي
واطمئنانه إلي أنه أوكل إلي أن أعظ الاتباع في المعبد عند غيابه وكنت
في هذه الاجتماعات أجرأ بكثير في الاسترسال بالكلام مما أكونه في حضرته
، ولقد كنت أخبر الحاضرين في هذه الاجتماعات بأن فرد هو الذي بشر به
الانجيل وأنه ، كما تعلمونه قد صرح بذلك وأن مهمته هي إنقاذنا مما نحن
فيه من بلاء ، وها أنتم تعلمون علم اليقين بأن "فرد" قد أوتي الحكمة
التي لم يؤتها أحد في العالمين ، وأن "فرد" قد جاء رحمة لأخواننا
الزنوج ، وأنه قد أفضى إلي بأننا سنحكم العالم ونكون سادته كما أخبرني
بأنه سيرسل الى الزنوج رسولاً يعطي كلاً منهم كتاباً صغيراً هو سجل
العالم كله وأن هذا الامر سيتم في اليوم الموعود يوم يتم القضاء فيه
على هؤلاء البيض الاشرار.
لقد حدثنا "فرد" عن حياة الانبياء:
"محمد" و"موسى" و" عيسى" مؤكداً على أهمية الاول وتأريخ حياته ، كما
حدثنا عن خلق الكون وعن تاريخ الرس الابيض منذ كان حيواناً يعيش في
الكهوف ، كما أخبرنا عن كل ما حدث في العالم حتى سنة 1914 ، لقد أخبرنا
"فرد" بأن تدمير البيض كان مقرراً في سنة 1914 ولكنه أجل الى موعد آخر
هو يوم يتعلم الزنوج الحقيقة ويعتنقون الحق ، لقد كنت جمعت تعاليمه هذه
وطبعتها خوفاً عليها من الضياع ، والواقع أن تعاليمه التي ألقى بها
إلينا لا يمكن أن تسرد جميعها بأقل من ست ساعات ، فقد جربت ذلك مراراً
وتكراراً فما استطعت أن أتم سردها بأقل من ست ساعات ، لقد كان "فرد"
يرشدنا وكان يستغرق ذلك ست ساعات .
لقد كانت المواضيع الرئيسية التي
تدور حولها تعاليمه هي تأريخ قومنا وحريتهم وتفوقهم على العالم كله
ومدنيتهم التي أوجدوها قبل أن يستعبدهم هؤلاء الاشرار – أعني البيض-
لقد كان هدفه الاسمى هو تحريرنا ، إنني أبتهل الى الذي هداني لأن أطلع
على ذلك كله فقد كنت قبل أن ألتحق بـ "فرد" أعمى وأصم وأبكماً ...).
حدثني " الاجه محمد " عن "فرد"
فقال ما خلاصته : كان "فرد" جسوراً شجاعاً لا يخاف ولا يهاب ، فقد كان
يسمى البيض في أمريكا الاشرار أو الذين يتخذون من الناس عبيداً ، وكان
يسمي الانجيل بالكتاب المسموم ، وكان يتحدث إلينا عن عيسى فيقول : كان
والد مريم رجلاً ثرياً وكان يوسف النجار – وهو نجار فقير جداً لا يملك
غير المنشار والمطرقة – يحبها حباً جماً ، ومن ثم فقد أقدم على طلب
الزواج منها ولكن أباها رفض ذلك لأن يوسف كان فقيراً مدقعاً ، هذا ولما
لم يجد يوسف بداً من الزواج من مريم عن طريق موافقة أبيها تزوجها سراً
فولدت منه المسيح ، لقد عقب " الاجه محمد " على هذا التفسير قائلاً : (
وهذا وحده المعقول والعملي في إنجاب المسيح).
وقال " الاجه محمد" : ( لقد كان
"فرد" يعلمنا بأن الكتب المقدسة – القرآن والانجيل والتوراة – كتبها
العلماء وعددهم 23 عالماً وكانوا يستغرقن في كتابة كل منها 25000 سنة
ثم يحتفظون بالكتاب 10.000 سنة أخرى قبل أن يبعثوا به نبياً) .
وأخبرني " الاجه محمد " أن "فرد"
أخبره بأنه كان قد تثقف في جامعة " كاليفورنيا " حيث حضرها عشرين عاماً
ليهيئ نفسه لهذه المهمة – مهمة إنقاذ قومنا ، كما أخبرني أنه كان يسعى
لهذه المهمة منذ اثنتين وأربعين سنة سلخ عشرين منها وهو يتجول بين
الزنوج قبل أن يعلن عن نفسه وعن هويته ومبتغاه .
ويحدثنا الباحث " بينون " فيقول :
" إن أحد القلائل الذين بقوا من الاحياء والذين سمعوا خطابات "فرد"
الاولى أخبرني بأن "فرد" قال في أحدى كلماته تلك بأن اسمي هو "فرد"
ولقد جئت من مدينة مكة المكرمة وأنا لا أستطيع أن أخبركم الآن عن نفسي
بأكثر من هذا لأن الوقت لم يحن بعد ، إنني أخوكم ويا ليتكم رأيتموني في
بزتي المكية (7)..
حدثني "الاجه محمد" بأن "فرد" قد
أخبره بأنه إنما كان يتوخى من بيعه الملابس والبضائع الأخرى متجولاً
بين الزنوج في " ديترويت" هو الاتصال بهم والدخول الى مساكنهم والتحدث
اليهم وايقاضهم وتهيتئهم للحرب المقدسة ضد الجنس القفقاسي.
لقد كان " الاجه محمد " يؤكد لي في
ثنايا حديثه عن "فرد" بأنه الله ، فلقد سألته مرة : أين "فرد" الآن (
وكان ذلك 1952) وهل أنت على اتصال به ؟ فأجابني " الاجه محمد" قائلاً
:"أن لا أدري أين هو الآن وربما كان في أمريكا الجنوبية ذلك أن آخر
رسالة وصلتني منه كانت في صيف سنة 1949 وكان قد أرسلها لي من المكسيك
ولم يردني منه شيء بعد ذلك " فعقبت على كلامه متسائلاً : وكم يبلغ من
العمر الآن ؟ فأجابني أنه لا بد وأن يكون عمره الآن أكثر من سبعين
عاماً ، فقلت لعل انقطاع رسائله عنك كان نتيجة موته فعقب " الاجه محمد
" على قولي هذا مؤكداً بأن "فرد" حي لا يموت كما أنه لا يهرم إذ هو شاب
أبداً ثم قال : إن "فرد" هو الله وكيف يموت الله؟!
لقد حدثني " الاجه محمد" : أنه كان
يسمع صوت " فرد " دائماً يهديه ويرشده ويفضي إليه بخطط خصومه – أعني
خصوم الاجه محمد - في القضاء عليه -أي على " الاجه محمد" – طيلة
الفترة التي كان الاخير فيها مختفياً ، أي في الفترة (1935-1942) ،
وكان هو الذي يوجهه ويحذره ويرشده لإنقاذ حياته مما يبيت له الخصوم
الالداء(8).
حدثني " الاجه محمد " أنه لما قرأ
القرآن بعد أن نفي "فرد" وجد فيه البراهين القاطعة على صحة ألوهية
"فرد" ، ثم قال ( ولقد أدركت حينذاك سر أصراره وتأكيده عليّ بأن أقرأ
القرآن ، بأن "فرد" كان هو الله ولكنه جاءنا مجسداً الى الارض (9).
أما الانجيل فقد بشر به وأشار الى
اسمه وعين موعد ظهوره ، ولكن الاشرار – يعني هنا البيض في أمريكا
بالذات- قد أخفوا كل هذه الحقائق من الانجيل وذلك بواسطة تبديل اسم
"فرد" باسمم آخر في الأنجيل).
وحدثني الاخ هوراس (10) قال :
( لقد حضرت المعبد لأول مرة وكنت
أحمل مسدساً صغيراً معي عندما دخلت المعبد وكنت أحمل ذلك المسدس معي
دائماً بغية أن اجهز على أبيض أو بيضاء كلما وجدت الى ذلك سبيلاً، فلما
دخلت باب المعهد امسك بي حرس أشداء يختفون وراء الباب ففتشوني وأخذوا
المسدس مني وسمحوا لي بالجلوس بين الحضّار في المعبد وجاء دور خطيب
الاحد فقال مما قال : ( إن الله أنسان ، وأن الاسماء التي تدعون بها هي
ليست أسماءكم الأصلية وإنما هي أسماء أسبغها عليكم هؤلاء الاشرار بعد
أن سلبوكم أسماءكم الأصلية الأولى لينسوكم نسبكم وأصولكم المجيدة ، لقد
أفررغوا في أذهانكمبأنكم عبيد متخلفون ليستغلوكم وليسودوكم ويسوموكم
سوء العذاب ، ثم قال الخطيب لقد أرسل لكم الله رسولاً منكم يعلم غيب
السموات والارض ، ولقد كلم هذا الرسول الله وصاحبه (11)، ثم قال : إنكم
أبناء أمجاد عظام ولكن هؤلاء الاشرار جاءوا بأجدادنا الاول وقتلوهم
كلما ولد لهم وليد وبذلك قضوا على الرابطة بيننا وبين قومنا في آسيا
وهكذا سمونا بأسماء غير أسماء آباءنا وغلغلوا فينا دينهم ولغتهم
وعقائدهم ثم أدخلوا في روعنا بأننا زنوج محتقرون....).
قال الاخ هوراس: ( لقد وجدت نفسي
حقاً وأنا أنصت لهذا الكلام وكنت أعلم أنه الحق لا يأتيه الباطل من
خلفه أو من بين يديه ولقد كنت قرأت ذلك كله في الانجيل من قبل ....).
قال الاخ هوراس : ( لقد كان
الخطيب يسوق الادلة الدامغة على صحة ما جرى إذ قال ، فيما : إن هذه
اللغة التي نتكلمها اليوم هي ليست لغة آبائنا وأجدادنا ، أنها لغة
هؤلاء الاشرار ولذا كنا لا نستطيع أن نتفوه بها كما يفعلون ، إنهم
يسموننا " زنوجاً " وليس في العالم كله قطر بهذا الاسم ، والناس إنما
تكتسب أسماءها من مواطنها التي تنشأ فيها ، إن الانجيل ينعت شعب الله
المختار فيطلق عليه أسم " المستعبدون" وهو إذن يعنينا ، ونحن إذن شعب
الله المختار ، إن الأنجيل يتحدث عن قوم يصفهم بالأوصاف التالية :
التائهون الضائعون المحتقرون المضطهدون الذين أضاعوا وفقدوا حتى معرفة
أنفسهم ... وأنت لو فتشت في هذا العالم كله لما وجدت قوماً تصدق عليهم
هذه النعوت غير الزنوج في أمريكا ... لقد كنت أراني – وأنا أستمع الى
الخطيب ذلك اليوم – أصبح شخصاً آخر هو غير ما كنته من قبل"(12).
هذا ولقد بلور التفاعل الاجتماعي
بين أعضاء هذه الحركة ، وتمخض عن عقائد كثيرة خرافات وشعائر ورموزاً
وأدواراً إجتماعية مختلفة لأعضائها ومسالك مهنية لبعضهم وأموراً كثيرة
أخرى لا مجال لذكرها أو تفصيل الحديث فيها في هذا البحث لأنني أود
أن أقصره على نمو الزعامة في هذه الحركة وحده.
هذا ولعل من المناسب في خاتمة
المطاف في هذا البحث أن أشير الى نموذج مما بلورته الحركة من عقائد
أقتطفه من كراس يعزى الى "فرد" نفسه بعنوان " المسلمون الضائعون الذين
وجدوا The Lost Found Moslems حيث تنص القضية الحادية عشرة فيه على ما
يلي:
( نحن وقومنا الذين أضاعوا ديارهم
منذ 379 عاماً ابتهلنا لهذا الذي يسمى إلهاً خفياً أن ينعم بالعيش
والملبس والمأوى ولكننا لم نحصل منه على شيء غير المصاعب والمصائب
والجوع والعري والتشرد ، يضاف الى ذلك أننا نُضرب ونُعذب ونُقتل من قبل
أولئك الذين يدافعون عن هذا النوع من الاله"(13) .
لقد لخص الباحث " بينون " بعض
عقائد هذه الحركة التي كان فيها "فرد" الرأس المدبر فيما يلي:
" ان السود في امريكا هم ليسوا
زنوجاً وإنما هم أعضاء القبيلة الضائعة المعروفة باسم (شاباز)
(Shabaz)14) والذين سرقوا من مدينة مكة المكرمة منذ 379 سنة من قبل بعض
التجار ، لقد جاء النبي الى أمريكا ليجد أخوانه الضائعين منذ زمن بعيد
بغية إرجاعهم الى أهلهم وديارهم الأولى – أخوانهم الذين سلب منهم
القفقاسيون ( 15) لغتهم وقوميتهم ودينهم . لقد كانوا يعيشون هنا في
أمريكا حياة مزورة أنهم يجبب أن يعلموا الآن بأنهم الناس الأصليون (16)
، وأنهم أنبل الامم على وجه الأرض ، وأن القفقاسيين هم المملوكون من
الناس إذ هم كانوا قد فقدوا لونهم الأصيل ( الأصلي) ، إن القوم
الأصليين يجب أن يسترجعوا دينهم الأصلي وهو الاسلام ولغتهم الاولى وهي
العربية وحضارتهم الاصلية التي من أبرز معالمها علم الفلك والرياضيات
العليا وبصورة خاصة منها علم التفاضل والتكامل ، إنهم يجب أن يحيوا على
وفق قانون الله فيتجنبوا اكل لحوم الحيوانات السامة والخنزير والبط
والاوز وذوات الاثداء والجري من الاسماك ، كما إن عليهم أن يتجنبوا
المسكرات والمنبهات جميعاً ، وأن يلتزموا النظافة في أجسامهم وفي
ملابسهم وفي محلات سكنهم فإذا هم أطاعوا الله في هذا كله فإنه سيرجعهم
الى الجنة التي سرقوا منها – الى مدينة مكة المكرمة،(17).
لقد أسس " فرد" مدرسة ابتدائية
أطلق عليها اسم " جامعة الاسلام" وألزم أعضاء الحركة بإرسال أبنائهم
إليها مما أدى الى نشوب خلاف بين الدائرة التي تشرف على التعليم
الالزامي في "ديترويت" وبين أولياء أمور الطلاب الذين صاروا يحضرون هذه
المدرسة دون المدارس الحكومية ، ولقد أسس " الاجه محمد" مدرسة كهذه في
شيكاغو أطلق عليها نفس الاسم والواقع أنها ليست جامعة بل ولا مدرسة
ابتدائية كاملة إنما هي تتكون من أربع صفوف ابتدائية صغيرة حين زرتها
سنة 1952 ، وكانت تشغل الطابق الارضي تحت المعبد ، ولقد كنت شجعت "
الاجه محمد" على استخدام معلم فلسطيني كان وافداً على شيكاغوا حينذاك
حيث بدأ هذا المعلم يعلمهم الدين ويقرئهم القرآن ويدرسهم اللغة
العربية.
هذه على وجه الإيجاز قصة زعامة أو
هي بالأحرى قصة زعامتين ، أعني زعامة " فرد" وزعامة " الاجه" ، إذ تدرج
الاول من بائع متجول الى زعيم رسي ثم الى نبي أو منقذ منتظر ثم بلغ
الذروة من القدسية عند أتباعه إذ أصبح آلهاً ، اما " الاجه" الفقير
المعدم الذي لم يحضر من المدرسة الابتدائية غير صفها الاول ولمدة نصف
سنة دراسية فقط فقد أصبح مبشراً فمساعد لـ "فرد" في مهمته يوم كان "
فرد" رسولاً حتى إذا أصبح الآخر إلاها واختفى صار " الاجه" نبياً وصار
يدعى : النبي الاجه محمد ، الذي أصبح يدعي الالوهية مؤخراً ، على ما
أنبئت.
إن دراسة الحال هذه تنطوي على بعض
الاستنتاجات والمضامين النظرية التي تهم المشتغلين في علم الاجتماع
بصورة عامة وتهم المعنيين بدراسة الزعامة بصورة خاصة ، إن هذه
الاستنتاجات التي يمكن أن تتخذ فرضيات تخضع للاختبار في هذا الميدان
ما يلي:
1- إن التفاعل الاجتماعي خلاق ،
فقد خلق شعائر وطقوساً ومراسيم وقيماً ورموزاً وأفكاراً وتنظيماً
اجتماعياً معيناً وخرافات وأناشيد وعادات وتقاليد وفلسفة في الحياة
وعقائد وأساطير وأدواراً اجتماعية ومؤسسات اجتماعية وآمالاً وتوقعات
وزعامات وشخصيات – جديدة لا عهد لهؤلاء الزنوج بها من قبل ،
2- إن الزعامة دور يتكون في عملية
التفاعل بين مجموع من الناس في وضعية اجتماعية مشتركة إذ يتمخض هذا
التفاعل الاجتماعي عن تكوين دورين اجتماعين يتسمان تدريجياً بالتخصص
على أساس ما بين القائمين بهما من ترابط متبادل وحفز متقابل وتأثر
وتأثير ضمن اطار الوضعية الاجتماعية العامة المشتركة ، إن هذين الدورين
هما دور الزعيم ودور الاتباع ، وهما يمدان بعضهما بعضاً إمداد تكوين أو
تحطيم إمداد قوة أو ضعف، وإذن فالزعامة دور اجتماعي يخصص التفاعل
الاجتماعي به شخصاً ما ومن ثم فالزعيم لا يولد زعيماً بالفطرة كما تدعي
ذلك أغلب النظريات التقليدية التي تدعمها ارستقراطية المتنفذين
وأيديولوجية الطبقات الاجتماعية العليا من قريب أو بعيد(18)،
3- إن لكل من هذين الدورين مسلكاً
تقرره وتتحكم به جملة من العوامل والمؤثرات ، منها ما يلي:
أ- طبيعة الوضعية الاجتماعية
العامة التي يعيش فيها الناس – أعني الناس الذين يتمخضون عن حركة
اجتماعية وزعامة فيما بعد ، إن من طبيعة هذه الوضعية الاجتماعية العامة
وما يعانيه الناس من حرمان أو تهديد لقيمهم التي يتسمكون بها أو طموح
يعتلج في نفوسهم ولو بصورة غير واضحة أو شعور بأن الحالة الراهنة هي
حالة لا تحتمل أو انها غير مريحة بشكل ما ، ومن ثم ينزع الناس ولو
بصورة أولية بدائية الى ضرورة التغيير ، وبعبارة أخرى ، إن تعريف الناس
للوضعية التي يعانونها هي من أهم العوامل في نشوء هذا المسلك.
ب- جريان التفاعل
الاجتماعي بين هؤلاء الناس فقد ينعدم الدور أو يتوقف في بعض الظروف
التي يقاوم فيها التفاعل الإجتماعي هذا أو يقضي عليه.
ج- الروح المعنوية عند الاتباع من
ناحية ، وشخصية الزعيم من ناحية اخرى وولائهما المتقابل ومدى صمودهما
من أجل الغاية أو الهدف الجمعي ، وبعبارة أخرى إن ما تواجهه الحركة
الاجتماعية من نجاح أو نصر أو توفيق وما تعانيه من انتكاسات أو فشل أو
تهديد أو مقاومة له أبعد الأثر في تقرير مسلك هذين الدورين – أعني دور
الزعيم ودور الاتباع ومن ثم في مسلك الحركة الاجتماعية ومصيرها بوجه
عام ، والخلاصة أن الحركة كلها وما فيها من ادوار تتأثر شكلاً ومحتوى
واتجاهاً بما تتعرض له مما يحدث في المجتمع الاكبر الذي تحدث فيه إذ قد
تضطر على التكيف لبعض ما تتعرض له أو تعمل على التجاوب معه أو تتعارض
وأباه تعارض صراع قد يضطر الحركة إلى التزام موقف الهجوم أو الدفاع أو
اللجوء الى السر بعد العلن أو العكس،
4- إن جوهر الزعامة ومصدرها
وأساسها هو ما يعتلج في نفوس الناس وما يشعرون به من حاجة أو حاجات
ماسة ، إن الناس في هذه الحالة – إذا انتظمهم تفاعل اجتماعي من شأنه أن
يقوي هذه المشاعر وأن يضمها في إطار جمعي – يجنحون الى خلق الزعيم
بواسطة تركيز آمالهم ومطامحهم فيه.
أ- إن الزعامة هي تعبير عن مشاعر
جمعية ( Collective ) تنتظم وتتركز في دور يخص به شخص ما يعقد عليه
الرجاء الجمعي،
ب- إن في خلق الزعيم
والزعامة ، كما هو واضح من هذا البحث ، كثيراً من الاسباغ الجمعي
والاسقاط(Projection)
5- إن هذه الدراسة تضيف برهاناً
عملياً لصحة ما ذهب إليه الباحث " يارك " الذي أكد على أن الحركات
الاجتماعية بين الاقليات يبدأها عادة رجل حدي (19) يتميز بحدة شعوره
بالنفس.
6- إن هذه الدراسة – على إيجازها
البالغ – تبرهن لنا صحة ما ذهب إليه الفيلسوف الأمريكي المشهور " جورج
هربرت ميد" وهو أن رجع المشتركين الآخرين في الفعل الاجتماعي لا يتوقف
كثيراً على ما قيل أو فعل ولكنه يتوقف على طريقة وكيفية فهم هؤلاء
المشتركين لما قيل أو فعل من قبل الآخرين، أن هذه الحقيقة واضحة في
محاولة " فرد" أن يدعو لما كان يبيع ولكن الزنوج الذين تعرضوا لدعايته
لم يفهموا منها أنها دعاية ولكن كل ما فهموه منها هو أن لهم أخواناً
أعزة في الشرق ، إن هذه الحادثة بالذات تتضمن حقيقة أخرى هامة فيما
يتصل بفهم وإدراك وسلوك الانسان تلك هي : إن الانسان انتقائي في إدراكه
العقلي وإدراكه الحسي ومن ثم في رجعه أيضاً.
7- لقد نشأت هذه الجماعة وظهرت
بين ظهراني الطبقة الدنيا من الزنواج في" ديترويت" ولا تزال الى يومنا
هذا تستمد اعضاءها من بين هذه الطبقة بالذات ، إن هذه الحقيقة تضيف
برهاناً عملياً لصحة ما ذهب إليه الباحث " نيبور " وهو أن الحركات
الدينية تظهر دائماً قيما بين الناس من الطبقة الدنيا(20)،
8- إن لهذه الجماعة من الزنوج
طقوسها الخاصة بها في تدبير ما هو مقدس عندها وما هو شيطاني نجس يجب
الابتعاد عنه والتطهر منه ، إن هذه الطقوس هي نتاج تفاعل اجتماعي جرى
ولا يزال يجري ، بين أعضاء هذه الجماعة ، والواقع أن قدسية بعض الرموز
والاشخاص والاشياء إنما هي نتاج الحقيقة التي فحواها أن هذه الرموز
وهؤلاء الاشخاص وتلك الاشياء التي صارت تعتبر مقدسة من قبل الاعضاء
تشبع كلها المشاعر المشتركة والعواطف العامة بين هؤلاء الاعضاء ، فـ"
فرد " لم يرفع الى مقام الآلهة لأنه قام بأعمال إله أو لأنه برهن
لهؤلاء الزنوج بأنه كائن علوي ، ولكنه أصبح كذلك عند أتباعه نتيجة
أسباغ هذه القدسية الجمعية عليه من قبلهم إذ هو يطمن ويشبع فيهم الحنين
المشترك والمطامح والمشاعر العامة فيما بينهم ولو بطريقة رمزية أو
خيالية ، هذا ولعل " دركهايم" يعني هذا المعنى بالذات حين راح يؤكد على
أن الجماعة تصير من نفسها مثلاً أعلى ومن ثم تعبد نفسها(21) ، وهو أمر
ليس بعيداً عن الحقيقة كما ترى في هذه الدراسة أن مفتاح هذه القدسية
المسبغة تتضمنه الفقرة التالية من أقوال " الاجه محمد" لي إذ قال: "
والحقيقة ، فنحن لا نعرف مقاماً أو منزلة تليق بـ"فرد" الذي عرفنا
بأنفسنا بعد الضياع ، وعليه فقد أوعزت للاتباع أولاً بأن ينادوه بعبارة
السيد " فرد" ولكنني شعرت بأن هذه التسمية لا تليق به أبداً فأوزعت
إليهم مرة ثانية بأن يدعوه النبي ، غير أنني وجدت من بعد بأنه ليس
نبياً وإنما هو أكبر من النبي بكثير وأجل منه وأعظم ومن ثم انتهيت الى
أنه ، في الواقع ، هو الله الواحد القهار".
9- إن هذه الدراسة تؤيد ما ذهب
اليه الباحث " فاوست " من أن هذه الحركات الدينية بين الزنوج في
الولايات المتحدة الامريكية تحاول أن تقيم نفسها على أسس اقتصادية (22)
ذلك أن المصالح الاقتصادية هي لحمة وسدى التماسك في هذه الجماعة
الدينية ، كما إن فريقاً من أعضائها وعلى رأسهم الزعيم أو ( النبي)
الحالي " الاجه محمد" قد أصبحوا من ذوي المصالح الاقتصادية المركزة
فيها ، هذا بالاضافة الى ما أوجدته هذه المصالح من تنافس عليها وعلى
فوائدها بين المنتمين الى الحركة لأن تحقيق هذه المصلحة الاقتصادية،
ولو جزئياً يستتبع عادة اكتساب منزلة أو رفع منزلة من حصل عليها في هرم
المنزلة للجماعة.
10- يذهب كل الكتاب الذين عالجوا
نشوء هذه الحركات الاجتماعية بين الزنوج في أمريكا الى عزو أسبابها
الى عوامل خارجية مختلفة (23) ، إن هذه الدراسة تبرهن لنا على أن سببية
ظهور هذا الصنف من الحركات لا تكمن في العوامل الخارجية ( من قبيل ضآلة
المورد ، وسوء الحالة المعاشية ، وانحطاط المستوى البيتي وانحطاط
المحلة التي يسكنها هؤلاء الناس وعدم تيسر المسابح وساحات اللعب وما
شاكل) وإنما هي تكمن في عمليات التناقل (أعني تناقل المشاعر والعواطف
والأفكار) وفي عمليات التفاعل الاجتماعي نفسها ، وعليه فإن العوامل
الخارجية الاخرى قد تكون عوامل مساعدة أو مهيئة وليست عوامل سببية
أصلية، وبعبارة أخرى إن الحركات الدينية من هذا النوع لا تنتج بمجرد
تأثير هذه العوامل على الناس بصورة ميكانيكية ، وإنما هي تظهر في الاعم
الاغلب نتيجة حكم الافراد الذين يضعون أنفسهم في مجال مقارنة فيما بين
ما هم عليه وبين ما يمكن أن يكونوا ، إن هذا الحكم الفردي يتم في أطار
تفاعل جمعي يتمخض عنه،
11- إن حماس هؤلاء الاتباع للحركة
وتعلقهم العميق بعقائدها الخرافية الباطلة يبرهنان لنا الى حد كبير على
مدى تعقل الافراد في مثل هذه الاحوال ، والواقع أن هذه الدراسة تكشف
لنا دور المشاعر والآمال والمطامح والخرافات والعواطف والاوهام في سلوك
الانسان ،
12- تبرهن لنا هذه الدراسة على أن
الزنجي في هذه الحركة يشعر بنفسه شعوراً حاداً كما إنه يشعر شعوراً
رسياً عميقاً تصوره لنا خرافات وعقائد هذه الحركة وما فيها من رموز
وتوقعات وآمال ، وعليه فأن كل النظريات والتفاسير التي تزعم أن الزنجي
إنما ينتمي لهذه الحركات أنما ينتمي لهذه الحركات بسبب نزوعه لأن يمتلخ
نفسه من عالم الزنوج هي نظريت بعيدة عن الواقع ، هذا ولأجل أن لا يساء
فهم هذا الاستنتاج الاخير أرجو أن يلتفت القاريء النابه الى ما يلي:
إن عبارة زنجي " Negro " تتضمن
مستويين من الدلالة ، يتضمن المستوى الاول منهما مواقف البيض نحو
الزنوج وهي مواقف تنطوي على نظرة أحتقار نحو الزنوج ، أن هذا المستوى
من المعنى أو الدلالة هو الذي يرفضه هؤلاء الزنوج ويثورون عليه وينفرون
من تسميتهم زنوجاً على هذا الاساس ولذا رأينا أتباع الحركة التي تسمى
(The Moorish Movement ) وهي حركة أخرى تدعي الاسلام ، يرددون في
صلاتهم العبارات التالية : أنني سعيد جداً لأن أعرف بأنني مسلم ، أنني
سعيد جداً بأن أعرف بأنني لست ذلك الزنجي الحقير
( Nigger) ، الحمد لله والشكر
ولنبيه الشريف " درو علي " ، وأما المستوى الثاني من المعنى أو الدلالة
فهو يعني عندهم أنهم من الرس الاسود وهذا هو ما يجعلهم يعتزون بهذا
النسب ويفخرون بهذا الرس كما كتبوا في هذا الوجه من الموضوع ، وعلى كل
حال ، فأن هذه المناقشة تكشف لنا الدور الذي تلعبه الرموز في السلوك
البشري،
12- لما كان هؤلاء السود يعتبرون
زنوجاً من قبل البيض ، ومن ثم فهم لا يستطيعون التخلص مما يستتبع هذا
الاعتبار الذي يقوم على دعامتين هما لون البشرة والتاريخ الاجتماعي
للزنوج في أمريكا ، لذا رأيناهم يلجأونن في بعض الظروف والاحوال الى
مهرب من قبيل تغيير الاسماء وتغيير بعض المظاهر والقواعد الحضارية ،
وتغيير بعض أنماطهم السلوكية ، وتغير مظاهرهم اللباسية ، وتغيير دينهم
، وتغيير تارخيهم الاجتماعي ، وعليه فأن أنتماء الزنجي الى هذه الحركات
يشعره بأنه جزء من نصاب أجتماعي هو أسمى بكثير من عالم الزنوج ويدخل في
روعه بأنه عضو في جماعة مرجعية أطارها الاجتماعي لا يحمل المعالم التي
دمغ البيض بها طائفة الزنوج ، وعلى كل حال ، فأن أنتماء الزنجي الى مثل
هذه الحركات يشعره بأنه قد أصبح خلقاً جديداً في عالم أجتماعي جديد
يستمتع فيه ببعض ما تصبوا اليه نفسه من منزلة ومن شعور بالانتماء – وهو
يستتبع الشعور بالتميز والشعور بالمتعة والتدعيم والمساندة.
13- إن التفاعل الاجتماعي التلقائي
الذي تمخض عن فعاليات أختيارية في المراحل الاولى من هذه الحركة ادى
الى بلورة ادوار معترف بها اجتماعياً ضمن اطار هذه الجماعة والى قيام
أشخاص معينيت بهذه الادوار، يضاف الى ذلك أن الاشخاص الذين يقومون بهذه
الادوار صاروا يمتسبون تدريجياً حقوقاً والتزامات أن من هذه الحقوق
مثلاً الحصول على أجر معين لقاء القيام بالدور ، أن هذا يعني فيما يعني
، أن الدور يكتسب ثبوتاً واستقراراً فيستحيل تدريجياً الى وظيفة ( أو
الى دائرة حسب التعبير الدارج هنا في العراق).
الهوامش
..............................
(*)
دراسة حال ، أصطلاح في العلوم الاجتاعية يدل على طريقة من طرائق
الدراسة التي يتتبع فيها الباحث موضوع الدراسة تتبعاً تاريخياً مفصلاً
، ومن هنا سميت هذه الطريقة في بعض الاحيان بطريقة تاريخ الحال.
(1) هذا
هو أسم الزعيم الاول الذي أوجد الحركة التي تدعى الاسلام بين فريق من
الزنوج في الولايات المتحدة الامريكية اليوم ، هذا ولما كانت الدعوى
المنتشرة بين حواريه الاول هي أنه عربي الاصل ويذهب بعضهم الى أنه كان
وافداً من فلسطين فقد حاولت التوصل الى أسمه الحقيقي لأن أسم " فرد" –
الذي يكتب بالانجليزية على شكلين ، هما " fard " و "farad" – ليس من
الاسماء المتداولة في البلدان العربية ولكنني لم أوفق في هذا المسعى،
( 2) لعل
مما يعبر عن موقف البيض في أمريكا من الزنوج بعض التعبير ما أشارت اليه
" هيئة شيكاغو حول العلاقات الرسمية" حيث ذكرت هذه الهيئة ما يلي ، من
بين ما ذكرت : " إن عقل الزنجي هو أحط بكثير من عقول الذين ينمون الى
الرس الابيض .. عندما يظهر شارباً الزنجي يتوقف دماغه عن العمل ، أن
النمو البدني الهائل عند الزنجي أنما يتم على حساب نموه العقلي بينما
الحالة عند البيض هي على النقيض من ذلك ، أن هناك ما يبرهن هذا في
الفصل الاخير من الانجيل ( وليس في الانجيل كله بهان من هذا النوع ،
الكاتب ) أن الزنوج يتميزون برائحة كريهة.
إن لكل
طباخة زنجية حبيباً عاطلاً لا يعمل أبداً وهي تسرق أطايب الطعام الذي
تطبخه لتعطيه له أن الزنجي اذا تعلم رفض أن يعمل وأصبح مجرماً ،
إن كل
الزنوج الذين يظهرون شيئاً من الذكاء هم أبناء غير شرعيين لبعض أعضاء
مجلس الشيوخ الامريكي: وعليه فأن ثلثي كل من نتاج أبيض " .
(3): هذا
ولعل مما يكشف لنا عن وضع الزنوج في أمريكا بصورة عامة أن أقتطفت ما
يلي من الباحث " أمبري" حيث يقول " لقد كونت خلال عهد العبودية
والاسترقاق فلسفة محكمة عن الطائفة الاجتماعية للزنوج
(Caste)
: لقد كان الساسة يصرحون بأن الزنجي ليس أنساناً وذهب الوعاظ ورجال
الدين يشككون ويتساءلون فيما أذا كانت للزنجي روح وراح العلماء يقدمون
( الدلائل والبراهين) على أن الزنجي متخلف من الناحيتين العقلية
والخلقية ومن ثم فهو أحط الناس جميعاً في هذين الاعتبارين أما السفسطة
فقد أزببدت وأرعدت من منصات الخطابة ومن فوق المنابر وهي تقول : لقد
صنع الانسان على صورة الله : هذا ولما كان من المعروف جيداً بأن الله
ليس زنجياً فأن هذا يستبع الحقيقة التي فحواها أن الزنجي ليس أنساناً "
( 4)-
أن "الاجه محمد" هذا هو – على ما يدعى نفسه – ( رسول ) " فرد" الى
الزنوج بعد أن نفي " فرد " من قبل الحكومة الامريكية الى خارج الولايات
المتحدة الامريكية : أما اليوم فهو يعتبر ( نبي) فريق من الزنوج يسمون
أنفسهم أسيويين Ariatics) في بعض الاحيان و( ( أمة الاسلام ) في أحيان
أخرى ، وهكذا أصبح أسم " الاجه محمد " يصدر بعبارة نبي منذ أواسط العقد
الرابع من هذا القرن ، لقد كان أسم " الاجه" هذا قبل أن ينضم الى "
فرد" " الاجه بول " وهو أسمه يوم كان عبداً ، على حد تعبيرهم ، ولد "
بول" هذا في قرية " ساندرفيل" وهي قرية صغيرة في مقاطعة " واشنطن" من
ولاية " جورجيا " وكان " بول " هذا أحد أولاد فلاح فقير جداً في تلك
القرية تثقله عائة كبيرة تتكون من ثمانية أولاد وخمس بنات ، لقد هاجر "
بول " هذا من تلك القرية في " جورجيا" الى " ديترويت " بعد أن سلخ من
عمره في قرية " ساندرفيل" خمساً وعشرين عاماً لقى فيها من الجوع والضنك
الحياة ومظالم البيض له ولأخوانه الزنوج وسوء معاملتهم ما لا مجال
لذكره في هذا البحث المقتضب.
ولم يكن
" الاجه بول" قد داوم في المدرسة أكثر من نصف سنة دراسية واحدة يو مكان
عمره حوالي أثني عشر عاماً وذلك لأن الفقر المدقع الذي كان مسيطراً على
أهله كان يضطره لأن يكسب بعض ما يخفف عنهم غائلة الفقر ، ومن ثم يؤكد "
الاجه محمد" أنه لا يعرف شيئاً غير ما تعلمه من " فرد " في " ديترويت "
خلال صحبته له مدة ثلاث سنوات.
هذا
وعندما بلغ " الاجه بول" خمساً وعشرين سنة من العمر هاجر هو وزوجته
وطفلاه من " ساندرفيل" الى " ديترويت" وبيعها يوماً كاملاً ليحصل "
الاجه بول" من ذلك كله على نصف دولار يومذاك.
(5).
أرجو أن يلتفت القاريء النابه الى أن القاعة التي أستؤجرت أولاً لغرض
الاستماع الى " فرد" وهو يقص على مستمعيه من الزنوج خبر أخوانهم في
الشرق ، وهي عبارة عن سرداب – أو طابق تحت الارض – أصبحت تسمى معبداً
بعد أن تحول دور " فرد" من دور زعيم رسي الى دور منقذ مقدس.
(6).
يؤكد " الاجه محمد" أن " فرد" ما كان يشير الى البيض إلا بعبارة شياطين
أو أشرار.
(7) هذا
ويؤكد الباحث " بينون" هذا على أن بالرغم من حياةة " فرد" هذا في "
ديترويت" منذ 4 تموز سنة 1930 حتى 30 حزيران سنة 1934 لم يعرف عنه شي
كثير أبداً ، عدا أنه جاء من الشرق وأنه دعا الزنوج في أمريكا الشمالية
الى الانظمام الى أمة الاسلام،
(8)
حدثني " الاجه محمد" أن أتباع " فرد " قد أصبحوا على أثر التعاليم التي
جاءتها " فرد" – لا يحتملون الاوضاع التي أرغم البيض آباءهم قروناً
طويلة على تقبلها ومن ثم فقد صارواً يتمردون على بعض الحدود المضروبة
عليهم ومن ثم فقد أصبحوا يهددون الامن في " ديترويت " بصورة خاصة ،
وحدث مرة أن زجت الشرطة في " ديترويت " عدداً منهم في التوقيف مما أدى
الى نشوب أصطدام عنيف بين الاخرين من الاتباع وبين الشرطة لأن هؤلاء
الاتباع هاجموا مركز الشرطة لأخراج الموقوفين بالعنف ، أن مثل هذا
الوضع حفز الحكومة الامريكية – على ما يدعى " الاجه محمد" – لأن تنفي "
فرد" سنة 1934 خارج أمريكا مما أ>ى الى أ،شقاق الاتباع الى فرق وطوائف
وظهور زعماء غير " الاجه" يدعون أنهم خلفاء " فرد " وهكذا نشب الخلاف
وأشتد النزاع وأستحكم الحقد بين الزعامات مما أضطر " الاجه" لأن يختفي
حوالي ثماني سنين لأنه كان مهدداً بالقتل من قبل المنافسين الاخرين،
إن مما
تجدر الإشارة أليه في هذا الصدد هو أن الدكتور " جواد علي" يعتقد أن "
الاجه محمد" كان قد تآمر على " فرد" فقتله وأنه وضع نفيه بغية التمويه،
(9) أن
تأثر عقائد وقيم وخرافات الفئات المختلفة من الزنوج – تلك الفئات التي
تصطنع الثورة على البيض والتي تنتظم في جماعات دينية مختلفة تقوم في
أسسسها على مصالح أقتصادية في الاعم الاغلب – بعقائد البيض في أمريكا
هو تأثر عميق ، فمن ذلك – على سبيل المثال – دعوى هذه الفئات أن
اللاههم أبيض اللون " أشقر الرأس ، ازرق العينين، وكذلك المسيح عند
البيض...
(10)
أعتاد أعضاء هذه الفئة بأن يصدر كل منهم أسماء الاعضاء الاخرين عند
مخاطبتهم أو مناداتهم أو الاشارة أليهم بعبارة أخرى ، كما أعتادوا أن
يسبقوا اسم العضوة في الحركة بعبارة أخرى شأنهم شأن كل الجماعات
المعشرية في هذا الباب حيث تصدر الاسماء بعبارة رفيق أ, زميل أو ما
شاكل.
(11) أنه
يعني بهذا " الاجه محمد " الذي يصدر أسمه منذ أبعد " فرد" بعبارة
"نبي".
(12) أن
من الملاحظ أن أنتماء الشخص الى حركة اجتماعية من شأنه أن يغير فيه
كثيراً من وجوه شخصيته ، أن من أهم التغييرات التي تطرأ على الشخص من
جراء ذلك هو التغير الملحوظ في مفهومه لذاته وفي تقييم نفسه ومركزه
ودوره في الحياة على أساس من هذا الاطار الاجتماعي – النفسي هو من اهم
عوامل الاغراء على الانتماء الى الحركات الإجتماعية كا أنه من أهم
الحوافز على الولاء لها والتمسك بها والتماسك مع بقية أعضاءها.
(13) أنه
يعني المسيح هنا ، والمسيحين البيض من الامريكين الذين يعبدونه والذين
يسومون الزنوج الخسف والهوان .
(14) لعل
من المفيد أن أشير هنا الى أن لهذه الفئة من الزنوج مطعماً في شيكاغوا
بهذا الاسم وربما كانت لها مطاعم أخرى بهذا الاسم في المدن الاخرى التي
لها فيها فروع حيث كانت هذه الفروع تبلغ تسعة فروع سنة 1952 كل منها في
مدينة من المدن الكبرى في الولايات المتحدة الامريكية هذا ولعل مما يجب
أن أشير أليه في هذا الصدد هو ما تلعبه المصلحة الاقتصادية لفريق من
هؤلاء الزنوج وعلى رأسهم " الاجه محمد" من دور رئيس في هذا الميدان ،
لقد برهنت البحوث الكثيرة التي أجريت حول مثل هذه التكتلات بين الزنوج
على الاهمية الرئيسية التي يلعبها العامل الاقتصادي فيها – أعني في
نشوتها وفي أستمرارها أيضاً .
(15)،
أنهم يقصدون بهذه الكلمة البيض في امريكا على أعتبار أنهم الجنس
القفقاسي،
(16) لقد
بلورت هذه الحركة خرافات كثيرة منها أن اللون الاسود هو اللون الاصلي
وحده ومنه أشتقت بقية الالوان ومنها اللون الابيض الذي هو لون ثانوي ،
ومن ثم فأن الرجل الاسود هو الانسان الاول الاصيل وما الرجل الابيض الا
مسخ أنتجه النبي يعقوب من مزاوجة الانسان مع الكلاب والخنازير وقروناً
طويلة أنتج التناسل فيها بين هذه الاطراف أجيالاً عديدة من النتاج
الممسوخ كان أخرها هذا الانسان الابيض ،
(18) ،
راجع كأمثلة لهذه المعالجات ما يلي:
A.
H.L.Smith ,”A Brief Summary of Literature on Leadership” Bulletin of
the School of Education Indiana University, IX no. 4 (Sept. 1933)
,70
B.
C.A.Gibb, “The Principles and Traits in Leadership” journal of
Abnormal and Social psychology , XLIL(1947) ,267>
C. W.H.
Cowley , three Distinctions in the Study of Leaders,” journal of A
abnormal and Social Psychology , XXIII (july- September, 1928)
,144-157.
D. J.B.
Nash, “Leadership” The Phi Delta Kappan , XII(June, 1929) 24-25.
E. A.W.
Gouldner, Studies in Leadership (New YORK : Harper and Bros .
1950), pp 4-5 ,23-25.
( 19)
هذا مصطلح من مصطلحات علم الاجتماع كان لهذا الباحث فضل كبير في بلورته
وتكوين بعض الاراء الهامة حول ما يشير اليه أن الرجل الحدي بصورة عامة
ومقتضبة جداً هو ذلك الشخص يطمح بالانتماء الى جماعة أو طبقة أخرى فلا
يوفق في ذلك أذ لا تتيح له تلك الجماعة أو الطبقة هذا الانتماء من
ناحية كما ترفضه الجماعة التي هو منها لشعورها هنا بأستعلائه عليها أو
جنوحه لنبذ الانتماء اليها ، ومن ثم يكون هذا الشخص معلقاً بين هذين
الطرفين لا هو من هؤلاء ولا هو من هؤلاء أن من شأن هذه الوضعية أن
تجعل هذا الشخص ذا خصائص ومميزات خاصة به منها وأبرزها القلق وعدم
الرضا مما هو فيه.
(20).
(See
H.R.Niebuhr, The Social Sources of Denominationalism(New York: Henry
Holt and Co , 1929), pp.29.pp.
(21) أن
مثل هذه الفقرة هي محور كل ما ذهب اليه " أميل دركهايم في كتابة التالي
:
Elementary forms of Religious Lite.
(22)
See A.H.
Fanset ,Black Gods the Metropolis(Publication of the
Philadeladelphia, Anthropological Society ) (Philadelphia Mnicersity
of Pennsylvania Press,1944) , p. 88 and Chater11.
..............................
عن : مجلة الأستاذ تصدرها كلية التربية بجامعة بغداد ، مج 14 ع 1-2
1967م : ص 282 وما بعدها .
|