الحضارية «دراسات اجتماعية»

الاربعاء: 03/12/2008

 

الوعي والتنمية(2/2)

د. كامل جاسم المراياتي(*)

(خاص للمعهد)

الوعي الثقافي:
في العلوم الاجتماعية مدارس مختلفة وخطوط فكرية كثيرة، واتجاهات تحليلية عديدة، تسعى جميعها لفهم ظواهر الانسان والمجتمع كل من زاويته واجتهاده.
واذا كانت النفس البشرية ولواعجها محور اهتمام علم النفس ومدارسه، فأن ظاهرة الثقافة الانسانية وتجلياتها اصبحت مدار اهتمام علم الانسان الثقافي وتياراته، لانها تجاوز الابعاد العضوية والنفسية للافراد. غير ان الظاهرتين تلتقيان وتتمازجان في وعاء اسمه علم الاجتماع.
وتكمن قوة هذا العلم في سعيه لادراك اسرار ارتباط الابعاد النفسية والثقافية وانعكاسات ذلك الارتباط. ومن ثم توظيف هذا الفهم والادراك في فهم ظواهر التجمع والاجتماع.
ولكن علم الاجتماع علم انتهازي في تحقيق مآربه، لانه يظهره تارة في توجهات سلوكية فيتجه نحو دراسة الوحدات الصغيرة ليبدو وكأنه علم نفس اجتماعي. وفي تارة اخرى يتعالى نحو التجريد الرمزي والاهتمامات الثقافية فيرتدي لباس علم اجتماع معرفة او انثرولوجيا ثقافية.
ويبدو ان ظاهرة الوعي تحقق طموحات علم الاجتماع، لانها تتجلى في مستويات عديدة وتظهر بابعاد نفسية واجتماعية وثقافية. فتارة وعي فردي نفسي، وتارة وعي اجتماعي او جماعي، وتارة ثالثة وعي ثقافي او معرفي.
ولان سعينا يتجه في الاساس لفهم ظاهرة الوعي المعرفي، ولأن الثقافة وعاء المعرفة ونمط من سلوك عقلي يظهر في طريقة حياة الناس، واساليب سلوكياتهم الفردية والاجتماعية. فقد اضحى لزاماً علينا ان نفهم ابعاد الثقافة ونعي عناصرها ومكوناتها، لانها تمثل اعلى مراتب التجريد الرمزي والبعد المعرفي المكتسب اجتماعياً، والذي يؤهل الفرد للتعامل مع الاخرين باسلوب مقبول معترف به.
وقد قدم لنا تالكوت بارسونز افضل عرض لتحليل الثقافة منطلقاً من تعريفها.
(من الممكن فهم الثقافة على انها مركب من الانظمة الرمزية التي عن طريقها يتكيف الناس مع بيئاتهم ويحددون علاقاتهم مع الاخرين في حدود الوضع الانساني).
وتتكون الثقافة من وسائل للتعبير والاتصال كاللغات، ومن مضمون معرفي كالافكار باشكالها المتعددة، ومن رموز اساسية معبرة كوسائل لاظهار المواقف. ومن مفاهيم اخلاقية (تقديرية)، ومن محاور رئيسية تدور حولها النظم الثقافية للتميز بين ما هو عقلي وما هو لا عقلي.
حيث يرتبط المحور الاول (العقلي) بالمعرفة ومعايير صحتها وشروط تطبيقها او منفعتها. في حين يشكل المحور الثاني (اللاعقلي) طبقة متخلفة ترتبط بانماط ومجالات من الرمزية تؤخذ فيها الاعتبارات التي يمكن ادراكها على انها ثانوية وغير لصيقة بالموضوع.
ولكي تكون الصورة اكثر وضوحاً لابد من التمييز بين ما هو (لا عقلي Non-Rational) وما هو (غير عقلي) من عناصر السلوك الانساني كما قصده بارسونز(16).
فغير العقلي يعني الخروج على معيار من معايير العقل او الانحراف عنه ولذلك فهو يشير الى نمط من الفعل لا الى عنصر من عناصر العقل.
اما (اللاعقلي) فهو وان اشار الى عنصر من عناصر االعقل فأنه يشير في ذات الوقت الى ازدواج النظرة نحو (التعقيل). مثال ذلك ان خروج آدم من الجنة كان خطيئة سببها رغبته في المعرفة. فالازدواج يبدو هنا في الازدواج بين (الخطيئة والمعرفة). او بمعنى آخر ان الازدواج تضمن معنيين في ذات الوقت: ان الجنة مكان يعتبر فيه (الجهل سعاده)(والمعرفة خطيئه) وان المعرفة تعني (الخروج من الجنة).
مثال آخر عن التعارض بين العقل واللاعقل نضربه من طبيعة الانسان حيوان ثقافي تستدعي تكيفاً مستمراً لظروف البيئة المادية والانسانية على السواء. ولكن هذا التكيف من ناحية ثانية يناقض سعي الانسان المتواصل للتطور الابداعي وخلق مفاهيم وقيم ونظم رمزية جديدة وعلى مستويات عدة.
ولعل من المناسب ان نستذكر هنا تميز فرويد بين عمليات اولية وعمليات ثانوية في تحليلاته العقلية عن الكيفيات التي تنظم الامور من قبل الوعي او في الانا.
فالعمليات الثانوية Secondary Process هي القوانين المنطقية التي تخضع لها العمليات العقلية الموجودة في الشعور او في الوعي، وفيما قبل الشعور.
اما العمليات الاوليةprimary process فان قوانين المنطق لاوجود لها في اللاشعور.ففي اللاشعوراو اللاوعي تجمع المتناقضات دون حرج، وتستخدم الاضداد وكأنها مترادفات، ويعتبر (التكيف) أي تكوين وحدات من عناصر لا يمكن اجتماعها معاً، و(الابدال) أي تبديل شيء بشيء آخر، من اهم القوانين التي تخضع لها العمليات العقلية اللاشعورية او اللاواعية.
ولعلي بعد كل هذا استطيع تحديد العوامل التي تتحكم بظاهرة الوعي كما أستطيع إيضاح ذلك على شكل ترسيمه.
1- عوامل بيئية ايكولوجية.
2-عوامل ثقافية حضارية.
3-عوامل اجتماعية.
4-عوامل نفسية سايكولوجية.
5-عوامل بايولوجية – احيائية.

يتضح من هذا ان الوعي المعرفي ليس كينونه Antity، ولكنه نشاط عقلي ذو توجه هادف وادراك ذهني يتميز بذكاء عالٍ وتفكير منطقي، ولا يتضمن أي نمط من انماط الانحراف عن معايير العقل، او عنصراً يحتمل الازدواج في السلوك العقلي (التعقيل). فهو وحدة ذهنية وخبرة واعية من تذكر وتفكير وادراك.
ولكي لا ندخل في متاهات علم النفس وتفاصيل سايكولوجية دقيقة عن معاني ودلالات مفاهيم التذكر Remember والذاكرة Memory، او الفرق بين الفكر Thought والتفكير Thinking وابعادهم البنائية والحسية والابداعية والمجردة،، او ان تشرح ابعاد الادراك كعملية Perception او كفعل Perceiving. فأننا سنكتفي هنا بالاشارة الى اهمية الرجوع الى تلك التفاصيل، والى اراء بلوم (Bloom) ومخططاته عن سايكولوجية التفكير الانساني، والاطلاع على مستويات المجال المعرفي العقلي وتصنيف الاهداف السلوكية.
وعموماً فقد ميز بلوم بين فئتين اساسيتين للسلوك العقلي وهما فئة المعرفة Knowledge،وفئة المهارات والقدرات العقلية Mental Skills التي تتدرج في مستويات خمسة هي (الاستيعاب، التطبيق، التحليل، التركيب، فالتقويم). وذلك لصلة هذا التصنيف المتدرج في التمييز بين فئات النخب الفكرية، فيما سنتكلم عنه لاحقا.


                    ((مخطط المجال العقلي ومستوياته الفرعية))(17).

التنميه
من المواضيع التي اخذت تحتل مساحة كبيره في االتفكير الانساني وتستاثر باهتمام الكتاب والمفكرين، موضوع التنميه بابعادها المختلفه، فقد تزايدت ماحة الاهتمام بهذا الموضوع مع اتساع ماحة الهم الانساني بمستقبل الجموع البشريه ومستقبل الاجيال المقبله.
ومفهوم التنميه في حد ذاته مفهوم قديم الاستخدام في الادبيات والكتابات النظريه، الا ان استخداماته جاءت في اكثر من دلاله وصيغه تبعا لتعدد الاتجاهات الفكريه التي تطرقت اليه او تناولت مؤشراته.
ورغم اتساع وتزايد تداول هذا المفهوم في الاوساط الفكريه والثقافيه،الا ان الغموض ظل يكتنف استخداماته نظرا لاختلاف الفلسفات الفكريه في معالجته ولعدم وجزد اتفاق عام على ابعاد ومعاني الاستخدام نظريا وتطبيقيا.
لقد اهتم بعض الكتاب بمفهوم التنميه من زاوبة التنظير الفكري منطلقين منطلقين من رؤية تتعامل مع التنميه وكانها عمليه تترادف مع مفهوم التغير الاجتماعي حين يقصد تطوير وتحسين احوال الناس وتوفير الظروف الاجتماعيه والاقتصاديه الملائمه لهم. وانطلاقا من هذا فان مفهوم التنميه لابد ان يتضمن اشارات الى البرامج الاقتصاديه وغير الاقتصاديه التي تسعى الى تنظيم المجتمعات المحليه او تنظيم البرامج التي تعنى بعملية انتقال المجتمع من نمط لاخر(1) وقد ذهب (ليو بولد فون فايس) في المؤتمر الثالث للسوسيلوجيين الذي عقد في امستردام الى ان مصطلح التغيرقد حل تماما محل مصطلحي (التطور) و(التنميه).
غير ان استخدام مفهوم التنميه بهذه الدلاله يتعارض مع الواقع ومع دلالات التغير الاجتماعي بالمعنى السوسيولوجي الدقيق، حيث يدل التغير على حركة تلقائيه عفويه غير مقصوده دون ان يتضمن ابعادا تشير الى رغبات السكان او اراؤهم. وبتعبير آخر فان التغير الاجتماعي عمليه تحدث بشكل نلقائي حتمي سواء اكانت برغبة السكان او بدون رغبتهم زدون تحديد لاتجاه التغير تقدما او ناخرا.فهي عمليه تعني وتشير الى انتقال المجتمعات من حالة لاخرى او من مرحلة لاخرى(18)
اما االتغير الاجتماعي الهادف او المقصود فانه تغير غائي نتعمد يحدثه الانسان لتحقيق اهداف وغايات معينه في مجال تقدم المجتمع نحو الاحسن
ومادامت التنميه عمليه تتضمن بعدا هدفيا موجها فانها تتوافق مع مع التغير الغائي الذي تلعب فيه الاراده الانسانيه دورا جوهريا هادفا الامر الذي يتطلب الوقوف على الدوافع والغايات الانسانيه الكامنه وراء تلك الاهداف ووراء عمليات التخطيط والتنميه.
لقد اشار شارل بتلهايم في كتابه (التخطيط والتنميه) الى نوعين من التخطيط يرتبط كلا منهما بنوع النظام الاقتصادي القائم، فهناك تخطيط يرتبط باقتصاد السوق واخر يرتبط بالاقتصاد الاشتراكي.
وعلى الرغم من ان اهتمامات بتلهايم في كتابه هذا قد انصبت على دراسة المجتمعات الناميه والتي يدعوها (بالمعوقه) الا انه اشار اشارات صريحه الى ارتباط التخطيط بالوعي الاجتماعي وبالتسليح الفكري للشعب والذي يكون فاعلا في النظم الاشتراكيه - كما يرى - حيث البناء الاجتماعي فيها لايضم الا الافراد العاملين المنتجين دون الطفيلين والمستغلين(19).
وسواء اتفقنا مع بتلهايم او اختلفنا معه فاننا وبلا شك سنقف معه في تاكيد دور الانسان ووعيه الاجتماعي وتاكيد دور القيم والاعراف الاجتماعيه في عملية التخطيط وفي نجاح خطط التنميه.
فليس من شك ان للقيم الاجتماعيه دورا مهما في اعاقة عمليات التنميه او نجاحها. فاذا كانت القيم جامدة ومتخلفه فان عمليات التنميه ستواجه عقبات عديده يمكن ان تجهض العمليه برمتها.فمن الصعب جدا ان تنعامل لتنمية قطاع الصناعه دون تنمية قطاع التعليم او دون الالتفات الى تحسين قطاع الخدمات والاداره او توعية العاملين في القطاع الصناعي باهمية عامل الوقت.
وقد اشارت دراسات حديثه الى وجود علاقه طرديه موجبه بين التخطيط الاستراتيجي بابعاده الثلاثه وبين تحقيق اهداف التنميه(20).
وهنا يبدو واضحا دور السكان ووعيهم باهمية البرامج التنمويه واهمية اعتماد اطر تنسيق فعاله لتعبئة طاقات الجمهور نحو استيعاب مفاهيم وقيم جديده لتحسن الظروف المعاشيه والاجتماعيه بشكل عام.
ويبدو من هذا ان المشاكل الاقتصاديه ليست المسؤلة وحدها عن اعاقة عمليات التنميه، فهناك عوامل وظروف اخرى ربما تكون اشد خطرا وابعد اثرا من الابعاد الاقتصاديه. كما ان المشكلات التي تصنف في الغالب كمشكلات اقتصاديه قد تبدو ذات اوجه متعدده متداخله.فالفقر مثلا والذي تعده وثائق الامم المتحده نقص في القدرة الانسانيه يعد واحدا من المشكلات الاجتماعيه الى جانب كونه مشكلة اقتصاديه. فقديبدو في مظهر فقر التكوين (رعاية المعاقين مثلا) وفقر التكوين (ايجاد مؤسسات وفرص عمل وتعليم وغيرها) (21). لذاك لابد من التعامل التكاملي مع ظروف وشروط التنميه مما يؤمن مشاركة الفرد والجماعه في تفعيل شروط الحياة.
لقد تعددت استحدامات مفهوم التنميه في قطاعات ومجالات عديده، فقد الحقت بكلمة التنميه صفات متعدده اضفت على المفهوم صفة تجزيئيه فيقال مثلا التنميه الاقتصاديه والتنميه الاجتماعيه والتنميه السياحيه او السياسيه. وهناك من يقول تنمية بشريه وتنمية انسانيه وتنميه متواصله او مستدامه الخ….
على اننا نفضل استخدام لفظ التنميه بما يشير الى عموميتها واستيعابها لكل الابعاد الاقتصاديه والاجتماعيه والقيميه والثقافيه والسياسيبه التي تلعب دورا في حياة الانسان. فهي تنمية بشريه تتمحور حول الانسان وللانسان وبالانسان ومن اجل الانسان.
واذا كانت ادبيات التنميه البشريه قد عرفتها في عبارة موجزه بانها،، توسيع خيارات الناس،، فلا سبيل الى ترجمة هذا المفهوم الى واقع يستجمع كل البشر ولا يستبعد ضعفائهم، الا بصدور خيارات الناس عن قيم اخلاقيه واجتماعيه ووعي عميق بشروط ومتطلبات الحياة المجتمعيه(22).
وقد كان لاهتمام الامم المتحده ووكالاتها المتعدده باصدار العديد من تقارير التنميه البشريه دورا محفزا في حفز ومساعدة سياسات وبرامج التنميه ووكالاتها في العديد من البلدان الناميه التي اهتمت بدورها باصدار التقارير الدوريه ومنها تقرير التنميه الانسانيه العربيه الذي كان اول اصدار اقليمي للبلدان العربيه،اذ شخص العديد من الانجازات فضلا عن مجالات القصور في البنى المؤسسيه العربيه والتي لازالت تعيق وتحد من نجاح عمليات التنميه كنواقص الحريه وتمكين المراه والقدرات المعرفيه.
ومن الجدير بالذكر هنا ان تقرير التنميه الانسانيه العربيه والذي صدر آخر تقرير منه مطلع عام 2005 لمناقشة الاوضاع الاقتصاديه والاجتماعيه في الوطن العربي لعام 2004 قد استند في منطلقاته على مؤشرات التنميه البشريه المبني على اربعة متغيرات هي:
العمر عند الولاده، معرفة القراءه والكتابه عند البالغين، معدل الالتحاق بالمؤسسات التعليميه، نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي. اضافة الى خيارات اخرى تضم (حريات الانسان،حقوق الانسان، المعرفه وعدد من الحريات الاخرى الضروريه لرفاه الانسان)(23).
ان اعتماد التنميه البشريه المستدامه بكل ما تشمله من مفاهيم وقضايا وما تستدعيه من آليات ووسائل تطبيقيه، اصبح سياقا عاما واطارا تعتمد عليه العديد من اقطار العالم ومنها اقطار الوطن العربي لبلورة رؤى انمائيه تحقق الاهداف المنشوده في المجالات كافه (الوضع الثقافي،وواقع الموارد البيئيه، الجوانب المؤسسيه، العلم والتكنولوجيا). ويمكن تلخيص تلك المؤشرات بما يلي:
1- تأمين حاجة الاجيال الراهنه دون الاضرار بامكانات الاجيال القادمه على تأمين حاجاتها.
2- المحافظه على التوازن البيئي وذلك بمكافحة تلوث البيئه وتخريبها والسعي لاستخدام رشيد للموارد ونطويرها بصوره بناءه تحفظ حق الاجيال القادمه بالافاده السليمه منها 3- العنايه بالغايات الاجتماعيه واهمها اجتثاث الفقر والقضاء على البطاله وتوفير فرص عمل متكافئه للمواطنين ونحسين توزيع الدخل القومي وتوسيع خيارات الناس بهدف تحسين مستوى معيشتهم وتطوير نوعية حياتهم
4- تأكيد قيم الحريه وحقوق الانسان والديمقراطيه بهدف احترام كرامة الانسان وتمكينهم من المشاركه في رسم مستقبلهم في عملية صنع القرار في بلادهم وتوفير الوسائل والاليات الكفيله بادرارة ديمقراطيه وشرعيه للحكم وارسائه على سلطة القانون والمؤسسات المنتخبه والدستوريه(24).
الوعي بالتنميه
نستنتج من كل ما سبق ان الوعي يشكل اطارا مرجعيا يستند اليه الفرد والجماعه في التعامل مع الوقائع والظواهر الخارجيه وفي التعامل مع الطرف الاخر انسانا وبنى ومجتمعات
ولاشك ان الوعي بكل مستوياته وانواعه انما يتحدد بمجموعه من القيم والمعايير والاعراف التي تؤثر في الفرد والجماعه. فالوعي اذن شعور ينتاب الفرد والجماعه ويجعلها تدرك حقيقة مركزها ودورها ومستقبلها ويدفع بها لتدارك الاخطار المحيطه ورسم البرامج الكفيله لتحقيق الاهداف والطموحات
واذا شئنا ان نقرر ان الوعي بالتنميه يعني ادراك لاهمية التنميه وضروراتها. فماذا عن تنتمية الوعي؟ وهل ان تحقيق اهداف التنميه رهين بشروط الوعي الاجتماعي، ام ان الوعي في حد ذاته هدفا من اهداف التنميه؟
لقد ناقش سي رايت ميلز في كتابه الخيال السوسيولوجي تلك العلاقة باسهاب وقدم لنا العديد من البيانات والاقتراحاتوالمعالجات النظريه والتطبيقيه منطلقا من بيان العناصر التي تتالف منها التنميه الاجتماعيه وموقف المجتمع من التاريخ الانساني والوسيله التي يتغير فيها المجتمع، وعلاقة ذلك بالطبيعه البشريه.
لقد توصل ميلز الى ان فهم مايدور في أي ميدان من ميادين العمل الثقافي والفكري يجب فهمه في ظل ظروف السياق الاجتماعي ذاته، وان غاية العلم الاجتماعي هي التنبؤ بالسلوك الانساني والسيطره عليه،وان عبارة الهندسه البشريه عبارة غير محددة المعنى لانها لاتميز بين السيطرة على المجتمع والسيطره على الطبيعه. مستنتجا ان اهم االافكار التي ورثها علماء القرن العشرين الاجتماعيون عن فلاسفة عصر التنوير هي(دور العقل في شوون الانسان وفكرة الفرد الحر من حيث هي قاعدة العقل الحر) والا ان هاتين القيمتين (العقل والحريه) تتعرضان لخطر جلي ولكنه خطر معقد وماكر.
ان عقلنة المجتمع بشكل متزايد والتناقض بين العقلانيه والعقل وانهيار تلاقي العقل والحريه هي السر وراء ظهور انسان مع العقلانيه ولكنه بلا عقل. هكذا يرى ميلز(25).
ولكن ومنذ اعلان الحق في التنميه لعام 1986 تخطى مفهوم التنميه الزياده المستمره في المؤشرات الاقتصاديه الى كافة الجوانب والمجالات بحيث يشمل البشر ككل وفي جميع الجوانب المتعلقه بالحقوق الاساسيه حتى اصبح مفهوم التنميه يعني تمكين الانسان من الحصول على حقوقه كافه واصبح الانسان غاية التنميه ووسيلتها في آن واحد(26).
المثقفون والمجتمع:
الثقافة وعاء المعرفة او نوع من المعرفة، ولا يمكن ادراكها الا من خلال سلوك الناس وتصرفاتهم وتعاملهم مع الحوادث والاشياء، وهي صفة (Attribute) تطلق اطلاقاً نسبياً لتشير الى مجموعة من الناس في اشارة للمتعلمين تمييزاً لهم عن غير المتعلمين او انصاف المتعلمين والاميين. وقد يقصر استخدامها على فئة محددة فيقال النخب الثقافية او الطبقة المثقفة.
قد تعترض سبيل الدراسين مشكلة تتمثل في كيفية التعرف على نوعية وما هية الثقافة في عقول الناس ولاسيما ان خلطاً قد يستخدم كثيراً في عدم التمييز بين المتعلمين والمثقفين.
ويبدو لنا ان طريقة انتظام وتراتب عناصر السلوك العقلي والمعرفي بما يمنح انتظام تلك العناصر شكلاً بنائياً متناغماً Harmonic ينعكس على اسلوب التفكير والتعامل مع الكيانات والكائنات والظواهر هو الطريقة الصحيحة للتعامل مع هذا الموضوع.
فالتناغم الهارموني للبناء العقلي شرط ليكون التفكير منطقي منظم مستند على مجموعة من أسس ومبادئ مستدخله Internalization في الذات العقلية استدخالاً تربوياً ينطلق من استحالة تأكيد الشيء ونقيضه في آن واحد (عنصر لا عقلي). وان لاشيء يحدث من لا شيء. وان لكل علة معلول ولكل حادث سبب ومسبب (27)
وهنا لابد ان نؤكد على التمييز بين المتعلمين والمثقفين. فالمتعلم هو من يكون ممتلكاً لذاكرة تسمح له بأختزان مجموعة من المعلومات المستقاة اوتوماتيكياً من مؤسسات تعليمية يوظفها غالباً في خدمة مصالحة في العيش والارتزاق أو في خدمة مصالح الطبقة التي ينتمي اليها. ولكنه غير قادر على تجاوز مستوى النقل النقدي (او مستوى المعرفة حسب تصنيف بلوم)، ومن ثم فأنه غير قادر على اكتشاف القوانين العقلية والمنطقية التي تتحكم بتلك العلاقات، وليست له القدرة على التحليل والتركيب والتقويم (حسب تصنيف بلوم)، فيكون بذلك متعلماً غير مبدع، لان وسيلته لدخول البناء الثقافي والمعرفي تستند على قابلية الخزن والحفظ والاستذكار دون ذلك(28).
وعلى أية حال فأن هذا الخلل غالباً ما يكون نتاج لنظام تعليمي تربوي قاصر يعمل على تكريس وانتاج عوامل التخلف بتركيزه على التلقين والحفظ والجمود الفكري، وتعزيز نظم التسلط المدرسي، وقيم الشكل والمظهرية، وتشجيع سلوك اللامبالاة وعدم الحرص، واعتماد صيغ الاستغراق في الجزيئات وتجزئة العلوم والمعارف دون اختبار الافكار النظرية وتنميتها واقعياً. الامر الذي يترتب عليه تزييف الوعي بالواقع.
ويبدو لي ان نظمنا التربوية والتعليمية والجامعية لازالت تدور ضمن حلقة التخلف المعرفي، ولازالت مشبعة بالشروط والظروف والاداءات التي تعمل على تكريس عوامل انتاج واعادة انتاج التخلف الفكري، وتزييف الوعي المعرفي (مناهجاً ووسائل وادوات). ولا زالت تشجع فرص انتاج ادوات تعليمية تسعى الى التطلع السلطوي دون تطوير قابليتها المعرفية فكرياً وعملياً.
ولان التخلف يعيد انتاج التخلف دائماً.فاننا امام مشكلة كبرى، ومستقبل كارثي.
فقد اشارت بعض الاحصاءات العالميه الى ان معدل قراءة الفرد العربي على مستوى العالم هو ربع صفحه، بينما في امريكا (11) كتابا، وفي بريطانيا (7) كتب. في حين لاتتجاوز قراءة القارىء العربي سنويا النصف فقط(29).
ولعل المناسب الاشارة هنا الى ان الخلل ابتدأ بالظهور في المستويات الدنيا من السلم التعليمي. ولما لم تكن هناك سياسيات رشيدة لايقاف زحف التخلف ومسلسل التدهور الفكري والمعرفي وفي ظل ظروف عززت تلك السياسات فقد تصاعد الخلل حتى بلغ اعلى مراتب السلم التعليمي.
ولكن اين الحل؟
للتخلف المعرفي واعادة انتاجه عوامل واسباب عديدة بعضها داخلي والبعض الاخر خارجي. ولا مجال للدخول في تفاصيل هذا على هذه الرقعة الصغيرة من الوقت والبحث. ولكن العمل على أحداث تغيرات هيكيلية جوهرية في النظام التعليمي وايقاف عجلة التدهور ومن ثم تطوير الواقع المعرفي والفكري لعوامل انتاج الوعي المعرفي بالتواصل مع الاخرين ولاسيما اولئك الذين سبقونا تكنولوجياً ومعرفياً، يظل خطة عامة يجب الاعتماد عليها في رسم السياسيات التعليمية.
ومثل تلك الاجراءات لا تتم دون فرز عوامل وادوات التخلف الكامنة في البنى التعليمية والاوساط الفكرية، واعادة النظر بالمناهج والطرق والوسائل التعليمية، وربط المناهج والادوات باهداف ومصالح المجتمع،وتحقيق التوازن بين المدخلات التعليمية والمخرجات الفكرية والتنسيق المتوازن بين المجالات الفكرية والمهنيه والتطبيقية، وتوظيف المعرفة من اجل اكتشاف قوانين الطبيعة والمجتمع. سوف يظل هو الاسلوب والطريق القويم نحو بناء برامج تنموية مستقبلية تتعامل مع المضمون والجوهر وليس مع المظاهر الشكلية او الارقام الحسابية.
واذا حاولنا البحث عن جذور القيود والعقبات التي لازالت تحد من انطلاقتنا وتلازم تعويق عمليات التقدم، فسنجد ان ثمة ازمة اخلاقية وانساق ومعتقدات ورموز لازالت تسعى لتأكيد دعائمها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولازالت تلعب دوراً مهماً في تشكيل وعي زائف وترسيخ عوامل التخلف المعرفي وتحجيم الواقع المجتمعي لصالح مصالحها.
وبخلاف هذا فأن عناوين فارغة المضمون، ومظاهر شكلية تراقص اعمدة الصحف والاعلام، ستظل تحكم قبضتها على موازيين العمل والانتاج، وستظل تزودنا بقراءات خاطئة تدفعنا للمراوحة في مواقعنا ان لم نقل تتراجع الى الوراء فيما يجري العالم حولنا مسرعاً.
فالعملة الرديئة تطرد العملة الجيدة.
رغم ان سوق اللغة والفكر والثقافة ستظل عصية على أشباه المثقفين.

المصادر والهوامش:

ـــــــــــــ
(*) استاذ الإيكولوجيا الاجتماعية في كلية الاداب الجامعة المستنصرية.
16-تالكوت بارسونز، أثر التكنولوجيا في الثقافة، المجلة الدولية لعلم الاجتماع، العدد السادس، السنة الثانية، اليونسكو، 1972، ص ص 8-9.
17- عبد المجيد نشواتي، مصدر سابق، ص73.
18- عبدالهادي الجوهري، واخرون، دراسات في التنميه الاجتماعيه، القاهره، مكتبة نهضة الشرق، جامعة القاهره/1982،ص7
19- اسماعيل صبري عبدالله، دار المعارف بمصر، القاهره،1968،ص7 -11
20- رائد صبار لفته،العراق الجديد وسبل التخطيط الاستراتيجي الى التنميه، مجلة النبأ، العدد 70، دار المستقبل للثقافه والاعلام، بغداد، ايار 2004ص 70-78
21-كريم محمد حمزه، بعض ملامح المجتمع الناهض، في نحو مجتمع ناهض متكافل، بيت الحكمه بغداد 2002، ص 208
22- مجلس وزراء الشوون الاجتماعيه العرب، التقرير الاجتماعي العربي، الاصدار الاول، جامعة الدول العربيه، القاهره، 2001، ص 5
23-هناء ابراهيم الخفاجي، التنميه الانسانيه العربيه، مجلة دراسات اجتماعيه، العدد 16، بيت الحكمه، بغداد خريف 2002 ص 94-109.
24-مهدي الحافظ، نحو رؤيه انمائيه للعالم العربي، منظمة اليونسكو، كتاب في جريده، العدد 81، 4/5/2005، ص 5
25- سي رايت ميلز، الخيال السوسيولوجي، ترجمة صالح جواد كاظم،دار الشؤؤن الثقافيه، بغداد،1987،ص15،16،122، 166،242،244,
26-عزيز جبر شيال، التنميه الاقتصاديه وحقوق الانسان، مجلة اوراق عراقيه، العدد 2 نيسان 2005، مركز الفجر للبحوث والدراسات العراقيه، 22- 25.
27- فؤاد زكريا، التفكير العلمي، عالم المعرفه، الكويت، 1987، ص 6
28- عبدالعاطي عبد المعطي، مصدر سابق، صص 128-131
29- صحيفة المشرق البغداديه،العدد 402، الصفحه الاخيره، 9/5/2005