|
|
|
 |
الحضارية
«دراسات اجتماعية» |
|
الثلاثاء:
02/12/2008
الوعي والتنمية(2/1)
د. كامل جاسم
المراياتي(*)
(خاص للمعهد)
«ولكم في الارض
مستقر ومتاع الى حين»
المقدمة
منذ ان وطئت اقدام ادم هذه الارض
وعلى مر العصور والاجيال كان هاجس إعمار الارض واستثمار مواردها وتنمية
امكاناتها طاغيا على تفكير الانسان ومستحوذا على اغلب محاور اهتماماته
فخطط واخفق حينا واصاب حينا كي يحقق ما يصبو اليه
وكانت النتائج المرغوبه تتحدد غالبا في التحكم بالبيئه وتحسين مستوى
المعيشه وتطوير وسائل الانتاج ورفع مستويات التقدم الاقتصادي ولذلك طغى
مفهوم التنميه الاقتصاديه على ادبيات التنميه لاسيما بعد تدني فرص
الاجيال اللاحقه في الحصول على المستوى المطلوب من القدرة الانتاجيه
وتحقيق مستوى لائق من المعيشه.
غير ان مشكلات الفقر والبطاله وما يترتب عليها من اثار سلبيه لم تكن
لتطال شروط الحياة الافنصاديه فقط بل امتدت لتشمل مفردات الحياة بكل
صورها واشكالها وابعادها وشروط خيارات الناس ووعيهم بمنطلبات الحياة
الاجتماعيه ومفاهيم القيم والمعتقدات الاجتماعيه الامر الذي ترتب عليه
اتساع مفهوم التنميه ليشمل متغيرات جديده ومنها المحافظه على الموزارد
البيئيه ومكافحة عوامل التدهور البئي وتبني انماط جديده من القيم
والعلاقات الاجتماعيه ومستويات الوعي الاجتماعي وكل ماينطوي عليه مفهوم
البيئه الاجتماعيه من امكانات عمليه وادراك لشمولية ابعاد المجتمع
ومكونات النسيج الاجتماعي بكل ما يتضمنه ذلك النسيج من علاقات وتفاعلات,
ولهذا السبب انطلق البعض من الكتاب لبيان العلاقة بين الوعي الاجتماعي
والتنمية البشريه يكل ابعادها ومضامينها.
هدف البحث
انطلاقا مما تقدم فان سعي بحثنا يتوجه نحو تحليل مضامين الوعي بابعاده
المعرفيه والاجتماعيه والنفسيه، والوقوف على اختلاف مستويات الوعي
الاجتماعي عند الافراد والجماعات والشرائح والطبقات الاجتماعيه والفكريه،
وعلاقة تلك المستويات بمفهوم التنميه البشريه المستدامه سعيا لتاكيد
الاهتمام بالغايات الاجتماعيه وناكيد قيم الحرية والعقل واحترام حقوق
الانسان وتمكينهم من المشاركه في رسم مستقبل افضل،ذلك ان الوعي الاجتماعي
بكل مستوياته وعناصره لابد ان يكون هدفا من اهداف التنميه الشريه وغاية
لها.
النمو المعرفي والعقلي:
النمو العقلي للانسان شبكة معقدة من النضج البايولوجي وخبرات التعلم.
ويتطلب الوقوف على تلك الشبكة وعلى آليات النمو المعرفي الرجوع الى بعض
الافكار والنظريات التي سادت حقول علم النفس، وخاصة تلك التي عالجت موضوع
النضج والنمو البايولوجي، وتلك التي لها علاقة بآليات التعليم.
غير ان التطرق لكل تلك الآراء والنظريات أمر غير يسير نظرياً لتشعب
واختلاف رؤى المفكرين واختلاف وجهات نظرهم وتقاطعها في بعض الاحيان، فضلاً
عن ان هذا جهد يقع خارج سياق سعينا.ولكننا نستطيع استثمار مساحة صغيرة
للاشارة الى بعض افكار برونر Bruner التي ضمنها نظريته عن النمو
المعرفي،والتي يرى فيها ان اللغة مفتاح النمو المعرفي، لأن الفرد يستطيع
من خلالها ان يفهم تصورات الاخرين للعالم الخارجي وأن ينقل من خلالها
تصوراته أليهم. ذلك ان عمليات النمو المعرفي تتضمن قدرة متزايدة على
مخاطبة الذات للآخرين عبر وسيط رمزي كالرموز اللغوية او غير اللغوية،
فضلاً عن ان آلية النمو المعرفي تعتمد على تطوير عملية تخزين داخلية
ومنظومة معالجة معلومات(Information Processing System) تمكن الفرد من
تمثيل العالم الواقعي(1).
ويبدو ان الاسهاب في هذا المنحى سيدفع بالبحث نحو حقول علم النفس وآليات
تشكل الصورة الذهنية ونظريات النمو والتعلم. وتلك تفاصيل أرى ان ندع
بحثها لمتخصصين في مجالات النفس والتربية، غير ان سعينا نحو تقصي الصلة
بين وجود الانسان المادي ووجوده الفكري، يفرض علينا الاسترشاد ببعض مدارس
علم النفس نظراً للصلة الوثيقة بين البعد النفسي والبعد العضوي للانسان،
رغم اختلاف رؤى المفكرين بشأن تلك الصلة.
ولعل التقاطع الكبير بين السلوكيين والاستبطانيون سيكون المحطة الاولى
التي تفرض علينا التوقف عندها.
يرى جون واطسن رائد المدرسة السلوكية القديمة في علم النفس، ان ميدان علم
النفس الانساني يتمثل في سلوك الكائن البشري لا في وعيه. لأن الوعي لا
يشكل مفهوماً محدداً ولا مفهوماً قابلاً للاستعمال. ولذلك فأن الاعتقاد
بوجود الوعي سيقود بنا الى الخرافة والسحر.
اما وليم جيمس رائد مدرسة الاستبطان في علم النفس فأنه يرى في علم النفس
مجالاً لوصف وتفسير حالات الوعي.
وهكذا يتضح لنا من خلال هذه الاطلالة السريعة، ان مفهوم الوعي يشكل نقطة
الخلاف الرئيسية بين المدرستين. ذلك ان المدرسة السلوكية ترى ان علم
النفس الاستبطاني ينطلق في دعواه من فلسفة(ديكارت) ومبدأ الثنائية، الذي
يرى ان لكل فرد روحاً وجسداً. ولأن الروح مبدأ ومفهوم غير قابل للملاحظة
والتجرييب، فأن مدرسة الاستبطان مضطرة الى استخدام الاستبطان كمنهج دراسي،
الامر الذي أبعد تلك المدرسة عن الموضوعية في تعاملاتها، في وقت تستند
فيه كل العلوم على اسس موضوعية(2).
ويبدو أننا سنضطر آسفين لتجاوز السيد واطسن، لاننا بخلاف هذا سننحو منهجاً
سايكولوجياً صرفاً يبعدنا عن الخط السوسيولوجي. ثم أننا سنبتعد عن غرضنا
الدراسي لفهم ودراسة ظاهرة الوعي.
الفرد والمجتمع:
لم يكن اوكست كومت مخطئاً عندما رأى ان على علم الاجتماع ان لا يتجاوز
التاريخ، لانه عند ذاك سوف لا يصبح علماً للاجتماع.
والواقع ان أعتماد موقف واضح محدد في مسائل تخص الانسان والمجتمع دون
الاسترشاد بجذور الاختلافات الفكرية، لايعد أمراً مقبولاً من الناحية
العلمية.
على ان الاستناد على التاريخ واستخدام المنهج العلمي يفرض على الباحث
السوسيولوجي الحيطة والحذر ومراعاة أمرين:
1- عدم الانجرار وراء التيار التاريخي الى مدى يبدو وكأن هذا التيار هدف
للبحث.
2- عدم أعتماد صورة التاريخ او الحادثة التاريخية دون توظيف لها لهدف
البحث، وفي ضوء ارتباطها بالواقع الحالي.
ومع ذلك فأن علاقة كعلاقة الفرد بالمجتمع حرية بالتقصي والدراسة، لمعرفة
أسس الاختلافات الفكرية ومبررات تلك الاختلافات والحجج المنطقية، لعلاقة
ذاك بموضوع الوعي والوجود.
وسواء أكان الفرد اسبق في الوجود من المجتمع كما يرى ارسطو واتباعه، او
ان الفرد كائن بايولوجي اكتسب انسانيته واجتماعيته بالتطبيع، ولا وجود
لشخص دون مجتمع – كما رأى أفلاطون- فأن مقولة الوعي والوجود وثيقة الصلة
بكلا التيارين، لارتباطها بمفهوم العقل والوعي الجمعي، وتعامل الفريقين
مع ذلك المفهوم وما في حكمه من مواضيع.
فأنصار الفرد (الارسطيون) لا يقرون اصلاً بمفاهيم العقل الجمعي والسلوك
الجمعي والضمير الجمعي، ويعتقدون ان مثل تلك المفاهيم ما هي الا خرافات
لا وجود لها بالمعنى الاجتماعي، لان المجتمع بنية خيالية لا صحة لوجودها،
بل ان السلوك الجمعي ليس الا مجموع سلوك الافراد في المجتمع.
اما (الافلاطونيون)،فأنهم ركزوا في طروحاتهم على ظهور صفات اجتماعية لا
يمكن وجودها أو ظهورها في الفرد المنعزل المستقل عن الجماعة. فالمجتمع، -
كما يقول دوركهايم - يتكون من مجموع الافراد. ولكن هذا المجتمع يختلف في
طبيعته عن واقع الافراد المكونيين له، ذلك ان الخصائص الاجتماعية المكونة
للمجتمع مختلفة عن الحقائق السايكولوجية ولا يمكن اختزالها الى ابعاد
سايكولوجية او حقائق سلوكية(3).
ومهما يكن من أمر فأن لنا ان نتخذ خطأ وسطاً فنقرر وجود سلوك فردي وآخر
اجتماعي. ولكل منهما خصائص مغايرة وطابع مختلف، ولا يمكن ان يظهر ذلك
الطابع السلوكي الا في حدوث ذلك النمط من السلوك، فليس تجمع الافراد
مجموع عددهم الحسابي، لان لهذا التجمع خواص تغاير خواص كل فرد بمفرده،
ولا يمكن لتلك الخواص ان تظهر الا بتجمع الافراد.
ولان الفرد تركيب والمجتمع تركيب مغاير، ولان الوعي الفردي غير الوعي
الاجتماعي، فأن الوعي في بعده العام يمثل حلقة الوصل بين الكيانات
الفردية والتراكيب الاجتماعية، وهو الركيزة التي نفسر من خلالها انتقال
الفرد نحو استيعاب الابعاد الثقافية وتمثل التجريدات الرمزية عبر بوابة
الاجتماع البشري. ومثل تلك الانتقالة تشكل حجر الاساس لأي بناء اجتماعي،
وتحتاج الى جهود ووسائل نفسية واجتماعية تتمثل في اعراف وتراكيب مؤسسية
وأنساق معرفية.
فالصلة بين الفرد والمجتمع صله طوعية في بعض جوانبها وجبرية في جوانب
اخرى، وهذا يتطلب اعادة صياغة السلوك الفردي وتأهيل الفرد سلوكياً للنظام
الاجتماعي عبر آليات من انساق معرفية وتنظيمات مؤسسية يقع على عاتقها
تنفيذ تلك المتطلبات.
وهكذا فأن (الهدف الرئيسي للمعرفة النفسية الاجتماعية ايجاد ركيزة وسطية
يستطيع من خلالها كل من المجتمع وافراده الاعتماد عليها في رسم خطوط سلوك
يوفق بين المجتمع والتزاماته من جهة وبين الفرد ورغباته من جهة ثانية)(4).
ولعلنا تتوافق هنا مع مقولة (ماكس فيبر) الشهيرة (ان العقل يكون اجتماعياً
في معناه الذاتي عندما يأخذ في اعتباره سلوك الاخرين ويكون بذلك موجهاً
في حدوثه).
فالسلوك الاجتماعي والظاهرة الاجتماعية لا يمكن فهمها الا على مستويين.
المستوى الاول مستوى المعنى الذاتي للافراد انفسهم. اما المستوى الثاني
فهو ان نفهم الفعل الاجتماعي بين الجماعات والافراد. ولكي نفهم عمل الفرد
واعماله او سلوكه على المستوى الاول لابد من النظر الى دوافع الفرد
ونواياه واهتماماته والمعاني التي يعطيها لافعاله والتي تكمن خلف سلوكه.
وبنفس الطريقة لابد من النظر الى النوايا والدوافع والاسباب والاهتمامات
التي تكمن وراء سلوك الجماعة التي يعتبر الفرد عضواً فيها(5).
الوعي والوجود
لقد انسحبت الاختلافات الفكرية على تعامل الفرقاء مع ظواهر الكون
والطبيعة والمجتمع، وعلى النظرة للعلاقة بين كيان الانسان وادراكه
وتصوارته. لذلك شكلت مسألة العلاقة بين الوعي والوجود نقطة خلاف جوهرية
تمحورت حول اسبقية الوجود على الوعي او اسبقية الوعي على الوجود، وتبعية
احدهما للاخر اسقاطاً وانعكاساً.
وكانت البيئة الطبيعية محور خلاف ايضاً أنطلق من أعتبارها من قبل البعض
جزءاً من الوعي الاجتماعي، فيما أخرجها بعض آخر من مضمون الوعي الاجتماعي،
معتبراً ان الوعي بالطبيعة شيء لا علاقة له بالوعي الاجتماعي. هذا الى
جانب ما هو موجود اصلاً من اختلافات حول معاني وابعاد مفهوم الوعي.
ان اول ما تجدر الاشارة اليه عند ذكر مقولة الوعي، ان هذه المقولة ترتبط
غالباً بالفكر الماركسي رغم انها أسبق في الاستخدام من الفكر الماركسي
ذاته. وذلك لأن كارل ماركس كان أول من وجه الاذهان نحو مفهوم الوعي
الطبقي ودور طبقة البروليتاريا في ايقاظ الشعور الطبقي للجموع العمالية،
وتنامي شعورها بالتماسك الداخلي، والتوحد لمحاربة الاستغلال البرجوازي
الذي تتعرض له الطبقة الكادحة في ظل وجود النظام الرأسمالي، وسعيها
لتحقيق طموحات واهداف اعضائها نفسياً واجتماعياً.
ورغم ان الفكر الوظيفي عموماً لم يعنى بمفهوم الوعي بدرجة تساعد على
استجلاء ابعاد هذا المفهوم، إلا ان أهم نقطة خلافية بين الماركسين
والوظيفين تتمثل فيما إثاره ماركس حول اسبقية الوجود على الوعي والعلاقة
بين الوعي والوجود.
فالمثاليون يذهبون الى ان الوعي أسبق من الوجود، بينما يرى الماديون ان
الاصل هو الطبيعة، وان الطبيعة المادية موجودة بشكل مستقل عن الوعي وانها
المصدر الوحيد لكل الاحاسيس والتصورات. ولذلك فأن الوعي الاجتماعي يتغير
بتغير الوجود الاجتماعي، لان الوعي أنما يشكل الافكار والنظريات التي
نشأت عن الانسان نتيجة عملية انعكاس للوسط المحيط في البنية العقلية.
ولم يقف الخلاف عند هذه النقطة فقط، فقد أمتد حتى بين انصار المذهب
الواحد، اذ ذهب بعضهم الى ان الوعي الاجتماعي يعني فقط انعكاس الوجود
الاجتماعي بواسطة الوعي، ولذلك فأن الوعي بالطبيعة لا يدخل ضمن مفهوم
الوعي الاجتماعي، ليبقى الوعي الاجتماعي محصوراً بالبناء الاجتماعي. فيما
تطرف بعض آخر فحصر الوعي الاجتماعي في العلاقات الانتاجية فقط باعتبارها
محور وجوهر الوجود الاجتماعي(6).
الوعي الاجتماعي:
نتيجة للتداخل في دلالات مفهوم الوعي، فقد استخدم المفهوم بمعاني ومقاصد
مختلفة. كما الحقت به صفات ونعوت ذات دلالات متغايرة.
والملاحظة التي تفرض نفسها ان الكثير من الكتاب يتجاوز الاشارة في حديثة
عن تحديد معنى محدد لمفهوم الوعي دون ألحاق نعت اوصفه ملحقة. وربما يعود
هذا الى أرتباط المفهوم بتوجهات ايديولوجية وفكرية، وألتصاق صفة الطبقية
أو المقطعية بالوعي. وهي دلالة كان كارل ماركس اول من استخدمها عندما
اشار لمفهوم الوعي الطبقي.
غير ان مراجعة ادبيات الخطاب السيوسيولوجي، واستعراض أستخدامات المصطلح
الغالبة ترينا ثلاثة استخدامات لمفهوم الوعي الاجتماعي.
الاستخدام الاول ركز على الصفة الجمعية (الوعي الجمعي Collective)، فيما
استعمل الاستخدام الثاني في الاشارة الى الصفة الاجتماعية (الوعي
الاجتماعي Social)، اما الاستخدام الثالث فقد غلبت عليه صفة الجماعة
(Group) في اشارة الى الوعي الجماعي، (بفتح الميم).
ولعل الاستخدام الاخير هو الاقرب الى الاستخدام المقطعي او الجهوي او
النوعي فيقال مثلاً، الوعي (الطبقي، السياسي،
المعرفي،الصحي،البيئي،الطلابي،الفني،الزائف،... الخ)
فالوعي الجماعي بمعناه العام (نسبة الى الجماعة) مفهوم يشير الى اسقاط
ذات جماعة معينة على الكون والمواضيع والحقائق.وهذا الاسقاط ينطلق من
شعور ذاتي جماعي
(نحنوي Weness) وتصورات ذهنية للجماعة تعكس رؤى الافراد الذين لهم صلة
بالجماعة بشكل عام.
وليس ذو اهمية هنا ان تكون صلة الافراد بالجماعة صلة عضوية او فكرية، كما
ليس ذو فرق ايضاً ان يكون ارتباط الفرد بالجماعة المرجعية انتماءاً أم
انتساباً.
ويبدو واضحاً ان تصورنا لمفهوم الوعي الجماعي هنا يشير الى صلة كبيرة بين
مفهوم الوعي ومفهوم الايديولوجيا. غير ان الدقة في الاستخدام تشير الى ان
الفرق بين المفهومين انما يكمن في ان الفكر الايديولوجي برنامج عمل فكري
ينطلق لتحقيق اهداف وغايات محددة مرسومة تهدف لخلق وعي مقصود. بينما يكون
الوعي الجماعي تصور ذهني ينشأ تلقائياً وليس مقصودا،ً كما انه ليس مبرمجاً،
ولذلك فهو شعور عفوي.
وعموماً فأن مصطلح الوعي الجماعي يستخدم في اشارة للمشاعر والتصورات التي
تميز جماعة او شريحة محددة عن جماعة اخرى. وقد تنتظم تلك الجماعة انتظاماً
فكرياً او مادياً ضمن قطاع او شريحة او فئة او جهة او موقع جغرافي او
نشاط معين لتميزها عن غيرها من الانتظامات ضمن مجتمع اوسع. ولذلك فان
لهذه الجماعة ادواراً ووظائف وطموحات قد تغاير ما لغيرها من الجماعات،
دون ان يعني ذلك وجود تقاطع بالضرورة او عدم وجود مثل عليا او اهداف
مشتركة.
وليس هناك أدنى شك في ان الوعي الفردي غير الوعي الجماعي فلكل منهما ظروف
تكوينية مختلفة.
ويبدو ان هناك تشابهاً في منطلقات فكرة الوعي وفكرة العصبية التي استند
اليها الفكر الخلدوني والتي تشد رباط الجماعة(7).
ونستطيع ان نقارن هنا بين مقولة الوعي الطبقي لكارل ماركس التي تستمد
اصولها من التماسك الطبقي، ومقولة العصبية لابن خلدون والتي تستمد اصولها
من روابط الدم وصلات القربى والرحم.
وسواء اعتمدنا مفهوم الوعي الاجتماعي، أم استبدلناه بمفهوم الوعي الجماعي،
فأن كلاهما يعبر عن ذات الاسس والمنطلقات مع كون الاول اوسع واشمل، لان
وعي الجماعي يتضمن دلالات جزئية او مقطعية.
ولعلنا نستطيع القول ان الوعي الاجتماعي اسقاط ينطلق من تصورات مشتركة
للافراد، بينما يستند وعي الجماعة على تصورات متشابهة.
وبمعنى آخر فأن ذات الجماعة اكثر انسجاماً وتوافقاً في كينونتها من الذات
الاجتماعية.
اما الغالب في الاستخدام المتداخل لمعاني مفهوم الوعي فيبدو في عدم
التميز بين مفهوم الوعي الاجتماعي ومفهوم الوعي الجمعي كمرادفين لذات
المعنى. ويظهر هذا التداخل واضحاً في الكثير من المعاجم وقواميس العلوم
الاجتماعية والسلوكية حيث يشير بعضها ان الوعي الاجتماعي او الجمعي هو (وعي
الافراد بالعلاقات الاجتماعية التي تربطهم ببعضهم، ووعيهم بتجاربهم
المشتركة. وقد ينمو هذا الشعور نحو الاشتراك في تحمل مسؤولية النهوض
بمجتمعاتهم)(8).
ودون الانحياز لمعنى دون آخر سلفاً فأننا سنناقش الموقف الفكري في هذا
الموضوع جاهدين على الاستدلال ببعض الرؤى الفكرية للتمثيل والاستشهاد كل
في موضعه.
ولعلنا نستطيع الفصل بين دلالات هذه الثنائية بالاحتكام الى معاني كل من
السلوك الجمعي والسلوك الاجتماعي استناداً الى اراء المتخصصين بذاك الحقل.
لقد اشار الدكتور حاتم الكعبي في معرض تميزه بين السلوكين - رغم اقراره
باعتباطية استخدام تعبير السلوك الجمعي لظواهر دون اخرى - ان السلوك
الجمعي سلوك يغلب عليه التغير والتحول لا الثبوت والاستقرار (Stability)،
ويسيطر عليه التحلل، وتغلب عليه المفاجئات غير المتوقعة (Uncertainty).
ومن ثم فأن هذا النوع من السلوك يتعذر فيه التنبؤ عن الاحداث
المستقبلية(9). اما السلوك الاجتماعي فأنه سلوك قابل للتنبؤ لانه ثابت
ومستقر نسبياً، وان تغيراته تتم بانتظام يسمح ببناء افكار وتوقعات عن
احداث مستقبلية. وتأسيساً على هذا، ولأن الوعي سلوك عقلي، فأننا نستطيع
ان نقرر ان الوعي الجمعي وعي عفوي مؤقت، وشعور انفعالي يزول بزوال
المؤثرات. ولذلك فهو شعور يصاحب حالات التوترات الجمعية والانفعالات
العاطفية والارهاصات النفسية التي يتعرض لها الجمهور في مستوى تجمعهم
بتأثير حوادث طارئة.
ودون شك فأن هذا النوع من الوعي لابد ان تثيره احداث طارئة وتحركه مؤثرات
ذات جذور كامنة في الذات المشتركة. بمعنى اننا أمام حالة نفسية جمعية
تحركها عوامل اللاوعي او اللاشعور على مستوى نشاط السلوك الفردي.
ولذلك يجوز لنا القول ان هذا المظهر من مظاهر الوعي لا تحركه الا آليات
العقل الباطن او العقل اللاواعي. وان كانت تثيره دوافع عقلية عارضة او
حوادث اجتماعية طارئة.
وتوترات واحباطات وخبرات تاريخية. (فالعملية الداخلية في الانا من الممكن
ان تصبح شعورية)، على حد تعبير سيجموند فرويد.ولسنا بصدد غور هذا الموضوع
في بحثنا هذا.
اما الوعي الاجتماعي (Social) فهو مجموعة من المشاعر والاراء العفوية
التي تعكس ظروف الواقع والحياة الاجتماعية بكل ابعادها، والتي نمت تحت
شعور مشترك بالانتماء، وتبلورت الى افكار ورؤى تعكس تصور الافراد للكون
والحياة والواقع المحيط، وتفسر في ذات الوقت الصلة بين العلة والمعلول،
والصلة بين المجرد والمحسوس، وتفرق بين ما هو ضروري وما هو عارض من
مواضيع واحداث.
ولذلك فأن الوعي في بعده الاجتماعي انما يشير الى اسقاط ضمني لتصورات
الذهنية الاجتماعية عن الروابط والصلات والعلاقات التي تحكم الوسط
والطبيعة والكون. فهو اذن انعكاس متبادل بين الذات الاجتماعية والوسط
البيئي بكل مكوناته الفيزيقية وغير الفيزيقية.
ومن هنا نستطيع القول ان الوعي الاجتماعي شعور عام ثابت نسبياً. وبقدرما
يسمح ببناء افكار ونظريات لاستقراء واقع وحركة المجتمع والكون.
ولأن الوعي عملية انعكاس متبادل بين الانسان والوسط، فأنها تتضمن عمليتين
متلازمتين لا يمكن الفصل بينهما (الانعكاس والاسقاط).
فالوعي انعكاس وتجسيد للوجود في الذات شكلاً ومضموناً، واسقاط للذات على
الوجود عقلاً وروحاً. بمعنى ان الوعي عملية انعكاس متبادل تترافق مع
عملية تشكيل (Formation) للذات الاجتماعية عبر انخفاض متواتر للذات
الفردية واسقاط للذات الاجتماعية على الآخر. ولذلك فأن الوعي يتضمن أساساً
واقعياً مادياً وتصوراً ذهنياً عقلياً في ذات الوقت. غير ان هذه الوحدة
الواقعية الذهنية والعقلانية الباطنية وحدة متغيره قابلة للتحول عبر
المراحل الزمنية المختلفة. وبالفعل فقد اشارت دراسة المأثورات التاريخية
للشعوب القديمة، ان الشعور الوطني القبلي عند تلك الشعوب يبدو في الادب
الملحمي العتيق كحماس لحماية النوع البشري من الغيلان الشريرة.
وحينما فقد الاعداء الملحميون هيئة الغيلان الميثولوجية في مراحل لاحقة (الادب
الملحمي الكلاسيكي) ليتحولوا الى أناس عاديون له صفات الغيلان الشريرة.
تحول هذا التعبير الملحمي في ادب فترات لاحقة - متأخرة نسبياً - ليعبر عن
حماية الارض الأم من الغزاة الاجانب(10).
وهكذا فأن مفاهيم (العقل، الوعي/ الجماهيري) تصبح بنى معرفية وبناءات
ذهنية واوساط رابطة بين الفعل المعرفي والعقل الاجتماعي. غير ان هذا لا
يعني عدم امكانية استقلال تلك الأنساق استقلالاً نسبياً خارج ظروف
انتاجها وتشكلها.
ان مثل هذا الفعل - عمليات النمو المعرفي على مستوى الجماعة والمجتمع -
تشترط بالضرورة ظروف انتاج اجتماعية وليست فردية، وتفاعل عناصر
سوسيوثقافية، لتشكيل انماط من التصورات والتشكيلات المجتمعية التي تمنح
المجتمع طابعه المرحلي، وتحدد في ذات الوقت طبيعة ونمط الفعل المعرفي
والوعي الاجتماعي في تلك المرحلة، ودون ان يعني ذلك عدم فاعلية العوامل
المادية والفيزيقية في ذلك الفعل. فالمثيولوجيا البدائية لم تكن تمييز
بين الطبيعة والمجتمع، فهي تصور المؤسسات الاجتماعية على نحو مطابق
لظواهر الطبيعة. ولذلك يوصف السلوك الاجتماعي والتنظيمات العشائرية
وكأنها عمليات طبيعية مطابقة لعملية خلق وتكوين الكون والطبيعة(11).
علم النفس والوعي:
الاتجاه النفسي في النظرية الاجتماعية اتجاه قديم يسعى لتفسير الظواهر
الاجتماعية في ضوء مفاهيم التحليل النفسي وعلى وفق القوانين السايكولوجية.
فيعنى بالعلاقات الانسانية واتجاهات الافراد وديناميات الجماعة والسلوك
الجماعي والخصائص المميزة للجماعة في ضوء المفاهيم المقتبسة من الميدان
النفسي.
والمدرسة السايكولوجية في علم الاجتماع التي يقف على رأسها (جبرائيل تارد)
ترى ان الفرد هو الحقيقة الوحيدة الجديرة بالاهتمام، وان الظواهر
الاجتماعية ظواهر نفسية، لاننا لا نستطيع ان نفهم او نشرح أي ظاهرة
أجتماعية اذا أغفلنا تحليل العمليات العقلية الفردية(12). ولهذا السبب
رفض تارد التسليم بوجود روح جماعية او عقل اجتماعي، مفسراً كل نشاط ذو
طبيعة جمعية بواسطة عمليات التقليد والمحاكاة والاختراع.
وعلى الضد من هذه المدرسه تأتي اراء اميل دوركهايم والفرد باريتو.
ولأن الوعي مفهوم متعدد المستويات، وهو اساس المعرفة في كل المستويات،
فقد اصبح محوراً للتحليل والتفسير عند كل المدارس والاتجاهات.
فالوعي على المستوى الفردي يشير الى (مجموعة الخبرات الشخصية في لحظة ما)(13).
بمعنى انه يدل على أدراك المرء لذاته، وادراكاً منه لما يحيط به من
مؤثرات فيزيقية وغير فيزيقية ادراكاً مباشراً.
ويضيف علم النفس لهذا الفهم ابعاداً ومظاهر اخرى. فهذا سيجموند فرويد يرى
في الوعي أو الشعور كما يسميه البعض ثلاثة مظاهر يتصل بعضها بالبعض الاخر.
أ- الوعي او الشعور الظاهر، ويرتبط هذا المظهر بالاشياء والاحساسات التي
تصل أعضاء الحس من العالم الخارجي من الانا. فهو يقع اذن في القشرة
الخارجية من الأنا.
ب- اللاوعي او اللاشعور Unconsciousness والذي يتضمن الميول والرغبات
المكبوتة.
ج- ما قبل الوعي او ما قبل الشعور Preconsciousness.
ويفسر فرويد الفرق بين حالة اللاوعي او اللاشعور وبين حالة ما قبل الشعور
على أساس فاعلية الطاقة. فالطاقة العقلية المطلقة في الهو (اللاشعور)
طاقة مطلقة. أما في الأنا (الشعور وما قبل الشعور) فهي طاقة عقلية
مقيدة(14).
ولعلنا نستطيع الاستشهاد بالمثال التالي الذي يدلل على حالة نقص وجداني
او أدراك
ذهني مقيد.
((سئل قروي بسيط. ماذا تفعل لو كنت رئيساً للجمهورية. غمغم واجاب … يا
الهي … كيف تسألني هذا السؤال …كيف أستطيع أنا… رئيس جمهورية … سيد
العالم
أجمع …لا استطيع)).
كان القروي عاجزاً كلياً عن تصور نفسه رئيساً للجمهورية، لان هذا الامر
كان بعيداً كل البعد عن تجربته وتصوراته الذهنية.
ان مثل هذه الحياة تقع خارج نطاق فهمه واستيعابه، فهي حياة بعيدة كل
البعد عن خياله وادراكه(15).
المصادر
والهوامش
ــــــــ
(*) استاذ الإيكولوجيا الاجتماعية في كلية الاداب الجامعة المستنصرية.
1-عبد المجيد نشواتي، علم النفس التربوي، دار الفرقان، عمان، 1985،
ص ص 163-167.
2-كمال بكداش، نظريات في علم النفس، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر
والتوزيع، بيروت، 9861،ص 61-63.
3-Thimascheff N. S. and Theoderson, sociological theory. 4th edition
Random house N.Y.1976, p. 106.
4-متعب مناف جاسم، التخطيط وخلفيته السلوكية، منشورات جامعة قار يونس،
بنغازي، 1977، ص9.
5-Weber. M. "Economic and society" (ed.) by Guenther roth and Claus
Wittch. Bedminster press N.Y., 1988, p.4.
6-عبد الباسط عبد المعطي، الوعي التنموي العربي، معهد الانماء العربي،
بيروت، 1989، ص17.
7-عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، دار الجيل، بيروت، بدون سنة،
ص140-142.
8-احمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، مكتبة لبنان، بيروت،
1978، (ص81 و ص383).
9-حاتم الكعبي، السلوك الجماعي، مطبعة الديوانية الحديثة، الديوانية،
1973، ص70-72.
10-عدد من الباحثين السوفيت، نظرية الأدب، ترجمة د. جميل نصيف التكريتي،
وزارة الأعلام، 1980، ص153-159.
11-غيورغي غاتشف، الوعي بالفن، ترجمة نوفل نيوف، عالم المعرفة، الكويت،
1990، ص17.
12-احمد الخشاب، التفكير الاجتماعي، دار النهضة العربية، القاهرة، 1981،
ص468-475.
13-فاخر عاقل، معجم علم النفس، دار العلم للملايين، بيروت، 1977، ص28.
14-سيجموند فرويد، معالم التحليل النفسي، ترجمة محمد عثمان نجاتي، دار
النهضة العربية، القاهرة، 1966، ص ص 72-88.
15-كافيين رايلي، الغرب والعالم، ترجمة عبد الوهاب المسيري وهدى عبد
السميع، عالم المعرفة، الكويت، 1985، ص80.
|
|
|