|
الثلاثاء: 11/11/2008
علم الاجتماع والأمن الاجتماعي في العراق
الحاجة إلى دور تنموي فاعل(2/1)
أ. د. عدنان ياسين
مصطفى(*)
(خاص للمعهد)
المقدمة
تعد قضية العلوم الإنسانية من أهم الموضوعات المطروحة اليوم على بساط
البحث والنقاش في الأوساط العلمية، فهي محل اهتمام الأوساط الأكاديمية
والرسمية على السواء، نظراً لأهميتها في ضوء المتغيرات المجتمعية التي
يشهدها العالم ومنها العراق، ليس من باب مواجهة مشكلاته الراهنة فحسب،
وإنما أيضاً من أجل رسم إستراتيجية المستقبل. وقبل أن نتحدث عن هذه
الخيارات نرى وضع هذه المسألة في إطار عدد من الوقائع والملاحظات حول
واقع وإمكانات تلك العلوم وتوظيفها من اجل تحديد خيارات التنمية، وتتمثل
من خلال التطور الحاصل في الجوانب النظرية، ومن خلال التجارب العلمية
السابقة والحالية في مختلف المجتمعات.
لقد بات اكتساب المعرفة احد الاحقيات الإنسانية الأساسية التي يقوم للبشر
حق أصيل فيها لمجرد كونهم بشرا. ويعد اكتساب المعرفة كذلك سبيلا للتنمية
الإنسانية في جميع مجالاتها. فالتنمية الإنسانية في الجوهر، هي نزوع دائم
لترقية الحالة الإنسانية، من أوضاع تعد غير مقبولة في سياق حضاري معين
إلى حالات أرقى من الوجود البشري، تؤدي بدورها إلى ارتقاء منظومة اكتساب
المعرفة.
من هنا يمكن القول أن المعرفة في العصر الراهن من تطور البشرية، هي سبيل
بلوغ الغايات الإنسانية الأخلاقية الأعلى: الحرية، والعدالة، والكرامة
الإنسانية. وفي المجتمع العربي عموما، والمجتمع العراقي خصوصا، فان تعزيز
الأبعاد الثقافية المعرفية، المرتبطة بقضايا التنمية، تكتسب أهمية قصوى،
ذلك أن نقل القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى حيز النقاش-
ومن ثم الفعل- المجتمعي، تكسبها دفعا للأمام. إلا انه ينبغي، مع ذلك،
الاعتراف بوجود مشكلتين مرتبطتين تكبحان هذا التوجه: تتمثل الأولى منهما
بالإطار المعرفي السائد والقائم على أنماط ثقافية واجتماعية ترزح تحت
مخلفات الماضي. أما الثانية فتتمثل في عدم فاعلية منظومات اكتساب المعرفة
في المجتمعات العربية عموما وبالتالي ظل دورها التنموي متأخرا.
إن المجتمع الإنساني يمر اليوم بمرحلة تاريخية جديدة، أقرب في بعض سماتها
إلى حالات المراحل الانتقالية. مرحلة يشوبها قدر غير عادي من اللامعيارية
والفوضى، بل أنها في بعض حالاتها تمر بحالة من حالات التنافر والتناحر،
رغم ما يلحظه البعض ويسوقه من شواهد ومؤشرات على التقارب والتداخل
الثقافي العالمي. وبذلك بات الأمن الإنساني عند حافات الخطر رغم ما تفعله
تقنيات الاتصال والمعلومات اليوم. فالعولمة تعولم الحياة الخاصة وتكسر
خصوصية الأفراد وتنمط السلوك والاهتمامات وربما التوقعات والأذواق وقد
يشمل ذلك الآراء والاتجاهات والقيم(1).
وهنا يشكل البحث العلمي، وخصوصا في ميدان التعليم العالي، أحد الحلقات
المفصلية لتمكين البلدان النامية والمجتمعات المأزومة لإقامة مجتمع
المعرفة كمحور للنهضة والتخفيف من حدة الأزمات. إذ تزايد الاهتمام في
العالم اليوم بموضوع توظيف البحث العلمي كقناة إنتاجية وتنموية، إلى الحد
الذي أصبح فيه تقويم فعالية التعليم والبحث العلمي يعتمد بشكل أساسي على
ملائمة أهدافه لمتطلبات التنمية الشاملة في البلد الذي يمارس فيه وظائفه
ومدى قدرته على مواجهة التحديات المختلفة. وبات من المسلم به أن العلوم
الإنسانية وخصوصا في المجتمعات المأزومة لم يقتصر دورها على مواجهة
التحديات الآتية فقط، بل صار يمتد إلى ممارسة الاستشراف والتنبؤ
بالتحديات المستقبلية واتخاذ الإجراءات اللازمة لمجابهتها قبل حدوثها.
وان الجامعات ومراكز البحوث تقوم بدورها في التنمية من خلال قيامها
بأدوار متعددة ومتشعبة من أهمها توظيف العلوم الإنسانية للإسهام في تنمية
الأفراد تنمية كاملة وشاملة، وهذا يعني أن تنمية الموارد البشرية وزجها
في المجالات الإنتاجية بشكل فاعل، وهذا الجانب بالذات أعطي أهمية كبيرة
من قبل خبراء الإنتاج والتنمية والمختصين.
ها هنا تطالعنا أسئلة رئيسة عديدة أهمها:
- هل تحقق العلوم الإنسانية في العراق على أعتاب الألفية الثالثة هذا
الدور التنموي؟
- وأين يقف علم الاجتماع اليوم في هذا البحر المتلاطم من التغيرات غير
المسبوقة في البنى والمؤسسات والوسائل والأدوات؟
- أين يقف علم الاجتماع في ظل ثورة المعلومات التي انهارت فيها حدود
الزمان وتلاشت حدود المكان.
- أين هو موقع علم الاجتماع في مجتمع المعلومات العالمي واقتصاد المعرفة
وما هي الأدوار المستقبلية التي ينشدها؟
- أين يقع علم الاجتماع في عالم بات فيه تأثر المحلي بالعالمي أوسع
واشمل؟
- ما هي الأدوار المستقبلية لعلم الاجتماع بعد أن أعيد تصنيف العالم من
جديد إلى أغنياء المعلومات وفقرائها بدلا من أغنياء الموارد وفقرائها؟
- ما هي الأدوار التنموية لعلم الاجتماع في حضارة الموجة الثالثة التي
تنقل الإنسان من بيئة طبيعية Natural environment ألفها وترعرع فيها إلى
بيئة افتراضية Virtual environment جديدة.
- ما هو دور علم الاجتماع في تحقيق الأمن الاجتماعي في العراق اليوم بعد
أن صادرت الأزمات والحروب والاحتلال التسهيلات المتاحة للمواطن وخلقت
تحديات وأوضاع بددت إمكانيات الشخصية وأحدثت تصدعا عنيفا في بنائها
ووظائفها وإمكاناتها، فأوجدت عجزا بنيويا، وتوالد متواصل للمشكلات،
وافتقار للإرادة الاجتماعية ولأدوات التعامل مع هذه المشكلات. حيث زادت
نسبة الفئات المهمشة في المجتمع، وتدهورت البنى التحتية (التعليم والصحة
والسكن وغيرها) وارتفعت معدلات الفقر والبطالة، كما تدهورت البيئة
الطبيعية وانتقلت بذلك التسخير إلى التدمير.
إن السبيل لتعزيز الدور التنموي للعلوم الإنسانية ومنها علم الاجتماع في
تحقيق الأمن الاجتماعي في العراق، وتقويم هذا الدور، ينطوي على إقرار
بتراجع المسار العلمي لهذا الاختصاص ليس في جامعاتنا فحسب، بل وفي كل
المستويات العلمية، وانحسار دوره، وتعثر أدائه، وأدواته في آن واحد،
وبالتالي فهو حديث نقدي بالدرجة الأولى. غير أن النقد هنا لا ينطلق من
مواقع الإحباط والانكسار أو التشهير، بل من مواقع الثقة بالطاقات الكامنة
الخلاقة، المنجزة، المبادرة إذا أحسن استخدامها وتوظيفها، إذا توفرت لها
الشروط الموضوعية. ومن منطلق التمسك بالثوابت العلمية التي ترجمتها
الجامعات العراقية في تاريخها المعاصر، وشهدت أبهى أيامها, وأجمل
عطاءاتها.
إن التغيرات الكبرى التي يشهدها العالم في الفكر التنموي كجزء من الثورة
العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية، التي تضخ متغيرات العولمة بتوجهاتها
الحداثية وما بعد الحداثة تتطلب المراجعة لكثير من قضايا المنظومة
التعليمية خصوصا في ميدان العلوم الإنسانية، سواء في وظيفة التعليم
وأهدافه، وفي إتاحة الفرصة للجميع ذكورا وإناثا، وتوفير تعليم متميز
للجميع، وفي تغيير دور الأستاذ والجامعة، وفي النقلة من التعليم والتدريس
إلى التركيز على التعليم ومصادره المتعددة، الى تطوير المناهج والتكامل
فيما بينها، إلى سبر أغوار المشكلات الاجتماعية الناجمة عن المتغيرات
التي يمر بها المجتمع، إلى قضايا تعليم اللغات الأجنبية مع الاهتمام
باللغة القومية، إلى تكوين الفكر العلمي الناقد المبدع. كل ذلك يتطلب
تصحيح وضع التعليم ومخرجاته في مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل بغرض
الاهتمام بعمليات البحوث في مختلف المواقع الإستراتيجية للتطوير ليكون
التعليم الجامعي أداة فعالة في بناء الإنسان وتكوين الثروة البشرية
وارتفاع معدلات إنتاجها، وتطوير وعيها لتنمية خصائصها ومقومات إبداعاتها
العلمية والثقافية في تفاعلها مع معطيات الحضارات العالمية لتكون في
المحصلة النهائية أداة فاعلة لتعزيز وحدة المجتمع الوطنية ونهوضه.
1- ماذا نقصد بالأمن الاجتماعي
لم يكن مفهوم الأمن الذي يطرق على مسامعنا يوميا كلمة جاءت بها الأدبيات
والعلوم الحديثة، بل تزامنت مع وجود الإنسان على وجه الأرض. فقد دعا
إبراهيم(عليه السلام) وكما جاء في القران الكريم ربه فقال (رب أجعل هذا
البلد آمنا). والبلد هنا كناية عن المجتمع وليس عن الفرد، فالحاجة إلى
الأمن قديمة، لكن التعامل العلمي مع مفهوم الأمن جديد تماما ويبدو ذلك في
أننا لا نجد حتى الآن تعريفا جامعا ومانعا لهذا اللفظ، يمكن استخدامه في
البحث العلمي بطريقة مثمرة.
إن مفهوم الأمن الاجتماعي يكاد، وبعد إهمال طويل، يحظى بنفس الدرجة من
الاهتمام التي حظيت بها مفاهيم ذات صلة به، كالأمن القومي، والأمن
الغذائي، والأمن العسكري والسياسي. وحقيقة الأمر إن مفهوم الأمن
الاجتماعي يمتاز بشموليته، وتعدد أوجهه، وتداخل متغيراته، إلى حد يمكن
معه القول، إن أي وجه من وجوه الأمن في مجتمع معين، لا ينفك ولا ينفصل،
في نهاية الأمر عن أمن المجتمع بمعناه العام المركب.
إن هذا المفهوم يمكن استخدامه من زاوية تنموية اقتصادية، فيعتبر الأمن
الاجتماعي أحد ثمارها، حيث تنمو مدخلات الأفراد وتتحسن أوضاعهم المعاشية
ويعد مفهوم التأمينات الاجتماعية أحد المصادر المهمة التي تؤمن للمواطن
وضعا يشعر فيه بالاطمئنان على مستقبله ومستقبل أسرته. كما إن من الممكن
تناول المفهوم من زاوية البحث في حالات الجريمة والسلوك الانحرافي وفي
حالات الصراع الطبقي والعنصري والديني. وقد يتناوله من جانب المحاولات
المنظمة التي تقوم بها جماعات معينة لتشويه ثقافة مجتمع ما وغرس قيم
غريبة فيه. وتظهر الكثير من الأدبيات إن مفهوم الأمن في اللغة العربية
يشير إلى السلامة، والله تعالى المؤمن لأنه أمن عباده من أن يظلمهم.
والأمن هو ضد الخوف، والامنه هي الأمن ومنه قوله تعالى (أمنه نعاسا)(2).
وفي العلوم الاجتماعية يشير المصطلح إلى ظرف تتحقق فيه السلامة أو الضمان
المالي الذي هو شكل من أشكال الاستثمار، أي إن المعنى المباشر للأمن
يطابق معنى السلامة Safety والغياب التام للخطر المادي أو الاحتماء منه،
وهذا هو المعنى الرئيسي الذي ينسب إلى مصطلح الأمن الوطني National
Security من قبل علماء السياسة، كما انه أساس المعنى الذي ينسب لمفهوم
أمن الفرد. وقد يشير المصطلح إلى المؤسسات أو الوكالات التي يتركز
اهتمامها على أمن الدولة والاستخدام الأحدث والأكثر شمولا لمصطلح الأمن
يربط بين غياب القلق النفسي أو الحماية منه.
ومما تجدر الإشارة إليه، إن مفهوم الأمن ربما يتطابق مع مفهوم الرفاهية
وغياب الحاجة المادية، وقد استخدمه علماء الاجتماع والاقتصاديون
والمخططون بمعنى الرفاهية، ومن ثم فان الأمن الاجتماعي مفهوم يشير إلى
الحماية ضد المخاطر والطوارئ الاجتماعية والتحرر من القلق المتعلق بتلك
المخاطر أو الخطوات التي تتخذ لحماية السكان من تلك المخاطر(3).
لقد ذكر عالم الاجتماع كارل مانهايم (إن اللاأمن الجمعي هو أحد الأسباب
الأساسية لحالة اللاتكامل المفاجئ التي تصيب الاتجاهات المؤسسة أو
المبناة اجتماعيا والذي يؤدي إلى انحلال جزئي أو كلي للمجتمع). ويلاحظ
مانهايم إن أحساس السكان البدو باللاأمن تعززه عوامل مثل حالة الجفاف أو
الأوبئة التي تصيب الحيوانات أو الهجرة. وهذه الحالة تختلف عن حالة اللا
أمن في المجتمعات الحديثة. كذلك ميز مانهايم بين ما أسماه باللاأمن غير
المنظم والأمن المنظم Organized and Unorganized. فانعدام فرص العمل
بالنسبة للفرد وتأثير ذلك على إحساسه بالهدفية وعدم إرضاء رغباته هو مثال
للأول، أما الثاني فيتمثل في تلك الظروف الاجتماعية التي تصبح فيها
مصداقية المبادئ والقيم موضع شك وتصير الأيديولوجيات مفضوحة، إنها حالة
تدمير لعادات التفكير الراسخة(4).
ويلاحظ إن مانهايم تأثر بظروف الحرب الكونية، كما بدا من جانب آخر موجها
ببعض التصورات السيكولوجية السائدة في حقل السلوك الجمعي(5). فالذعر
الجمعي Collective Panic يبلغ أقصى مداه حين يدرك الفرد إن حالة اللا
أمن، هو ليس مسألة شخصية، بل هو حالة مشتركة بين كتل أو جماهير وحين يبدو
له انه لم تعد هناك سلطة اجتماعية قادرة على أن تضع قواعد يقينية تحدد
سلوكه(6).
إن مفهوم الأمن الاجتماعي يرتبط بحالات الاضطراب والقلق الذي يتجاوز حدود
الفرد، فهو يمثل حالة تمزق وانهيار في نظام العيش من ناحية، كما انه من
ناحية أخرى علامة تهيؤ مستجد واستعداد لضروب وأنواع جديدة من السلوك
الجمعي. إن حالة القلق هذه تغلب عليها صفة عدم التنظيم ويكون السلوك فيها
مرنا وفعالا، من خصائصه النشاط والفعالية. فقد انهارت الروتينيات
المعتادة من النشاط والعمل وأصبح الأفراد في حالة تسيب واستعداد مفرط
للتأثر بالحوادث والمنبهات تأثرا عميقا(7). وإذا كان الذعر تعبيرا عن
جمهور خائف فأن الغوغاء جمهور يعبر عن حالة الاعتداء(8).
إن مقولة الاجتماعي تعني كل ما يتجاوز حدود الفرد إلى الجماعة ويمس
بالتالي العلاقات النمطية أو المبناة Established اجتماعيا، وبالتالي فان
فردا يشعر بالتهديد نتيجة عداء شخصي لا يمثل حالة تدخل ضمن مفهوم
(الاجتماعي)، غير أن تعدد الأفراد المهددين يعني أن الوضع أصبح متعلقا
بدائرة أوسع تتجاوز دائرة الفرد، وذلك لا يعني إننا نهمل كليا ما هو
سيكولوجي ونعزله عما هو اجتماعي. فالأمن في أساسه السيكولوجي شعور
بالهدوء والطمأنينة وبعد عن القلق والاضطراب، وهو شعور ضروري لحياة الفرد
والمجتمع، ومن أهم أسباب اطمئنان المرء على نفسه وماله وثقته باحترام
حقوقه وإحساسه بالعطف والمودة ممن يحيطون به(9). ولذلك يركز البعض على
مفهوم الضمان الاجتماعي كمرادف لمفهوم الأمن مشيرا إلى أصناف الناس التي
تحتاج إلى ذلك الضمان. إن تحقيق تلك الأسباب يتصل في الواقع بقدرة مؤسسات
المجتمع على أداء وظائفها.
لقد كان مفهوم الأمن الاجتماعي موضع اهتمام علماء الاجتماع منذ بدايات
تأسيسه، حيث لاحظ أوكست كونت الآثار العميقة التي أحدثتها الثورة في
المجتمع الفرنسي، وأتضح له إن التيارات العنيفة التي تقذف بالمجتمع لا
يمكن أن نردها إلى أسباب سياسية أو اقتصادية بسيطة، بل هي ناشئة عن
الاضطراب الخلقي وفساد معايير الرأي العام. وهذا ناشئ بدوره عن الفوضى
العقلية، إذ أن كل ما يقود التفكير من اضطراب وفساد لابد أن يتردد صداه
في مختلف مظاهر النشاط الاقتصادي. فكان الجهاز الاجتماعي أو الحركة
الاجتماعية ترتكز في نهاية تحليلها على التفكير الذي يعتبر في نظره
المحور الأساسي الذي تدور حوله كل مظاهر الحياة الاجتماعية، لأن المجتمع
ليس بحاجة إلى انسجام المصالح المادية والمنافع المتبادلة فحسب بل هو
بحاجة كذلك إلى اتفاق عقلي ووحدة فكرية وذلك لضمان استقراره وتقدمه(10).
ولعل من أهم وأعمق المفاهيم ذات الصلة المباشرة بالأمن الاجتماعي هو
مفهوم الفوضى المعيارية (اللا معيارية) أو ما يسمى بالا نومي Anomie.
وتعني هذه الكلمة التي استخدمها عالم الاجتماع الفرنسي أميل دوركايم
(حالة اجتماعية تتميز بالتخبط وانعدام الأمن وفقدان المعايير لقوتها
الإلزامية كأداة للضبط الاجتماعي)(11). فاللامعيارية هي حالة من عدم
الإشباع تنجم عن الإحساس بالتعارض بين الآمال ومستويات الطموح من ناحية
والوسائل المتاحة لتحقيق هذه المستويات من ناحية أخرى(12). ويلاحظ من
مجريات الأحداث في العراق اليوم، إن الكثير من تطلعات أبناء المجتمع قد
انفصلت أو كادت تنفصل ليس عن جزءها القديم وذكرياتها التي لا غنى عنها
وعن مفردات ومستوى الحياة في الماضي القريب فحسب، وإنما انفصلت أو كادت
تنفصل فيها التطلعات عن إمكانيات الفرد والدولة وتقفز فوقها في التطلع
إلى أمام.
من هنا تعتبر الفوضى المعيارية أحد عوامل انعدام الأمن في المجتمع، وبذلك
فإنها تعد أحد منابع الانحراف التي لا تنضب في المجتمع. فالانحراف تهديد
وهدم للأمن الاجتماعي. فالإنسان المنحرف يهدم أولا أمنه، وبعدها أو من
خلال هدمه لذاته تبدأ عملية هدم اجتماعي للآخرين(13).
ما نريد أن نقوله هنا، إن حالة اللا معيارية التي يمر بها المجتمع، كانت
الفكرة المحورية في نظرية دوركايم السوسيولوجية، كما انه استخدمها كأداة
نظرية لتحليل الانحراف ولفهم السلوك الإنساني بوجه عام. وقد تبين إن اللا
معيارية في نظرية دوركايم، تشير إلى حالة اضطراب تصيب النظام، أو حالة
انعدام الانتظام أو التسيب، تنجم عنه أزمات اقتصادية أو كوارث أسرية، في
نفس الوقت الذي تؤدي فيه إلى الانحراف، أو قد تشير اللا معيارية إلى حالة
تكون العلاقات فيها بين الأعضاء في عملية تقسيم العمل غير منظمة أو غير
منسقة في اتصالها مع بعضها، وفي استمرارها واعتمادها المتبادل، ومن ثم
تكشف عن مظاهر إنحرافية أو تكون مظهرا للانحراف، وهذا يعني أن اللا
معيارية تشير إلى تغير معتمد أو نتيجة لظروف مجتمعية أو جماعية معينة، في
الوقت نفسه الذي تؤدي فيه إلى الانحراف فتكون متغيرا مستقلا(14).
في كل هذه الحالات، توجد الحرب ذاتها حالة من الفوضى الاجتماعية والقلق
والتوتر وعدم أرضاء حاجات الأفراد والجماعات... من جانب آخر فان حالة
اللا أمن الاجتماعي حين تصبح موضع اهتمام الصحف ووسائل الإعلام الأخرى،
وموضوعا لمناقشات الناس وشعورهم بأن الإجراءات التقليدية غير كافية
لإرساء حالة الأمن من جديد، حين تصبح كذلك، يمكن القول إن حالة اللا أمن
نفسها قد أصبحت مشكلة اجتماعية شاملة وعامة تضم عدة مشكلات اجتماعية
فرعية.
في إطار ما تقدم، يمكن القول إن حالة انعدام الأمن الاجتماعي تعني أن
الأفراد والجماعات لم يعودوا مطمئنين على ما يعتبرونه مهما كالنفس والمال
والعلاقات الضرورية والسبل المتاحة للمستقبل. إذ صار الناس يشعرون
بالتهديد وهي مرحلة أولى تتبعها مرحلة أخرى هي إن مصادر التهديد ليس
بالإمكان مواجهتها من قبل الجهات المعنية أو المسئولة عن ذلك. وتتجسد
مظاهر الانفلات الأمني اليومي في العديد من مدن العراق، وتظهر أن التهديد
قائم، وان الجهة المسؤولة لا تستطيع دائما أن ترد أو تمنع الكثير من
مظاهر الانحراف. بل بدا وبشكل واضح أن الخارجون على القانون يمتلكون
القدرة على تحدي أجهزة الأمن ولا يردعهم رادع ولا يحول دون خططهم حائل.
في حالة كهذه كيف يتصرف المواطن؟ لا شك انه يشعر بالقلق والخوف ويضطر
للقيام بإجراءات شخصية معينة لحماية نفسه أو سيارته أو ممتلكاته الأخرى.
تلك هي صورة من صور اللاأمن وهي تنطوي على مضمون مهم جدا هو إن العلاقة
المنمطة اجتماعيا والتي تحدد في ضوئها أدوار الجهة الأمنية والمواطنين،
تلك العلاقة قد تدهورت وانهارت.
إن حالة اللا أمن إذن هي حالة تدهور وانهيار في نمط العلاقات المبناة
اجتماعيا، بحيث لا يكون هناك توقع مشترك للسلوك بين الأفراد والجماعات،
بحيث تبدو المؤسسات الرئيسة في المجتمع غير قادرة على أداء مهامها.
تأسيسا على ما تقدم نخلص إلى تعريف حالة انعدام الأمن الاجتماعي بكونها
تلك الحالة التي تنهار أو تضعف فيها العلاقات المنمطة أو المبناة مؤسسيا
مابين الأفراد والجماعات، ويبدو فيها أداء المؤسسات الاجتماعية متدنيا في
كفاءته، بحيث يشعر الناس إن حاجاتهم الأساسية لا تحظى بالإرضاء، وان قيم
القيم والمعايير التي تنظم علاقاتهم وتحدد وسائلهم وأهدافهم لم تعد كما
كانت عليه. وبذلك تكون جرائم مثل الرشوة وشراء الذمم والتزوير وغش المواد
الغذائية دليل (ذكاء) وعنوان (شجاعة) ويكون الشعار السائد هو إن الجميع
يفعل ذلك.
إن حالة كهذه تعني أن تقاطعا خطيرا قد حدث بين الوسائل والأهداف، فإذا
كان الهدف هو الثروة والغنى، وهو هدف مقبول اجتماعيا، فان وسائله منحرفة،
لكن تلك الوسائل لا تصادر أو تقمع بفاعلية لأن أداء المؤسسات المسؤولة عن
ذلك غير كفوء.
إن كل نمط مؤسسي من العلاقات الاجتماعية ينطوي على معايير وقيم، أي على
وسائل وأهداف، كما أنه ينطوي على ضوابط، ويمكن ملاحظة تلك الأنماط ابتداء
من علاقة المواطن بقيادة المجتمع العليا وصولا إلى علاقة أبناء الأسرة
الواحدة، وهذا يعني أن هناك حالات من الخلل تحدث في جانب معين قد لا تشعر
الكثير من الناس بحالة القلق وعدم الاطمئنان. غير أن تلك الحالات حين
تنتشر وتتميز بالعمومية فان حالة انعدام الأمن تصبح أكثر وضوحا، وهو ما
نشاهده في الشارع العراقي اليوم.
وتأسيسا على ما تقدم يمكن القول:
1- إن حالة اللا أمن الاجتماعي هي حالة نسبية وليست مطلقة كما هو حالة
الأمن ذاتها، فليس هناك مجتمع امن بالمعنى المطلق للكلمة.
2- إن عملية إرساء أسس الأمن الاجتماعي تعبر عن مسؤولية مشتركة ابتداء من
القمة إلى القاعدة، دون أن يعني ذلك إن الحلقات القيادية في المجتمع، وهي
التي تمتلك المعلومات والقدرة على التخطيط واتخاذ القرار تتساوى
مسؤوليتها مع مسؤولية المواطن الاعتيادي.
3- إن ضعف كفاءة أداء المؤسسات يعني أن هناك حاجة إلى بدائل مدروسة
لمواجهة تهديدات الأمن الاجتماعي.
4- إن حالة اللا أمن لا تعني الجريمة وحدها، بل تعني أ ي جانب من جوانب
الحياة الاجتماعية تنهار فيه العلاقات المبناة اجتماعيا على أساس من
التوقعات المشتركة للأفعال الاجتماعية.
إن حالة اللا أمن وفق هذا التصور، هي حالة تدهور وانهيار في نمط العلاقات
المبناة اجتماعيا، بحيث لا يكون هناك توقع مشترك للسلوك بين الأفراد
والجماعات، وفيها تبدو المؤسسات الرئيسية في المجتمع غير قادرة على أداء
مهامها. ان حالة السوق المتذبذبة والمتردية وخصوصا قضايا الوقود
والكهرباء تشير إلى حالة من اللا أمن، بعد أن باتت تشكل عبئا على ميزانية
الأسرة قد يتجاوز نصف الميزانية شهريا.
وإذا كانت المشكلات الاجتماعية إفرازا لخلل في الضوابط الاجتماعية، فان
حالة اللا أمن هي-بكل بساطة- مجموعة من المشكلات متعددة الأوجه تبدو
الضوابط الرسمية وغير الرسمية عاجزة كلا أو جزءا عن مواجهتها، ويزداد ذلك
العجز حين يكون المواطن نفسه غير قادر على الإسهام الطوعي في حل تلك
المشكلات متخذا أسلوب الهروب أو التمرد أو الانكفاء على قيم وطقوس
انعزالية.
وإذا كانت الحرب هي المدقق الأعظم لمؤسسات المجتمع كما يرى آرثر مارويك(15)،
فهي إذا اختبارا لمدى كفاءة وفاعلية تلك المؤسسات وقدرتها على الاستمرار
في أداء وظائفها في ظل توترات الحرب ومشكلاتها، فان أهم النتائج الأساسية
للحرب والاحتلال تمثل في إسقاط الضوابط الاجتماعية وجعل الفرد ينحرف في
تصرفه عن المعايير العرفية المقبولة وبذلك يتجاوز الجندي على سلطة الضبط
العسكري ويتجاوز المواطن على القوانين.
إن مؤسسات الضبط الاجتماعي تنطوي على سلطة ذات تركيبة هرمية تبدأ من أعلى
مستوى في السلطة، والذي يمثل محورا فعالا في حياة المجتمعات، خصوصا
التقليدية الأصيلة منها. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن المجتمعات
الفعالة ينطوي فيها النموذج المجتمعي على عناصر في الضبط والتحكم تكافئ
إمكانات الإنسان الأخرى، فيقابل مركز التحكم وحدة الضبط المجتمعية
المتمثلة في الصفوة، وهنا يلعب عنصر القوة أهمية كبرى في تحقيق التوازن،
لان البناءات المجتمعية ليست مجرد توزيع للأدوار بل توزيع لمصادر القوة
المجتمعية. ولذلك فان المجتمع الفعال هو ذلك النمط الذي يتميز بدرجة
عالية من الإتقان والضبط، والذي يدرك قيمه ويكتشف المعوقات التي تحول
بينه وبين ذلك الإدراك والذي يوفر لأعضائه المزيد من الحرية.
إن خلق بيئة غير آمنة يعني أول ما يعنيه إحداث تأثير سلبي على سلطة
التحكم وشل قدرتها على جعل الأفراد يمتثلون للمعايير المقبولة، فهي
السلطة القادرة على خلق حالة الامتثال للمعايير الاجتماعية(16). إن فقدان
المعايير هي فكرة تقابل فكرة التماسك الاجتماعي، فكما إن الأخير يعتبر
حالة من التكامل الإيديولوجي الجماعي فان فقدان المعايير هو حالة من
الخلط واللبس وانعدام الأمن(17).
إن حالة اللا أمن الاجتماعي في العراق مهما كانت خطورتها هي في الواقع
نتاج الاختلالات البنيوية الناجمة عن ظروف الاحتلال والحروب والحصار. لذا
نجد البعض يحاول أن يضفي حتى على السلوك المنحرف والجريمة صفة سياسية،
بما في ذلك السلوك ألتدميري الذي طال البنى والمؤسسات العراقية. إن سرقة
المصارف ومكاتب الدوائر الرسمية والمستشفيات وسرقة أعمدة الكهرباء وحتى
سرقة السيارات وتهريبها خارج القطر، تصور كما لو كانت (نشاطا سياسيا)
وبذلك تنشأ لدى البعض فلسفة تبريرية لهذا النمط من السلوك المنحرف.
إن ما نجده اليوم في العراق حالة من الفوضى، وهي بالمعنى العلمي الدقيق
انعدام السلطة، وتدهور في آليات التفاعل والشفافية بين قمة الهرم
وقاعدته. وكان ابن خلدون قد ذكر في مقدمته الشهيرة (وتبقى الرعايا في
مملكتهم كأنهم فوضى دون حكم، والفوضى مهلكة للبشر مفسدة للعمران). ألفوضى
وانعدام الأمن إذن هي كل اختلال في أداء الوظائف العضوية الاجتماعية من
جراء فقدان أجهزة الدولة أو نقصان في التوجيه أو التنظيم مع ما ينتج عن
ذلك من أوضاع)(18).
2- علم الاجتماع والأمن الاجتماعي
إذا كان أكثر التعاريف شيوعا لعلم الاجتماع بأنه العلم الذي يدرس
المجتمع؛ أو هو العلم الذي بدرس التفاعل الاجتماعي أسبابه ونتائجه. فأن
مسيرة علم الاجتماع لم تكن متواصلة شانه شأن العديد من العلوم الاجتماعية
والإنسانية في بلداننا النامية. إذ إن الوجوه والأجيال التي ارتبطت
بالاجتماع-جامعيا- لم تكن لتعمل ضمن تصور: مبدئي ومرحلي ومستقبلي تطلعي
لإعطاء هوية وطنية لهذه العلوم. وإنما كان العمل موسميا واستجابة للظروف
والحاجات الآنية. وبذلك فقدت العديد من العلوم الاجتماعية ومنها علم
الاجتماع تطورها عن طريق التراكم المعرفي الذي يغني النظام الفكري للعلم
ويكامل آليته الميدانية.
إن واقع الحال يظهر أن هناك تشخيصان لتراجع علمية وفاعلية علم الاجتماع
(الأكاديمي) الأول: انه يعاني من الانشطار فالجسم التدريسي يغلب عليه
الوصف وفي أفضل الحالات النقد لما جمعه من كم نظري أو مفاهيمي ولما
استوعبه من منهجيته. وفي حالتي الوصف والنقد، فان الوصف الأكاديمي في
الاجتماع والانثروبولوجيا يظل يدور في حلقة علمية معزولة لم يستطع
تجاوزها نحو التنظير. وهو بداية التحول النوعي في بناء خصوصية ذاتية،
وهذا يعني ان الشرخ الذي يعاني منه علم الاجتماع في مجتمعنا سببه التوصيل
وليس التأصيل.
أما التشخيص الثاني فهو (الاغتراب) ويتجلى ذلك في حالات القطيعة مع ما
يمر به مجتمعنا من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية، ومدى استجابة علم
الاجتماع لمثل هذه التحولات وما تتركه من تأثيرات على بناء المجتمع
وتنظيمه ومؤسساته وطبقاته ونمط الشخصية السائدة وأشكال ضبطه وانحرافه
وحركته الاجتماعية مما ينعكس على إيقاع ودوره الإنساني على صعيد عالمي.
وفي البلدان الغربية يظهر الرصد الدقيق للعديد من الدراسات المتعلقة
بالأمن الاجتماعي ودولة الرفاه أنها تركز على الوظائف المقصودة واللا
مقصودة للبرامج الاجتماعية الخاصة، فضلا عن دولة الرفاه بوصفها ظاهرة
اجتماعية كلية. وتعد السياسة الاجتماعية التي تتبناها الدولة الأداة
الفاعلة لتجسير الصراع بين الطبقات؛ بين جماعات المصالح، بين مختلف نظم
التوزيع؛ وكذلك بين جماعات الأكثرية والمهمشة؛ وبين قوى السوق والحاجات
الإنسانية. ولكنها في الوقت نفسه تعد وسيلة لشرعنه المؤسسات السياسية
والاقتصادية، لذا فإنها تسهم وتحدد المسارات التي من خلالها تنظم حركة
المجتمع وترسم الخطوط والمسافات التي يمكن ان يقبلها المجتمع دون وقوع
الانفجارات والنزاعات(19).
إن معترك السياسة الاجتماعية ربما يظل الميدان الدائم الذي لا يقتصر على
المؤسسات السياسية. ولكن السياسة الاجتماعية قد تكون بعيدة عن كونها أداة
فاعلة لتجسير تلك الأنواع من الصراع، والتي تظهر متأصلة في جميع
المجتمعات. تلك الصراعات يمكن امتصاصها ومعالجتها جزئيا من خلال البرامج
الاجتماعية.
إن معظم تلك الصراعات تمتد وبمختلف الطرق لتتدخل في تنظيم البرامج
الاجتماعية وتمارس ضغطا مستمرا على أهداف السياسة ومضامين تلك البرامج.
البرامج الاجتماعية يمكن أن تعالج تلك الضغوط بطرق مختلفة، وان بعض
البرامج تصبح متغيرة إلى المدى الذي لا تعد تنمية السياسة الاجتماعية إلا
حالة رمزية تختلف خدماتها المقدمة بشكل تام عن الأهداف المقصودة.
إن جل ما تستهدفه تلك البرامج هو التخفيف من الضغوط المفروضة عليها،
بينما تشكل استمراريتها ووجودها أساسا لشرعية أهداف تلك المصالح والقوى.
بعض البرامج تحقق التكامل للمصالح الأساسية بطرق وأساليب متعددة إلى الحد
الذي تصبح فيه البرامج القاطرة التي من خلالها يمكن تحقيق الأهداف، بينما
الأخرى تحقق عمليات الاندماج للمصالح لتجنب وقوعها في دائرة النقد
والاتهام.
حتى اليوم القليل من الاهتمام تركز حول علاقة علم اجتماع بالأمن
الاجتماعي، و لم يعطى الاهتمام المناسب في الأدبيات والمناقشات العلمية
والفكرية. وعلى أية حال، شهدت العقود الأربع الأخيرة تطورا في ميادين ذات
صلة مباشرة أو غير مباشرة بالأمن الاجتماعي مثل الصحة، والمسنين،
العائلة، الفقر وغيرها. الدراسات المنجزة في هذه الميادين أخذت الملاحظات
المتعلقة بالدور الذي يمكن أن يلعبه الأمن الاجتماعي فيها، وخصوصا البحوث
المنجزة في البيئة الأكاديمية، وان هذه الأدوار غالبا ما يستخف بها.
الأمن الاجتماعي ودور الدولة
لاشك ان الدور التنموي للدولة في ظل المتغيرات الناجمة عن العولمة يتراجع
بشكل كبير، ويترك لآليات السوق القائمة على المنافسة الحرية التامة في
رسم سياساتها وتنفيذ برامجها. إن هيمنة الاقتصاد على حياة المجتمع تؤدي
إلى ظواهر تتنافى مع طبائع الإنسان، وتزيد من تهميشهم ومعاناتهم. إذ أنها
تفرض المتطلبات الاجتماعية فرضا لا مراعاة فيها لأي منطق اقتصادي(20).
وهنا تطرح التساؤلات الاتية:
ما الذي يبقى من سلطان للدولة حين تستقيل أو تقال من وظيفة التنمية
الاقتصادية والاجتماعية، وتكل أمر الاقتصاد إلى القطاع الخاص؟ وماذا
عساها تصبح حين تكف عن التدخل في السوق والأسعار، أو عن دعم المواد
الأساسية للاستهلاك الشعبي وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، ومنع
الاحتكار والغلاء؟ وأي مرجعية اجتماعية تبقى لها حين تتوقف عن الاستثمار
في البنى التحتية وقطاعات التعليم والصحة والخدمات العامة، وعن توفير فرص
عمل للأيدي العاملة ولحملة الشهادات وخريجي الجامعات؟ وكيف سينظر لها
مواطنوها وهم يشعرون بأنها تخلت عنهم وتركتهم لقدرهم المجهول يواجهون
جشعا رأسماليا لا يرحم؟
وفي توسيع قاعدة الطبقة الوسطى في المجتمع العربي الحديث. ذلك كان رأسمال
الدولة المعنوي والأخلاقي في المجتمع. ما الذي يبقى لها بعد فقدانه؟
وهنا نجد أن المناهضون للدولة ولدورها الاقتصادي والمؤيدون لها، ولذلك
الدور،لا يختلفون في أن من وظائفها التي لا تنازع فيها حفظ الأمن واحتكار
القيام بأمره من دون سواها. وحسناً فعلوا إذ أجمعوا على ذلك. ولكن، هل
هذا كل ما يبقى للدولة: أن تملك شرطة ومحاكم وجيشاً كي تفرض الأمن
الاجتماعي في الداخل وتحمي السيادة من الخطر الخارجي؟ ثم هل يعدو معنى
الأمن، في هذه الحال، معنى الردع أو معنى العقاب، وهما مما يفرضان بقوة
القانون (وقد تلجأ إلى الزجر أيضاً لفرض القانون أو لفرض احترامه)؟ أين
مصادر الأمن الحقيقية التي لا يكون أمن بغيرها، أو التي قد لا يحتاج إلى
الأمن - بما هو إكراه، أو زجر أو عقاب - إن وجدت؟
حتى مع التسليم بأن دوراً رئيسياً يبقى للدولة في المجتمع - بعد أن تكف
أدوارها الاقتصادية والاجتماعية - هو حماية أمن المجتمع وأمن الوطن، فإن
النهوض بهذا الدور ألحصري يمتنع من دون الخروج من المعنى الفيزيقي
والإجرائي والأدواتي للأمن إلى إعادة بناء مفهوم الأمن (الاجتماعي
والقومي) بما هو إشباع لحاجات أو توفير لها، وبما يقطع دابر العدوان أو
انتهاك الحقوق والأملاك بين أفراد المجتمع. فقد يولد اضطراب الأمن من
وجود حاجات لا تجد سبيلا إلى تحقيق نفسها تحقيقا مشروعا أو إنسانيا وعلى
نحو يحفظ الكرامة، فتميل إلى التحقق من طرق غير مشروعة. لابد، إذن، عند
التفكير في مسألة الأمن من التفكير في البنية التحتية للأمن، أي في ما
يؤسسه. ومن نافلة القول إن هذه البنية التحتية ليست أمنية، أو ليست جهاز
الأمن وأدواته وتشريعاته، وإنما هي - في المقام الأول - اقتصادية
واجتماعية وسياسية.
ها هنا يطالعنا سؤال إشكالي رئيسي: هل أمن المجتمع والناس والممتلكات
الخاصة ممكن دون أمن اقتصادي واجتماعي يمتص الحاجات ويرعى الحقوق ويخفف
من حدة الأسباب التي تنتج معضلات الأمن في أي مجتمع مثل الفقر والبطالة
والتهميش، وانسداد الآفاق الاجتماعية أمام الناس؟ وهل الأمن الخارجي
(للدولة والوطن) يتحقق فقط من طريق سيادة الدولة الترابية والسياسية وصون
تلك السيادة من الخطر الأجنبي أم من طريق السيادة على الثروة والمقدرات
وتغطيتها من أجل حماية استقلالية القرار الوطني؟
ليس هذا درساً في الأمن القومي (الخارجي) فقط، إنه كذلك بالنسبة إلى
مسألة الأمن الداخلي: الاجتماعي والسياسي. إذا لم يكن في وسع المجتمع
والدولة إشباع حاجات المواطنين، وتأمين مستقبل أبنائهم، ورفع سيف الحيف
عنهم، وتمتيعهم بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية (إلى جانب السياسية)،
وحماية تلك الحقوق من أي لون من ألوان النيل منها، فلن يكون في الوسع
نهوض الدولة بواجب حفظ الأمن العام إلا بحمامات الدم ومواكب المعتقلين،
وليس هذا من الأمن في شيء. إن تدهور الأوضاع الاقتصادية وتفكك البنى
المجتمعية وعجز المجتمع عن استيعاب شبابه وتأطيرهم في الحياة العامة، فان
الضغوط سوف تدفعهم إما إلى الهجرة للخارج، أو الاتجاه إلى ممارسة أعمال
غير مشروعة، أو الوقوع في مصيدة الانحراف بأنواعه. ويمثل الاندفاع نحو
الجماعات المتطرفة مخرجا مغريا، وأملا كاذبا في الخلاص من الواقع المتردي
الذي يعيشه(21).
لا مناص من دور الدولة التنموي (الاقتصادي والاجتماعي)، هذا دور تؤديه في
المجتمعات المتقدمة في الغرب ولم تتنازل عنه أو تتراجع، فكيف بمجتمعات
متأخرة مثل المجتمعات العربية التي سجلت مستويات متدنية في مؤشرات
التنمية البشرية وما زال نصف سكانها أمياً، وخمس أبنائها تحت خط الفقر.
ومن دون هذا الدور التنموي - الذي لا يمكن أن تقوم به إلا الدولة - سيزيد
الأمن الاجتماعي والسياسي تدهورا، وسيعسر عليها أكثر فأكثر أن تنهض بمهمة
حفظه على الوجه المناسب. وحينها لن يكون في وسع القوة والتوقيفات
الجماعية أن ترد على صرخات الجوع ومشاعر الحرمان.
المصادر
ــــــــــ
(*) أستاذ علم اجتماع التنمية/ جامعة بغداد.
(1) اوليش بك، ما هي العولمة، ألمانيا، دار الجمل، 1999، ص11.
(2) الرازي، مختار الصحاح، دار الرسالة، الكويت 1983، ص26.
(3) Gould, J and Kolb, W. L.,A Dictionary of The Social Science,
London, 1959, P.626.
(4) Mannheim, K., Type of Rationality, in Mills, C. W. (ed.), "Image
of Man" N.Y, 1962, PP.615-617
(5) Ibid, PP. 518-519.
(6) Ibid, P.518.
(7) د.حاتم ألكعبي، السلوك الجمعي، مطبعة الديوانية، 1973، ص162.
(8) Park, R." On Social Control and Collective Behavior", Chicago,
1967, P.266.
(9) اليونيسكو، معجم العلوم الاجتماعية، تصدير ومراجعة إبراهيم مدكور،
1975، ص66.
(10) مصطفى الخشاب، علم الاجتماع ومدارسه، الكتاب الثالث، القاهرة، الدار
القديمة، 1966، ص6.
(11) محمد عاطف غيث، قاموس علم الاجتماع، القاهرة، الهيئة المصرية
للكتاب، 1979، ص23.
(12) سامية محمد جابر، علم الاجتماع المعاصر، بيروت: دار النهضة، 1989،
ص314.
(13) نبيل اسكندر، الأمن الاجتماعي وقضية الحرية، الإسكندرية: دار
المعرفة الجامعية، 1982، ص81.
(14) سامية محمد جابر، الفكر الاجتماعي، بيروت: دار العلوم العربية،
1989، ص264.
(15) ارثر مارويك، الحرب والتحول الاجتماعي في القرن العشرين، ترجمة سمير
ألجلبي، بغداد، دار المأمون، 1990.
(16) Fichter, J., Sociology, Chicago, 1957, P. 363.
(17) سامية محمد جابر، علم الاجتماع المعاصر، مصدر سابق، ص55.
(18) اليونيسكو، معجم العلوم الاجتماعية،،1975، ص454
Flora, P. and Heidenheimer, A. J, eds, The Development of Welfare
State in Europe and America, London: Transaction Books, 1981; Mishra,
R.,
Contradictions of the Welfare State (ed. By John Keane) L
(19) ondon: Hutchinson, 1984.
(20) هورست افهيلد، اقتصاد يغدق فقرا، ترجمة عدنان عباس علي، سلسلة عالم
المعرفة، العدد 335 يناير 2007، ص154.
(21) سمير نعيم احمد، المحددات الاجتماعية والاقتصادية للتطرف الديني،
حالة مصر، المستقبل العربي، العدد الثاني، 131، يناير 1990، ص116-119.
|