الحضارية «دراسات اجتماعية»

السبت: 04/10/2008


الروابط المناطقية والعشائرية ودورها في تشكيل العراق الحديث
منطقة الانبار نموذجا

ماجد شبر (*)

هنالك ملاحظة نود التأكيد عليها قبل ايراد هذا الموضوع: يلاحظ في علم الاجتماع العراقي، ان هنالك سهولة مبالغ بها باستخدام صفة (بدو وبداوة).. وقد أشاع هذا المصطلح بصورة متطرفة، مؤرخنا الشهير (علي الوردي)، بتأثير الباحثين الغربيين المستشرقين، الذين اعتبروا كل (عربي)(بدوي) ما دام لا يرتدي الثياب الغربية (الافندية)!! والحقيقة ان تسعين بالمئة من تسمية (بدوي وبداوة) يمكن أن يحل محلها تسمية (أهل الريف والرعاة). والكثير من العادات والسلوكيات التي تنسب للبدو، هي بالحقيقة عادات ريفية موجودة لدى كل أهل الريف في العالم أجمع. يجب ان لا ننسى أن العراق من أقدم الحضارات الزراعية في التاريخ، فهو (أرض النهرين) ارض الخصب والزراعة، وان (البدو) الحقيقيين، عبر تاريخ الوطن، لم يشكلوا غير نسبة محدودة جداً من سكانه. وحتى هؤلاء البدو، فان غالبيتهم الساحقة، ليسوا بدو رحل بالمعنى الصحيح للكلمة، بل هم (رعاة) شبه مستوطنين عند أعالي الفرات عموماً، يتنقلون بين مكانين أو ثلاثة بحثا عن النبات حسب المواسم. ثم ان هذه القبائل، ليست بالضرورة قادمة من اعماق الجزيرة العربية، كما يظن عادة بل في غالبيتها الساحقة، ظلت تتنقل خلال آلاف السنين في نفس المنطقة التي هي بادية العراق والشام. بل حتى القبائل التي من المؤكد انها اتت من الجزيرة العربية، مثل قبائل (شمر)، يعتقد أنها بالاصل جماعات عراقية أصيلة، لكنها هربت إلى نجد نتيجة الحروب والكوارث التي مرت على الوطن، ثم عادت من جديد بعد أن استقوت عددا وعدة. بل هنالك من يظن أن تسمية (شمر) هي نفسها تسمية (سومر)..
يكثر الحديث الآن عن محافظة الانبار، وهي التسمية الأخيرة في سلسلة أسماء أطلقت على هذه المنطقة، منها محافظة (لواء) الرمادي، ولواء الدليم، نسبة إلى تمركز قبيلة الدليم في هذه المنطقة، وقبلهما «سنجق الدليم». ففي زمن مدحت باشا حيث قسّم «الوالي المصلح» العراق إلى عشرة سناجق: بغداد والسليمانية وشهرزور والموصل والدليم وكربلاء والديوانية والبصرة والعمارة والمنتفك. لكن الحال لم يدم طويلا اذ ألغي سنجق الدليم أواخر عام 1870م وأصبح قضاء تابعا لسنجق بغداد العائد لولاية بغدا، تتبعه ناحيتا هيت وكبيسة. واصبحت عائة قضاء تتبعه نواحي القائم وحديثة وجبة آلوس. والغريب أن قصر مدة حصول محافظة الانبار على تسميتها سنجقا طغى وساد على كل التسميات للسناجق الأخرى، حتى بات مجرد تعبير «السنجق» يفهم منه أن المقصود ما يطلق عليه الآن «محافظة الانبار». والسنجق هو احدى التسميات الإدارية التي تتكون منها الولاية في العد العثماني، أي إن الولاية تتكون من سناجق بما يعادل اليوم المحافظة أو اللواء.
الانبار مدينة عراقية قديمة بنيت زمن الاحتلال الفارسي للعراق قبل الإسلام، وكانت تستعمل كاحدى القلاع المتقدمة للسلطة الفارسية في تصديها لهجوم القبائل البدوية القادمة من الصحراء وبنى العباسيون مدينة الهاشمية القريبة من الانبار كي تكون عاصمة لهم قبل انتقالهم إلى بغداد.
أهم عشائر الانبار
الدليم
الدليم كانوا يسكنون قرب القائم (غرب العراق قرب الحدود السورية ـ العراقية من جهة الفرات) قبل أن تزيحهم قبيلة العقيدات في نهاية القرن الثامن عشر عن مواطنهم وأجبرتهم على الهجرة جنوبا في اتجاه النهر فدفعوا بدورهم قبائل الاشجرية والجنابيين أمامهم ووصلوا إلى الفلوجة فيما اندفع الجانبان في اتجاه نهر الصقلاوية ووصلوا إلى منطقة اللطيفية.
شعر الدليميون بوطأة قربهم من مركزالحكومة، التي اثقلت كاهلهم بمطالبها الضريبية وكسرت مقاومتهم بالقوة حين حاولوا المقاومة في أعوام 1799 و 1819-1820، ومنذ عام 1842 أصبحت قبيلة الدليم خاضعة للحكومة وعندما امتنعت عن دفع الضرائب في زمن ناظم باشا (1910) حطم قوتهم بصورة نهائية، لذلك لم يجد البريطانيون معهم صعوبات تذكر، سواء عندما احتلوا منطقتهم في خريف 1917 أو خلال ثورة العشرين الكبرى في العراق.
وعند تأسيس الدولة العراقية الحديثة وقف شيخ مشايخ الدليم علي بن سليمان البكر مع الانكليز، خصوصا عند العمل على تأسيس المملكة العراقية عندما خاطب الحاكم الإنكليزي العام، لدى سؤاله هل يؤيد تنصيب فيصل ملك للعراق أم لا، فقال قوله المشهور: يا محفوظ أللي يريده الإنكليز نريده احنا (أي الذي يقبل به الإنكليز نقبل به).
تتكون الدليم بالأصل من أربع عشائر هي البو علوان والبو فهد والبو رديني والمحمادة. وبعد تغير مكان ديرتهم انظم اليهم البو عيسى والجميلة وهؤلاء يعودون إلى زبيد الصغرى وكأبناء عمومتهم العبيد والجبور. زادت اعداد البو رديني كثيرا مما جلعها تتخطى إطارها كعشيرة، إذ لا يتعين مجال نفوذ الشيوخ بحجم عشائرهم أو مجموعاتهم بل بالواقع الجغرافي حيث مارس البو ذياب (حردان العيشة ومطلق الشاوش)، سلطتهما على الضفة اليسرى وحكم علي بن سليمان البكر من البو عساف الضفة اليمنى وهؤلاء كلهم من أبو رديني.
والدليم بغالبيتهم من أهل السنة، ولكن يوجد بينهم شيعة، خصوصاً فخذ البو علوان وبعض لحمولات المنتشر في الضفة الشرقية من نهر دجلة، أي انه لا يوجد شيعة في الانبار ولكن يوجد أفراد من الطائفة الباطنية النصيرية في مدينة عانه. أما الجميلات فيوجد بينهم شيعة، خصوصا الذين هاجروا إلى بغداد في بداية القرن العشرين كما منهم المذاهب المالكي والحنفي والحنبلي، وقدر عدد أفراد الدليم بحدود 30 ألف فرد أوائل القرن الماضي.
زوبع
تعود بنسبها إلى طي وهي تشكل مع شمر قرابة قوية وجزءاً أساسياً من تجمع شمر. وتتألف زوبع من ثلاث وحدات كبيرة هي حيوانات وقتادة وفداغة. وكان أول ظهور لهم مع هجرة شمر إلى العراق مطلع القرن الثامن عشر. ففي كتاب «بغداد» لنظمي زاده يذكر وجود شمر عام 1696م عند الفلوجة وأنها اجتازت الفرات ونهبت الأرض قبل أن يطردها باشا بغداد. كان الزوابعة يكرهون الخدمة العسكرية، وعندما دعت الحكومة التركية عام 1915 القبائل إلى «الجهاد»، وعد الشيخ ضاري بتقديم 170 رجلا لقاء مكافاة قدرها 2000 ليرة ذهب لكنه لم يستطع جمع أكثر من عشرة رجال يشكل الفلاحون نحو سبعة أعشار القبيلة والبقية رحل ونصف رحل. وتشمل منطقة الزوبع أبو غريب والرضوانية ومحيط المحمودية وتمتد إلى الشمال الشرقي حتى الصقلاوية (نهر الكرمة)، وفي الجنوب الشرقي حتى قرب المحمودية يعيش في منطقة زوبع عدد كبير من المستوطنين الغرباء وهم ينتمون جزئيا إلى قبائل أخضعها الدليميون في نهاية القرن الثامن عشر من أمثال الموالي والجنابيين والقرطان والبو سودا. فيما يعيش في شمال و شرق زوبع بني تميم. كان عدد زوبع والملتحقين معهم في عشرينات القرن الماضي بحدود 200 ألف شخص. كانت العلاقة سيئة بين الإنكليز وزوبع في بداية دخول الإنكليز إلى العراق لأسباب عدة منها مجموعة من الإجراءات والقوانين التي أراد الإنكليز تطبيقها، في منطقة تغلب عليها البدواة التي اعتادت على عدم الخضوع والتمرد على السلطات الحكومية حيث وجد صعوبة في إخضاعها، إذ لم يشعرأبناؤها على مر عهود طويلة بالحاجة إلى الخضوع لتنظيم إداري وسياسي غير العشيرة. ومما زاد الطين بلة أن تولي المستشرق الإنكليزي العقيد لجمان منصب حاكم لقضاء الدليم والمنطقة المجاورة لها، أدى إلى توتر العلاقات بين زوبع والسلطات الإنكليزية، كما ان سوء أخلاق لجمان وتعامله الفظ مع القبيلة وشيخها ضاري المحمود، قد أدى إلى أن يقوم هذا الشيخ بقتل لجمان في الحادث المشهور: «كانت لدى لجمان كلب، وكعادة الأوربيين فان الكلب يرافقهم وهو جزء من العائلة. المسلمون بدورهم يعتبرون الكلب نجسا وبالتالي يتحاشون لمسه. وكان كلب لجمان قد اقترب من الشيخ ضاري فقام الأخير بنهر الكلب كي لا يقترب منه مما حمل لجمان على سؤال الشيخ ضاري عن السبب فقال له إن الكلب نجس، فقال لجمان: هذا الكلب أنظف منك يا شيخ». أدى الحادث إلى أن ثارت القبيلة لشيخها في فترة ثورة العشرين واعتبرت السلطات الإنكليزية في بغداد مقتل لجمان خسارة كبيرة اذ كان مستشرقا وعارفا بشؤون العراق بشكل كبير. وأخيراً اعتقل الشيخ ضاري وحكم عليه بالإعدام لكن الحكم لم ينفذ.
الجنابيون
كانوا يعيشون في منطقة الدليم قبل أن يطردهم هؤلاء، ويعيش الجنابيون على الجهة المقابلة لزوبع ويعيش سدس القبيلة فوق المسيب تقريبا. وكان عدد نفوس الجنابيين في عشرينات القرن الماضي نحو 18 ألف شخص في غالبيتهم مزارعون. ويتألف الجنابيون من أربعة افخاذ: البو معلى والبو صقر والنوافلة والبو غربه. وهم ينقسمون بالتساوي تقريبا بين السنة والشيعة. ومن يسكن الانبار منهم هم من السنة فيما من يسكن خارجها خليط من الاثنين.
كما ان هناك مجموعات عشائرية أخرى منتشرة في محافظة الانبار مثل الجغايفة والبوحيات والموالي والبقارة (طي) والعميرات والفحل والبو بنا.
الأقضية والقرى في سنجق الانبار
كانت عانه قضاء تتبعه حديثة وآلوس، أما قضاء الدليم (الرمادي حاليا) فتتبعه هيت والفلوجة وكبيسة والصقلاوية. ورواه وعانه مدينتان تقعان في الشمال الغربي للعراق على ضفاف نهر الفرات: مدينة عنه أو عانة هي من المدن القديمة والتي يرجع تاريخها إلى أربعة آلاف سنة وكانت تشكل مركزا مهما بل كانت أحد المراكز المهمة في السيطرة على منطقة شمال الرافدين. وشهدت عانه وحديثة فترة ازدهار في الحقبة التي أغلق البرتغاليون فيها البحر الأحمر، فصار على تجارة الهند إن تبحث لنفسها عن طريق بري يقود إلى الغرب، فكانت عانه هي النقطة المركزية في شبكة طرق قوافل واسعة الانتشار التقت فيها طرق البصرة وبغداد والموصل وانطلقت منها إلى حلب وطرابلس ودمشق. وكانت عانه مركز سلطات أبي ريشه الجمركية في القرن السابع عشر، ودخلت مع ما حولها من القرى والاقضية في الصراع القائم بين العثمانيين والفرس، وذلك عندما كلف شيخ الموالي الذي كانت عانه مركزه بالتصدي للفرس وطرده من منطقة شمال الفرات. وخضعت عانه وراوه وحديثة ومدن السنجق الأخرى لسيطرة القبائل المحيطة بها، ولما كان وقوعها على حافة الصحراء، فانها كانت دوما تعاني من سيطرة القوى والقبيلة عليها. وعلى رغم كون سكان هذه القضية مزارعين ينتمون إلى أصول قبيلة مختلفة أيضاً، كما أن قسما منهم من سكان المنطقة القدماء، نشأت بينهم عصبة جديدة هي عصبة «مناطقية»، ساعد تأثير قيم البداوة على تكوينها. لهذا عندما بدأ أهالي عانه وراوه المناطق المجاورة بالنزوح إلى بغداد سكنوا في منطقة سوق حمادة والرحمانية ومنطقة جامع الشيخ بشار (شمال شارع حيفا حاليا) في الكرخ، واخذت تتكون احياء بأسماء البلدات التي جاءوا منها.
في الانبار كانت الإمكانيات الزراعية محدودة علما انها تقع على ضفاف الانهار، خصوصا عانه التي تقع على شريط محاذ للنهر، وتضيق سعته إلى أمتار محدودة. ويمكن القول إن وقوعها بالقرب من حافة الصحراء وبعدها عن مراكز المدن الكبير جعلها تتأثر بقيم البداوة التي تحتقر الزراعة كما هو معروف.
الدولة الحديثة ودورالسنجق
هنا لابد من إلقاء نظرةعلى دور العشائر في تأسيس الدولة العراقية الحديثة الأولى عام 1921م، عندما شرعت السلطات البريطانية بالاتصال باغلب الشرائح الاجتماعية المدنية والعشائرية والدينية كي تصل إلى شكل الدولة الجديدة.
وكانت القبائل والعشائر العراقية (بأقسامها المستقرة ونصف الرحل والرحل) تشكل الثقل الأكبر من الحجم السكاني (65 إلى 70 في المئة)، وكان البدو يشكلون نسبة لا تتجاوز 15 في المئة. وعلى رغم أن القبائل والعشائر شكلت الجزء الأكبر من المجتمع العراقي، إلا إنها لم تكن في موقع القيادة في العملية السياسية. وبقيت المدينة الأقوى تأثيرا في بناء ذلك الكيان «الدولة» وفي صنع القرارات السياسية وفي العملية التغييرية للمجتمع العراقي.
وصاحب بناء الدولة العراقية وترسيخها استقرار الوضع الاقتصادي والسياسي وظهور مؤسسات الدولة الحديثة من جيش وشرطة ودوائر أخرى. وأثر هذا كله في الوضع العشائري اجتماعيا واقتصاديا، ففي الجانب الاقتصادي، حدث تغير في نمط العلاقة الاقتصادية التي تربط شيخ العشيرة بأفراد عشيرته، ليصبح شيخ العشيرة سيد الأرض وأبناء العشيرة مستخدمين لديه، ولم يعد هؤلاء يتبعونه كما في السابق، وهذا ما شهدناه في وسط العراق وجنوبه.
الا ان بعض العشائر حافظت على العلاقات السابقة الاقتصادية بين الشيخ وأفراد قبيلته بان يجلب الشيوخ مزارعين من غير أفراد العشيرة للعمل لدى العشيرة، إذ يرفض ابناء بعض العشائر العمل بالزراعة كونها تحط من قيمهم الاعتبارية (مفهوم البداوة). وعملت القبائل والعشائر الرحل ونصف الرحل على المحافظة على نمط العلاقة القديمة ولكنها في اغلب المناطق لم تستطع النجاح بحكم الظروف التي عملت على تشجيع الاستقرار وترك طريقة العيش الرعوي، فيما بقيت العلاقة الاقتصادية في منطقة الانبار بين القبائل وشيوخها اكثر محافظة على النمط القديم، لكون حجم هذه المنطقة الزراعي صغيرا مقارنة بالحجم الزراعي للمنطقة الوسطى أو الجنوبية.
اتجه قسم كبير من أبناء الانبار للعمل في الجانب الحكومي في فترة انكفاء الشيعة عن الانخراط في العمل الحكومي خصوصاً في فترة التكوين، أي المرحلة الأولى لبناء الدولة العراقية الحديثة. وكان الدور الذي لعبته القبائل والعشائر العراقية في بداية القرن الماضي كبيرا في صنع الأحداث، وأهمها ثورة العشرين التي لعبت عشائر الفرات الأوسط الدور الأساسي والمحوري فيها، وكان دور طبقة الأفندية كبيرا في تحريض رجال الدين وقبائل الفرات الأوسط على الثورة وإعلان التمرد على السلطات البريطانية. وعندما انتهت الثورة وبدأ العمل على تأسيس الحكومة الوطنية تولت طبقة الافندية اغلب المراكز الإدارية. ومما تجدر ملاحظته أن الثقل الأساسي في تولي مراكز الدولة تم بالاعتماد على الشريحة التي كانت تتولى زمام أمور العراق في العهد العثماني.
لم يتول رؤساء العشائر السنية منصبا سياسيا. فلم يتولى شيخ قبيلة سنية رئاسة الوزارة أو مناصب وزارية حساسة، بل أن اهل المدن هم من تولى السلطة السياسية. أما شيوخ العشائر فعينوا أو انتخبوا في البرلمان أو مجلس الأعيان وفي بعض الوزارات الي لا تعد من الوزن الثقيل. أما الوزارات المهمة (الخارجية والدفاع والداخلية) فكانت على الدوام في أيدي أهل المدن، من هنا نلاحظ إن السلطة الحقيقة بقيت في أيدي سياسي المدن.
العهد الملكي
اتسم العهد الملكي باستقرار سياسي على رغم بعض الأحداث العنيفة التي مرت به من ثورة الاثوريين وانتفاضات الفلاحين في منطقة الفرات الأوسط والأدنى أعوام 1935و1936و1937 وحركات البارزاني عام 1946، إلا أنه يمكن القول إن الوضع العام كان هادئاً. وانخرط عدد كبير من سكان السنجق في دوائر الدولة خصوصاً الجيش والشرطة، فاصبح القسم الأكبر من قادة دوائر الشرطة والسفر والجنسية ممن ينتمون إلى منطقة السنجق وبالخصوص سكان منطقة عانه ورواة وحديثة، واخذ مسؤولوا هذه الدوائر بدورهم يشجعون ابناء مدنهم وقراهم على الانضمام إلى هذه الدوائر، وكانت عصبة السنجق تلعب الدور الأساس في قبول أبناء السنجق في هذه الدوائر في كليات الشرطة والجيش.
ومع توسيع الجيش العراقي في أربعينات القرن الماضي تم قبول قسم كبير من أبناء السنجق، خصوصاً من قبيلة الدليم والقبائل الساككنة في هذه المنطقة، في صفوف الجيش واستمر قبولهم في شكل مستمر في السنوات اللاحقة. ولم يظهر دور كبير لأبناء السنجق العاملين في الجيش العراقي إلا بعد سقوط الجمهورية الأولى عام 1963 وخصوصا بعدما تولى ابن السنجق عبد السلام عارف السلطة (التي تميزت فيترة حكمه بالتميز الطائفي والمناطقي)، فأصبح أهل السنجق هم الطبقة الحاكمة والستمر الحال في عهد أخيه عبد الرحمن، وإن بنفس طائفي أقل، الا أن أبناء النسجق بقوا الحاكمين الفعليين. وما كان انقلاب عام 1968 ليتم لولا اتفاق ثلاثة من أبناء السنجق بالتآمر على ابن «سنجقهم» عبد الرحمن عارف وعم سعدون غيدان وعبد الرزاق النايف وإبراهيم الداود.
العهد البعثي
وعمل النظام البعثي على اعادة احياء الدور العشائري خلال السنوات الماضية والتركيز عليه بدرجة كبيرة. فازدهرت القيم القبلية على حساب «الدولة المدنية»، وهذا يعود في الواقع إلى عام 1963، فبعد سقوط الجمهورية الأولى تولى السلطة خليط من العناصر التي رفعت شعارات قومية ولكنها في حقيقة الأمر فئات تحمل قيماً ومفاهيم فئوية ومناطقية وطائفية. ويقول عالم الاجتماع الكبير الدكتور علي الوردي «ان التناقض بين الحضارة والبداوة كبير، فإما أن نكون متحضرين أو نعود إلى الصحراء، فلا انتقاء ولا توافق ولا انسجام بين قيم الحضارة والبداوة. إن سمات البداوة هي القبيلة ـ الغزو ـ التفضل الذي يشمل الكرم والسخاء والنخوة وغيرها. أما الحضارة فهي على العكس من ذلك تماما. إنها الدولة ـ العمل اليدوي ـ عدم الاهتمام بقيم التفضل لكن العقلية القبلية المشوهة التي حكمت العراق خلال 40 عاماً من منطلق قبلي ومناطقي وفئوي، أدت إلى تدهور كبير أصاب العراق، وألحق تشويها بالبنية الاجتماعية، مما يعد من اكبر الكوارث في تاريخ العراق الحديث. اذ اصبحت للقبائل مضايف في بغداد والمدن الأخرى التي أصبحت مراكز للقبائل والشيوخ. والادهى هو ظهور تحالفات قبلية تحمل تسميات ديمقراطية! وجاءت الحرب العراقية ـ الإيرانية ليزداد النفخ الطائفي، بخاصة بعدما ظهر الخميني باطروحاته وما صاحب ذلك من مد كبير في العراق لدى قسم من الشيعة الذين نظروا إلى الخميني باعتباره قائداً إسلامياً يمكنه أن يساعد في رفع الحيف عنهم. وأحدثت تلك الظاهرة رد فعل عنيفا لدى السلطة في بغداد، فاستغلت تلك الظروف لاستخدام كل الوسائل المتاحة في الشحن الطائفي. وفي الوقت الذي تصدى فيه للمد الشيعي اخذ صدام يغض الطرف عن صعود التيار السلفي خصوصاً في منطقة الانبار، ومما ساعد ذلك التيار على الانتشار استمرار الحرب العراقية ـ الايرانية.
وبعد الحرب عمل النظام على الحد من نشاط التيار السلفي، ولكن ذلك التيار كان قد رسخ أقدامه بما جعل استئصاله عملية صعبة خصوصاً أن قسماً كبيراً من أفراد الأجهزة الأمنية والمخابراتية هم من أبناء السنجق الذين انتشر بين أهليهم التيار السلفي. اذ أن 70 في المئة من أهالي الفلوجة الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و 45 عاماً كانوا يعملون في الأجهزة الأمنية والعسكرية قبل سقوط النظام.
وبعد دخول صدام إلى الكويت عام 1990 وما أعقبها من هزيمته وقيام الانتفاضة عام 1991، واجه ظرفا صعبا وكان في أمس الحاجة إلى قوات تساعده في قمع الانتفاضة، فكانت قوات الحرس الجمهوري هي اليد الضاربة، وكان التيارالسلفي عوناً. وفي عام 1994 انتهج النظام سياسة الحد من هذا التيار، لكنه كان في وضع ضعيف لا يمكنه من قضم هذا التيار الذي يرتبط كثير من أبناء السنجق ارتباطاً عشائرياً مناطقياً به، وبالتالي أصبح من المستحيل القضاء عليه. عند ذلك تغيرت استراتيجية النظام بالتقرب من التيارات السلفية من خلال القيام بما يسمى بالحملة الايمانية التي سهلت لكثير من العناصر المخابراتية والأمنية والعسكرية أن تتلبس بلباس الدين فيما أثر التيار السلفي فعلاً في توجهات بعض العناصر الاستخباراتية وشهدت المرحلة التالية تداخل التيار السلفي بين القبائل والعشائر التي يعتمد عليها صدام في حكمه، وضعف النظام وعدم قدرته على معاداة الجميع، ولبوس النظام الوجه الايماني ببناء الجوامع والمدارس الدينية، والعمل على نشر الطرق الصوفية وبناء علاقات مع التيارات الإسلامية السنية الأخرى.
ومن الملاحظ أن هنالك ظواهر خصوصيات انفردت به الانبار عن المناطق العراق الأخرى. اذ لم يحدث أن جرت هجرة من المناطق المختلفة من الانبار واليها خلال الأعوام الـ200 الماضية. وتشكل الصحراء الجزء الأعظم من محافظة الانبار مما يبقى القيم وروابط البدوية قوية. كما يمتاز سكان السنجق بوجود عصبية قوية تجمعهم وهو ما يتجلي في التخاطب بينهم بكنية ابن العم على رغم انهم ينتمون إلى قبائل متعددة. فالعصبية القبلية توسعت هنا وأصبحت عصبة السنجق هي المعيار الأكبر فالمجتمع العشائري يقوم على نوع من العلاقات والروابط الاجتماعية التي تستمد قوتها من وحدة الأصول العراقية لأبناء العشيرة الذين ينحدرون من جد أعلى واحد جمعت بينهم عصبية لكن عصبية السنجق تجاوزتها إلى أنواع أخرى من العصبيات: عصبية التحالف العشائري، وعصبية الجوار، وعصبية المكان. على إن هذه العلاقات والروابط الاجتماعية القائمة على أساس «العصبية» كانت تفرض التزامات معينة على أفرادها كما كانوا، في الوقت نفسه، يتمتعون بما تجلبه لهم من حقوق وامتيازات وفي العصبية يدخل الأفراد في صلب ضمائرهم الشعور بالمسؤولية، والوازع الخلقي نحو العصبية ويستنكفون عن القيام بما يخالفها.
إن الوضع القائم الآن في محافظة الانبار، في الفلوجة والرمادي وغيرهما من مدن السنجق، هو نتيجة التبعات التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية السابقة، وبالتالي كان سقوط الدولة العراقية ونظامها لأبهاء هذه المناطق ضربة في الصميم.

(*) باحث عراقي مقيم في بريطانيا
المصدر: مجلة «ميزوبوتاميا»، العدد:4، نيسان 2005.