الحضارية «دراسات اجتماعية»

 السبت: 24/05/2008

الشخصية العراقية بين تقديس التاريخ وتدنيس الجغرافيا(4/4)

ثامر عباس(*)
(خاص للمعهد)

3- اختزال الإشكالية التاريخية:
على الرغم من ثراء المنتوج الفكري وسخاء الإسهام الثقافي وعطاء التنظير التاريخي الذي أنتجه خطاب (الاستعراق)، لاسيما في الأمور المتعلقة بمظاهر التصدع السياسي والتنابذ الاجتماعي والتخاصم المذهبي، فضلاً عن جرأة رموزه للمبادرة بفتح العديد من الملفات التي كانت مستبعدة وممنوعة، وإقدامهم الجسور على التصدي للكثير من المشاكل المخفية والمقموعة التي كان الحديث عنها وحولها يعد في عرف السلطة جريمة ترقى إلى مصاف الخيانة الوطنية. إلاّ إن ما يؤآخذ عليه ويساق ضده هو اعتماده الطريقة الاختزالية في طرح تلك المتعلقات والإشكالات، وانتهاجه سبيل التبسيط في تشخيص المسببات وتحليل المسوغات. بحيث إن رؤية الجزء حجبت عنه إدراك الكل، والإمساك بالملموس أفضت به إلى التفريط بالمجرد، والتعويل على الظاهر قادته إلى تنحية المخفي. وهو الأمر الذي لم يبعده (=الخطاب) فقط عن الأهداف التي كان يرمي لبلوغها ويسعى لتحقيقها فحسب، وإنما أدى إلى إهمال التعقيدات على مستوى الواقع/ الحاضر، واستسهال المعالجات على مستوى الفكر/ المستقبل، ناسين أو متناسين ((إن هناك دائماً أكثر من تاريخ؛ تاريخ ظاهر على السطح أو تاريخ رسمي، وتاريخ أو تواريخ باطنية؛ وجميعها فاعلة ومؤثرة وان ظل المعروض أو المفروض منها هو الرسمي دون سواه))(91).
ومع إن جميع الذين انخرطوا بتيار المشروع (الاستعراقي)، انتظموا في إطار تلك المثلبة الاختزالية، وانظووا تحت لواء منهجيتها الانتقائية، إلاّ إن لكل واحد منهم مدخله الخاص ورؤيته الذاتية التي من خلالهما تناول موضوع البحث وساهم بصياغة أطره النظرية ووضع برامجه العملية. ففيما اعتبر البعض إن رأس المصيبة وأس البلاء اللذين ما برحا ينخران في جسد العراق الهزيل ويفتان بعضد شعبه الواهن، يكمن في التباسات (المشكلة القومية) وما تفرع عنها من رزايا تمثلت بمحاولات (تكريد الجغرافيا) من قبل الحركات السياسية الكردية وما تستتبعه من تطلعات انقسامية/ انفصالية واضحة من جهة، ولوثة (التطييف العثماني) التي أصيبت بها النخب العربية المتعثمنة، جراء تعصبها العرقي وتطرفها المذهبي حيال البقية من مكونات المجتمع العراقي ذات الأعراق والمذاهب المختلفة من جهة أخرى..
وعلى ذلك فان المشكلة في الحالة الأولى ((لا تكمن في الاعتراف بحق الأكراد بالسكن في أي جزء من أرض العراق، وهذا حق وطني وإنساني مشروع، بل المشكلة أساساً تتمثل في الطموحات الاستقلالية ومبدأ (حق تقرير المصير للشعب الكردي) الذي تبنته معظم الحركات السياسية العراقية الكردية. إن حق (تقرير المصير) لا يمنح عادة على أساس الوجود السكاني (الديموغرافي) إنما على أساس (الحق الجغرافي التاريخي). بمعنى أوضح إن تقرير المصير لا يمنح فقط للسكان المتميزين ثقافياً ودينياً، لأن هذا يعني انه يجب أن يمنح كذلك إلى كل الجماعات العراقية المتميزة دينياً أو لغوياً: التركمان والسريان والصابئة واليزيديين، ولم لا كذلك الشيعة والسنة !!))(92).
بينما تتجسد المعضلة الثانية من خلال ((تداخل المشكلة القومية مع المشكلة الطائفية والدينية. لأن النخبة الملكيّة ورثت عن الدولة العثمانية مشكلة التكوين الطائفي (السني) للنخبة الحاكمة. فلم يكن هدف هذه النخبة توحيد مختلف العناصر العراقية على أساس التنوع اللغوي والإقليمي، بل على أساس التعصب الطائفي. فكان التركماني والكردي والعربي مفضّل في إدارة الدولة العراقية بسبب انتمائه (السني) وبالتالي الاستمرار بممارسة عزل العناصر الشيعية العربية والتركمانية والكردية (الشيعية)، كما كانت تفعل دائماً الدولة العثمانية))(93).
والواقع إن هذا التحليل للأوضاع السياسية والاجتماعية وما يترتب عليه من استنتاجات كانت سائدة وفاعلة في تلك الحقبة الموصوفة، لا تمثل سوى نصف الحقيقة أما نصفها الآخر فقد حاول الباحث المعني ـ لأسباب قد لا يجهلها البعض ـ تقليل شأنها على مستوى الوعي وطمس معالمها على مستوى اللاوعي. فإذا كان الطموح المعلن للحركة الكردية المتطرفة قومياً يثير هذا القدر من الخوف والتوجس المشروع طبعاً، فما هي يا ترى خاصية المشاعر وطبيعة القلق الذي ينبغي أن تثيره الطموحات المضمرة لبعض التيارات العربية المتطيفة سياسياً ؟!.
وإذا كان من دواعي الحرص التاريخي والمسؤولية الوطنية، تشخيص الأضرار التي لحقت بالبنى التحتية للمجتمع العراقي، جراء اجتياف نخبه منظومة الآداب السلطانية القائمة على دعائم الاستبداد السياسي والتفتيت الاجتماعي والإقصاء المذهبي، فضلاً عن إبراز العيوب والمثالب التي أفرزتها التجربة على المستوى الحضاري/ العلمي.. فعلى أي أساس، إذن، يتم إخفاء التبعات المتمخضة عن الممارسات السياسية المناوئة التي انتهجتها الحكومات الإيرانية المتعاقبة طيلة الفترة الممتدة منذ الاحتلال العثماني للعراق عام 1534 ولحد الآن(94)، تحت يافطة ما يدعى (بالعشق الإيراني) المليئة بالمغالطات التاريخية الفاضحة والمعبأة بالادعاءات الرومانسية الكاذبة؟
فهل حقاً يا ترى ((إن حاجة إيران للسيطرة على الرافدين، لم تكن مدفوعة بحقد وكبرياء قدر ما هي مدفوعة بعشق ورغبة بالذوبان والاندماج [مع من ولأجل ماذا؟]. أوضح صورة لمدى تعلق الإيرانيين بالعراق، تقديسهم وحبهم للأئمة والعتبات المقدسة في العراق. كم من الحروب خاضها الإيرانيون ضد العثمانيون من أجل تحرير [؟!] العتبات المقدسة إذن، مشاعر إيران نحو العراق ظلت مفعمة برغبة وحب وغيرة. العشق الإيراني[!]، نموذج للعشق الامتلاكي، حيث تندفع الحبيبة، باسم الحب، للسيطرة على حبيبها. أما العراق، فيبدو انه ظل دائماً رافضاً متهكماً[!] من هذا العشق))(95).
[وهنا ينبغي أن نضيف انه كان ينبغي أن يعاقب العراق لأنه استخف بهذا العشق وتنكّر لذلك المعروف !!] فأين جوائح التاريخ وفضائح الجغرافيا ومذابح الاجتماع من هذا الطرح المجافي للعقل والمخالف للواقع؟! (96).
وفي حين إن البعض الثاني، مستثمراً إعداده الأكاديمي وموظفاً ثقافته الفلسفية، لم يشأ الدخول في صلب الموضوع بصورة مباشرة وصريحة كما لمسناها لدى ممثل الاتجاه الأول، بل آثر الإسهاب في شن الحملات الانتقادية ضد سياسات النظام السابق الذي عده المسبب الأكبر – ويكاد يكون الأوحد – لتشويه الهوية الوطنية وتحطيم مرتكزات الشخصية العراقية في السيكولوجيا الاجتماعية، فضلاً عن الإطناب في محاولاته الرامية إلى إسقاط شرعية الادعاءات اللاوطنية والمزاعم اللاتاريخية التي تتبناها غالبية الحركات السياسية الكردية، معتمداً بذلك على فكرة مركزية قوامها؛ إن العراق ليس تجمع أعراق بل (هوية ثقافية – سياسية) تستمد مقومات وجودها من ثلاثة مصادر أساسية مترابطة عضوياً؛ الحضارة الرافدية والتاريخ العربي والعقيدة الإسلامية. متوخياً من خلال استثمار رصيد الأولى قطع الطريق على التمظهرات القبلية، وباللجوء إلى فاعلية الثاني الحد من مظاهر التطلعات العنصرية، وبالاحتكام إلى رموز الثالثة لإيقاف مدّ النزعات الطائفية.
وهكذا راح يصول ويجول في حقول معرفية شتى مستعرضاً أفكاره السياسية وباسطاً مقارباته المعرفية، لا لكي يستقرأ انكسارات التاريخ وانشطارات الجغرافيا وانهيارات الاجتماع وانحرافات الثقافة، كما كانت تجري على أرض الواقع الموضوعي لا كما يرتأي أن تكون عليه ارهاصات التوقع الذاتي، فضلاً عن استخلاص المسائل الإشكالية التي يزدحم بها التاريخ الانثروبولوجي للمجتمع العراقي، ومن ثم، وضع الأمور المبهمة في نصابها الصحيح والقضايا المشوشة في سياقها الواقعي – على قدر المستطاع كما كنا نتمنى أن يفعل – ولكنه، ولفرط تمسكه بافتراضاته النظرية حول (فلسفة الاستعراق)(97) وما تنطوي عليه من ضرورات التحول من دونية العرق الى فوقية العراق، دون أن يخالجه أدنى شك أو يستوقفه أي تساؤل ازاء الكيفية التي يفترض أن يتم بموجبها ذلك التحول. لاسيما وانه يتحدث عن مجتمع نوعي معقد ما انفكت تجيش في احشائه وتمور بين تضاعيفه مختلف أنواع التصدعات السوسيولوجية والمفارقات السيكولوجية، التي جعلت الكثير من المهتمين بالشأن العراقي يقفون حيارى مذهولين ازاء مظاهر وتصرفات كان يظن انها من مخلفات عصور التوحش وأزمان البربرية، وليست بأي حال من الأحوال من معطيات شعب يقال انه سليل حضارة تمتد لالآف السنين كما كانت تشيع بيننا كتب التاريخ المؤدلج وتآليف التراث المؤسطر.
فقد فرط بالمنهجية التاريخية التي كان من المرجح أنها ستجنبه الاختزال في قراءة الأحداث المتشابكة وتعصمه الشطط في تأويل الوقائع المركّبة. إذ لم يعد من المجدي ولا حتى من المنصف اختزال جدلية التاريخ الاجتماعي للعراق إلى بعد حضاري واحد أو تاريخ قومي مميز أو نظام ثقافي مخصوص أو اعتقاد ديني مهيمن، على أمل أن نشيع الطمأنينة في النفوس القلقة من بوادي الحاضر والمتطيرة من عوادي المستقبل.
فإذا زعمنا انه وريث حضارة رافدية مميزة تضرب في عمق الماضي الإنساني الماقبل تاريخي، فأين نضع مواريث الحضارات السالفة الأخرى التي انبثقت لاحقاً أما بفعل الدينامية الذاتية لقوى الداخل أو وفدت إليه بفعل الحراك الجيويولتيكي لقوى الخارج؟
وإذا ما أعلنا بأنه صاحب تاريخ عربي عريق قام على روابط الأنساب وتمازج الأرومات، فأين سنذهب بتواريخ الأقوام والأعراق الأخرى التي ربما كان وجودها أقدم من وجود التاريخ العربي ذاته؟
وإذا ما سلمنا بأنه من أتباع أكبر الأديان التوحيدية وأكملها رسالة (الدين الإسلامي) باعتبار انه دين الأغلبية العربية وممثل خصالها الأخلاقية، فما هو مصير بقية الأديان والمذاهب السابقة عليه والمتعايشة معه؟ لاسيما وان ((الاسلام هو قبل كل شئ وريث الشرق الأدنى بثقافاته واقتصاداته وعلومه القديمة.وقلب الاسلام هو ذلك الفضاء المحصور بين مكة والقاهرة ودمشق وبغداد. ويقال عن الاسلام انه الصحراء. العبارة جميلة وتتردد بكثرة، ولكن يجب أن يقال أيضاً: الاسلام هو الشرق الأدنى، وهذا يضيف إليه كمية هائلة من الموروث الحضاري، وبالتالي قروناً طويلة من التاريخ))(98).
ولذلك لا يعفينا من المسؤولية التاريخية والمعرفية اختزال التاريخ العراقي إلى مجرد القول بأنه (هوية ثقافية ـ سياسية) وكفى، متجاهلين ما يكمن خلف وتحت هذه الطوبى من جحيم صراعي متواصل بين مكونات مستقطبة على أساس العرق أو المذهب أو القبيلة أو الجهة أو الدين، لا ترى من هوية تنتمي إليها وتمحضها ولاءها سوى هوياتها العنصرية والطائفية والعشائرية، ولا تؤمن بفلسفة تتبنى مبادئها وتدافع عن قيمها إلاّ فلسفة العنف الدموي والابادة الجماعية. لا يكفي الإنسان العراقي بعد اليوم أن يقال له إن (التوتاليتارية) في العراق هي من ((دمرت الهوية الذاتية وغيبت عناصر الهوية العراقية المتراكمة في مجرى بنائها التاريخي، بحيث حولت الهوية العراقية إلى دقيق في مجرى طحنها إياها من أجل صنع سبيكة تستجيب لمزاجها. وهو وهم مدمر كان يتعارض ويتناقض ويتضاد مع المكونات الروحية والتاريخية والثقافية للعراق))(99).
صحيح أن (التوتاليتارية) لم تسع لبناء (شخصية اجتماعية) للإنسان العراقي يتخذها مرجعاً وطنياً له، أو تؤسس هوية حضارية يعتمدها في بلورة كيانه القومي واكتشاف ذاته الإنساني وإنضاج وعيه الاجتماعي. إلاّ أنها، والحق يقال، لم تجد أمامها معماراً قائماً حتى تدمره وتطحن أجزائه، كل ما في الأمر أنها شيدت تجربتها القاسية على معطيات كانت رابضة سابقاً في كينونة المجتمع العراقي، منها على سبيل المثال لا الحصر:
وجود شرخ واسع في منظومة الوعي الفردي..
وتصدع كبير في مدماك الأنا الجماعي..
ونكوص شامل في بنية السيكولوجيا الاجتماعية..
وتصحر شاسع في أنظمة الفكر والثقافة والتعليم، استطاعت من خلال ذلك كله التلاعب بعناصر المخيال الشعبي لتعبئه، والعبث بمحتويات الذاكرة التاريخية لتجيشها، والتحوير لمفاتيح الغرائز البدائية لتسعّرها، والتحفيز لمكامن القيم الفجة لتشيعها على نحو ما شهدنا واكتوينا طيلة تلك الحقبة المظلمة.
وبدلاً من الجهود المضنية والمحاولات الجادة التي بذلها الممثل الأبرز لهذا الاتجاه بخصوص اقتلاع الاعتبارات الطائفية واستئصال التطلعات العنصرية من الذهنيات المنغلقة والنفسيات المنعزلة عبر ترجيح خيارات المطلب العراقي الوطني، إلاّ انه لا يلبث إن يدخلها خلسة وبصورة تكاد تكون لا واعية من خلال تأكيده المبالغ فيه حول مقولة الأغلبية الطائفية (الشيعية).
فإذا كانت (فلسفة ترتيب البيت العراقي) تتضمن فكرة إن ((مكونات العراق، شأن كل كيان متميز، لا يمكن عزلها عن الجغرافيا والتاريخ والثقافة والدين والأقوام..
فمن الناحية الجغرافية: ليس العراق سوى حوض وادي الرافدين ووحدتهما ومصبهما في الخليج. فهو الشريان الذي يمد وجوده ويوحد أراضيه ويجعله معقولاً حتى بالاسم.
وليس تاريخياً: سوى الامتداد (الأبدي) لكل من أور وبابل ونينوى وبغداد.
وثقافياً: ليس إلاّ الحصيلة المتراكمة من مسار حضاراته الكبرى كالسومرية والبابلية والآشورية والإسلامية.
ودينياً: ليس إلاّ تراكم العقائد من وثنيات وأديان قديمة وصابئة ويهودية ونصرانية وإسلام.
وليس (قومياً ): سوى السبيكة المنصهرة من عشرات الأقوام والأمم في مجرى بناء وانحلال أعراق الحضارات العالمية المتتالية عليه))(100).
فما هي يا ترى أوجه التوافق والاتساق بين هذا المقطع المفعم باللغة الخطابية وبين ما يعتقد ((إن التشيع هو الأكثر تمثيلاً للمصالح القومية العليا التي لا تتعارض مع المبادئ الكبرى للإسلام. والقضية هنا ليست في كونه تشعياً، بقدر ما انه مذهب الأغلبية. وهو السبب الذي يذلل فيه نفسية المذهبية الضيقة ويجعل منه بالضرورة كياناً ثقافياً . وذلك لأن مذهب الأغلبية عقل، بينما مذهب الأقلية هوى))(101)؟
فهل يا ترى إن الباحث يجهل، من منظور ديمغرافي، إن ظاهرة التشيع في المجتمع العراقي حديثة نسبياً لا تتعدى نطاق القرن التاسع عشر كما تشير أغلب المصادر المتعلقة بهذا الموضوع؟
فقد جاء في دراسة الباحث (أسحق نقاش): ((إن شيعة العراق تشيعت عموماً في عهد حديث، وان عملية التشيع كانت نتيجة تطور حدث في الغالب خلال القرن التاسع عشر مع استقرار القسم الأعظم من عشائر العراق العربية الرحل وتوجهها إلى ممارسة الزراعة. وكان هذا لتطور إيذاناً ببداية عملية لتكوين دولة شيعية في جنوب العراق، أجهضت في أعقاب الاحتلال البريطاني في عام 1917 وإقامة النظام الملكي العراقي لاحقاً في عام 1921))(102).
فالمجادلة بهذه الطريقة الاختزالية التي تتوخى التملص من الخوض في قضايا الذاكرة الحساسة وتتجنب الولوج إلى مناطق الوعي الرخوة، لا يمكن إلاّ أن تزيد الأمور تعقيداً وتفاقماً بدلاً من التنطع لحلها ومعالجتها، ومضاعفة حالات التخندق والتمترس عوضاً عن مظاهر الانفتاح الأفقي والتواصل العمودي. ما لم يتم التنقيب في خارطة الذهنيات المتناثرة والحفر في طبقات النفسيات المتشظية والغوص في تضاعيف التصورات المبعثرة، لا من باب تجريمها وتحميلها المسؤولية عما جرى ويجري لحد الآن، بحيث تنقلب إلى محرض لإثارة الفتن ودافع لاستنفار الأحقاد ووازع لتهييج الضغائن، وإنما لعرضها على مرآة الوعي كجزء عضوي من تاريخ المجتمع ومصدر من مصادر مخياله، وبالتالي إدراكها كمحصلة موضوعية لانحرافات وانقطاعات حصلت في سياق السيرورات التاريخية والاجتماعية، وليس من مصلحة أحد بعد الآن الاستمرار في استبطان قيمها والتماهي مع رموزها، إلاّ بمقدار ما يجري التطهّر من أوزارها والعزوف عن توظيفها والكف عن محاكاتها، بحيث تموضع في إطار ظروفها وتصنف ضمن محيط بيئتها وتحلل في سياق مكوناتها.
ولكي تستقيم موازين نقدنا لطروحات هذا التيار (الاستعراق) على أسس من الموضوعية المنزهة عن عيوب الهوى الذاتي، وتنأى بمسارها عن ردود الفعل الاتهامية المتوقع كيلها بوازع من هواجس التخوين الوطني أو العدمية الاجتماعية. فان المعايير العلمية والمقاييس المنهجية، ناهيك عن الضرورات المعرفية، تقتضي منا العروج على ذكر الاسهامات النوعية ورصد الأضافات الاستثنائية التي بادر ـ وبجرأة يحمدون عليها ـ رواد ذلك التيار الى اجتراحها في حقول الدراسات السياسية/ الاستراتيجية، وميادين البحوث السوسيولوجية/ الانثروبولوجية، ومضامير التنقيبات التاريخية/ الحضارية. مما استتبع أن تجعل لآرائهم طعم خاص ولأفكارهم نكهة مميزة، مقارنة بعطاء أقرانهم من الكتّاب والباحثين والأكاديميين المنضوين تحت مسمى (النخبة العراقية)، الذين لم يتعد اسهام الغالبية منهم حدود الخطابات الايديولوجية والافتتان بالتنظيرات الطوبائية، على خلفية انتماءاتهم الحزبية وولاءاتهم الطائفية ومرجعياتهم القبلية، والدوران، من ثم، في أفلاك العصبيات التناحرية والتجاذبات المصلحية. وعلى ذلك فقد تسنى لنا استخلاص ما نعتقد انها تعد من أبرز فضائل ذلك التيار وأهم مزايا دعاته الذين يؤمل أن تضاف لسجلهم المعرفي وتعزز رصيدهم الاجتماعي:
1. اقتحام القضايا الجوهرية: كثيرين هم أولئك الذين شغلتهم قضايا العراق المصيرية واقلقتهم أحواله السياسية وأرهقتهم تفاصيله الاجتماعية، للحد الذي استنزفت طاقتهم في البحث المتواصل وذوت رغبتهم في التنقيب المستمر. الا انهم ـ ورغم ذلك للأسف الشديد ـ لم يقعوا على أسباب مشاكله المزمنة أو يحسنوا تشخيص علله المستعصية. وهو الأمر الذي لم يكن سببه ـ دائماً وبكل الأحوال ـ قلة الفهم بتركيب واقعه وانعدام المعرفة بتفاعل مكوناته، بقدر ما كان نتاج التعلق بالعارض من أموره، والاهتمام بالطارئ من أوضاعه، فضلاً عن استسهال تناول الآني في أزماته ومعالجة المؤقت في مشاكله. بحيث أفضت هذه الحالة السلبية الى اقصاء كل ما يتعلق بقضاياه الجوهرية وازاحتها عن بؤرة الوعي الفاعل/ الشغال من جهة، والعمل، من جهة أخرى، على طمس معالمها وتغييب حضورها في ترسانة اللاوعي ووضعها في متحف الذاكرة، اما طمعاً في مكسب عاجل أو نيلاً لمأرب آجل.
وعلى هذا المنوال فقد استمرت جروح العراق نازفة وأوجاعه مستديمة وأوضاعه مضطربة، مما سوغ لكل طاغية وألهم كل دكتاتور اعتلاء عرش السلطة والامساك بدفة الحكم في غفلة من الزمن وغيبوبة من المجتمع. ليمارس، بعد ذلك، شتى ضروب الطغيان السياسي والحرمان الاقتصادي والامتهان الاجتماعي والارتهان الثقافي، متذرعاً بالخشية من عواقب الانقلابات الداخلية ودرء الدسائس الاقليمية واحباط المؤامرات الخارجية.
وخلافاً لذلك فقد نأوا بأنفسهم ـ ولا نقول أهملوا أو تخلوا بالكامل ـ مروجي ثقافة الاستعراق عن هذا المسلك المعيب، الذي كان يتعارض مع أبسط مقومات الوعي الاجتماعي ويجافي أدنى متطلبات الثقافة الوطنية، حين شرعوا ـ وهم يتوفرون بهذا القدر أو ذاك على عدة المعارف الحديثة والمنهجيات المعاصرة ـ بفتح ما استغلق من أضابير (المسكوت عنه) واستعصى من ملفات (الممنوع التفكير فيه) واستعصم من ارشيفات (المحرم المساس به)، التي طالما ضرب حولها جدار من الكتمان الشديد واسدل فوقها غطاء من السرية المطلقة، بحيث حرّم الأقتراب منها وجرّم الحديث فيها.
هذا بالاضافة الى قيامهم ـ كل في مجال اختصاصه ومضمار ثقافته ـ بتسليط ساطع الضوء على تضاريسها المتعرجة واخاديدها المتعامدة، محيلين اياها الى قضايا ساخنة تتطلب الطرق الآني وشجون راهنة تستلزم المعالجة الفورية، فضلاً عن اخضاعها لمعول النقد ومبضع التحليل ومقياس الاختبار، بغية الخروج بحصيلة معرفية تتيح لمن يروم العوم في أتون الواقع العراقي الصاخب؛ لتفسير الكثير من غوامض حياتنا المضطربة، وتطهير الكثير من رواسب نفسياتنا القلقة، وتعمير الكثير من خرائب علاقاتنا المفككة، وتصحيح الكثير من أخطاء تصوراتنا المشوشة.
2. الالتزام بالخيارات الوطنية: حين استعرضنا، بايجاز شديد، حصيلة الميّزة الأولى لتيار الاستعراق، لم تكن غايتنا من ذلك اظهار ما يتمتع به أعضاؤه والمريدين لأفكاره والمهتمين بفلسفته، من ولع في مخالفة الواقع السياسي القائم ومشاكسة الوضع الثقافي السائد ـ وان كان من الممكن استخلاص مثل هذه النتيجة المنطقية لتغاير المواقف وتعارض الاتجاهات ـ بقدر ما كنا نتوخى ايصال فكرة ان الباعث الذي حدا بهذا الرهط من الباحثين سلوك هذا المسلك الجرئ، يكمن ـ فيما نرى ـ باحداث سلسلة من الصدمات الذهنية والرجات السيكولوجية، تستهدف منظومات الوعي التقليدي وأطر العلاقات البالية التي اعتاد الانسان العراقي التعايش معها والاندغام فيها والاذعان لها والتسليم بها، دون ان يراوده الشك أو تنتابه الريبة حيال صدق ما تشيعه من مواقف وسلامة ما تتيحه من خيارات، مقارنة بما استوطن شخصيته من نزعات راديكالية وشخصانيات مؤسساتية وتماهيات كارزمية، بحيث فوتت عليه مراراً فرص امتلاك بوصلة التوجهات الوطنية وساقته للتفريط بثوابت مرجعياته العراقية.
كما وانها (= الصدمات والرجات) هيأت أمامه، في الوقت ذاته، المناسبة لكي يعيد التفكير بمجمل قناعاته المسبقة ومسلماته المتوارثة حول أصول مكوناته الاجتماعية، وجذور معتقداته الدينية، وروافد أروماته اللغوية، وبدايات صيرورته الحضارية، ومحطات سيرورته التاريخية، ومصادر علاقاته الانسانية من جهة.. ووضعه، من جهة أخرى، في اطار بنية جديدة من الوعي ونسق حديث من العلاقات، لا يتيسر له فقط من خلالها نقد النصوص وتفكيك الخطابات وتعرية الادعاءات فحسب، بل حثه على اعادة تركيب مدماك انتمائه الوطني المتخلع، وترميم عمارة ولائه العراقي المتصدع.
وبرغم وعورة المباحث التي جاستها طروحات دعاة الاستعراق وحساسية المواضيع التي خضعت لمنهجية تحليلاتهم، فانه قلما زاغت عنهم الرؤية الفكرية الناضجة وانحرفت بهم الموازين القيمية الموضوعية، التي بالاعتماد عليها تجري معايرة الخيارات الوطنية ومفاضلة المرجعيات الرمزية، قياساً الى ما دونها وسواها من الخيارات والمرجعيات الأخرى، معتبرين كونها بمثابة العاصم من الشطط في زحمة المنافسات والمنقذ من الضلال في أتون المساومات. خلافاً لما اعتاد أقرانهم من ذوي الأسماء اللامعة والألقاب الرنانة، الذين ما أن يستشعروا ـ وهنا، وهنا فقط، يكون مستوى الحساسية عال جداً ـ بأنهم وضعوا في اطار من المفاضلة أو الموازنة ما بين مصالحهم الشخصية وامتيازاتهم الذاتية، وبين خياراتهم الوطنية وثوابتهم العراقية حتى تكون الأرجحية لمنافع الأولى على مواجع الثانية، متعاطين مع المبادئ والقيم كما لو أنها مجرد سلع خطابية تباع وتشترى في سوق العرض والطلب السياسي. وهو ما برهنت علية وأكدته مفارقات نخبنا السياسية والثقافية لا بل حتى الأكاديمية التي ما برحت تجري لاهثة خلف الأطماع والمغانم، بعد أن تنكرت لوظيفتها الرسالية وأسقطت حيائها الوطني.
3. الانهمام بالهوية العراقية: لعلّه من نافل القول من أن هناك فرق كبير وبون شاسع بين أن يمسك المرء بسلسة العناصر والمقومات التي تحرك الواقع وتديم تفاعل عناصره ولكن دون أن يهتدي الى موقع الحلقة المركزية التي تربط جميع الحلقات ببعضها لتمنحها القوة عند التوتر وتزيدها متانة لحظة الضغوط، وبين أن يتاح له القبض على تلك الحلقة المحورية التي تقرر مصير السلسلة بكاملها لتوجيه مسارها وتعيين اتجاهها صوب الأهداف المبتغاة بأقل التكاليف السياسية من جهة، وتنظيم الفعاليات الوظيفية باتجاه الرهانات المصيرية بأدنى الأضرار الاجتماعية من جهة أخرى. فاذا ما فقد ـ لسبب ما ـ معيار التمييز بين هذه أو تلك، أي بين ماهو ثابت ومتغير، وبين ماهو جوهري وعارض، وبين ماهو أساسي وثانوي، وبين ماهو فاعل ومنفعل، وبين ماهو أصل وفرع، فان المشاكل لن تكون متوقعة الحدوث فحسب، بل والنوازل ستكون مؤكدة وكارثية أيضاً على مختلف الصعد والمستويات.
وهو الأمر الذي تنبّه له وتحاشى الوقوع فيه رواد هذا التيار، لاسيما مثلبة النزعة التوفيقية التي غالباً ما انساق أقرانهم نحوها بلا اكتراث ودون تبصر بالعواقب.
ولما كنا قد لخصنا فضائل مشروع الاستعراق بثلاث ـ خشية الاطناب الزائد والتفصيل الممل ـ فلأن هناك فضيلة رابعة ولكنها ضمنية تتعلق باللجوء الى اسلوب ترتيب الأولويات بحسب ضرورتها المصيرية وتحقيب المراحل بحسب أهميتها الظرفية، مما يعطي لعناصر البنية التحتية الوطنية زخماً مضاعفاً طالما احتاجت اليه وسعت لاكتسابه دون جدوى ابان العهود السابقة لاعتبارات سياسية معروفة.
ذلك لأن عمليات هدم القديم من البنى والبائد من التصورات، وتبني الحديث من الأفكار والمستحدث من المؤسسات، يستلزم أولاً اقتحام أسوار الممنوع من القضايا الاشكالية وتحطيم حصون الممتنع من القناعات الأسطورية، واستخلاص، من ثم، القوى العميقة والمصادر الخفية التي تحرك الواقع وتؤطر فعالياته وتديم دينامياته، لوضعها في دائرة النقد الاجتماعي والشك المعرفي والحفر التاريخي.
وعقب ذلك تأتي الخطوة أو المرحلة الثانية التي يتم من خلالها فرز الغث من السمين في تلك القضايا والقناعات، لكي يؤجل النظر في معطيات الأولى لحين نضوجها وينصب الاهتمام على الثانية لأجل أن تفعّل وتستثمر، من منطلق ان الأهم هو الأولى بالرعاية والعناية من المهم، كونه يشكل مثابات للنهوض ومرتكزات للانطلاق، دون اغفال ما يجود به جدل الواقع وما تطرحه أوالياته من حيث سيولة عناصره وانثيال مكوناته.
ولعل ادراك دعاة الاستعراق بان قضية انتشال العراق من مآزقه وانقاذ المجتمع من معاناته، لن تكون في طور الممكن من القدرة أو في اطار المتاح من الارادة، ما لم يتم وضع حجر الأساس لمشروع (الهوية الوطنية) المؤجل،بما يشكل سابقة نوعية لا في مضمار الفكر السياسي العراقي الذي أدمن التعامل مع خاصية هذا المشروع كما لو انه مجرد شعار براق يزين خطابات الأحزاب البائسة وتميمة سحرية تؤطر دساتير الحكومات الدكتاتورية.. بل وفي ميادين الفكر الاجتماعي العام الذي طالما كان نهباً للأساطير القومية الضيقة ومرتعاً للخرافات الايديولوجية المتطرفة.
ومما لا شك فيه ان قضية بناء (الهوية العراقية) [وهذا ما يعزز اعتقادنا ويرسخ قناعاتنا بأن مقوماتها الذاتية (وعي وارادة) وشروطها الموضوعية (علاقات ومؤسسات)، لا زالت تفتقر الى النضوج والتبلور وبالتالي فهي غير موجودة واقعياً] لم تكن في يوم من الأيام رهينة الأقوال التي يتبرع بها هذا الطرف أو ذاك، أو التصريحات التي تتفضل بإعلانها هذه الجهة أو تلك، بقدر ما كانت قرينة الأفعال الجادة لأفراد المجتمع والتوجهات الملموسة لأركان السلطة والاجراءات المعاشة لمؤسسات الدولة. ولهذا لم يتردد للحظة واحدة كتاب الاستعراق من تشخيص بؤرة الوعي الوطني وقاعدة الكيان الاجتماعي ومهماز الذاكرة الجمعية (الهوية العراقية)، مشيرين ضمنياً الى كونها (كعب أخيل) القضية العراقية برمتها.
ومالم تأخذ الأطراف المعنية هذه الحقيقة البديهية بنظر الاعتبار لكي تؤسس وعيها وتمأسس علاقاتها، فانه من قبيل المغالطة الحديث عن مستقبل العراق الواعد، والتوهم الاعتقاد بمعجزة الشعب العراقي الواحد. اذ لا خيار أمام العراقيين جميعاً بين أن يكونوا بشخصية اجتماعية جامعة وهوية عراقية موحدة، أو لا يكونوا بمسمياتهم الجهوية وانحداراتهم القبلية وانتماءاتهم العنصرية وولاءاتهم الطائفية وميولهم المذهبية.
رابعاً ـ ضمور الثقافة وظهور الخرافة: لعلنا كثيراً ما نتحدث عن ظاهرة انتشار الثقافات الفرعية/ التحتية، وطغيان لغتها في الخطابات السياسية وشيوع قيمها في الممارسات الرسمية والشعبية، للدلالة على اندثار رموز الثقافات الوطنية/ القومية في المجتمعات التي لا تفتأ تعاني من اضمحلال مقومات التحضر في سلوكها، واستفحال مسوغات العنف في علاقاتها، وهزال متطلبات الأمن في بيئاتها. وذلك كمؤشر على مظاهر نكوصها وعلائم انحطاطها نحو أطوار التخلع الاجتماعي والتضعضع الحضاري والتصحر الثقافي، دون أن يساورنا الشك حيال التناقض أو الالتباس الذي قد تستثيره أو تستحضره مثل هذه الصياغة (الثقافات الفرعية/ التحتية) في منظومات الادراك العام وقواعد الحسّ المشترك، لجهة الطابع التمديني المترتب على فعل الثقافة والبعد الانساني المتمخض عن اهتمامها في المجالات السوسيولوجية والانثروبولوجية، لاسيما في بنى الوعي الفردي وفضاءات المخيال الجمعي. معولين بذلك ـ وياليتنا لم نفعل ـ على (حكمة) الشعب و (نباهة) الجماهير التي طالما أفضت الى موارد التنازع السياسي ومرابض التصارع الاجتماعي، نتيجة لطابعها الراديكالي المتطرف واستجابة لنوازعها السيكولوجية الطائشة.
ولما كان مفهوم الثقافة يرمز الى بلوغ أعلى مراتب الوعي وأرقى مدارج المعرفة، أو كما وصفها (رايموند وليامز) بتعبير أنيق بأنها ((معيار للكمال))(103). فان استخدامنا لذلك التوصيف وتسويغنا لتلك المزاوجة هو من قبيل التعبير المجازي وليس من باب الواقع الفعلي.
ذلك لأن من طبيعة الثقافة وخاصيتها الجوهرية حمل الفاعلين الاجتماعيين على تهذيب سلوكهم وتقويم عاداتهم وتطويع أعرافهم وعقلنة أفكارهم وأنسنة علاقاتهم وشرعنة تطلعاتهم، بحيث يغدو الحوار والمصارحة بدلاً من العنف والعدوان منهجاً لحل خلافاتهم، والمشاركة والمكاشفة بدلاً من الاقصاء والتهميش سبيلاً لمعالجة أزماتهم.
وهو الأمر الذي يستتبع تعميق صلات الألفة بين مكونات المجتمع لمدني وتقارب عناصره الأهلية من جهة، ويقوي، من جهة أخرى، روابط الائتلاف بين قوى المجتمع السياسي وتفاعل تياراته الفكرية، ويخفف، بالتالي، ضغوط التناقضات البينية ويجفف منابع الصراعات الدورية.
فالثقافة وفق هذا المنظور تنطوي في ذاتها على خاصية ضبط وموائمة الميكانزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والايديولوجية والنفسية، بما يحول دون تحولها الى عوامل للهدم بدلاً من البناء، والاحتدام بدلاً من الانسجام، والتفارق بدلاً من التوافق، والتناحر بدلاً من التآصر، والتباغض بدلاً من التعاضد، والتشظي بدلاً من التوحد.
واللافت للنظر ان الثقافة بمفهومها التنويري الأعم، لا ترمي فقط (كمحفز نوعي دائم) الى تسريع وتائر التقدم العلمي وتنويع مصادر الانتاج التكنولوجي وتوسيع محاور الاستهلاك المعرفي فحسب ـ وهو ما يلج بنا الى مضامير الحضارة والتعاطي مع معاييرها ـ وانما هي تستهدف بالدرجة الأساس (كطاقة روحية خلاّقة) منظومات الوعي التقليدي لتفكيكها، وحقول الذاكرة المتكلسة لحرثها، وأنساق القيم البالية لتطهيرها. وهو الأمر القمين بسمو الانسان الى مستوى راق من الادراك العقلاني وانتهاج سبل السلوك الانساني، ليس فقط حيال أقرانه في البيئة الاجتماعية المحلية (الوطنية) فحسب، بل وأزاء بقية أعضاء الجنس البشري قاطبة بصرف النظر عن أصولهم العرقية وخصائصهم الثقافية ومعتقداتهم الدينية وانتماءاتهم الحضارية ومشاربهم الفكرية واختلافاتهم اللغوية ومرجعياتهم الرمزية.
اذ ((ان تنوع الثقافت البشرية لا ينبغي أن يحضنا على المعاينة المجزئة أو المجزأة. فهو لا يقوم على انفصال المجموعات البشرية بقدر ما يقوم على العلاقات التي توحّد بينها))(104).
وفي ضوء هذه المعطيات الواقعية فان ظاهرة ضمور الثقافات الوطنية/ القومية وانحسار قيمها واندثار أعرافها، سواء كان ذلك على صعيد المجتمع الأجمالي، أو على مستوى الجماعات المستقطبة أو حتى على نطاق الأفراد المتذررين، سيكون مدعاة لظهور الخرافات العنصرية بين القوميات المختلفة، وسطوع الأساطير الطائفية بين الأصوليات المتباينة، وانبثاق التهويمات القبائلية بين السلالات والبطون المتنوعة. ومن ثم الوقوع في دائرة المحظور الوطني حيث تمزق نسيج وحدة الجماعة وتصدع مدماك عقدها الاجتماعي وفقدان شعورها بالانتماء المشترك وضياع فرص تثاقفها الذاتي واندراجها في سياق شخصية اجتماعية عامة والتفريط بتماثلها ضمن هوية وطنية موحدة.
ولذلك نلاحظ ـ كما يشير المفكر برهان غليون ـ الى انه ((كلما انكفأ المجتمع على الثقافات الفرعية، أو الأنماط الثقافية التي تكوّن أجزاءه، نافياً الثقافة القومية كتنظيم أعلى موحّد لوسائل التبادل والتواصل الروحي ـ الفكري، ازاء تمسك فئاته وجماعاته الثقافية بهويتهم الخاصة وتشديدهم على نقاط الاختلاف والمغايرة، وتركيزهم على الطابع الثابت والجامد لشخصيتهم بالمقارنة مع الجماعات الأخرى. وتحويل الشخصية الى ماهية ثابتة وما يرتبط بها من استعادة للتاريخ وتوحيد له في لحظة واحدة، ومن مطابقة للهوية مع الأرض أو المهنة أو العرق، ليست في الواقع الا دليلاً على انهيار الوظائف العليا للثقافة، وتخفيض هذه الأخيرة الى مستوى الانعكاس المباشر لحقيقة أو لواقع لا يتبدل، والتعبير عن وجوده واستمراره))(105).
ولما كانت مظاهر الخرافات التعصبية بأنواعها، الأقوامية والطوائفية والقبائلية تستحضر تجليات الانغلاق التاريخي والانكفاء الحضاري والانخلاع النفسي التي ينحط الى دركها الفاعل الاجتماعي، فضلاً عن تدني مؤشرات تفاعله الوطني وتواصله الانساني الى حدود التماهي مع مخلفات طبيعته البدائية الرابضة في لاوعيه. فان المعول على الثقافة اسهامها في تحقيق رهانات القفزة النوعية التي أشار اليها الفيلسوف الالماني (فردريك انجلس) في مسار الجدلية الاجتماعية، عبر كبح جماح الارادة البدائية ولجم نوازع الوعي الغريزي، والبدء من ثم بالانتقال من عالم الضرورة الطبيعية العمياء الى ملكوت الحرية الانسانية الواعية. لذلك فقد أشار أحد علماء الانثروبولوجيا (و. ه. غودنوغ) الى أن ((الثقافة متميزة من الارث البيولوجي بمعنى انها ما يجب أن تتعلمه الشعوب؛ انها تشكل النتاج النهائي لهذا التعلم: انها المعرفة بالمعنى الأعم للكلمة))(106).
ولعل طبيعة موضوعنا تقتضي الاشارة المقتضبة الى دور العوامل الذاتية المسؤولة عن تغذية حالات الاغتراب الفردي عن الأطر الاجتماعية الحاضنة، وانسلاخ الجماعات عن المعايير القيمية الموجهة من جانب، وتحديد الشروط الموضوعية المخصّبة لاستنبات تلك التحولات الدراماتيكية في بنية الوعي وانماط الانتماء من جانب آخر. اذ لا يخفى ان ظهور وبزوغ ما نسميه مجازاً (الثقافات الفرعية/ التحتية)، وشيوع مظاهر استبطان قيمها والتماهي مع أعرافها من لدن أعضاء المجتمع المتصدع بنيوياً والمتحلل رمزياً، لا تختلف (من حيث النتيجة) عما يصيب (الثقافات الوطنية/ القومية) من أعراض ضمور الثوابت وتلاشي المعايير. فكلاهما حصيلة أواليات وجدليات لا تنبع من فراغ الواقع ولا تستحدث من عدم التصورات. فما يحصل هنا ويجري هناك يشترط وجود مقدمات تتعلق بالوضع السياسي، ومعطيات تتصل بالحالة الاجتماعية، وخلفيات تتحدد بالموروث الثقافي، واشكاليات تتجسد بالمرحلة التاريخية.
فالثقافات، وفقاً لذلك، ((ليست كتلة جامدة، ولا ماهية ثابتة، ولا عقلية متحجرة، وانما علاقة توتر مستمرة، وثمرة هذا التوتر الدائم بين الوعي والواقع، والذات والموضوع، والحاضر والمستقبل، والحلم والامكان))(107).
ولكن برغم ما يتمتع به الواقع المعاش من خاصية موضوعية تنحو باتجاه حيازته لميزة الاستقلال النسبي عن الزام الارادات الانسانية والتفلت من اكراهاتها، الا انه لا ينفرد ـ لوحده ـ بتأطير أشكال الوعي وتقنين أنواع المعرفة كما لو انه بات مفتاح الجدلية الاجتماعية وكلمة سرّ اشتغالها. فلكل من هذه وتلك قوانينها الخاصة وقواعدها المتميزة التي غالباً ما تعمل ـ وليس دائما بالضرورة ـ بالتوافق والتزامن والتحايث مع متطلبات المجتمع واشتراطات التاريخ.
بيد ان المؤكد انه بقدر ما تسهم جدلية الواقع وحراك مكوناته وانسيابية تفاعلاته بفتح قنوات الوعي وتوسيع فضاءات المعرفة، بقدر ما يعمل منطق هذه الأخيرة على تنقية مسالك ذلك الواقع واضاءة مساراته وعقلنة خياراته.
والطامة الكبرى تقع حين يسري مبدأ الشذوذ عن القاعدة في أواليات القوانين الاجتماعية وانقطاع سلاسل التفاعلات الجدلية بين عناصر الوجود وأشكال الوعي، بين تداعيات الواقع وارهاصات الفكر، بين أنماط الممارسة وصياغات النظرية من جهة، وتحول العلاقة بين هذه وتلك من سيرورة التطورات البنيوية الهادئة الى سياق الاختناقات الوضعية المدمرة، ومن ضرورة الترابطات الوظيفية الهادفة الى احتمال التصادمات العشوائية المقوضة من جهة أخرى.
وهو ما يجعل حالة المجتمع العراقي عقب منعطف السقوط السياسي/ التاريخي نموذجاً لهذه الاشكالية/ النكسة، تستلزم الدراسات الموسعة وتستوجب البحوث المعمقة للوقوف على ماهية هذا الانقلاب المدوي والانزياح الكارثي الذي فاق التوقعات وتجاوز التصورات، بعد أن طال الأسس وأطاح بالثوابت وقوض المرتكزات، بحيث؛
طغت أساطير التاريخ على حقائق الجغرافيا..
وتآمرت ألاعيب السياسة على وقائع الاجتماع..
وتجاسرت أباطيل الخرافة على رموز الثقافة..
ومسخت أكاذيب الاعلام عناصر الوعي الاجتماعي..
وتنكرت أوهام السيكولوجيا المجيشة لمعطيات الانثروبولوجيا المشخصة..
وتواثبت فنتازيا المخيال على شواخص الواقع.
وهو الأمر القمين بحمل الثقافة، بما هي قيم انسانية مشتركة، وأعراف اجتماعية موحّدة، وتصورات فكرية متناسجة، وبنى نفسية متواشجة، على تعطيل دورها الرمزي في حياة المجتمع، والتخلي عن وظيفتها الحضارية في عقله الجمعي، لتشرع، من ثم، بولوج مسارات الأنكماش ولانحسار. بحيث يغدو من الصعب ـ ان لم بكن من المستحيل ـ بلوغ الحدّ الأدنى من تماسك وحدة الجماعة في اطار ما يشكل (شخصيتها الاجتماعية) كمرحلة أولى، والمحافظة على استمرارية تواصلها في اطار ما يعتبر (هويتها الوطنية) كمرحلة تالية.
ولعل في تساؤل المؤرخ والانثروبولوجي (فون غروبنباوم) ما يشكل دلالة صارخة على أهمية معيار الثقافة وضرورته، لضمان أن تبلغ الجماعة الوطنية وحدتها سياسياً وتحقق وعيها بذاتها حضارياً، حين كتب يقول ((هل هو ارتياب العرب من وجود أدنى شك في هويتهم الثقافية هو الذي يمنعهم من بلوغ فهم جماعي لذاتهم))(108).
وكما هو واضح فان غياب أو ضياع معيار الوحدة الثقافية على مستوى النظام الاجتماعي برمته، لا يمكن الا أن يفضي الى تصدع مقومات (الشخصية الاجتماعية) وتشظي مكوناتها وتذررعناصرها واندثار أعرافها، وبالتالي، شيوع مظاهر النكوص والارتداد باتجاه الجماعات الأولية من اثنيات وطوائف وقبائل؛ للاحتماء بحميمية علاقاتها، والاستقواء بعصبية روابطها، والتمترس خلف قيمها، والتخندق وراء رموزها.
ولما كانت الخاصية الجوهرية للثقافة تتبلور في كونها صيرورة عقلانية، تتيح للفاعل الاجتماعي ليس فقط شروط الانتقال من طور العلاقات البدائية اللصيقة بمظاهر الطبيعة الفجة والعشوائية الى طور الوعي بالزمنية التاريخية وما تنطوي عليه من ادراك موضوعي لواقع الجماعة الأولية في اطار التحقيب التاريخي والتمرحل الحضاري، بالقياس الى مستوى بقية الجماعات الأخرى المحايثة لها والمتزامنة معها، سواء التي تقع ضمن حقل منظوماتها القرابية وأروماتها السلالية، أو تلك التي تتبلور خارج ذلك الحقل الانثروربولوجي وبعيداً عن سياقها السوسيولوجي فسحب، بل وتمنحه (=الفاعل الاجتماعي) المقدرة على تحديد الأطر النظرية وتلمس السياقات الاجرائية التي من خلالها يتموضع الوعي بالذات بدلالة المغايرة مع الآخر. نقول اذا كانت للثقافة مثل هذه الدلالة الاجتماعية المفعمة بالنضج الحضاري والوعي الانساني، فان مظاهر ضمور الدور الذي تلعبه وانكماش الوظيفة التي تؤديها، قمينة باحياء عوامل الارتداد صوب خرافات الأصول (الما ـ قبل) تاريخية و(الما ـ دون) اجتماعية، بحيث تشرأب نوازع التباغض الاقوامي والتنابذ الطوائفي والتغالب القبائلي، وتمسي الثقافة، تبعاً لذلك، ضرباً من التضليل والتعمية.
ونحن اذ نمنح الثقافة ذلك الفعل التحويلي الهائل للبنية الاجتماعية وضخ الفاعلية في أنساقها وادخال العقلنة في علاقاتها واضفاء الواقعية على تفاعلاتها، فلأنها بالتعريف خاصية فكرية تتسم بالحرث السوسيولوجي والحفر الانثروبولوجي والتنقيب السيكولوجي. لا بالمعنى الموحي بنسف الأسس المجتمعية وتحطيم البنى الفكرية وتخريب المنظومات الرمزية، التي تشكل جدلية اشتغالها وتمفصل حقولها شروط تحقيق (الشخصية الاجتماعية) العامة للمجتمع، وانما بالمعنى الذي يفيد حمل العقليات المتمترسة على نبذ مسبقاتها الخرافية، وسوق الجماعات المستقطبة للتخلي عن مرجعياتها التعصبية، والزام السلوكيات المجيشة بالتطهّر من آثامها الانفعالية.

الهوامش
ــــــ
(*) كاتب وباحث من العراق.
(91) شوقي جلال؛ التّراث والتاريخ، (القاهرة، سينا للنشر، 1995)، ص334.
(92) سليم مطر؛ الذات الجريحة؛ مصدر سابق، ص 407. وقد كررت نفس هذه المعلومات في كتابه؛ جدل الهويات؛ مصدر سابق، ص67.
(93) المصدر ذاته؛ ص375. من جانبه فقد اختلف تقييم المؤرخ العراقي (سيّار الجميل) لطبيعة العلاقة هذه من خلال تأكيده على ((إن الوجود العثماني في الأراضي العربية كان وجوداً أليفاً ليس على غرار الوجود العثماني في الأراضي الأوروبية الذي كان وجوداً غريباً وعنيفاً )). أنظر كتابه؛ العرب والأتراك، الانبعاث والتحديث: من العثمنة إلى العلمنة، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1997)، ص287. هذا ورغم المآخذ التي يسوقها الباحث العربي (محي الدين صبحي) ضد السياسة العثمانية إبان فترة احتلالها للعالم العربي، إلاّ انه لم يغفل الإشارة إلى إن ((التحالف الديني بين العرب والأتراك أثبت نجاعته. فبعد أن كان العرب مهددين في عقر دارهم من الغرب الصليبي والشرق التتاري، وبعد أن انفرط عقدهم على أيدي المماليك حتى أصبحت كل مدينة دولة، وجدوا أنفسهم في دولة واحدة تحميهم وترهب أعداءهم وتنصر دينهم وتتبنى ثقافتهم وتصون مبادئ الاجتماع والعمران التي أبدعتها حضارتهم. فان كان في نفس عربي من المعاصرين لتلك الأحداث في حينها أو المحدثين الآن، شيء من الشك في هذا الحلف البديع فان مجريات السياسة العالمية آنذاك كفيلة بأن تقطع الشك باليقين)). أنظر كتابه؛ عرب اليوم: صناعة الأوهام القومية، ((بيروت، رياض الريس للكتب والنشر، 2001)، ص177.
(94) لعل من الأخطاء التاريخية الشائعة اعتبار الحقبة (الصفوية) باكورة التدخل الإيراني في الشأن العراقي، على خلفية الصراع السياسي والعسكري مع الخصم التقليدي الدولة (العثمانية). فإذا ما أسقطنا من الحساب غزوات الأقوام القادمة من جهة إيران خلال العصور القديمة، فان أحداث الحملة المغولية على العراق عام 1258م تشكل البداية الفعلية للشروع بذلك التدخل. فقد ذكر المؤرخ العراقي (عباس العزاوي) في تأريخه إلى إن ((الوزارة انقطعت من البغداديين وصارت لصنائع المغولا وموظفيهم من الإيرانيين ولهم حق السبق في الطاعة.. ولذا نرى بعض المؤرخين يتهمون الإيرانيين في تشويق هولاكو للاستيلاء على بغداد. من جراء قبضهم على إدارة بغداد)). أنظر كتابه؛ تاريخ العراق بين احتلالين، مصدر سابق، ج1، ص236.
(95) المصدر ذاته، ص201.
(96) للإطلاع على خلفيات هذه المسألة يمكن الرجوع للعشرات، إن لم تكن المئات، من المصادر التاريخية والسياسية والاجتماعية التي تناولت، بهذا القدر أو ذاك، حقيقة الدوافع والنوازع التي ساقت كل من الحكومات الإيرانية والتركية معاً لاحتلال العراق واستغلال موارده البشرية والطبيعية، إضافة لاستثمار خصائصه الجيوبولوتيكية والانثروبولوجية. ويكفينا هنا الاستئناس برأي الأستاذ (إبراهيم الحيدري) الذي كتب عن ذلك يقول ((وقد لعب الصراع المرير، خلال الحروب الطويلة التي مرت على العراق، بين العثمانيين السنّة والصفويين الشيعة، دوراً سياساً وأيديولوجياً، حيث استغل كلا الطرفين الخصومات الدائرة بينهم حول من يدعي التمسك بأصحاب النبي ومن يدعي التمسك بأهل بيته، ومع إن الدولتين العثمانية والصفوية كانتا متماثلتين في استبدادهما وبعيدتين عن روح الإسلام الحنيف وتسامحه، وكانت غايتهما الأساسية تحقيق أهدافهما السياسية التوسعية)). أنظر كتابه القيم؛ تراجيديا كربلاء، مصدر سابق، ص45.
(97) لقد صمم الباحث (ميثم الجنابي) أطروحته حول (فلسفة الاستعراق) على ثلاثة محاور؛ الأول وجود ثقافة عقلانية، والثاني انبثاق مجتمع مدني، والثالث قيام دولة شرعية. والملاحظ إن مضامين هذه الفلسفة لا تخرج عما تشيعه مبادئ الديمقراطية إن لم تكن أدنى من مكوناتها تطلعاً . إذ تشترط هذه الأخيرة، إضافة للمحاور الثلاث أعلاه، فكرة المواطنة كمعيار للتمييز بين المواطنين، وحصول قناعة لدى القوى الاجتماعية الفاعلة بشيوع قيم التنوع السوسيولوجي والاختلاف الإيديولوجي، وقبول طوعي من لدن الحركات والتيارات السياسية بضرورة سيادة مبدأ التداول السلمي للسلطة.
(98) فردناند برودويل؛ البحر المتوسط، ترجمة عمر بن سالم، تراث المعرفة، (تونس، أليف، 1990)، ص113.
(99) ميثم الجنابي؛ العراق ومعاصرة المستقبل؛ مصدر سابق، ص31.
(100) المصدر ذاته؛ ص192.
(101) ميثم الجنابي؛ العراق ورهان المستقبل؛ مصدر سابق، ص260. على ما يبدو، وتحت وطأة الكوارث والمصائب التي تترى فوق رؤوس العراقيين بلا أفق للخلاص منها، فضلاً عن احتمالات اندراس تاريخهم واضمحلال جغرافيتهم، ومن ثم، ضياع وطنهم، فان الاستاذ (الجنابي) قد استصوب هناته وكبح جماح غلوائه فيما يتعلق بتقييم تجربة هذا التيار المتطيف ليعلن انه بدأ يعيد ((انتاج الصدامية من حيث كونها خروجاً على منطق الاستعراق واستفراغاً للتاريخ واجتراراً للزمن العابر، أي للمؤقت فيه، وهي مجافاة عرضة للزوال السريع لكونها تأتي من قوى تعرضت هي نفسها أكثر من غيرها للتهميش السياسي والاجتماعي في تاريخ العراق المعاصر، وأقصد بذلك الشيعة. فعوضاً عن السعي الجدي من أجل تذليل الطائفية المفتعلة للصدامية، نرى توجهاً مؤدلجاً ومنظومياً لغرس الطائفية السياسية في العراق، من خلال تصنيع وتقديم ما يمكن دعوته بالطائفية السياسية الشيعية. وهي أخطر أنواع الطائفية في تاريخ العالمعاصر)). راجع كتابه؛ أشجان وأوزان الهوية العراقية، مصدر سابق، ص 63.
(102) أسحق نقاش؛ شيعة العراق، ترجمة عبد الإله النعيمي، دراسات المدى (8)، (دمشق، دار المدى، 1996)، ص19. كذلك أنظر الدكتور فرهاد إبراهيم؛ الطائفية والسياسة في العالم العربي: نموذج الشيعة في العراق، (القاهرة مكتبة مدبولي، 1996)، ص44. حيث ذكر فيه ((إن المذهب الشيعي لم ينتشر بصورة كبيرة في العراق إلاّ تحت حكم المماليك (1743 – 1831). ويعتبر علي الوردي أحد أهم المؤرخين الذين تبنوا العلاقة بين التطور الاقتصادي الاجتماعي وهجرة القبائل من ناحية وانتشار المذهب الشيعي من ناحية أخرى)).
(103) تيري ايغلتون؛ فكرة الثقافة، مصدر سابق، ص 81. هذا وقد سبق للناقد المشهور (ت. س. اليوت) أن قال انه من الممكن ((أن توصف الثقافة وصفاً مختصراً بأنها ما يجعل الحياة تستحق أن تحيا)). أنظر كتابه الكلاسيكي؛ ملاحظات نحو تعريف الثقافة، ترجمة الدكتور شكري محمد عيّاد، (القاهرة، وزارة الثقافة والارشاد القومي، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، د. ت))، ص 31.
(104) كلود ليفي ستروس؛ الاناسة البنيانية، مصدر سابق، ج2، ص 299.
(105) الدكتور برهان غليون؛ اغتيال العقل، مصدر سابق، ص 97.
(106) راجع كتابه؛ الانثروبولوجيا وعلم اللغة. مأخوذ عن كتاب؛ صورة الآخر: العربي ناظراً ومنظوراً اليه، مصدر سابق، ص142.
(107) الدكتور برهان غليون؛ اغتيال العقل، مصدر سابق، ص 78.
(108) فون غروبنباوم؛ هوية الاسلام الثقافية، مأخوذ عن بحث الاستاذان في جامعة روما (روبارتو سيبرياني و ماريا مانسي) بعنوان ((ما بعد الأحكام المسبقة))، ضمن كتاب؛ صورة الآخر، مصدر سابق، ص 148.