|
الاثنين: 17/12/2007
الدين والتنمية
البشرية
(3\3)
أشواق عبد الحسن عبد(*)
خامسا ـ الدين والتنمية:
ان قضية الانفتاح على تجارب العالم لا غنى عنها إذا ما شاء البلد التقدم
والنهوض، لأن عملية التواصل والتفاعل وتبادل التأثير والتأثر بين تجارب
دول العالم والشعوب أمر مهم ولا سيما في هذا العصر(1). ولكن في ظل
الترويج لقضية الانفتاح اندفع العديد من دول العالم إلى استيراد التجارب
التنموية من الدول المتقدمة، وخصوصا الغربية الحديثة التي ابتعدت عن
المصدر الديني كل البعد(2). وعمل المحدثون التنمويون على فصل الدين عن
التنمية والخروج عن الواقع الموضوعي، والتأكيد على العلمانية وكسر
الحواجز الدينية والثقافية في التنمية(3). والشواهد على ذلك كثيرة لعل من
أبرزها ما كان في تركيا (حيث جاءت الدولة الكمالية التي نادت بشعار
الدولة الحديثة المستقلة التي حاول العثمانيون إقامتها، فعملت على الغاء
وزارة الاوقاف والشريعة، واغلقت المدارس الدينية بتوحيد نظام التعليم
وألغت الأحكام الشرعية في كل المجالات لتوحيد التشريع والقضاء وغيرها من
الأمور التي جعلت تركيا علمانية الدستور 1928 وان لم ينص على علمانية
الدولة الا عام 1937)(4).
وهناك الكثير من الامثلة المشابهة للمثال اعلاه الا انها لم تجلب للدول
والشعوب الا مزيدا من الاضطراب، الأمر الذي أدى في كثير من الأحيان إلى
مواجهتها والتصدي لها، والأمثلة على ذلك كثيرة ويمكن ان نذكر منها
المعارضة الهندية الشعبية التي تصدت إلى السلطات الهندية فيما يتعلق
بمسألة تغطية الدين بمضامين التنمية(5). وكذلك معارضة الكنيسة
الكاثوليكية في تشيلي والبرازيل على السياسة الحكومية في التركيز على
الحقوق الإنسانية على الصعيدين السياسي والاقتصادي، وتنمية التناقض بين
السياسة الفعلية والقاعدة الاخلاقية المفترضة(6). ان ذلك يؤكد الأهمية
الكبيرة للعقيدة الدينية في المجتمع والتفاف الناس حولها، والنابع من
الادراك التام بمعانيها ووظائفها للفرد والمجتمع بصورة عامة.
كل هذا جعل الصيحات تتعالى بضرورة الاهتمام بالتراث، والتمسك به على
شريطة ان يكون عنصرا فاعلا يسهم في بناء الحاضر والمستقبل، ويحفظ الهوية
والاصالة عن طريق العبرة والموعظة والاستلهام، مع الانطلاق بأقصى قوة نحو
وباتجاه الحداثة والمعاصرة(7).
ومما لا شك فيه أن شرطا أساسيا من شروط نجاح العملية التنموية في المجتمع
هو أن تكون (مقادة عن طريق التوافق مع القاعدة الاخلاقية والدينية، ومع
قيم سكان البلد)(8).
فبيئة الإسلام مثلا تقتضي أن يحكم الإنسان المسلم ثقافته وسلوكه في نطاق
العقيدة التي يؤمن بها، أي أن على المسلم أن يكيف كل من سلوكه وثقافته
بجميع عناصرها مع تعاليم الشريعة الإسلامية وتوجيهاتها، حتى لا يحدث
تناقض في ذهنه بين العقل والشرع، أو بين العلم والدين، أو بين الدين
والدولة(9).
يحدث ذلك حتى لا يشعر الفرد بالفراغية واللاهدفية في الحياة الحقيقية،
وأن يشعر أنه مرتبط بخلفيات تاريخية ومذهبية ينظر من خلالها ويرتكز عليها
التقدم والتطور(10).
واليوم توجد في أوربا قطاعات من المتدينين تطمح إلى أن يقوم الدين بدور
في تسيير أمور عالمنا بصورة عامة، انطلاقا من فكرة تلاقي المؤمنين بالدين
من مختلف انحاء العالم ليعملوا معا لبلوغ هذا الهدف، وقد استطاعوا ان
يجذبوا (اليونسكو) لتشاركهم في الدعوة إلى (اسهام الأديان في ثقافة
السلام) فضلا عن أنهم نجحوا في دفع الهيئة الاوربية لتجعل الدين من ضمن
جدول أعمال الاتحاد الأوربي(11).
وهذا يؤكد ما للدين من دور للمجتمع، فقد يؤدي التطور والتقدم إلى دفع
المجتمع إلى الخوض بالعالم المادي وما يحتويه من تعقيد وتشعب يبتعدون
فيها عن الراحة والطمأنينة. ولذلك فهناك من يرى أن (الدين هو الذي يمكنه
ان يضع أيدلوجية حياتية شاملة يسير عليها الأفراد وتكون هي الأساس في
وحدة المجتمع، وهذه الوحدة هي التي تساعد الأفراد والمجتمع على تحقيق
أهدافه، ومن أهمها التنمية)(12).
سادسا ـ الدين والتنمية البشرية:
إن الباحثين الاجتماعيين غير متفقين حول أصول الدين، وطبيعة وظائفه في
المجتمع، ونوعية العلاقة بالبنى الاجتماعية والاقتصادية والنظام السائد،
والسبب في ذلك يعود إلى كثرة وتنوع وظائف الدين وأدواره في المجتمع(13).
وقد ذهب بعض الباحثين إلى القول أن البنية الفوقية بما فيها الأفكار
والمعتقدات الدينية هي التي تحدد السلوك الإنساني. ولا يوجد خلاف على أن
الدين نظام اجتماعي متكامل له دور كبير في سد واشباع حاجات الإنسان
النفسية والاجتماعية(14). وسنحاول ان نسلط الضوء على الدين وعلاقته
بالتنمية البشرية وما يمكن ان يؤديه من دور فعال في هذا النوع من التنمية،
آخذين بنظر الاعتبار التسلسل الزمني للأديان.
1. الدين وحقوق الإنسان:
تدعو جميع الأديان إلى الفضيلة والاعتدال والتسامح والأخوة بين البشر
فالدين هو (الكفيل الوحيد بتوصيل جماعات الأمم إلى السعادة في هذه الحياة
والحياة الأخرى)(15).
كما يعد (الجانب الأصيل في الحضارة الإنسانية، وذلك لأن السلوك العملي
وتكوين الارادة الخلقية الإنسانية، أهم ما يعنى به الدين، ويعنى كذلك
بسيادة الطابع الإنساني العام عن طريق الإيمان والترجمة العملية له في
الحياة)(16).
فالديانات كما يقول هوبهاوس (قد وضعت مبادئ أساسية للحياة واصلاحها
والتأكيد على النفس البشرية ذات النزعة الخيرية التي تدعو إلى العمل
والمثابرة الفعالة)(17).
والأديان بصورة عامة تؤكد على الإنسان. فمذهب البوذية علم ودين وفلسفة
وعلم نفس وآداب للسلوك وفن يبصر الإنسان بأنه هو مبدع حياته الحاضرة وأنه
هو الذي يرسم ويصمم مصيره ومستقبله(18).
أما الكونفشيوسية فتنادي باعتماد الإنسان على نفسه، وأنه يجب أن يصل إلى
ما يتمناه من مراتب التقدم والسعادة(19). أما المسيحية فتعلم أن الإنسان
هو غاية الخلق، وأن تفوقه على المخلوقات الأخرى يكمن في حريته(20).
أما هدف الإسلام فهو الإنسانية في أدق معانيها في ذات الفرد، وفي علاقة
الأفراد مع بعضهم ببعض لأن الإطار المادي وحده في مقابل العلاقات ليس
الإطار الكامل، وإنه يجب أن يضاف إليه خدمات تنم عن إنسانية وبشرية
مهذبة(21).
فالإنسان في الأديان هو الكائن المتميز المتفوق، والذي يجب ان تكون كل
الموجودات في الكون لخدمته ولمصلحته.
وفيما يخص حقوق الإنسان Human Rights نجد أن الإسلام، وهو خاتم الأديان
قرر بداية تكريم الله للإنسان (ولقد كرمنا بني آدم)(22) فالتنمية في
الإسلام شمولية فهي اقتصادية اجتماعية وبشرية وروحية وثقافية، غايتها
تكريم الإنسان(23).
وكذلك فإنه يحث على حفظ حقوق الإنسان في حياته كلها عبر رحلة العمر طفلا،
وحدثا، وبالغا أشده، وشيخا، ذكرا أو أنثى(24).
أما مبدأ المساواة (فنظرة الإسلام إلى هذا الموضوع منصرفة إلى الإنسان
أينما كان، وعلى اختلاف لونه ولسانه وهويته، فلا عنصرية ولا تمييز وهذا
المبدأ متصل بمبدأ وحدة البشرية في الإنسان، فكلنا لآدم وآدم من تراب)(25).
وإذا كانت المسيحية تقرر عدم المساواة في الحقوق بين المرأة والرجل وذلك
لأسباب اجتماعية لا لأسباب روحية، وانطلاقا من أن الإنسانية واحدة في
جوهرها فإن للمرأة الحق في كل ضروب الاحترام والإخلاص التي ينالها
الرجل(26).
فالرجل والمرأة في مجتمع النفوس الواعية يسهمان إسهاما متكافئا(27). كذلك
حوى الدين الإسلامي على كثير من مبادئ الاخوة والتعاون والايثار، بل عالج
الإسلام المشكلات التي تعيق نمو المجتمع، فاهتم برأس المال البشري، وحق
التعليم والتثقيف والتربية، والنشاط الاجتماعي، وجعل مبدأ التعاون وسيلة
من وسائل تنمية المجتمع(28).
فاهتمام الأديان بالإنسان صريح من خلال ما تقدم والاهتمام يأتي من الدور
الكبير الذي يقوم به في الحياة.. فالإنسان هو أساس الحركة في هذا العالم..
لذا كان الواجب إعطاءه الحق في الحصول على كل احتياجاته ومستلزماته،
ليعود بالفائدة على مجتمعه وعالمه مرة أخرى بعد تمكنه من فائدة نفسه.
ولعل من أهم حقوق الإنسان التي دافعت عنها الأديان وسعت لإيصال الإنسان
إليها هي حق التعليم والصحة والعمل. وعليه سنركز في الجزء التالي على
علاقة الدين بتلك العناصر.
(أ) الدين والتعليم:
إن الأديان عموما تؤكد تكريم الإنسان، وتؤكد كذلك على تمكينه من السيادة
على ما في الكون وبالأخص عالمه الأرضي، ومصادر التمكين من هذه السيادة هي
وسائل المعرفة والعلم. فإذا لم يسع الإنسان إلى الكشف وتحصيل العلم يكون
قد تسبب في ضياع سيادته(29). ولذلك نجد الأديان دعت وتدعو إلى تحصيل
العلم والمعرفة.
فقد كان (كونفشيوس) يحث الناس على توسيع مداركهم سواء المتصل منها
بالعالم الخارجي أو بذات نفوسهم، فالمعرفة الصحيحة هي التي تخلق الإنسان
السعيد الموفق وتخرج العائلة الصالحة والحكومة العادلة، وهي التي تؤدي
بوجه عام إلى خلق عالم تسوده العدالة والمحبة والسلام(30).
ولأهمية العلم في المجتمع جعل كونفشيوس لطبقة المعلمين مكانا متميزا في
الدولة، وأسند لهم واجب ومهمة دراسة القوانين وصيانتها من كل عبث، وجعل
مكان هذه الطبقة يتوسط طبقة الحكام والشعب، تحاسب الأولى إذا خرجت عن
حدود القوانين، وتساند الثانية للحصول على العلم والحكمة(31).
أما الديانات السماوية التي سنأخذ الإسلام كمثل عنها فإننا سنجد أنه قد
اهتم بالعلم والتعلم بصورة لم يشهد لها مثيل من قبل. والتأكيد على العلم
والحث عليه جاء متجليا في أنصع صورة في عدد غير قليل من آيات القرآن
الكريم والسنة النبوية الشريفة..
وكما أننا نجد ان الإسلام قد جعل العلم مقياسا مهما من مقاييس التدرج في
الإسلام لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ
لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ
وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ
آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)(32).
أما السنة النبوية المقدسة على صاحبها الصلاة والسلام فقد أكدت ضرورة
التعلم، وطلب العلم متجاوزة حدود التفرقة بين الذكر والأنثى منادية
بالمساواة في طلب العلم، فلقد قال رسول الله محمد بن عبد الله [ص]: (طلب
العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)(33).
كذلك الدين الإسلامي يحث الناس ويدعوهم إلى طلب العلم، وقد تعدت الدعوة
إلى العلم أبعد من مجرد القراءة والكتابة، وفي هذا الصدد فإن الثقافة
الإسلامية قد أكدت (ضرورة استخدام التكنولوجيا الحديثة بحكم وضع الإنسان
كخليفة في أرضه)(34).
فالقاعدة المتعلمة في المجتمع إذا وجدت تمكن الإنسان من العيش والاستجابة
لعالم يتسم بالعلم والمعرفة(35).
ومما تجدر الإشارة إليه (إن الصورة الاجتماعية المشوهة التي ينتزعها بعض
الباحثين في بيئات اجتماعية متعددة، كالدراسة التي تجري على وضع المرأة
الاجتماعي في ريف مصر أو العراق أو المغرب أو صحراء الجزيرة العربية..
الخ، تشخص مشاكل المرأة مثلا، من خلال النظرة الريفية أو الصحراوية
المتخلفة الظالمة للمرأة، ثم تعرض تلك الدراسات صورة ممثلة للاجتماع
الإسلامي، لان افراد ذلك المجتمع أناس مسلمون، وتغافل الدارسون عن كون
تلك الممارسات لا علاقة لها بالفكر الإسلامي، وهي لا تتعارض فحسب مع
القيم والأحكام الإسلامية، بل قد كرس الإسلام جزاء من فكره وقوانينه
وقيمه لمحاربتها وتغييرها)(36).
فمقاومة التقدم العلمي والاجتماعي باسم الدين انطلاقا من مبدأ المحافظة
على القيم الروحية، وما يؤديه ذلك من تأثيرات سلبية على الحركة التنموية،
هو على الضد من دعوة الدين للعلم وطلبه، والذي يقف بوجه التقدم العلمي هو
بسبب (إما الخوف الذي لا مسوغ له، أو لبواعث طبقية أو طائفية)(37).
(ب) الدين والصحة:
إن الأديان عموما تحث قولا وفعلا على تحمل المسؤولية وضبط النفس والصبر
على المكاره، وقوة الاحتمال، والتحكم في رغبات الفرد ونزواته
وشهواته(38).
إن هذا التحكم في الذات والابتعاد عن كل ما يسيء لها في مجال الحصول على
الحاجات تجعل الفرد يحيا حياة تتسم بالصحة الجسدية والنفسية والعقلية،
ويؤكد ذلك ما جاء في الأديان من تأكيدات على الصحة والعناية الصحية، فهذه
المسيحية امتازت بمساعدتها للناس في المجالات المختلفة، ومن بينها مجال
الصحة، ويمكن ملاحظة الدور المهم الذي تقوم به بعض المؤسسات الدينية
المسيحية في الولايات المتحدة وانطلاقا من المبادئ المسيحية، الاهتمام
بنشاطات وأعمال، فضلا عن المناشط الدينية، والتي من أعمها أعمال التمريض
وزيارة المرضى، والعلاج في العيادات الخارجية، والرياضة حتى انك لتجد
اليوم ان العلاج الديني اضحى في كثير من المؤسسات والمشافي من الأمور
التي تلاقي رواجا كبيرا، خصوصا وإنها قد حققت نتائج طيبة في مجال العلاج
والتسريع من الشفاء(39).
ولعل خير شاهد على اهتمام الديانة المسيحية بالصحة، ان معجزات السيد
المسيح [ع] كانت أكثرها تتمحور حول المجال الصحي، كإبراء الأكمه والأبرص،
وشفاء المرضى ذوي العاهات أو الأمراض المستعصية(40).
كما ان في الكتاب المقدس الشيء الكثير من الآيات الصريحة التي ترفض
الإسراف بشرب الخمور وشتى السموم البيضاء(41).
أما الإسلام، فقد اتجه ومن خلال قيمه ومبادئه إلى مجال الصحة والوعي
الصحي، وان هذا الاتجاه يظهر واضحا وجليا من خلال آيات الذكر الحكيم في
القرآن الكريم، واشارته للصحة من خلال اسلوبي الأمر والنهي كقوله
تعالى::وكلوا واشربوا ولا تسرفوا)(42).
وفي السنة النبوية تعاليم ووصايا صحية وأوامر ونواهي إذا ما طبقت على
وجهها الصحيح ـ وهي المعروف عنها أنها نظام صحي متكامل- ستخلق مواطنا
يتمتع بالصحة الجسدية والنفسية والعقلية حتما، ولا شك في ذلك.
وكدليل على ما ذكر نجد أن البحوث والدراسات الطبية والاجتماعية تشير إلى
أن العديد من الذين يندفعون إلى هاوية الإدمان وما له من تأثير على الصحة
هم بعيدون عن الالتزام بمبادئ الدين. وقد أوضحت إحدى الدراسات على سبيل
المثال أن (88.5 من أفراد عينة الدراسة لا يؤدون فريضة الصلاة، كما أن
81.5 من أفراد عينة الدراسة لا يؤدون فريضة الصوم خلال شهر رمضان)(43).
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الدين نظام متكامل، لكل ركن من
أركانه وظيفة وهو مكمل لبقية الاركان. فالابتعاد ـ مثلا ـ عن أداء فرائض
وشعائر الدين، تجعل من الفرد منصاعا لرغباته، خاضعا لنزواتنه وشهواته
التي إن لم يتم إشباعها وفق ضوابط وسياقات الدين تجر الفرد إلى تدمير
صحته أولا وإنسانيته ثانيا.
(ج) علاقة الدين بالعمل:
لقد جاءت طروحات كارل ماركس الاقتصادية واقصائه للدين على اعتبار (أن نمط
الإنتاج والاوضاع الاقتصادية أو البنية التحتية هيالتي تنشأ عنها الأفكار
والمعتقدات)(44)، بل إن الابعد من ذلك هو وصف الدين بكونه أفيون الشعوب
أي ان الدين على وفق هذه الطروحات هو مقيد ومعرقل للعملية
الاقتصادية(45).
بيد أن دراسة ماكس فيبر (الأخلاق البروتستانتية) قد أوضحت أن الظروف
الاقتصادية لا تؤدي بالضرورة لظهور الرأسمالية لأن هناك أهمية كبيرة لشرط
مهم يتمثل بالقبول النفسي للقيم والأفكار المناسبة للتغيير(46).
وبذلك فقد أوضحت دراسة فيبر أن القيم الدينية يمكن أن تكون هي القاعدة
التي ينطلق منها التطور الاقتصادي النابع من الفرد أولا (فالمذهب
البروتستانتي المسيحي) يعتقد ان الفرد الذي يريد أن يكون مقربا إلى الله
سبحانه وتعالى في الحياة الأولى والثانية يجب ان لا يبذر أمواله بل يحافظ
عليها ويستثمرها في المشاريع الاقتصادية لكي ينميها ويستفيد منها وكذلك
تعود بالفائدة على المجتمع برمته(47).
وتشترك العديد من الأديان مع المذهب البروتستانتي في هذه المبادئ وغيرها،
والتي هي داعمة ومحفزة ومنشطة للعمل والنشاط الاقتصادي بصورة عامة.
فالمعتقد الكونفوشوسي كان احد الأسباب في اتحاد النمور الاربعة(48)*، وما
وصولا إليه من تطور سريع في شتى المجالات ومنها النشاط الاقتصادي، لكون
هذا المعتقد يتضمن مبادئ عدة ومنها ضمان احترام السلطة والدولة والنظر
إلى الذات بوصفها جزءا من كيان اجتماعي أكبر(49)، الأمر الذي يجعل من
هكذا مبادئ قاعدة للتوحد والانطلاق إلى آفاق إنسانية أوسع، والاديان
بصورة عامة تحث على عدم تبذير الاموال، والمحافظة عليها وكبح جماح النفس
فيما يتعلق بالغرائز والنزوات، فلقد جاء (عند البوذية [من خلال الجشع
للثروات يدمر الإنسان الأحمق نفسه وكأنه عدو لنفسه]، وفي الهندوسية [عندما
تكون لديك هبة الرضا الذهبية يكون لديك كل شيء]، وفي التاويه [من يعرف أن
لديه ما يكفي غني])(50).
ولعل خير قدوة للمتدينين هم قادة الأديان 0في الأديان السماوية- الأنبياء
والرسل- فالمسيح [ع] كان نجارا، وموسى [ع] كان فترة من حياته يستسقى دواب
شعيب [ع]. أما محمد [ص] فقد عمل أعمالا مختلفة فرعى الاغنام وعمل في
التجارة..(51).
ولقد امتلأت الكتب السماوية بالحث على العمل ففي الكتاب المقدس جاء (نوصيكم
أيها الأخوة أن تتجنبوا كل أخ بطال يخالف التعاليم التي أخذتموها عنا
فأنتم تعرفون كيف يجب أن تقتدوا بنا فما كنا بطالين حتى أقمنا بينكم، ولا
أكلنا الخبز من أحد مجانا، بل عملنا ليلا ونهارا بتعب وكد حتى لا نثقل
على أحد منكم، لا لأنه لا حق لنا في ذلك، بل لنكون لكم قدوة تقتدون بها،
ولما كنا عندكم أعطيناكم هذه الوصية [ما لا يريد أن يعمل لا يحق له أن
يأكل])(52).
وإذا انتقلنا إلى الإسلام خاتم الأديان، فالمنظور الإسلامي لتنمية
البشرية يعطي للعمل مكانة خاصة، لكونه العنصر الرئيس والفعال في أي نشاط
اقتصادي ووسيلة اساسية في تحقيق ضمان العيش واستقرار الحياة
وتكاملها(53).
فالإسلام دين تقوم مبادئه على العمل والنظام، ويقوم على الجد والاجتهاد
لذا يعطي العمل مكانة عالية(54).
ولتعظيم دور العمل والحث عليه فقد جاءت كلمة العمل وما يشتق منها في 359
آية من القرآن الكريم(55). كما أباح الإسلام للمرأة حق مزاولة الأعمال
التي لا تتعارض والشرع المقدس وتحسن المرأة أداءها شأنها في ذلك شأن
أخيها الرجل في تحصيل ثمار جهدها وعملها.
وفي هذا الصدد يقول الحق تعالى في القرآن الكريم: (للرجال نصيب مما
اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن)(56).
وهنا نجد أن الدين أو الأديان بصورة عامة قد أعطت للعمل في مختلف
المجالات أهمية تخطت في كثير من الأحيان حدود الإيمان الذي هو الأساس.
فالمعتقدات لا يمكن أن تكون على خلاف مع المصطلحات الوظيفية، أي أنها
جميعا تمارس شيئا من التأثير الواقع على تكوين الإنسان(57). إذ أن
العقيدة والمبادئ والقيم والمثل العليا، فيها من الحوافز المعنوية التي
لها دورها الفعال إذا اقترنت بالجوانب المادية وتسهم إسهاما فعالا في
تنمية المجتمع وتطويره نحو الافضل(58).
كما إن المؤسسات الدينية لها أهميتها الكبيرة من خلال أدائها للعديد من
الأعمال والمناشط الدينية التي يمكن أن يستفيد منها الإنسان، فالمسجد
يمكن أن يؤدي دورا مهما في موضوع التنمية بحيث يكون (مركز الإشعاع
الثقافي والحضاري، كما يمكن أن يكون لعلماء الدين، بما لهم من احترام
وتقدير من الأفراد، أن يؤدوا دورا مهما في التوعية لخطط التنمية وتهيئة
المناخ الملائم الصالح لنجاحها)(59). فلقد وجد دودجلاس Douglass الذي درس
مؤسسات الولايات المتحدة الأمريكية أن 357 مؤسسة تمارس 33 نوعا من
المناشط غير الدينية مثل التمثيل والحياكة وتدريس التدبير المنزلي وتقديم
النصائح لراغبي الالتحاق بالعمل(60).
ولربما يكون دور المؤسسات الدينية كالمساجد والكنائس وأماكن العبادة
الأخرى قد انحسر ولكن لم تختلف وظائفها.
وعلى الرغم من كل ما ذكرناه فإن هناك من الباحثين من يعتقد أن للدين
تأثيرات سلبية على التنمية (كالفشل التنموي والمتميز بحرمان معظم شرائح
المجتمع -خاصة الفلاحية والحرفية- من الازدهار الذي يفترض أن تؤدى به
التنمية الحديثة، هو رد فعل في المجتمع نحو الانكفاء على التقاليد
الماضية، وبصورة خاصة التقاليد الدينية)(61). ويشيرون كذلك إلى مظاهر
سلبية أخرى كالتواكل والرضا بالمقسوم والقناعة والتي تحض على الكسل
والتراخي ولا تدعو إلى الابتكار والخلق والتجديد(62).
(في حين أن العقيدة الدينية والأديان السماوية جميعا أبعد ما تكون عن
التواكل)(63).
إن السلبيات التي ذكرت من قبل البعض قد يكون منشؤها ليس الدين وانما هو
سوء تعامل الإنسان مع العقيدة الدينية إذ ان التدين أو السلوك الديني قد
يكون مبنيا على الفهم الخاطئ لطبيعة التعاليم الدينية أو تعلم التعاليم
الدينية بصورة خاطئة الأمر الذي يجعلها تعود سلبا على السلوك الديني.
ولذلك نجد أن الثقافة الإسلامية تؤكد ضرورة (إنقاذ الإنسانية بصورة عامة
والمسلمين بصورة خاصة من الأفكار الخاطئة عن التكنولوجيا الحديثة
والتفسير المادي، في نفس الوقت الذي تؤكد فيه وجود تصور يحافظ على شخصية
الإنسان وتصوره وتحقيق ذاته)(64).
واليوم نشهد اتفاقا بين عدد كبير من العلماء والباحثين على حقيقة مهمة
وهي (إن الشعب الذي يهمل القيم والمثل الدينية ولا يعير أهمية للدين تكثر
مشاكله الاخلاقية ويعم الفساد والخلل فيه وبالتالي يتعرض إلى خطر التفكك
والضعف الشامل الذي لا يساعده على تحقيق أبسط اهدافه وطموحاته)(65).
لذا فمن الواجب احترام العقيدة والقيم الدينية الموجودة في المجتمع
ومحاولة ترسيخها لصالح التنمية البشرية لا أن تكون حجر عثرة في سبيل
التطور النابع من تعامل الناس بصورة سلبية مع القيم الدينية.
الهوامش
ــــــــــ
(*) ناشطة اجتماعية،عضو في الجمعية العراقية للعلوم الاجتماعية،ماجستير في
علم اجتماع التنمية.
(1) شبلي العيسمي، العلمانية والدولة الدينية، دار الشؤون الثقافية
العامة، ط3، مطابع دار الشؤون الثقافية، 1993، ص74.
(2) Charles K. Wilber and Kenneth P. Amesom. Op. Cit. p. 474
(3) Ibid, p. 476.
(4) عزيز العظمة، العلمانية من منظور متخلف، ط1، مركز دراسات الوحدة
العربية، بيروت، لبنان، 1992، ص138.
(5) Charles K. Wilber and Kenneth P. Amesom. Op. Cit. P. 476.
(6) Ibid, p. 476.
(7) شبلي العيسمي، مصدر سبق ذكره، ص75.
(8) Charles K. Wilber and Kenneth P. Amesom, op. Cit., p. 474.
(9) ايسيسكو، الاستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامي، منشورات المنظمة
الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط،
المغرب، 1997، ص38.
(10) ايسيسكو، الاستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامي، مصدر سبق ذكره،
ص39.
(11) احمد صدقي الدجاني، مصدر سبق ذكره، ص89.
(12) احسان محمد الحسن، المدخل إلى علم الاجتماع الحديث، مصدر سبق ذكره،
ص171.
(13) حليم بركات، مصدر سبق ذكره، ص426.
(14) المصدر السابق نفسه، ص426.
(15) رالف بارتون بزي، إنسانية الإنسان، ترجمة سلمى الخضراء الحبوسي،
مؤسسة المعارف، بيروت، 1961، ص50.
(16) محمد البهي، مصدر سبق ذكره، ص69.
(17) عادل عبد الحسين شكاره، مصدر سبق ذكره، ص477.
(18) أحمد الشنتناوي، مصدر سبق ذكره، ص110.
(19) المصدر لسابق نفسه، ص114.
(20) رالف بارتون بيزي، مصدر سبق ذكره، ص50.
(21) محمد البهي، مصدر سبق ذكره، ص260.
(22) القرآن الكريم، سورة الاسراء، آية 70.
(23) أسامة عبد المجيد العاني، الإسلام والتنمية البشرية، مقارنة في
الأهداف والموارد، ينظر، دراسات في التنمية البشرية المستدامة في الوطن
العربي، مجموعة من الباحثين، ط1، بغداد، 2001، ص144.
(24) أحمد صدقي الدجاني، الدين والنظام العالمي بمنظور إسلامي، مجلة
الأكاديمية، المملكة المغربية، العدد 12، 1995، ص97.
(25) المصدر السابق نفسه، ص97.
(26) رونيه اوربير، التربية العامة، ترجمة عبد الله عبد الدايم، ط4، دار
العلم للملايين، بيروت، 1979، ص553.
(27) المصدر السابق نفسه، ص554.
(28) عادل عبد الحسين شكاره، مصدر سبق ذكره، ص478.
(29) محمد البهي، مصدر سبق ذكره، ص204.
(30) احمد الشنتناوي، مصدر سبق ذكره، ص114.
(31) المصدر السابق نفسه، ص117.
(32) القرآن الكريم، سورة المجادلة، الآية 11.
(33) عبد الرحمن السيوطي، الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، الجزء
الثاني، ص54.
(34) الغالي احرشاو، مصد سبق ذكره، ص86.
(35) علي خليل مصطفى أبو العينين، مصدر سبق ذكره، ص53.
(36) مفاهيم إسلامية، دور المرأة في بناء المجتمع، تأليف ونشر مؤسسة
البلاغ، بيروت، لبنان، 1999، ص33.
(37) عادل عبد الحسين شكاره، مصدر سبق ذكره، ص483.
(38) عبد الرحمن العيسوي، مصدر سبق ذكره، ص103.
(39) سامي أحمد الموصلي، الحصار الامريكي وقنبلة السايكوماتيك، ط1، دار
عمار للنشر، 1999، ص62.
(40) الكتاب المقدس، العهد الجديد، الترجمة العربية المشتركة من اللغة
الاصلية إلى اللغة العربية، ط4، دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط،
بيروت، لبنان، 1993، ص63، ص107، ص127.
(41) عزة مصطفى الابياري، حرب المخدرات، وزارة الاعلام، مطابع الهيئة
العامة للاستعلامات، جمهورية مصر العربية، بدون سنة، ص90.
(42) القرآن الكريم، سورة الأعراف، آية 31.
(43) أفراح جاسم محمد، تعاطى الحبوب المخدرة وعقاقير الهلوسة، عواملها
وآثارها، رسالة ماجستير غير منشورة في علم الاجتماع، جامعة بغداد، كلية
الآداب، 2001، ص64.
(44) إحسان محمد الحسن، رواد الفكر الاجتماعي، دراسة تحليلية في تاريخ
الفكر الاجتماعي، مطابع دار الحكمة للطباعة والنشر، بغداد، 1991، ص163.
(45) Aidan Foster- Cater, the Sociology of Development in Sociology:
New Direction, By M. Haralambos, (ed) cause way book, England 1985, p.
209.
(46) عبد المنعم الحسني، قيس النوري، مصدر سبق ذكره، 173.
(47) إحسان محمد الحسن، المدخل إلى علم الاجتماع الحديث، مطبعة جامعة
بغداد، 1976، ص128-129.
(48) Adian Foster- Cater, Ibid p. 207.
(49) مصطلح يطلق على أربعة دول آسيوية هي كوريا الجنوبية، تايوان، هونك
كونك، سنغافورة.
(50) برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية، 1998، مطابع
البحرين، 1998، ص40.
(51) احمد الشرباصي، الدين للحياة، دار الكتاب العربي للطباعة، القاهرة،
بدون سنة، ص103.
(52) الكتاب المقدس، العهد الجديد، الانجيل، مصدر سبق ذكره، ص330.
(53) تقي عبد سالم العاني، مصدر سبق ذكره، ص46.
(54) احمد الشرباصي، مصدر سبق ذكره، ص101.
(55) تقي عبد سالم العاني، مدصر سبق ذكره، ص42.
(56) القرآن الكريم، سورة النساء آية 32.
(57) Michael Grimmitt, Religious Education and Human Development,
First Published, Printing Coltd, Britain, 1987, p. 190.
(58) علي خليل مصطفى أبو العينين، مصدر سبق ذكره، ص55.
(59) عادل عبد الحسين شكاره، مصدر سبق ذكره، ص484.
(60) عبد الرحمن العيسوي، الإسلام والعلاج النفسي، دار الفكر الجامعي،
الإسكندرية، مصر، بدون سنة، ص105-106.
(61) جورج قرم، مصدر سبق ذكره، ص88.
(62) عادل عبد الحسين شكاره، مصدر سبق ذكره، ص482.
(63) عادل عبد الحسين شكاره، مصدر سبق ذكره، ص483.
(64) الغالي احرشاو، مصدر سبق ذكره، ص86.
(65) احسان محمد الحسن، علم الاجتماع الحديث، مصدر سبق ذكره، ص182.
|