الحضارية «دراسات اجتماعية»

السبت : 26/06/2010                                

 

 

 

 

 

آفاق التحرر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للمرأة في العراق

(دراسة ميدانية في قرية أبو غريب في محافظة البصرة)

 

 

د. لاهاي عبد الحسين(*)
(خاص للمعهد)

 

 

 

 

على الرغم من انتشار التكنولوجيا الحديثة في الريف العراقي والاهتمام بالحياة الحضرية على حساب ما جرى ويجري في الريف، فإن استخدام الكثير من وسائل الحضارة المادية الحديثة كالراديو والتلفزيون والثلاجة ومكيفات الهواء، لم تؤد – كما يعتقد البعض- إلى إحداث تحول نوعي في الريف، وبالتأكيد لم يؤد ذلك إلى محو المجتمع الريفي أو حتى مجرد الصهارة في بودقة المجتمع الحضري(1).

الغريب أن اعتقاداً من هذا النوع انعكس بصورة تقييمات تعوزها الدقة والرصانة في النظر إلى واقع المرأة الريفية في جملة من البحوث والدراسات العلمية(2). وكذا الحال مع المرأة الريفية التي بقيت أكثر ارتباطاً بواقعها التقليدي من حيث القيم والممارسات وأنماط السلوك المتعارف عليها. على الضد من ذلك، كان هناك من دعا(3) إلى رفض التعميمات والاختلاطات الفكرية حول واقع المرأة الريفية ومقاومة الاعتقاد في أنها تمثل حقيقة عامة غير متميزة في انماط معيشتها وأعمالها ومشكلاتها وهمومها. كما دعا أيضاً إلى عدم التصديق بالاعتقاد في أن الفجوة بين الريف والمدينة قد ضاقت.

وإذا ما تعقبنا بدايات الاهتمام بدراسة أوضاع المرأة في الريف فإن من الممكن العودة إلى مقتبل السبعينات التي شهدت كثيرة من الدراسات العلمية الهادفة لتحليل أثر التنمية على المرأة في البلدان النامية ومنها البلدان العربية. الا أن من الواضح أن دراسات من هذا النوع ركزت بصورة رئيسية على أوضاع المرأة في المدنية معتبرة إياها الحكم والمقياس على أي تقدم نوعي يمكن أن تخبره في مجالات معينة ومنها على وجه الخصوص التعليم الرسمي والعمل خارج المنزل(4). بل ممارسة بعض الأعمال الحضرية كالخدمة في الجيش أو العمل في دوائر ومؤسسات الدولة لا تعني بالضورةر نقلة نحو التحضر، وإنما تعني ببساطة استغلال الامكانات المتاحة لتحسين متسوى الحياة الشخصية والعائلية. ذلك لأن الريف والريفية أكثر من مجرد مظاهر معينة ترتبط باللباس أو باستخدام مفردات تقنية معينة كالثلاجة والمكيف أو السيارة،... الخ. لذلك فإن هذه الدراسة تهدف إلى تقدير آفاق التحرر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للمرأة الريفية في العراق إلى جانب الرغبة الادبية في دعم أي تغير ايجابي يمكن أن يتحقق على طريق تحسين نوعية حياة المرأة في الريف.

نظرياً، تنطلق هذه الدراسة من وجهة نظر متعددة الابعاد كان قد ابتكرها المنظر الاجتماعي المعروف ماكس فيبر(5). حسب وجهة النظر هذه، فمن أجل فهم أي جانب من جوانب الحياة الاجتماعية ذات العلاقة بشريحة اجتماعية او جماعة معينة لا بد من تسليط الضوء على أكثر من بعد من أبعاد الحياة الاجتماعية وهي الاقتصادية والدينية والسياسية. وبذلك يصار إلى الحصول على تصور أكثر كلية وشمولية بشأن الموضوعات ذات الاهتمام. كما إن هذه الدراسة تنطلق من وجهة نظر نسوية ترمي إلى تقييم الواقع وسبر أغواره بغية الوصول إلى عرض وتفسير نقدي تترتب في ضوءه التصورات ذات العلاقة بآفاق التحرر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للمرأة في الريف العراقي.

ويعرّف فريق من المتخصصات في قضايا المرأة(6) مفهوم "النسوي" على أنه يشمل عدداً من الاعتقادات والقيم، والمواقف التي ترتكز على فكرة إيلاء المرأة كإنسان اهتماماً بالغاً. فقد تعرضت المرأة إلى الاهمال بحجج كثيرة منها ان مشكلتها جزء من مشكلة المجتمع ككل، أو لأن ما يقع على عاتق النساء يقع على عاتق الرجال، أو لأن في الاهتمام بالمرأة عزل وتقوقع وانطواء، الخ. بالحقيقة، فإن للنساء أهمية دائمة تنبع من كونهن يمثلن شرائح لها خصوصية عالية تظهر على الصعيد الاجتماعي والنفسي والاقتصادي والسياسي والثقافي والتاريخي، الخ.

لأغراض الدراسة الميدانية. وقع الاختيار على قرية (أبو غريب) التي تقع في دناحية طلحة، قضاء المدينة، محافظة البصرة. فيما يلي نقدم نذة مختصرة عن الخلفية العامة للقرية.

قرية أبو غريب: خلفية عام(7)

تقع قرية أبو غريب في منطقة القرنة ملتقى نهري دجلة والفرات، ويسقيها نهر أبو غريب الذي يعتبر أحد فروع نهر الفرات. وتعتبر القرية امتداداً لمنطقة الأهوار التي كانت تغمرها المياه حتى بدأت بالانحسار التدريجي منذ عدد كبير من السنوات. من النواحي العشائرية، فإن أبو غريب تمثل احد افخاذ عشيرة بني منصور التي تقيم في منطقة تمتد من القرنة على بعد ميلين إلى جنوب منطقة الحلاف. ويرأس فخذ أبو غريب الحاج عبد العالي باهض البو عجيل.

بالنظر لمحدودية ما هو معروف في الكتب والدوريات العراقية والعربية حول هذه القرية، فقد كان لنا حديث مع أحد وجوه القرية(8). ومن خلال هذا الحديث، علمنا ان القرية كانت تتكون من بيوت مصنوعة من القصب والبردي والتي تشكل أكواخاً يأوي إليها الناس في الشتاء. إلى جانب الكوخ كان هناك ما يسمى بـ(السوباط) المصنوع من القصب والذي يأوي إليه الناس في الصيف، ليجلسوا تحته في النهار ويناموا فوقه عند حلول الليل. وقد تطور الوضع فيما بعد حيث بدأ الناس باقامة الصرائف المصنوعة من القصب والبدري. ومنذ عام 1956، بدأ السكان بناء بيوت من الطين سرعان ما استبدلت بالدور المبنية من الطابوق والصخر والاسمنت. حدث ذلك عند مطلع السبعينات إبان فترة تأميم النفط والحصول على عائداته. وفي عام 1972، اقيمت أول شبكة للكهرباء في القرية، تلاها الشروع بنشر شبكة من المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية وذلك في نهاية السبعينات مما ساعد على تخريج أعداد مهمة من أبناء وبنات القرية الذين واصلوا دراساتهم العالية في عدد من المعاهد والكليات والجامعات المتخصصة.

التحرر: المفهوم وطرق القياس:

تعرف ليرنر(9) مفهوم التحرر (Emancipation) على أنه الحرية من قيود الاضطهاد المفروضة من قبل جنس على جنس آخر. كما أن مفهوم التحرر يتضمن الحق في الحصول على تقرير المصير والاستقلال الذاتي. ينطوي مفهوم الحرية على التحرر من القيود ذات الطبيعة البيولوجية والمجتمعية بأشكالها المتعددة. أما حق تقرير المصير فيعني قدرة الإنسان على تحديد ما له في هذا الكون. بمعنى أن يكون حراً في تحديد دوره الاجتماعي بما في ذلك القرارات الخاصة بالطبيعة البدنية أو الفسيولوجية التي يراها الرجل أو تراها المرأة في الحياة بما في ذلك القدرة على التحرر الاقتصادي والحرية في اختيار طراز الحياة الشخصية والمفاضلة الجنسية. الأمر الذي ينطوي على ضرورة إحداث تحولات جذرية في المؤسسات الاجتماعية القائمة، ونظام القيم والاعتبارات والاعراف السائدة في المجتمع.

لأغراض هذه الدراسة، وانسجاماً مع المفهوم الرئيسي فيها (التحرر)، وانطلاقاً من الموقف النظري متعدد الأبعاد الذي نادى به فيبر كما جاء أعلاه، حاولنا قياس آفاق التحرر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للمرأة الريفية في قرية أبو غريب في العراق. وفي هذا المجال، اعتمدنا اسلوب الدراسة الميدانية المسترشدة باستمارة استبيان مقننة تم ملؤها عن طريق إجراء المقابلات المباشرة من قبل الباحثة. تقع استمارة الاستبيان في أربع محاور رئيسية هي: الخلفية العامة للنساء المشمولات بالدراسة، الجانب الاقتصادي، الجانب الاجتماعي، والجانب السياسي. فيما يتعلق بالخلفية الاقتصادية. حاولنا الحصول على فكرة عامة أساسية في هذا المجال وذلك من خلال جمع المعلومات وعرضها حول مدى انتشار وسائل الحضارة الحديثة(10) مثل السيارات والثلاجات ومكيفات الهواء وأجهزة الراديو والتلفزيون. وكنا نبغي من خلال تسليط الضوء على مدى انتشار وسائل الحضارة الحديثة إلى تقدير الوضع الاقتصادي المادي للنساء المشمولات بالدراسة، وبالتالي تكوين فكرة حول مستواهن الطبقي عموماً. أما النواحي الاجتماعية، كان هناك عدد من الأسئلة ذات العلاقة بتحديد أعمار النساء المشمولات بالدراسة، حجم العوائل التي يعشن فيها أو يقدن شؤونها، المستوى التعليمي لهن في المدارس الرسمية، السن عند الزواج، عدد وأعمار الاطفال المولودين للنساء موضوع الدراسة، الوضع الاقتصادي للزواج باعتباره المعيل الرئيس من حيث نوع العمل الذي يقوم بأدائه بانتظام، وحجم الملكية الاقتصادية.

وقد قيس الجانب الاقتصادي للنساء المشمولات بالدراسة من خلال التحقق عما إذا كن اشتغلن لقاء أجر خارج المنزل أم لا، العمل داخل المنزل وحقل العائلة بدون أجر، طبيعة العمل، عدد ساعات العمل، وأخيراً حجم الملكية الشخصية، إن وجدت. أما الجانب الاجتماعي، فقد قيس من خلال التحقق من عدد من الحقوق الامتيازات المترابطة كما هو الحال في مدى الحرية لاختيار القرين، مكان السكن، الصديقات، مواصلة التعليم الرسمي. المهنة، التمتع بأوقات الفراغ، السفر، المبيت، اختيار وشراء ما يرغبن فيه من الملابس، وأخيراً مدى الحرية في مشاهدة برامج التلفزيون أو قراءة إن أمكن ذلك والحديث عما يرغبن في الحديث عنه. ولقياس مدى الشعور بالثقة والأمان والاطمئنان إلى المستقبل، كان هناك سؤال حول ما إذا كانت لدى أي من النساء المشمولات بالدراسة آمال عامة أو خاصة. وعما يرين من قدوة حسنة على الصعيد الشخصي أو العائلي، ومن ثم على الصعيد الاجتماعي أو العام. وقد حاولنا قياس مدى التحرر السياسي للمرأة الريفية من خلال التحقق عن الارتباط بأية جهة أو منظمة سايسية أو جماهيرية، وإن لم يكن، مدى الاشتراك بنشاطات ذات طابع سياسي أو جماهيري، مدى الاطلاع على نشاطات من هذا النوع، وأخيراً، عما إذا كان هنا ثمة اهتمام أو اكتراث بمعرفة شيء عن طبيعة العمل في مثل هذه المنظمات.

العينة:

لأغراض تطبيق هذه الدراسة وبهدف شمول كل أعضاء مجتمع الدراسة بفرض متساوية وعادلة في التمثيل، فقد تم اختيار عينة عشوائية ممثلة (Representative Random Sample) وذلك باستخدام جدول الأرقام العشوائية الخاص في هذا المجال(11). وبالنظر لعدم وجود إحصاءات رسمية دقيقة يمكن الحصول عليها بسهولة، فقد قمنا بالاتصال بأحد وجوه القرية(12) لتزويدنا بقائمة بأسماء عوائل القرية ممن يقيمون في دور منفصلة ومستقلة عن ذويهم. هناك (420) عائلة تم اختاير 5% منهم فقط أو ما يعادل (21) امرأة لأغراض تطبيق الدراسة. وتعتبر هذه النسبة مقبولة علمياً وبخاصة إذا ما كان المجتع بتميز بالتجانس والتماثل كما هو الحال في مجتمع قرية أبو غريب في البصرة.

وفيما يتعلق بالطرق الاحصائية المستخدمة في هذه الدراسة، فنظراً لكونها دراسة وصفية ذات أهداف استقرائية أولية ولصغر حجم المجتمع المشمول بالدراسة. فقد تم استخدام النسب المؤية جنباً إلى جنب مع الاعداد المطلقة حول الخصائص والمؤشرت العامة التي تمكنا من الحصول عليها.

صعوبات الدراسة:

لعل أكثر الصعوبات جدية في مثل هذه المشؤوعات اعليمة هي عدم وجود دراسات ميدانية أو نظرية يمكن الاستدلال بها والبناء عليها. وكان لعدم وجود دراسات سابقة ان اضطررنا لى السير في طريق لا يتبين اوله من آخره. وتأتي بعد ذلك مشكلة موقف اعضاء مجتمع قرية أبو غريب الذي توزع ما بين هؤلاء الذي يتوقعون الحصول على عدد من الامتيازات والمنافع المادية المباشرة وأولئك الذين يشككون في الهدف العلمي للدراسة ويعبرون عن الخوف والتخوف من ان تكون مجرد وسيلة للتلصص على حياتهم البسيطة الآمنة والطرق المحدودة لتحصيل قوتهم وتأمين اسباب معيشتهم. وبالمحصلة، فقد حاول الفريق الأول ممن يتوقع الحصول على عدد من الامتيازات والمنافع المادية المباشرة إظهار التقرب والاطراء وترديد الشعارات. أما الفريق الثاني الذي تصرف على نحو المرتاب، فقد تهرب من الماقبلة أو الح بالسؤال حول مغزى الدراسة وأهدافها الحقيقية، متأملاً في احتمالات استخداماتها المتعددة.

نتائج الدراسة:

فيما يلي نقدم عرضاً موجزاً ومركزاً لنتائج الدراسة الخاصة بمحاولة تحديد آفاق التحرر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للمرأة الريفية بالعراق. وقد اخترنا لأغراض تطبيق الدراسة عينة عشوائية ممثلة تتكون من نسبة معينة من نساء مجتمع قرية أبو غريب في محافظة البصرة. نبدأ اولاً بعرض النتائج الخاصة بمستوى التأثر بالتكنولوجيا الحيدثة باعتبارها  مؤشراً على الخلفية الاقتصادية والمستوى الطبقي لنساء القرية. فيما بعد، نعرض للخلفية الشخصية والاجتماعية للنساء المشمولات بالدراسة.

فيما يتعلق بمستوى التأثر بالتقدم التكنولوجي الذي اصاب المراكز الحضرؤية المتاخمة أو المحيطة بالقرية، ظهر أن هناك تأثر يمكن أن يوصف بأنه كبير نسبياً. فعلى الرغم من قلة مالكي السيارات الكبيرة أو الصغيرة على حد سواء في القرية، وجد أن 90% من سكان القرية يملكون ثلاجات كهربائية وعدداً من المراوح السقفية والمنضدية. وتلا ذلك جهاز التلفيزون الذي وجد لدى ما يقرب من 71% من العوائل التي شملتها الدراسة. ويأتي بعد ذلك انتشار المجمدات التي احتلت نسبة 62% تلتها في ذلك أجهزة الراد-يو والمسجل التي وجدت عند ما يقرب من 57% من العوائل المقيمة في هذه القرية. ويشير انتشار هذا العدد الكبير والحديث من الاجهزة الكهربائية إلى الانتعاش الاقتصادي النسبي للقرية خاصة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار الخلفية الاقتصدية شبه البائسة للقرية قبيل القيام بتأميم النفط في مطلع السبعينا من هذا القرن.

وفيما يتعلق بالخصائص الشخصية للنساء المشمولات بالدراسة، تبين أن أعمارهن تميل إلى أن تكون متقدمة نسبياً. فقد وقع حوالي 76% من هؤلاء النساء في الفئتين العمريتين 41-50 سنة والفئة 51 – فما فوق. ولا تعكس مثل هذه النسبة على نحو ديقيق البناء العمري لسناء القرية بقدر ما تعكس إجراءاً كنا قد قما به عند تحجيد العينة فقد اختيرت العينة على أساس عد أرباب العوائل ممن يقيمون في وحدات سكنية منفصلة ومستقلة عن ذويهم. وأعطى مثل هذا الاختيار كما يبدو الأفضلية للنساء المتقدمات بالعمر من ربات البيوت خاصة وأن مجتمع القرية مجتمع يسود فيه نظام العائلة الممتدة. إذ تبين أن ربات البيوت هن في العادة النساء الأكبر سناً ممن يقمن في بيوت تضم أكثر من جيل، أو على الاقل جيلين من الابناء بعد زواجهم.

وفيما يتعلق بحجم العائلة(13) والذي يحدد عادة في ضوء عدد الافراد الذين يعيشون سوية في وحدة سكنية مستقلة، وجد أنه يميل إلى أن يكون كبيراً نسبياً. فقد حصلت العوائل التي ترواح حجمها 5-8 أفراد على نسبة 62% من مجموع العوائل التي شمتلها لادراسة.

وكما هو متوقع، تميزت الغالبية العظمى للنساء اللواتي شملتهن الدراسة بمستوى تعليمي رسمي واطي جداً(14). فقد بلغت نسبة النساء الأميات من غير المتعلمات إطلاقاً 76%، وكذلك الحال فيما يتعلق بأعمار النساء المشمولات بالدراسة حسب السن عند الزواج. كما ظهر أن الغالبية العظمى منهن تزوجن في سن مبكرة تراوحت ما بين 15 سنة إلى 20 سنة لتسجيل نسبة 76%.

انسجاماً مع النمط السائد في الزواج بين الاقارب ضمن الجماعة القرابية الواحدة وبخاصة الزواج بين أبناء العم وبنات العم. ظهر أن 48% من النساء اللوايت شملتهن الدراسة تزوجن من أبناء عمومتهن. أما النساء اللواتي تزوجن أقارب من نوع آخر ضمن نفس الجماعة فقد سجلن نسبة 43% فيما سجلت النساء اللواتي تزوجن من رجال خارج الجماعة القرابية المباشرة، أي فيما بين أفخاذ العشيرة الواحدة وذلك عن طريق تكوين شكل من أشكال العلاقات العاطفية حوالي 10%.

وعند التحقق عن عدد الأطفال، وإنسجاماً مع ما جاء أعلاه فيما يتعلق بحجم العائلة، سجلت النساء اللواتي يحتضن أكثر من خمسة أطفال نسبة 66% وتشير هذه النسبة إلى ضخام حجم العائلة الواحدة وبالتالي ثقل العبئ الذي يقع على عاتق العائلة عموماً والأم خصوصاً. اما أعمار هؤلاء الأطفال، وخلافاً للتقسيم الدولي المعروف والذي يقع في فئتين رئيسيتين هما فئة الأطفال المعتمدين على ذويهم في سن 15 سنة فما دون، والفئة الثانية وهي فئة الأطفال غير المعتمدين على ذويهم ممن يقعون في سن 15 سنة فما فوق، فإن الغالبية العظمى لنساء قرية أبو غريب يحتضن أطفال تتراوح أعمارهم ما بين 15 سنة فما دون 15 سنة فما فوق على حد سواء. وقد بلغت النسبة في هذا المجال 62%. وتسلط ظاهرة من هذا النوع الضوء على حقيقة أن المرأة الريفية العراقية تميل إلى أن تكون ولودة ما أمكنها ذلك. فلا ريب للمرأة هنا أن تحمل بطفل جديد حتى وإن كان لديها أبناء وبنات في سن الزواج، أو حتى لو أنها أصبحت في حكم الجدة فعلاً.

وفي تقصي الوضع الاقتصادي للزوج باعتباره المعيل الرئيسي، تبين في هذه الدراسة أن هناك نسبة واطئة جداً من الرجال الذين يعملون في مجال العمل الزراعي البحت حيث لا تتعد هذه النسبة 14%. ولعل السبب الرئيسي في ذلك يعود إلى انخفاض العائد الذي يمكن ان يجنيه الإنسان من العمل الزراعي وبخاصة في المناطق الجنوبية من العراق حيث يعتمد- الناس على زراعة النخيل ذات الطابع الموسمي. ولهذا نجد أن 38% من رجال القرية يعملون ككسبة أو عمال مهرة وغير مهرة أو فنيين، فيما يشتغل 29% منهم في مجال العمل العسكري والأمني.

فيما يتعلق بملكية المعيل، وجدنا أن الغالبية العظمى لرجال قرية أبو غريب، إنما يمتلكون ما يمكنهم من مواجهة المتطلبات الضرورية للحياة اليومية مثل قطعة ارض، دار، وحقل للنخيل. بلغت نسبة هؤلاء الرجال 71% من مجموع الرجال الذين شملتهم الدراسة، الا انه لا بد- من ملاحظة أن ملكية هؤلاء الرجال غير كاملة أو نهائية، فهم يقيمون بأراضي أميرية لا يزال معظمها ملك الدولة مما يشكل مصدر قلق جدي لهم ولعوائلهم، بالتأكيد نساءهم.

الجانب الاقتصادي:

في محاولة لتقييم الوضع الاقتصادي القائم للنساء المشمولات بالدراسة، كان لا بد من التحقق عما مارسن ويمارسن من أعمال ونشاطات اقتصادية على نحو يومي. فكان هناك سؤال عما ذاا كان قد عملن لقاءؤ اجر خارج المنزل. وجاء الجواب (لا) بنسبة 100%. ولكن عندما توجهنا بالسؤال عما إذا كن قد عملن بدون أجر داخل أو خارج المنزل بما في ذلك المشروعات الاقتصادية للعائلة، فقد جاء الجواب (نعم) بنسبة 100%.

وفي السؤال عن طبيعة ما يؤدين من أعمال يومية، تبين ان 95% من النساء المشمولات بالدراسة يقمن بأعمال ذات مردود مباشر على العائلة. وتشمل هذه الأعمال الطبخ والعناية بالزواج والأطفال إضافةً إلى العناية بحيوانات العائلة مثل البقر والدجاج مما يتطلب القيام بالتجوال لمسافات طويلة يومياً في الانحاء المتعددة لحقل العائلة والحقول المجاورة لجمع الحشائش وما إلى ذلك لتأمين القوت اليومي لهذه الحيوانات. أما عن مكان العمل، فقد عبرت 90% من النساء المشمولات بالدراسة عن أن الدار هي المكان الرئيسي  لأداء عملهن اليومي. وفيما يتعلق بعدد ساعات العمل، وجد أن 95% من نساء القرية يعملن لوجبتي عمل كل يوم. عموماً، فإن جدول العمل اليومي ينتظم تبعاً لمواقيت الصلاة. فعند الصباح، وبعد الانتهاء من صلاة الفجر في حوالي الساعة الخامسة إلى السادسة صباحاً، تبدأ النساء وجبة العمل الاولى والتي تشمل اطعام حيوانات العائلة، تجهيز الزوج للعمل، وفيما بعد تجهيز الاطفال للذهاب إلى المدرسة. تعقبها بعد ذلك. أعمال الطبخ والتنظيف فعمل الخبز. ومن ثم، في حوالي الساعة الثانية عشر ظهراً إلى الواحدة بعد الظهر، تنهمك النساء بتحضير وجبة طعام لغذاء، تليها عملية غسل الصحون وما يرتبط بذلك حتى يصبح بأمكانهن أخذ قسط من الراحلة بالنوم في فصل الصيف والاستفتاء في موسم الشتاء. وتبدأ وجبة العمل الثانية بعد ذلك في حوالي الساعة الثالثة والنصف إلى الرابعة عصراً متبعة نمطاً مشابهاً حتى الانتهاء في حوالي الساعة الثامنة إلى التاسعة مساءاً. إذا ما أردنا استخدام لغة الارقام، فإن معدل ساعات هؤلاء النساء والذي يجري على نحو لا يعرف الراحة أو الاجازة أو التحلل من الالتزام يتراوح ما بين 10-12 ساعة يومياً.

وفيما تنهمك النساء المشمولات بالدراسة في قرية أبو غريب في هذه السلسلة الطويلة من الاعمال والجهد اليومي الدؤوب، فإن من الملفت للنظر ملاحظة أن 81% منهن لا يملكن شيئاً على الاطلاق. بل إن حياتهن واستقراراهن وشعورهن بالطمأنينة والأمان يعتمد- اعتماداً كلياً على وضع، وغالباً، على مزاج الزوج وأهوائه الشخصية ودرجة التزامه واحترامه لعقد الزوجية. أثناء القيام بتطبيق هذه الدراسة، توفرت الفرصة للقاء بعدد من النساء اللواتي يعانين الويم اقسى حالات التهديد بالطرد من الدار والتشرد وذلك بسبب تغير مزاج الزوج وعدم رغبته في الاستمرار بالحياة الزوجية. الحقيقة، فإن بعض هؤلاء النساء المهددات كن قد ساهمن مساهمة مادية ومباشرة في إقامة وبناء دار العائلة بما يملكن من حلي ذهبية أو قدر من رأس المال الذي حصلن عليه من ذويهن، الا أنهن يجدن أنفسهن اليوم فريسة التهديد بخطر التشرد لحدوث تغير في مزاج الزوج ورغبته بالاقتران من إمرأة أخرى في مجتمع لا يرى حرجاً في ظاهرة تعدد الزوجات، بل ويبررها تماماً.

الجانب الاجتماعي

في محاولة لقياس آفاق التحرر الاجتماعي للمرأة الريفية في قرية أبو غريب، وضعنا قائمة من الاختيارات التي يمكن أن تؤشر مدى تمتع المرأة بعدد من الحقوق الاجتماعية والانسانية الأساسية ذات العالقة بسلامة تكوينها الفكري والنفسي والاجتماعي. وتبين في هذا المجال أن 62% من النساء المشمولات بالدراس وهي نسبة مهمة، عبرن عن الاعتقاد في أنهن تمتعن بحرية اختيار القرين، أي أنهن لم يجربن على الزواج بأزواجهن الحاليين، وأنهن سؤلن عما إذا كن يوافقن على المرشح الفلاني أم العلاني. وفي السؤال عن مدى التمتع بالحرية الشخصية في اختيار مكان السكن، عبرت 76% من هؤلاء النساء عن أنهن يتمتع بحرية اختيار مكان السكن، ما إذا كان مع عائلة الزوج أو بوحدة سكنية مستقلة. الا أنهن عبرن أيضاً عن إدراكهن لأهمية الوضع الاقتصادي الذي يضطرهن للسكن مع عائلة الزوج والتخلي عن طموحاتهن بسكن مستقل وبخاصة في السنوات المبكرة للزواج. بل إن بعض هؤلاء النساء صرحن بأنهن اخترن البقاء مع عائلة الزوج ريثما تتوفر الظروف والامكانات الاقتصادية التي يمكن أن تساعد على الشروع بتكوين سكن مستقل. من الناحية الثانية، عبر عدد من هؤلاء النساء عن أنهن سيسعين للحصول على سكن مستقل بعد ولادة عدد من الأطفال في العائلة وبلوغهم سناً تسمح بالتحرر من العناية المباشرة والمركزة لهم. يتضح من هذه الاجوبة أن هؤلاء النساء يفكرن تفكيراً عقلانياً يقوم على حسابات دقيقة. فهن يستخدمن الامكانات العائلية والمادية المتاحة بطريقة مخطة ومنظمة وبالطريقة التي تخدم مصالحهن كربات عوائل مسؤولات.

في التحقق عن مدى التمتع بحرية اختيار الصديقات والتزاور معهن، عبرت الغالبية العظمى من النساء المشمولات بالدراسة أو 81% منهن عن عدم تمتعهن بحق من هذا النوع. فالعائلة، ما إذا كانت عائلة الأب أو عائلة الزوج تلعب دوراً مهماً لتحديد مدى مقبولية أي صديقة يمكن السماح بالتودد معها. بل إن الضغط الاجتماعي المفروض على بعض النساء بدا كبيراً إلى درجة أنهن عبرن عن عدم الالفة مع مفهوم الصديقة والصداقة بدءاً. وقد يكون للتشدد من الموقف من مفهوم الصديقة جانب أخلاقي من نوع ما. فالصديقات المقبولات للمرأة الريفية قريباتها وجاراتها، وهذه مسألة تخضع لنظام العلاقات العائلية المتشابكة للجماعة القرابية المقيمة في أي بقعة من بقاع القرية.

أما حق مواصلة التعليم في المدارس الرسمية فهو الآخر من الحقوق التي تخضع لاعتبارات اجتماعية مهمة. ومع أن 57% من النساء المشمولات بالدراسة عبرن عن عدم وجود عقبة تواجههن في هذا المجال، الا أن عدداً مهماً من هؤلاء النساء عبرن أيضاً عن الاعتقاد في أن التقبل الايجابي لرغبتهن الفردية في مواصلة التعليم لا بد أن ينسجم مع درجة التقبل الاجتماعي لسكان القرية أو اعضاء الجماعة. وينطوي مثل هذا التقبل الاجتماعي على تشجيع النساء على التسجيل في مراكز أو المدارس الخاصة بمحو الامية التي تم تنظيمها من قبل الدولة. ما أن يحدث شيء من هذا النوع، أي أن يشيع التقبل الاجتماعي لأي سبب كان، حتى يعم ليستأثر بموافقة الاب أو الزوج والعم والعمة وباقي أفراد العائلة.

الا أن الوضع لم يكن على حاله بقدر ما يتعلق الأمر بحق المرأة في اختيار المهنة التي ترغب بامتهانها. فقد عبر 86% من النساء المشمولات بالدراسة عن أنهن لا يستطعن اختيار المهنة التي يرغبن بها خارج رغبة العائلة وبصورة خاصة، خارج رغبة الزوج، إذا ما تطلب ذلك العمل لقاء أجر خارج المنزل.

وفيما يتعلق بمدى القدرة على التمتع بأوقات الفراغ، عبر ما يقرب من 100% من النساء المشمولات بالدراسة عن قدرتهن على التمتع بأوقات فراغهن على مزاجهز. الا أن الغالبية العظمى من هؤلاء النساء عبرن أيضاً عن الميل للقيام بما يخدم العائلة ويعزز إيراداتها الاقتصادية في مثل هذه الاوقات كما هو الحال بخياطة الملابس والحياكة، وفي أحايين قليلة، الاستلقاء أو التزاور مع الجارات والقريبات.

انعكس حجم الضغوط الاجتماعية المفروضة على المرأة الريفية بطاقته القصوى عندما آن الأوان للتحقق عن مدى تمتعهن بحرية السفر والمبيت خارج المنزل. وهنا عبرت 100% من النساء المشمولات بالدراسة عن عدم تمتعهن بمثل هذين الامتيازين. يستثنى من ذلك، السفر والمبيت برفقة الزوج أو أي عضو آخر من أعضاء العائلة أو جماع معروفة من نساء القرية. يلاحظ، أنه لا يشجع على السفر بحد- ذاته الا لزيارة الأهل والأقارب. ولما كان معظم هؤلاء يعيشون في أمكان متقاربة ضمن حدود القرية ذاتها فإنه غالباً ما تنتفي الحاجة بل والرغبة في ممارسة نشاط اجتماعي من هذا النوع. فيما عدا ذلك، فإنه يسمح بالسفر والمبيت عند الضرورة لزيارة المراقد المقدسة وبخاصة في مواسم الزيارة التي تتبع تقاويم دينية معروفة وضمن الأوساط الاجتماعية المحددة أعلاه. الا أن مما تجدر الإشارة إليه، فإن الغالبية العظمى من النساء المشمولات بالدارسة عبرن بصورة أو بأخرى عن قناعتهن الذاتية وعن رغبتهن في الامتناع عن السفر والمبيت بمفردهن انسجاماً مع رأي ورغبة الجماعة. وهو أمر يرتبط بالحصار المتماسك المطبق الذي يفرضه مجتمع القرية ضد أي محاولة للتمرد في هذا المجال. ويستند مثل هذا الحصار إلى مختلف وسائل التنشئة والتطبيع والتوجيه والمراقبة ونظم العقوبة والجزاء وما إلى ذلك مما يمكن الركون إليه لضمان عدم الخروج عما تراه الجماعة مناسباً وصحيحاً.

في مجال حق اختيار ما ترغب النساء بأرتدائه أو اقتنائه من الثياب، تبين أن ما لا يقل عن 66% من النساء المشمولات بالدارسة يتبعن بذلك رغبة وأهواء واختيار ومزاج ازواجهن. ويقوم الازواج عادة باقتناء ما يرونه مناسباً من الثياب لزوجاتهم من حيث الألوان والنوعية بل ويقومون بالتعبير عن الرغبة في تصاميم معينة دون سواها. أما البقية الباقية من النساء، أي حوالي 29% منهن، فقد عبرن عن التمتع بحق التسوق وشراء ما يرغبن بشرائه بأنفسهن مباشرة أو برفقة أزواجهن للتشاور على سبيل الاستئناس، ليس الا.

وفي مجال مشاهدة برامج التلفزيون وقراءة الصحف لمن يمكنهن ذلك. والحديث فيما يرغبن في الحديث عنه، فقد عبرت الغالبية العظمى، (حوالي 90%) عن عدم وجود ضغوط في هذا المجال. فهن يشاهدن ما يرغبن بمشاهدته من برامج التلفزيون وبخاصة متابعة المسلسلات التلفزيونية العديدة، غالباً، برفقة أزواجهن عند المساء، ويتحدثن فيما يرغبن بالتحدث عنه، آخذات بنظر الاعتبار حدودهن المرسومة بوضوح.

وبهدف تسليط الضوء على جانب آخر من جوانب الحياة الاجتماعية لسناء قرية أبو غريب، تم الاستفسار عما إذا كان هناك ثمة أماني محددة لهؤلاء النساء بعد عشر سنوات من لحظة توجيه السؤال. وكانت ردة الفعل الاولية هنا قد تمثلت بموجة من الاستغراب والحيرة لارتباط ما يمكن أن يحدث –بمنظور النساء- بارادة الله سبحانه وتعالى التي لا مكن التنبؤ بها أو استباقها. بل إن سؤالاً من هذا النوع بدا كما لو أنه كان شهاب نازل من السماء لا يفقهن مأربه أو مسراه. ولكن، عندما اعيدت صياغة سؤال بطريقة تستشف صورةً من صور التأمل في المستقبل، عبرت لغالبية العظمى، أي حوالي 86% من النساء المشمولات بالدراسة عن الرغبة بتحقيق أماني عامة جداً تراوحت ما بين الغربة بتأمين وضع اقتصادي أفضل إلى الرغبة بتحقيق شعور أقوى بالاستقرار السياسي، بقدر ما يؤثر ذلك بصورة مباشرة على العائلة والاطفال. هذا فيما عبر حوالي 10% من هؤلاء النساء عن عدم الرغبة في الحصول على أي امنية معينة على وجه التحديد مما قد يقول شيئاً عن مدى الشعور بالتفاؤل بالمستقبل، الذي يظهر أنه ضئيل جداً لدى هذه النسبة من النساء.

وفي التقصي عما إذا كان لدى هؤلاء قدوة حسنة على الصعيد الشخصي والعائلي، اختار 57% منهن الزوج مثلاً لذلك. وعبرت 19%، وهي نسبة جيدة، على اعتمادهن على أنفسهن لقيادة وإدارة شؤون حياتهن العائلية والشخصية. ولم يكن هناك ما يمكن الإشارة إليه على الصعيد الاجتماعي العام مما يشير إلى درجة انغلاق المجتمع الريفي على ذاته دون العوالم الاجتماعية والثقافية المحيطة.

الجانب السياسي

في البحث عن آفاق التحرر السياسي ذي العلاقة الوثيقة بآفاق التحرر الاقتصادي والاجتماعي، تبين كما هو متوقع أن 100% من النساء المشمولات بالدراسة لم يرتبطن بمنظمة سياسية أو جماهيرية على الاطلاق، في أي وقت من الاوقات، طيلة حياتهن. وأن النسبة ذاتها تقريباً، عبرت عن حقيقة أنها لم تشترك في أي نشاط سياسي أو جماهيري البتة. كما أنهن لم يطلعن على نشاط سياسي جماهيري اطلاقاً. الا إن نسبة واطئة حوالي 29% من هؤلاء النساء عبرن عن الرغبة في تعلم شيء عن طبيعة العمل في منظمات من هذا النوع إذا ما طرق الدار طارق، أو تطوع قادم ببعض المعلومات المجانية. وفي محاولة لاستقراء اسباب ظاهرة من هذا النوع، عبر عدد قليل من النساء ببلغة عن جوهر المشكلة بقولهن: "عن من لا يعرف القراءة والكتابة لا يمكنه أن ينخرط في مثل هذه المنظمات". وبهذا التعليق الذي بدا بسيطاً ومباشراً في مظهره الخارجي، عبرت هؤلاء النساء عن موقف نقدي لاذع لطبيعة تنظيم العمل في مثل هذه المنظمات. فالمرأة الريفية لا تجد جدوى في محاولة العمل في منظمات سياسية أو جماهيرية ما دامت هذه المنظمات مصممة لاستقطاب وتأمين مصالح شرائح مخارة من السكان مثل المتعلمين تعليماً رسمياً والمشتغلين لقاء أجر، أو بلكمات اخرى، سكان المناطق الحضرية حصراً. بالنتيجة، غالباً ما تفشل مثل هذه المنظمات بسبب الفجوات الكامنة في تصميمها الداخلي عن القدرة إلى الوصول، أو حتى لفت اهتمام النساء في الريف اللواتي يتميزن من بين ما يتميزن به، بنظام مرن في ادارة شؤون حياتهن اليومية.

الخاتمة:

في هذه الدراسة التي حاولنا فيها قياس آفاق التحرر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للمرأة الريفية بالعراق، يتضح مما استطعنا الحصول عليه من معلومات ميدانية في قرية تقع في عمق الريف العراقي، ان النساء الريفيات يفترقن لأي ضمانة اقتصادية حقيقية خارج قدرتهن البدنية والفكرية على العمل اليومي المثابر. فالبرغم من مساهمتهن الواضحة في إدارة شؤون العائلة بدليل عملهن بدون أجر لما يتراوح ما بين 10-12 ساعة يومياً، فإنهن لا يملكن شيئاً على الاطلاق حتى ضمن العوائل الميسورة التي لديها قدر من الملكية العائلية. وهذا ما يجعل نساء القرية معتمدات بصورة تكاد تكون كلي على ازواجهن وتحمل تبعة مثل هذا الاعتماد، فعندما يتغير مزاج الزوج، فإنه سرعان ما يستخدم سلطته الاقتصادية ليهدد الزوجة بالطرد ويعرضها لخطر التشرد أو القبول باحتمال تعسفه بالتصرف بشؤون العائلة على هواه كما هو الحال بالامتناع عن تجهيز العائلة بمستلزماتها المادية وقضاء حاجاتها الاقتصادية والاجتماعية إضافة إلى احتمال قيامه بالاساءة إلى الزوجة والاطفال بتوجيه مختلف أنواع الاهانات بل وحتى ممارسة مختلف أشكال العنف مثل الضرب ضدها.

على الصعيد الاجتماعي، تبين في هذه الدراسة أن المرأة الريفية تحيا حياة يعوزها الكثير من مقومات تطوير الوعي الشخصي والاجتماعي لدورها ومكانتها كإنسان. فبالرغم من التغييرات المادية والتكنولوجية الحديثة والكثيرة التي جلبت الكهرباء والماء الصافي وساعدت على التوسع باستخدام عدد من الاجهزة الكهربائية المهمة مثل الثلاجة والتلفزيون والراديو والمراوح وما إلى ذلك. الا انها لا تزال تقود حياة تتحكم فيها إرادة العائلة ومجتمع القرية حتى على صعيد الحق في اختيار الصديقات الشخصيات، العمل الذي ترغب في ممارسته، السفر، اقتناء الملابس وما إلى ذلك من حاجات خاصة. ويبدو أن هذا النوع من الحياة الهامشية المعزولة التي تحياها النساء الريفيات برغم العديد من التغيرات المادية في عالمهن المحدود هو الذي اضطر الغالبية العظمى منهن على الاكتفاء بالتعبير عن عدد من الاماني العامة ذات العلاقة بالامن الاقتصادي والاستقرار السياسي وسلامة العائلة والاطفال. فعند-ما يكون هناك الكثير مما يعوز الإنسان في حياته، فإن من المحتمل أن ينزع إلى مجرد التطلع لكل ما هو عام وشامل دون التركيز على أمنية محددة على وجه التعيين. وفي هذا العالم المعزول الذي يتحياه المرأة الريفية، كان متوقعاً ألا ترى أحداً غير الزوج قدوة حسنة في حياتها. فهي تعتمد عليه كليةً وترتبط به ولا تختلط بسواه ولا تعرف غيره، ليس بسبب اختيارها الشخصي وإنما بسبب طريقة المجتمع الريفي التقليدي في تنظيم شؤون الحياة الاجتماعية التي تجعل من المرأة محمية من المحيمات، إذا صح التعبير.

وبالتأكيد، فقد بدت النتائج ذات العلاقة بالجانب السياسي منسجمة مع ما تقدم أعلاه. فقد تغيبت المرأة الريفية كليةً عن ساحة العمل السياسي التي بدت هي الأخرى مصممة لنوع آخر من النساء وربما أكثرية من الرجال الذي يعيشون في عدد من مراكز المدن والحواضر المتعددة. إذا ما استطعنا تعميم ما حصلنا عليه من معلومات في هذه القرية العراقية على عموم الريف العراقي. فإننا نستطيع القول أن للمرأة الريفية في العراق آفاقاً محدودة جداً على التحرر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في ظل القيود الكثيرة المفروضة على حرية الحركة وحرية الاختيار. بل إن هذا الوضع يبدو أكثر مدعاة على الشعور بالكآبة إذا ما ربطناه بالمصاعب المادية غير المادية في ظل الحصار متعدد الأبعاد الذي كان مفروضاً على المجتمع العراقي آنذاك من قبل الامم المتحدة. كما يمكن أن نخلص إلى القول أن التغير المادي أحدث اختلافاً مظهرياً صار فيه التلفزيون والسيارة، بل وحتى الهاتف حاجات أساسية، الا أنه لم يمس بعد أنماط التفكير والقيم الاجتماعية. ولعل القيود على الحرية الشخصية ظهرت على أوضح ما يكون في تعبير أكثرية نساء القرية عن اكتفائهن بما يجري وانخفاض علو آمالهن وطموحاتهن الشخصية. فالحياة هنا تجري بسكينة وهدوء وتساؤل خجول على المجهول وعما يعنيه، مع الاستعداد إلى العودة إلى حيث ما جاءت به أولاً.

 

 

 

المصادر:

..................

1) انظر مثلاً البحث الذي قدم إلى المؤتمر التعاوني الزراعي الثاني المنعقد في بغداد للفترة 30/6 لغاية 4/7/1076 من قبل الاتحاد العام لنساء العراق/ سكرتارية الدراسات والبحوث بعنوان "دور المرأة الريفية في التعاونيات الزراعية".

2) انظر البحث الذي قدم إلى المؤتمر الفني الدوري الثالث لاتحاد المهندسين الزراعيين العرب المنعقد في بغداد للفترة من 14-20 آذار 1977 من قبل الاتحاد العام لنساء العراق/ سكرتارية الدراسات والبحوث بعنوان "المرأة العربية وبعض العوامل المؤثرة في دورها في التنمية الريفية".

3) انظر عمار، حامد، "مداخل التخطيط الاجتماعي لتنمية المرأة في الريف في الوطن العربي"، بحث مقدم إلى ندوة تنمية المرأة الريفية في الوطن العربي في الأردن (علان) (القصبة، تونس في فيفري: شركة فنون الرسم والنشر والصحافة، 1985، ص43-65).

4. Berger, Morroe, The Arab World Today (First Edition) (Garden City, N.Y: Doubleday, 1962, pp. 1-79); Menon, Lndu., "Education of Muslim Women: Tradition versus Modernity": in George Kurian and Ratna Ghosh (eds.) Women in Family and the Economy: International Comparative Survey (Westport Conn: Greenwood Press. 1981, pp. 107-115): Rosen, Bernard, Developing Societies (New York: Aldine Publishing Company, 1982, pp. 25-75): Standing, Guy, Labour Force Participation and Development (second Edition) (Geneva: International Labour Organization, 1982, pp. 25-125).

5. Gerth, H. H. and C. Wright Mills (eds.) from Max Weber: Essays in Sociology (New York: Oxford University Prees, 1946, pp. 46-50)

6. Women's Studies Collective. Women's Realities, Women's Oxford University Press, 1983, p. 4.

7) الطاهر، عبد الجليل، العشائر العراقية (الجزء الأول) (بغداد: جامعة بغداد، 1972، ص 316).

8) السيد عبد الحر بادع حسين.

9. Lerner, Gerda. The Creation of Patriarchy (New York: Oxford University Press. 1986, pp. 236-237).

10) أشار الدكتور حامد عمار إلى ظاهرة انتشار وسائل الحضارة الحديثة في الريف باعتبارها مؤشراً على انقضاء عصر الاكتفاء الذاتي والحاجة إلى كثافة في رأس المال وذلك في بحثه المقدم إلى ندوة تنمية المرأة الريفية في الوطن العربي المنعقد في الأردن – علان والذي جاء بعنوان، "مداخل التخطيط الاجتماعي لتنمية المرأة في الريف"، 1982.

11. Pagano, Robert R. Understanding Statistics in the Behavioral Sciences (St. Paul: West Publishing Company, 1981, Table J. pp. 5480549)>

12) السيد عبد الحر بدع حسين.

13. Shryock, Henry S., Jacob S. Siegel and Associattes (Condensed Edition by Edward G. Stockwell). The Methods and Materials of Demography (New York: Academic Press, 1976, pp. 173).

14) لأغراض قياس مستوى التعليم في المدارس الرسمية، اعتمدنا على التعريف الوطني الذي يتبناه العراق والذي كان قد اقترح اصلاً من قبل هيئة الأمم المتحدة لعام 1967ز ويشمل التعريف الوطني عدداً من الفئات التعليمية حسب المرحلة الدراسية في مؤسسات التعليم بدءاًمن أمي، ابتدائي، ثانوي، جامعي... الخ.

 

 

.........................

(*) كلية الآداب، جامعة بغداد