الحضارية «دراسات اجتماعية»

السبت : 08/05/2010                                

 

 

 

الإبداع والوعي والتقليد

 

فيصل درّاج (*)

 

 

 

 

يشير الإبداع فلسفياً إلى الإنسان ككائن نوعي، يحقّق جوهره بما صنع وأنجز، متطلّعاً إلى عالم من إبداعه، لا يكف عن النمو والتغيّر. وبما أن الإنسان يتكوّن في تاريخ بشري بصيغة الجمع، قبل أن يوجد في النظريات الفلسفية، فإن إبداعه الحقيقي يصدر عن التنافس مع غيره، مما يعين الإبداع انعكاساً للجوهر الإنساني وضرورة حياتية لا يمكن تجاهلها. وما تعبير "الشعوب التاريخية"، كما تعبير "شعوب بلا تاريخ"، الذي قال به بعض المستشرقين وبعض علماء الأنتربولوجيا، إلا إشارة إلى هذا التنافس المبدع، الذي حكم مصائر البشرية، منذ زمن طويل، ولا يزال.

1- الإبداع والتقليد: ملاحظات أولية:

يحيل الإبداع: على جهد إنساني نوعي للوصول إلى موضوع غير مسبوق، يلبّي حاجة موضوعية فرضتها شروط الحياة المستجدة، أو أملاها تنافس إلزامي مع آخر أكثر تفوقاً. ومهما تكن الأسباب التي تأمر بالإبداع، فإن فيه ما يدلل على جوهر الإنسان، الذي يتجلى في الموضوع المبدَع، الذين يعيّن الإنسان كائناً نوعياً لديه من الإمكانيات ما يميّزه من غيره من الكائنات.

ففي داخل الإنسان توق مستمر إلى إعمار الأرض بآثاره، ملبّياً نداء الفضيلة إن كان فاضلاً، ومنصاعاً إلى نقائض ذلك، إن خاصم الفضيلة. يقول فؤاد زكريا وهو يقدم "جمهورية أفلاطون": "إن العمل الذي يقوم به كل شخص، إنما هو تعبير عمّا هو كائن في طبيعته". ينطوي القول على فكرتين تمسّان الإنسان السويّ ونقيضه: فالإنسان السويّ نزاع إلى الفضيلة، يجتهد في صنع الأسباب التي تفضي إليها، وهو ما وضع فيه فكرة "المدينة الفاضلة"، التي أعطاها الفارابي صيغة إسلامية، واخترع لها لاحقاً الإنجليزي توماس مور اسماً محدداً هو "اليوتوبيا"، أي اللامكان. بيد أن ما يبدعه الإنسان، أو يتوق إلى إبداعه، لا ينفصل عما هو كائن في طبيعته، كأن ينجز ما يخدم الشر إن كان نزّاعاً إليه، أو يلتفت إلى نصرة الخير إن كان معادياً للشر.

يردّ الإبداع نظرياً: إلى نسقين من الرؤى والتصورات، يكتفي أحدهما بالتقليد والمحاكاة قابلاً بـ: الموجود والحاضر والثابت والمعطى..، ويحتفي ثانيهما بـ: المتحول والمتجدّد والمجهول والمحتجب.. والسؤال في قراره هو الاحتفاء بالمعرفة، التي توسّع مكان الإنسان وزمانه، وبالإنسان المبدع، الذي يبرهن عن ماهيته في الموضوع الذي أبدعه قبل سواه. فالإبداع لا يلبي حاجات الإنسان فقط، بل أنه الحيّز الملموس الذي يطور الإنسان وآفاقه، كما لو كان الإنسان يعيد اكتشاف ذاته وهو يكتشف موضوعاً جديداً. وما تعابير "مغامرة العقل" و"الإنسان الصانع" و"جمالية الاكتشاف" إلا إحالات متواترة على العقل المتسائل، الذي يظفر بإجابة غير معروفة، وعلى الإنسان المفكّر الذي يأتي بإجابات توافق رحابة الحياة واتساعها.

لا تعني جمالية الإبداع أن الإنسان قادر على الخلق من عدم، ذلك أن الإبداع، مهما كانت حدوده، استئناف نوعي لما هو معطى، نقد له وإعادة بناء وتنظيم، من وجهة نظر جديدة، أو إنتاج له وفقاً لتصورات جديدة. وبهذا المعنى فإن فهم المعطى ووعي دلالته شرط لا بدّ منه من أجل الإبداع الحقيقي، ممّا يعطي الإبداع أكثر من دلالة، كأن يُستهل الإبداع بتعامل مبدع مع ما هو قائم ومعطى وموروث، يربط بين المعطى وتاريخه والموروث وسياقه والقائم وضروراته. ومن هذا التصور الإبداعي، الذي يحترم المعطى ولا يبخس الموروث حقه، يأتي الإبداع اللاحق، الذي يضع المعطى في بنية جديدة. ولهذا فإن تعابير الخلق والانبثاق والابتكار لا معنى لها إن لم تتخذ لها من المعطى قاعدة ومنطلقاً. ولعل هذا الفصل بين الجديد الحقيقي والجديد الزائف، هو الذي يحمل بعض العقول الثاقبة على استعمال كلمة: إنتاج، التي تعني أن الإبداع في التعامل مع المعطى هو الإبداع الحقيقي، وأن لا وجود لزمن مبدع بلا احتفاء بالأزمنة التي سبقته.

يفصل تاريخ المعرفة، من حيث هو تبدّل وتحوّل، بين الإبداع الزائف والإبداع الحقيقي، فالأخير لا يقول بـ"القطع الكلي"، سواء في الحقول المعرفية أو في القضايا الاجتماعية والسياسية. فكل إبداع أثر لمراحل متتابعة من الجهود الإبداعية التي سبقته، وبداية جديدة لأشكال لاحقة من الإبداع. ينطوي هذا التصور على نتيجتين مترابطتين، ترى الأولى منهما أن كل إبداع إنساني هو محصلة لجملة جهود كيفية، فلا إبداع بالمفرد، حتى لو بدا إبداعه فردياً. فقد استند ابن خلدون في "مقدمته" الشهيرة إلى معلومات ومعارف سبقته، وقام بتنظيمها وتأويلها بمنظور جديد، مثلما أن فيزياء أينشتاين غير ممكنة بلا فيزياء نيوتن التي جاءت قبله. وتقول النتيجة الثانية: لا يحيل الإبداع على حاضر مكتفٍ بذاته، ففيه أزمنة متعددة سابقة عليه. فمثلما أن الإبداع لا يتعرّف بالمفرد، حتى لو ارتبط اسمه بفرد، فإن الإبداع لا ينتسب فقط إلى الزمن المباشر الذي "انبثق" فيه؛ لأن أزمنة سابقة هيأت شروطه وجعلته ممكناً. لا ينكر القول هذا دور الفرد والأفراد المتميزين من غيرهم، إنما يرفض أن يضع الإبداع في صيغة المفرد؛ لأنه أثر نهائي لمجموع من الأفراد المتميزين.

يتضمن الإبداع بعداً ملازماً له، يمكن أن يدعي: أخلاقية العملية الإبداعية، التي تؤكد ذاتها في جملة من القيم والأعراف والمقولات. فإذا كان الاعتراف بقيمة العقل مرجعاً لمن شاء أن يضيف إلى موروثه معطى جديداً، فإن صاحب العقل يستعمل عقله مؤمناً بذاته وبغيره وبفضائل الأجيال المتلاحقة. فلا إبداع، إلا بالاعتراف بالمبدعين الآخرين وبجهودهم المتنوعة. وعن هذا الاعتراف، الذي لا ينصّب أحد فيه مرجعاً لغيره، تصدر فضيلة الحوار، التي تحوّل الشوق الفردي إلى أشواق متعدد فاضلة، وتصيّر العقل المتسائل إلى جملة من العقول. وبداهة، فإن القول بالمتعدد يعني القول بنسبية المعرفية، وإلاّ لما تطوّرت وتقدّمت، ويعني أيضاً أن المفرد المبدع لا يصل وحيداً إلى ما وصل إليه. يبدأ السؤال معرفياً، إن صحّ القول، ويكشف لاحقاً عن سؤال أخلاقي، يتحدث عن التضامن والتواضع العارف والابتداء من "آخرين"، بغية الوصول إلى "آخرين" جدد. وعلى هذا، فإن في الأخلاقية الإبداعية اعترافاً مزدوجاً، يرتبط أولهما بالأحياء الذين يقاسمون المبدع أسئلته، ويرتبط ثانيهم بالمبدعين الأموات، الذين يتوجه إليهم المبدع الحي بالعرفان والوفاء.

يستلزم الإبداع شروطاً عملية تجعله ممكناً، تتجاوز الأفراد, وتحدّد الإبداع علاقة اجتماعية، فلا إبداع إلا داخل المجتمع, ومن أجل غايات اجتماعية. لهذا تشكل الحوارية الاجتماعية، أو الحوار المجتمعي، أساساً للإبداع المحتمل، حيث الفرد المبدع يعترف بغيره، بقدر ما يعترف المجتمع بضرورة الجديد والتجديد. فلا حظ للجديد في مجتمع يحتفي بالقديم ويعرض عن المكتَشَف (بفتح الشين)، معتقداً أن في قبول الجديد مساساً بالقديم وإنقاصاً من قيمته. إضافة إلى ذلك فإن قَصْرَ الإبداع على زمن دون غيره يجعل من عقول الأحياء كماً نافلاً لا ضرورة له، ويثبّت المجتمع في زمن ثابت يبدّد معنى الزمن والعقل الإنساني. إن تكريم الأجيال السابقة يكون في تطوير واستئناف إبداعها، وتعيين إبداعها مصدراً مفتوحاً لإبداع لا يشيخ، ففي هذا الإبداع تظل الأجيال حيّة ودائمة الحضور، حتى لو انتسبت إلى أزمنة بعيدة.

يحتاج الإبداع، من حيث هو علاقة اجتماعية، إلى أدوات مشخصة تنقله من إمكانيته المجردة إلى إمكانية مشخصة. فالعلم، على سبيل المثال، يحتاج إلى مؤسسات متنوّعة، تحوّله إلى تقنية وقوة منتجة. يحيل العلم، نظرياً، إلى العالم الذي اكتشف ما لم يكتشفه غيره، ويحيل الأخير بدوره إلى الأدوات المادية، التي تعطي اكتشافه شكلاً مشخصاً. وهذا الواقع الذي يصل بين المفرد الموهوب والمؤسسات التي يحتاجها، هو الذي أنتج: السياسة العلمية، التي ترى العلم في مؤسسات علمية ومؤسسات متعددة متوازية. وقد أعطى تاريخ التقدم العلمي نموذجين على رعاية الإبداع وتأمين حاجاته، تأخذ في أحدهما الدولة دور المرجع الأساسي، وتحتل في ثانيهما المؤسسات الاجتماعية دوراً واسعاً، يكمل دور الدولة ولا يعارضه.

يتكشّف دور الدولة، بالمعنى الوصفي، في أجهزتها العلمية المختلفة، التي تتضمن المدرسة والجامعة والمعاهد العلمية والمنشورات والمخابر والهيئات.... بيد أن الدور الحقيقي يقوم في موقع آخر أكثر أهمية، عنوانه الأكبر: ماهية المناهج المختلفة التي تصوغ العقل, وتبني الشخصية, وتنشئ منظوراً معيناً للعلم والحياة والمعرفة. لا يقوم السؤال في المواضيع المقرّرة على التلميذ، علوماً إنسانية كانت أم علوماً دقيقة، بل في المنهج الذي ينتج عقلية تذهب إلى الإبداع أو تعرض عنه. فهذه العقلية تذهب إلى الإبداع حين تصل بين النظري والعملي، المعروف والمجهول، المعرفة والحاجة، وبين أجناس المعرفة المختلفة. ذلك أن العصر الذي نعيش يأمر بما يدعى بـ"المعرفة البيْنية"، التي تربط بين أنظمة معرفية متنوعة، أي بين جهود عارفة لا تختصر إلى شخص مفرد ولا إلى علم مفرد أيضاً. أما العقلية التي تحتفي بالتقليد، أو الاتباع، فهي تلك التي تصادر المجهول والمحتمل وتفصل بين مضمون الكتب وأسئلة الحياة، كما لو كانت المعرفة اجتهاداً كُتُبياً، يبدأ من الكتب ويستقر فيها.

وعلى هذا، فإن الإبداع علاقة مركّبة متعددة الأبعاد، تستدعي التاريخ والمجتمع ومناهج التفكير والنظر. فلا معرفة بدون تاريخ معرفي محدد يستعيده المبدعون ويحاورونه. وبدون مجتمع يؤمن بأن في الطبيعة ما ينبغي اكتشافه وتحسين المعرفة الخاصة به.

2- الإبداع والتقليد و"الآخر":

يطرح الإبداع جملة من الأسئلة الخاصة بكل مجتمع على حدة، تقرأ فيه العلاقة بين البنية الاجتماعية والأيديولوجيات المندرجة فيه، التي تُكْبر الإبداع أو ترغّب بالتقليد. بيد أن المجتمع الكوني الراهن، الذي أطلق عليه البعض صفة لا تعني شيئاً هي "القرية العالمية"، يطرح بدوره، وبطريقة خاصة به، أسئلة محددة تخص الاتباع والإبداع. فهذا المجتمع الكوني يتصف باللاتجانس وبعدم التكافؤ في تطور مجتمعاته المختلفة، بل بهوة سحيقة بين مجتمعات وأخرى، الأمر الذي حمل بعض علماء الاقتصاد والسياسة على الحديث عن: عالم أول وعالم ثانٍ وعالم ثالث وعالم رابع.... أي عن جملة عوالم تعيش في عالم واحد، قانونه الأساسي هو: اللاتكافؤ والفروق الشديدة.

يعطي العالم اللامتكافئ، ومنذ فترة طويلة، لسؤال الإبداع صياغة معينة، تأمر الطرف "المحدود الإبداع" بالتعلّم من طرف مبدع متفوق عليه. كأن يرسل محمد علي باشا، الذي حكم مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ببعثات علمية إلى فرنسا، "تتعلّم الإبداع" وتعود إليه بمعارف وخبرات يؤسس عليها "إبداعاً خاصاً" به. ليس في الأمر نظرياً، خطأ أو نقيصة، طالما أن في الذاهب إلى المعرفة ميلاً إلى الإبداع والمبدعين. غير أن السؤال النظري يفقد براءته لاحقاً؛ لأن للطرف المتفوق قوانينه، مثلما أن هناك معايير تحاصر الطرف الذاهب إليه. وأول هذه المعايير، أو القوانين ربما، فتنة المنتصر، التي تشلّ في الطرف الضعيف القدرة على المحاكمة المستقلة الصائبة، وتوهمه أنه قادر على الوصول إلى ما وصل إليه الطرف الذي يقوم بمحاكاته. فلم يرسل محمد علي ببعثاته المتعددة إلى فرنسا، إلا لأنه كان معجباً بـ"بونابرت"، وما حقّقه من انتصارات كثيرة.

وواقع الأمر أن في مقولة "فتنة المنتصر" تناقضاً مؤسياً، ذلك أنها توهم الطرف الضعيف بأن محاكاة المنتصر تفضي إلى تحقيق إنجازه والانتصار عليه، علماً أن المنتصر الوحيد، في هذه المحاكاة، هو المنتصر الأول الذي لا يحاكي أحداً. فالمنتصر الأول أنجز نموذجاً إبداعياً خاصاً به يلبي حاجات محددة في سياق وإمكانيات محددة، أي أنها مرتبطة كلياً بمجتمع له مزاياه وما يفصل عن غيره. بهذا المعنى، فإن الطرف الضعيف، الساعي إلى الإبداع، لن يحقّق ما يسعى إليه إلا إذا أنشأ نموذجاً إبداعياً مستقلاً وخاصاً به، لا يعيد إنتاج نموذج غيره. وإعادة الإنتاج هذه مستحيلة على أية حال؛ لأنها إعلان عن هزيمة الضعيف, وانتصار صاحب النموذج الأصلي، الذي يفرض ذاته نموذجاً مسيطراً.

وقد تضعنا "فتنة المنتصر"، على المستوى الأدبي، أمام رواية غسان كنفاني: "عائد إلى حيفا"، التي توهّم فيها كنفاني أن الفلسطيني قادر على هزيمة الصهيوني، إن أخذ بانضباطه وإيمانيته، ناسياً أن السؤال لا يحيل على "الأخلاقيات"، بل على ميزان القوى، وأن جوهر هذا السؤال مرتبط الارتباط كله بإنشاء "نموذج كفاحي"، يتمتع بأخلاقيات ومعايير وسبل مستقلة عن غيره. فعلى الطرف الضعيف أن يبدع أدوات تختلف عن أدوات المتفوقين عليه، بل أن إبداعه كله يتمثّل في تحقيق استقلاله الذاتي، على مستوى الفعل والنظر، الذي هو الشرط الأساسي لتحقيق إبداعه في مجالات مختلفة.

إذا كان لا وجود لنص أدبي إلا مقارنة بنص أدبي آخر، كما يقول العاملون في الدراسات الأدبية، فإنه لا وجود لإبداع إلا قياساً بإبداع آخر، له سياقه وأدواته. ينتقل الإبداع، في هذا التصور، من شكله المجرد، الذي يقول بالانبثاق والخلق والابتكار، إلى شكل تاريخي مشخص، يقارن بين طرفين متكافئين في إبداعيهما وغير متساويين في الشرط والمعطيات. وفي حال كهذه يتعرّف الباحث عن الإبداع على ذاته وغيره، يفتش عن الأسباب التي أتاحت لطرف إبداعاً معيناً منعته عن غيره، أي أنه ينتقل من "فراغ الكلمة" إلى "كثافة التاريخ"، التي ترى إلى الإبداع بعناصره المجتمعية المركّبة. وبداهة، فإن في جدل الإبداع والتقليد ما يردّ إلى أفكار ابن خلدون والفيلسوف الفرنسي "تين"، التي ترى أن الضعيف يقلّد القوي، أو أن المهزوم يحاكي، أحياناً، الآخر الذي هزمه. لكن هذا التصور، الذي يأخذ أحياناً شكل البداهة، لا يصل إلى النتائج المنتظرة منه، بسبب سلطة القوي المنتصر، الذي يقرّر شكل المحاكاة ويتدخل في شكل التقليد، كما يريد.

ينزع المنتصر إلى تعيين إبداعه مرجعاً كونياً وحيداً، كما لو كان للإبداع طريق واحد، هو الطريق الذي أخذ به، وسبيل مفرد لا يمكن الانزياح عنه. إنها سلطة القوة في الإبداع، أو أنه الإبداع وقد استحال إلى قوة وسلطة. ولهذا يسعى المبدع المنتصر إلى تلقين "الآخر" مبادئ "فلسفة" الإبداع والمحاكاة، التي تختصر إلى أمرين أساسيين: أن يرى الطرف الضعيف إلى الآخر المنتصر بما يوافق الأخير ويرضيه ويلبّيه، أي أن يقوم الضعيف بإلغاء ذاته وترديد أحكام غيره. ويتمثّل الأمر الثاني بأن يفرض المنتصر على الآخر صورته عن ذاته، ملغياً الآخر الضعيف مرة أخرى. وآية ذلك صورة الشرق في الكتابات الاستشراقية، التي تختصر الشرق المختَرَع إلى الإيمان المغلق والشعر وازدراء العقل وكراهية العلم والتقنية، أي إلى نقيض كليّ للغرب. فهذه الصورة البعيدة عن الحقيقة والواقع تسرّبت، وبأشكال لا متكافئة، إلى عقول شرقية كثيرة، يقترب منها الشاعر أدونيس أحياناً، حين يرى الشرق في "شعره العظيم" والغرب في "تقنيّته المادية". وواقع الأمر أن الغرب يخترع الشرق الذي يشاء ويقنع "الشرقيَّ"، أحياناً، بأن يقبل شرقه المخترع. لكن الشرقي الذي يرضى بشرق مخترع يتحوّل نفسه إلى شرقي مخترع، يقبل بصورته كما فرضها الآخر عليه ويرتضي بصورة الآخر، كما أقرّها الأخير وحدّد ملامحها.

ينتهي النموذج المسيطر، الذي ينتج صورته وصورة الآخر، إلى تأكيد إبداعه ومنع "الآخر" عن الإبداع الذي يريد، ذلك أنه يضعه في صورة تلغيه. مع ذلك، فإن في عملية الإلغاء، أو الإلغاء الذاتي، ما يستدعي مقولة أخرى هي: احتكار الإبداع. فالمبدع المنتصر يدمّر غيره إن اقترب من الإبداع، وهو حال محمد علي باشا الذي دمّرته الجيوش الإنجليزية وغيرها. أو يدمره بشكل غير مباشر حين "يقنعه" بتفاوت البشر، و"فضائل الاختصاص. حينها تنقسم الشعوب، لا كما خلقها الله، إلى شعوب مبدعة تختص بالإبداع، وتتعامل مع العقل والعقلانية والعلم والتقنية، وإلى أخرى مقلّدة، أو عاجزة عن التقليد، تكتفي بالمعطى والمتاح وصورها المتوهّمة عن ذاتها وعن العالم.

لا تصدر المأساة الحقيقة، في هذا المجال، عن الهوَّة القائمة بين طرفين غير متكافئين في قضايا الإبداع، بل عن اقتناع أحد الطرفين، أي الضعيف، بعجزه الذاتي عن الإبداع، وباختصاص غيره في إبداع لا ينافسه فيه أحد. تصدر عن أسطورة الاختصاص، التي تضع إنساناً فوق آخر، التبعية السعيدة، بلغة معينة، أو المحاكاة الصماء، بلغة أخرى، التي تجعل طرفاً يترجم بلغة مبتسرة منجزات، جاءت من تاريخ اجتماعي – ثقافي مختلف.

تعطي دراسات النقد الأدبي، في العالم العربي، صورة عن التبعية السعيدة ومثالاً مكتملاً عن المحاكاة الصماء. ففي بداية سبعينيات القرن الماضي، عرف العالم العربي وافداً نقدياً أدبياً يدعى: البنيوية، انتشر بسرعة وكثافة، حتى غدا برهاناً لامعاً على المعرفة والمعاصرة. طرح هذا الانتشار -ولا يزال- أسئلة كثيرة تتوزّع على الوافد وعلى الذي استقبله بحفاوة بالغة. فقد كان للبنيوية مراجعها المعرفية والفلسفية الأوروبية التي جاءت منها، التي تضمنت دوسو سور والشكليين الروس, ومدرسة براغ, وصولاً إلى فلسفة الظواهر والتحليل النفسي، وكان لها مفهوم "النموذج" الذي يردّ إلى الرياضيات والأنتربولوجيا وغيرهما، إضافة إلى تاريخ اجتماعي محدّد أنتج ثقافة متعددة الأبعاد، كوّنت حاضنة للبنيوية ومهداً لها. غير أن من يتأمل الموضوع ويتقرّاه يقع على ثلاث ملاحظات لاحقة: أولها أن صعود البنيوية، وقد كانت قائمة قبل صعودها، ارتبط بسياق اجتماعي أوروبي يتسم بالأزمة والتمرد، أو بالأمرين معاً، كأن يؤسس رولان بارت منهجه رداً على نقد مدرسي فرنسي لا يقتنع به، كما لو كان يتمرد على بيئة ثقافية خاصة به، عرفها جيداً ونقدها لاحقاً. وتقول الملاحظة الثانية: لم يعرف الغرب، كما تخيل النقاد العرب المأخوذون بالمحاكاة، مدرسة واضحة المعالم تعرف بـ: البنيوية. فليس بين بارت وشتراوس وشائج كثيرة، ولا بين لاكان وياكبسون علائق متعددة، ولا بين روكاردو وماركاروفسكي أواصر واضحة.... كانت هناك اجتهادات مختلفة تنطلق من مفهوم "البنية"، وهو مفهوم عام، ولا تصل إلى نتائج تخلق "مدرسة نقدية"، أو إلى ما هو أقل من ذلك. تأتي الملاحظة الثالثة من عالم الأنتروبولوجيا الشهير كلود ليفي شتراوس، الذي اعتبر، في أكثر من مقابلة، أن في "النقد الأدبي البنيوي" الكثير من الشعوذة والكسل الفكري.. لم يتأمل "النقاد العرب" مصادر معرفتهم النقدية، فاكتفوا بـ"مدرسة مخترعة" محققين جملة من الاختزالات: اختزلوا الاجتهاد المتعدد إلى علم نقدي، ورأوا في العلم المزعوم قانوناً كونياً، وطبقوا القانون المفترض على نصوص عربية قديمة وحديثة..

وقع النقاد العرب، الذي اطمأنوا إلى مبدأ المحاكاة، في ثلاثة أخطاء جسيمة: الفصل بين النص والبيئة الثقافية التي أنتجته، الفصل بين النقد والسلسلة الثقافية الوطنية التي تحيل عليه، كما لو كان التاريخ النقدي الأوروبي والتاريخ النقدي العربي تاريخاً واحداً، إهدار السياق التاريخي، الذي يضع قصيدة لامرئ القيس في زمن رولان بارت, ويضع ياكبسون في زمن القصيدة الجاهلية. لهذا كان طبيعياً أن تأتي "الموجة البنيوية" وأن تتشظى رذاذاً، دون أن تؤسس نقداً جديداً، أو أن تهجس بنقد رصين لمدرسة نقدية سبقتها. ذهبت البنيوية كما جاءت وبقي أنصارها في مواقعهم في انتظار مدارس وافدة جديدة مثل: ما بعد البنيوية، التفكيكية، النص ما بعد الكولونيالي.... لم تكن مصائر "الوافد النقدي" مختلفة عن مصائر "فلسفات وافدة" ازدهرت في العالم العربي وكساها لاحقاً الغبار، مثل الوجودية، التي رأى فيها بعض المثقفين العرب، في منتصف القرن الماضي، مرآة لمشروع "قومي عربي" كبير.

يمكن قراءة "الوافد النقدي"، كما ما هو قريب منه، اتكاءً على مبادئ القراءة التي يطبقها المبدع المنتصر على ذاته وغيره. وهذه المبادئ ثلاثة هي: المرجع الإبداعي الوحيد، هو مرجع المبدع المنتصر على غيره، على من فاته الإبداع أن ينظر إلى "المبدع الأول" بالطريقة التي يحددها الأخير، وعلى "المبدع الأول" أن يخترع غيره وأن يقنعه بقبول صورته المخترعة.. تكشف هذه المبادئ عن معنى "النقد الأدبي البنيوي العربي": فهو أولاً يعترف بوجود نموذج نقدي وحيد يأتي من، لزوماً، من"الغرب" وعلى غير الغربي أن يطبقه كما هو بلا تغيير أو انزياح. وهو ثانياً يبيّن أن "الناقد العربي" يرى في "الناقد الغربي" أستاذاً له ومرجعاً، أي يقبل بصورته التي اقترحها النموذج المسيطر، وهو ثالثاً يوطد صورة "الناقد العربي" عن ذاته، ككيان لا يحسن الإبداع، بل يحسن المحاكاة والتقليد، بل أنه لا يحسن الأمرين معاً.

لم يصل "النقد البنيوي العربي" إلى ما ينبغي الوصول إليه، ولم يكن في استطاعته أن يفعل، لأسباب ثلاثة أساسية هي شرط الإبداع ومقدمة له: أولاها وحدة النص والسياق، أي تبييئ النص كما يقال، التي تفرض أن ينظر الناقد، مبدعاً، إلى النص العربي وشروطه، وأن يرى مبدعاً، الفرق بين النص العربي وغيره. وثاني الأسباب خصوصية السلسلة النقدية العربية، القائمة أو المحتملة، التي تنتج نقداً من واقع خاص بها، والسبب الثالث هو: عدم ترهين النقد الأدبي الموروث بما يجعله امتداداً للماضي وعلاقة في الحاضر معاً. يصبح الإبداع بهذا المعنى إدراكَ الخصوصية وإدراكَ الفرق بين الكونية والخصوصية، لا بمعنى الانغلاق على الذات، وهو أمر زهيد لا يحتاج إلى إبداع، بل بمعنى إنتاج الأدوات المعرفية التي تمايز الثقافة العربية من غيرها. ذلك أن إنتاج الفرق الثقافي معرفياً آية الإبداع وشاهد عليه، يفصل بين التثاقف والتبعية الثقافية، وبين الحوار الثقافي الكوني والتقليد الذي ينقض الإبداع.

ينطوي الإبداع على إدراك الخصوصية الثقافية الذاتية والانفتاح على شروط مغايرة لها خصوصيات أخرى. يستدعي هذا مباشرة كونية العقل الإنساني وكونية الحضارات الإنسانية، ويضع فيهما، لزوماً، مبدأ التميّز أو الخصوصية، الذي يترجم وحدة الشعوب واختلافها. ومثلما أن ما هو كوني يحض على الحوار والتعارف المتبادل، فإن ما هو "خاص" يطالب بالتباين والاختلاف. ولهذا فإن انتقال قيمة ثقافية من بلد إلى آخر يختلف عنه لا يستوي، ولا يصبح ناجعاً، إلا بتعديل الثقافة المنقولة وتحويرها، بما يجعلها تطابق حاجات البلد الذي نقلت عليه. وبداهة، فإن التحوير الثقافي نسبي، فهو محدود إن كان الفرق الثقافي بين البلدين محدوداً، وهو عميق ومتعدد المناحي، إن كان الفرق كبيراً. وفي الحالات جميعها، فإن القيم الثقافية، كما ظواهر أخرى، لا تندرج في حضارة غريبة عنها، دون سلسلة من التعديلات الضرورية. يأخذ الإبداع هنا معنى جديداً: فإذا كان الإبداع، في علاقته ببيئته، يتمثل في إنتاج موضوع غير مسبوق، فإن الإبداع، في علاقته ببيئة غريبة، يتجلى في تعديل وتحوير وتمييز القيم الثقافية الوافدة.

3- الإبداع والتاريخ "ومحاكاة" الذات:

يتعين الإبداع علاقة اجتماعية تتجاوز الأفراد، وعلاقة ثقافية اجتماعية مركّبة، تضع مجتمعاً أمام مجتمع آخر، ويتعين علاقة تاريخية، تردّ المبدع إلى ماضيه، وتجعل ماضيه يلقي عليه ببعض الأسئلة. تبرز هنا مقولة: الوفاء، وهي مقولة أخلاقية، مؤداها أن يتذكر الإنسان أسلافه، الذين خلقوا له تاريخياً مجيداً. والمقولة، رغم أخلاقيتها، مسكونة بالمفارقة، تأمر الإنسان أن يؤدي ديناً، كأن يعترف بأسلافه وأن يستلهمهم، وأن يخلق حاضراً لا ينقصه الإبداع، يستأنف الإبداع الذي كان قائماً في زمن الأسلاف المبدعين، ولا يكتفي بمحاكاة ما كان وتقليده.

تتوزّع دلالة المحاكاة السلبية على الماضي الذاتي وعلى "الآخر الغريب"، على الرغم من اختلاف العلاقتين الأخيرتين. فقد يظن العربي، على سبيل المثال، أنه وفيّ مبدع لماضيه، إنْ سحب الحاضر إلى الماضي الذي كان، ناسياً فرقاً زمنياً بينهما، يفرض على العربي أن يملأه بالإبداع لا بالوفاء المجرد. فليس المطلوب استجلاب الماضي إلى الحاضر، بل تحقيق الشروط التي تجعل العرب يلعبون في الحاضر الدور الحضاري الذي لعبوه في الماضي. بهذا المعنى يستبدل العربي المسلم بالوفاء المجرد فعلاً إبداعياً مشخصاً، يبرهن أن الدور العربي الإسلامي الحضاري فاعل في الحاضر مثلما كان في الماضي. فالمعيار الإبداعي في النهاية هو المساهمة الفعلية في الحضارة الإنسانية، التي تعترف بمن يضيف إليها جديداً نوعياً، لا بمن يكتفي بالاستقبال السلبي. بل إن الاستقبال السلبي للمعطيات الحضارية يصبح مشكلة معقدة، إن لم يكن الإنسان مشاركاً فيها، ذلك أن هذه المشاركة تجعله مؤتلفاً مع الأسئلة الراهنة وإجاباتها. وما الأصالة إلا استئناف الأصل المزهر، الذي دلت عليه منجزاته الحضارية، والذي يستمر مزهراً في أزمنة لاحقة.

ينطلق المبدع الذي يود أن يكون وفياً لماضيه، من الزمن الراهن، وذلك بأكثر من معنى: فهو يبدع في الحاضر؛ لأنه يبتكر الحاجات التي يتطلّبها حاضر مختلف عن ماضيه، ولأنه يهدم الهوة بين إبداع الحاضر والإبداع الماضي، محوّلاً الزمنين إلى زمن إبداعي جديد لا ينقصه التجانس.

وواقع الأمر، أن الإنسان لا يستطيع أن يفهم ماضيه المبدع إلا بعقل إبداعي يدرك خصائص الحاضر، ويدرك فيها الفرق الكيفي بين الأزمنة الإبداعية. فالعقل الكسول الذي لا يستطيع أن يعي خصوصية حاضره، لا يقدر على وعي وتملّك ماضيه المبدع، بل إنه وبسبب كسله الفكري، يجعل من ماضيه المجيد مصدراً للمحاكاة والتقليد ومحاربة الإبداع. فالمسلم، الذي يهجس بإبداع التاريخ الإسلامي، يتطلع إلى دور إبداعي للمسلمين في عالم اليوم، ولا يكتفي بإحالات مستمرة على الماضي. وهو في هذا لا يضيف زمناً إلى آخر، بل يقوم بتوحيد الزمن التاريخي، الذي لا يجعل حاضر المسلمين مغترباً عن ماضيهم.

ينطوي المنجز الحضاري الإسلامي على ما يدعو إلى الإبداع ويحض عليه، فقد كان واسع الأضواء حينما كانت الظلمة تغطي أوروبا في العصور الوسطى، بل إن المركزية الأوروبية، على مستوى السيطرة الفكرية وتوزيع التصورات، هي التي تقرن أبداً بين الظلام والعصور الوسطى، متناسية الإنجاز الإسلامي الحضاري في تلك الفترة. وهذا ما عبّر عنه "جورج سارطون" في موسوعته العلمية حين قال: "من النصف الثاني من القرن الثامن حتى نهاية القرن الحادي عشر، كانت العربية هي اللغة العلمية واللغة المتقدمة للإنسانية..". ولعل هذا التقدم هو الذي أتاح للثقافة العربية – الإسلامية أن تحاور "الفلسفة اليونانية" بمنطق إبداعي، يتعامل معها ويعدّلها ويسائلها ويحوّرها، على مبعدة عن الاستقبال السلبي, و"فتنة المنتصر". فلو اكتفى العرب المسلمون بالتقليد الممتثل لما أنتجوا شيئاً، ولما نقلوا الفلسفة اليونانية لاحقاً إلى الغرب بصورة جديدة. فالمبدع يسهم في قول حضاري إنساني حين يكون لديه ما يقول لغيره، وحين يبرهن أنه قادر على تخليق قول خاص به، لم يأخذه من أحد.

قدم المسلمون، في فترة صعودهم، إنجازاً علمياً يحقّق معايير الإبداع في اتجاهات مختلفة. فقد كان العلم الذي أنجزه علماء مسلمون علماً كونياً، ينتفع به المسلمون وغيرهم، وإلا لما استطاع أن ينفذ إلى مجتمعات أخرى، وأن يسهم، تالياً، في نقل أوروبا من العصور الوسطى المظلمة إلى العصور الحديثة. كما تميّز هذا العلم بالانفتاح على الآخر، مبرهناً عن التسامح وعدم الانغلاق، فحاور الثقافات اليونانية والفارسية والهندية، وأعطى الترجمة ما هي جديرة به من الاهتمام، مؤكداً الترجمة جسراً ثقافياً بين الأمم المختلفة. ولعل الجوهري الذي وسم العلوم الإسلامية يتجلى في المسؤولية المبدعة، التي تحتفي بما هو أصيل وتسهم في نشره. فالأوروبيون رحّبوا بأرسطو حينما وصل إليهم بأدوات إسلامية، ولم يلتفتوا إليه قبل ذلك. ولم يكن جمال الدين الأفغاني مخطئاً حين أظهر، وهو يرد على الفرنسي أرنست رينان، أن المسلمين أنتجوا معارف جديدة خاصة بهم، وأسهموا في نشر معارف غير إسلامية أيضاً، كما هو حال فلسفة أرسطو. ومما لا شك فيه أن التثاقف المبدع الذي حقّقه المسلمون كان وثيق الصلة بصعود المجتمع الإسلامي وقوته المكينة، الأمر الذي منع عنهم "فتنة المنتصر"، بالمعنى السلبي، لأنهم كانوا آنذاك مثال "المنتصر" وآية عليه. لهذا لم يكن غريباً أن يُكتب الإنجاز العلمي باللغة العربية، أي لغة القرآن الكريم، علماً أن هذا الإنجاز كان محصلة لجهود علمية عربية وغير عربية. يكون الإنسان مبدعاً، بهذا المعنى، حين ينفتح على غيره وينتج إبداعاً خاصاً به، دون تقليد أو محاكاة.

ربما تمس الأفكار السابقة دور الإيمان في طلب العلم والحض على المعرفة. وهذا الدور أكيد شريطة وعي معنى الاختصاص، ذلك أن الإيمان يدفع إلى طلب العلم ويترك الباحث النزيه يصل إلى نتائج علمية موضوعية، يقبل بها البشر جميعاً دون النظر إلى معتقداتهم. فالعلم الرياضي، الذي أسهم المسلمون في تطويره، كان يلتقي في نتائجه مع ما أنجزه الرياضيون المصريون والبابليون والهنود واليونان، بل إنهم استندوا إلى معارف غيرهم كي ينتهوا إلى نتائج علمية غير مسبوقة. تدلل هذه النتائج على اعتراف المسلمين بكونية العقل الإنساني وبكونية الحضارة الإنسانية، مبرهنة عن انفتاح طليق على المعارف الإنسانية، هو شرط للإبداع ومقدمة له. فلا إبداع في الانغلاق، ولا إبداع في تصور مغلق لا يساوي بين الشعوب المختلفة، معتقداً أن الإبداع من اختصاص طرف، وأن التقليد الخاضع من اختصاص طرف آخر.

4- كلمة أخيرة سريعة:

ليست الثورة المعلوماتية -وهي تعبير شائع اليوم- إلا محصلة لجملة من الثورات المختلفة السابقة، تتضمن الثورة العلمية والصناعية والثورة العلمية التقنية.. وهذه الثورات التي لا تنتهي تؤكد التطور سنة في الوجود، إذ كل شيء في تحوّل, وكل ظاهرة في تقدم لا يمكن لجمه. يقول روبرت أورنشتاين وبول إيرليش في كتابهما: "عقل جديد لعالم جديد": "لم يسمح التطور الحضاري لمعظمنا حتى أن يدركوا أن عالمهم المألوف ينتج عن عملية تطورية تتقدم، بالرغم من إسراعه لهذه العملية بمعدلات تغيّر غير مسبوقة. لم يوفر لنا التطور الحضاري إذن وسيلة للبقاء..". ويقول في مكان آخر: "إن الكومبيوتر الحديث الموجود على مقربة منا في مؤسسة نازا يمكنه أن يؤدي 250 بليون عملية في الثانية، أكثر من إجمالي القوى الحسابية التي كانت موجودة عام1960". يشير هذان القولان إلى نتائج متعددة. فإضافة إلى تأكيد التقدم المفتوح، يأتي الاختصاص المعرفي سلطة لا تقاوم، تختصر العبء والزمن والجهد الإنساني، كي تشهد في النهاية على إبداع إنساني يتاخم ظاهرياً المعجزة. غير أن الإبداع الأخلاقي لا يزال يقصّر بشكل مأساوي شاسع عن الإبداع العلمي والتقني، كما لو كان في الإنسان نقص أخلاقي لا يقبل بالترميم والإصلاح. لهذا يقول العالمان السابقان: "لم يوفر لنا التطور الحضاري إذن وسيلة للبقاء"، لكأن إبداع الأخلاق السامية والقيم النزيهة هو الإبداع في شكله الأسمى، ومن غيره تبقى أشكال الإبداع الأخرى مبتسرة ومنقوصة.

 

 

 

 

...........................
(*) ناقد وباحث من فلسطين.

 

 

مراجع الدراسة:
.........................................

1- جمهورية أفلاطون: دراسة وترجمة د. فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1974، ص: 159.

2- عبد الله العروي: ثقافتنا في ضوء التاريخ، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1992، ص: 198 – 202.

3- P. hood bhoy: Islam and Science, zed books, London, 1991

(ملاحظة جورج سارتون ص: 85)

4- P. A. Sorokin: Comment la civilisation se transforme. Librairie marcel riviere, 1964, P: 171.

5- آر. إيه. بوكانان: الآلة قوة وسلطة، عالم المعرفة 25، الكويت، 2000، ص: 15.

6- د. شكري محمد عيّاد: المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين، عالم المعرفة – 177، الكويت، 1993، ص: 143 – 160.

7- روبرت أورنشتاين وبول إيرليش: عقل جديد لعالم جديد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2000، ص: 73، ص: 72.

8- G. duby: L’europe au moyen age, flammarion, paris, 1984, P: 181 – 198.

 

..........................

المصدر : من الموقع:

http://www.altasamoh.net/Article.asp?Id=48