|
السبت
:
17/04/2010
الجريمة
المنظمة والفساد في العراق
د. ريسان عزيز
داخل
(خاص للمعهد)

المقدمة
عرفت المجتمعات الجريمة منذ عهود
قديمة باشكالها الاولية ، ومع بلوغ المجتمع الانساني المعاصر درجة من
الحضارة المادية والعلمية ، فقد تطورت معها الجريمة من شكلها البسيط
الى آخر اكثر تنظيما وتعقيدا واخذت تصف بالدقة والاعداد والترتيب الذي
لم يعد محصورا في مكان بل اصبح ذا بعد دولي ، وبدات المجتمعات بذلك
تشهد جرائم من نوع جديد هي الجرائم المنظمة التي تتجاوز العمل او
المشروع الفردي بل وكل الصور التقليدية للجريمة واخذت كذلك تتسلح
بالتقنيات الحديثة وترتبط بتحالفات مع منظمات اخرى مستغلة الظروف
والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتاثير العولمة ووسائل
الاتصال في ذلك ، واذا كانت الجريمة المنظمة قد بدات في ميدان المال
والاقتصاد الا انها تجاوزت اليوم الى ميادين اخرى ذات ابعاد اجتماعية
وسياسية .
ان التهديد الذي تشكله الجريمة
المنظمة على الامن الوطني بالغ الخطورة ، اذ ان هذا التهديد يمثل نتيجة
حتمية لانشطة المنظمات الاجرامية التي تنكر على الدول محاربتها الشرعية
للعنف والفساد في المؤسسات الحكومية وتضعف من سلطة القانون وتهدد
مؤسسات الدولة والمجتمع والتجارية المالية وتخترق السيادة . تستغل
الجماعات الاجرامية المنظمة الفرص بشراهة وبشكل فعال ما يترك عملية فرض
القانون متاخرة وضعيفة ، و هكذا اصبحت الجريمة المنظمة تهديدا امنيا
واقتصاديا قويا ، فقد طورت المنظمات الاجرامية في عملها ستراتيجيات
معقدة لتجنب المخاطر، واهم تلك المخاطر الوجهة لقيادة ووحدة المنظمة
الاجرامية فان استغلال الفساد وخلق بيئة اكثر ملائمة لنشاطات الجريمة
هي من وسائل منع المخاطرة ، اضافة الى استغلالها العنف .
وفي ضوء ذلك نجد ان معظم الدراسات
التي تناولت موضوع الجريمة المنظمة ركزت على التاثير السلبي الذي تتركه
هذه المنظمات على المجتمعات وزعزعتها الاستقرار وتهديد الامن ونهب
الثروات وقد اصبحت هذه التنظيمات غيرالمشروعة تشكل خطرا وتهديدا لمختلف
الدول في اقتصادها وامنها واستقلاليتها ، لانه اصبح بمقدور هذه
المنظمات الاجرامية تكريس ثروات هائلة تجعل منها قوة اقتصادية وسياسية
وبالتالي سعة تاثيرها في الحياة الاجتماعية عندما تمكنها قوتها من
التصدي لايه دولة وعندها تكون قد نشات دولة غير شرعية داخل الدولة .
ان للجريمة بعدا اقتصاديا خطيرا
بما يمثله من خسارة اقتصادية تنعكس سلبيا على الفرد والمجتمع ، وسط هذه
المخاطر التي تواجه الدول فان الامن الشامل قد برز اليوم باعتباره حاجة
دولية واقليمية لتحيق الاستقرار والامن .
تكمن مشكلة البحث في ان وجود
المنظمات الاجرامية في أي مجتمع لابد وان يشكل عاملا نشطا في تخريب
اقتصاده وتهديد امنه واستقراره وزعزعة قيمه وبالتالي فهو يترك اثار
اقتصادية واجتماعية وسياسية سلبية وخطيرة جدا سواء على الفرد او على
المجتمع لان هذه الجماعات او المنظمات الاجرامية عادة ما تظهر في ظروف
اجتماعية واقتصادية وقانونية وامنية سيئة من جهة ، كما ان لها انشطتها
الفاسدة في تخريب واستغلال المجتمع وكل مؤسساته ومقدراته .
ولدراسة هذا الموضوع المهم وبسبب
طبيعته استعان الباحث بالمنهج البنائي الوظيفي لفهمه ومعرفة علاقته
ومدى تأثيره وتأثره بالبناء الاجتماعي والثقافي للمجتمع العراقي.
كما استخدم الباحث عدد من الادوات
التي ساعدته في جمع المعلومات من الميدان ومن اهمها الملاحظة المباشرة
، والمقابلة بانواعها وكذلك المخبرين.
وتكمن اهمية هذا البحث في ما يتيحه
التعرف على اسباب وعوامل ظهور المنظمات الاجرامية في العراق بشكل
خاص(للفترة 2003-2008 ) ومعرفة اشكاله والاساليب التي يعمل بها ومن
خلالها وما هي الظروف والعوامل التي تعمل على بقاءه واستمراره في
المجتمع(العراقي بشكل عام والبغدادي بشكل خاص) وبالتالي استغلال كل
ثرواته ومقدراته بشكل سلبي ، من امكانية لمواجته ومعالجته .
كما انه يعد من الدراسات القليلة
والنادرة جدا حول نشاة وتاثير الجماعات والمنظمات الاجرامية في العراق
ومعرفة عوامل ظهورها واثارها على المجتمع العراقي .
اما هدف البحث فهو التعرف على
اشكال الجماعات والمنظمات الاجرامية في المجتمع العراقي واسباب ظهورها
فيه وما هي النتائج والاثار التي تركها في المجتمع العراقي سواء على
الافراد او المؤسسات او على المجتمع كله.
وقد استعان الباحث باكثر من مهنج
لدراسة هذا الموضوع ومنها المنهج التاريخي والمهنج الوصفي التحليلي
والمقارن ،كما استخدم الباحث اكثر من اداة من ادوات جمع المعلومات
واهمها الملاحظة المباشرة والمقابلة بانواعها ، وبذلك استطاع جمع
المعلومات التي ساعدته في انجاز هذه الدراسة والتي يعد الخوض في
موضوعتها من الامور غير السهلة والمعقدة اضافة الى عدد من الصعوبات
والمحاذير الاخرى .
ما المقصود
بالجريمة المنظمة :
ليس هنالك تعريف واضح و محدد
للجريمة المنظمة بسبب عدم امكانية حصر وضبط خصائص الاجرام المنظم لجمعه
في تعريف شامل ، او الى اختلاف مفهوم الجريمة المنظمة بين الدول الغنية
والدول النامية ، وكذلك اختلاف المصالح الاقتصادية والمالية لكل من
هذين النوعيين من الدول ، ويشير مصطلح الجريمة المنظمة الى معيين
مختلفين ، حيث انه يعني النشاط غير المنظم وغير القانوني للسطلة
والمنفعة ، ومع ذلك فان هذا المصطلح يستخدم اليوم وفق المعنى الثاني (
المنفعة ) وقد اصبح فعليا مرادف للعصابات بشكل عام او المنظمات التي
تتبع اسلوب المافيا بشكل خاص(1) .
وسنتاول هنا تعريف الجريمة المنظمة
المنتظمة ووجهات نظر مختلفة
ان معنى كلمة ( المنظمة) هو
الاشارة الى تلك الابنية الخاصة بالتنظيمات الاجرامية التي هي في حالة
انفتاح وفي صورة متغيرة ويكون معنى التنظيم هنا هو تنظيم الذات وتنظيم
الغير وتنظيم الجماعات الاخرى في شبكة او تحالف دولي وتنظيم العمل
الاجرامي .
تعرف الجريمة المنظمة من الناحية
القانونية بانها ( الانشطة غير القانونية لافراد اصحاب ترابط عالي
التنظيم ينخرطون في تزويد البضائع والخدمات غير الشرعية(2) ) وعرفها
مؤتمر الامم المتحدة لعام 1975 بانها الجريمة التي تتظمن نشاطا اجراميا
معقدا ، او على مستوى واسع النطاق ، تنفذه مجموعات على درجة من التنظيم
تهدف الى تحقيق الثراء للمشتركين فيها على حساب المجتمع وافراده وهي
غالبا ما تتم عن طريق الاهمال التام للقانون ، وتتضمن أجراءات ضد
الاشخاص وتكون مرتبطة في معظم الاحيان بالفساد السياسي(3) .
كما عرفتها لجنة من رجال القضاء
الامريكيين بانها تشكيل اجرامي يعمل خارج اطار القانون والضبط
الاجتماعي ويضم بين طياته الالف من المجرمين الذين يعملون وفق نظام
بالغ التعقيد والدقة ، كما يخضع افرادها لاحكام قانونية سنوها لانفسهم
، تفرض احكاما بالغة القسوة على من يخرج عن قاموس الجماعة المنظمة
ويلتزمون في اداء انشطتهم الاجرامية بخطط دقيقة مدروسة ويجنون من
ورائها الاموال الطائلة(4) .
كما قامت الحلقة الدراسية المعنية
في الجريمة التي عقدت في اوربا سنة 1991 بتعريفها على انها ( جماعة
كبيرة نسبيا من كيانات اجرامية مستديمة وخاضعة للضبط ، وترتكب الجرائم
من اجل الربح ، وتسعى الى خلق نظام الاحتماء من الضوابط الاجتماعية
بوسائل غير مشروعة مثل العنف والترويع والفساد والسرقة على نطاق
واسع(5).
مما تقدم يمكن القول ان الجريمة
المنظمة تقوم على مايلي :
1- وجود منظمة اجرامية لها ضوابط
شبيهة بالمؤسسات الكبرى .
2- قيام هذه المنظمة بارتكاب
الجرائم .
3- الدافع وراء ارتكاب الجرائم هو
الحصول على الاموال والنفوذ .
4- الجماعات الاجرامية مرتبطة
عرقيا او اثنيا .
5- وجود راعي او حامي لمصالح هذه
المنظمة .
6- وجود الدعم من فئات المختصين
والمسؤولين في المجتمع ، والذين يقدمون خدمات لمضاعفة مردودات الجريمة
المنظمة .
المنظمات
الاجرامية عبر الوطنية
وهي ما يصطلح عليها ايضا ( الجريمة
العابرة للحدود الوطنية ) والذي يشير الى بعض الظواهر الاجرامية التي
تتعدى الحدود الوطنية منتهكة بذلك قوانين العديد من الدول ، او يكون
لها تاثير على الدول الاخرى ، والمنظمات الاجرامية غير الوطنية هي
عصابات منظمة لها قواعها في دول معينة ولكنها تعمل في دولة اخرى او
اكثر وفقا لما تشكلها الاسواق من فرص سانحة للنشاط الاجرامي ، لذلك فان
توسع النشاط الاجرامي لتلك المنظمات وتنظيمه ادى الى ظهور هذا النوع من
الجريمة . وتتميز الجريمة المنظمة دوليا عند الاجرام الوطني المنظم
بانها تتجاوز حدود الدولة الواحدة ، أي يمتد نشاطها وتخطيطها ليشمل
اقليم اكثر من دولة ، وهذا القسم اكثر اهمية من القسم الاول ، اذ ان
ظاهرة الاجرام المنظم المعاصر هي ظاهرة اجرامية دولية اولا واخيرا(6) .
وتشير الابحاث وخاصة المتعلقة
باقتصاديات الجريمة الى ان ابرز نوع يمثل الجريمة المنظمة دوليا هو
الاتجار بالمخدرات والرقيق وغسيل الاموال وتجارة الاسلحة ، وقد اقتربت
الابحاث الاقتصادية المتعلقة بالجريمة الحديثة الى تحليل لهذا النوع
البارز من صور الاجرام المنظم الدولي من خلال ما عرف بالاقتصاد
الخفي(7) .
والجريمة المنظمة تشكل تهديدا
مباشرا للامن والاستقرار على الصعيديين الوطني والدولي وهي تهدم
المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية وتضعفها ، وهي لاتعد تهديدا لبلد واحد
او منظمة واحدة بل انها تهدد العالم باسره وبذلك فانها اصبحت تصرف
محضورا يعاقب عليه القانون الجزائي لما يتميز به من خطورة كبيرة ولما
يترتب عليه من اخلال صارخ بالنظام العام داخل حدود دولة معينة او في
عدة دول مجتمعة .
بعض نشاطات الجريمة واثرها على
المجتمع
اولا : المواد المخدرة : ويطلق
مصطلح المواد المخدرة على المخدرات المحفزة او المنشطة نفسيا
كالكوكائين والافيون والهيرويين والحشيش ... وتشكل المادة المخدرة
المجال الاكبر لنشاط عصابات الجريمة المنظمة بسبب مردوداتها الضخمة
التي تصل الى مليارات الدولارات ويعرفها البعض بانها المواد التي تحدث
الاعتماد والامان ( وهو التعاطي المتكرر للمواد المؤثرة بحيث يؤدي الى
حالة نفسية واحيانا عضوية ) وتسيطر على المتعاطي لها رغبة قهرية ترغمه
على محاولة الحصول على المادة المخدرة النفسية المطلوبة وبأي ثمن .
وقد يتسائل البعض لماذا تمنع
المخدرات ما دامت تعطي النشوة والاحساس بالفرح والسرور وهذا هو ما يبحث
عنه كل انسان وهو ان يكون سعيدا ومرتاحا ومنتشيا ؟ والجواب على هذا
السؤال هو ان تناول هذه المواد يؤدي الى تعطيل عقل وجسم الانسان عن
العمل وبالتالي لن تقوم باي نشاط ايجابي لانه لا يريد و لا يستطع
القيام به بسبب تاثير هذه المخدرات عليه ، ومن المعروف ان اغلب متعاطي
المخدرات هم من فئة الشباب أي فئة العاملة المنتجة في المجتمع فان
تعطيلها عن العمل هو تعطيل وانهاء لهذا المجتمع .
ثانيا :غسيل الاموال : ظهر مصطلح
غسيل الاموال للمرة الاولى في مدينة شيكاغو الامريكية في عشرينات القرن
العشرين ويعني انسياب الاموال غير المشروعة في الانشطة الاقتصادية
والمصرفية من اجل تطهيرها من شوائب الادانة القانونية ، فالاموال التي
يتم غسلها هي الاموال التي تكسب بطريقة غير مشروعة ، فليجأ اصحابها الى
اخفائها واعادة توصيفها في مجالات اخرى مشروعة من خلال ما يعرف باسم
عمليات غسل الاموال ذات السمعة السيئة(8) .
وهنالك جملة معوقات اساسية لعملية
غسل الاموال وهي المالك والمنظف والمغسول والمغسولة .فالمالك هو الشخص
او المنظمة صاحب الاموال غير المشروعة التي يراد غسلها اما المنظف فهو
الذي يتولى تنظيف الاموال لصالح الغيرعن طريق اجراءات مخالفة للقوانين
او اللوائح الخاصة بالدول والبنوك والعملاء . والحلقة الثالثة التي
تربط بين المالك والمنظف هي المغسول وهي الاموال القذرة المكتسبة بطريق
مباشرة او غير مباشرة . اما الاداة التي يستخدمها منظفو الاموال لأتمام
عملية الغسل فتسمى المغسلة ، ويتم من خلال هذه الاداة تحويل الاموال من
مصادر غير مشروعة الى اخرى مشروعة ، وتكون هذه الاداة اما وهمية او
تجارة مشروعة او عمليات شراء لاصول ثابتة او تحف او غيرها(9) .
ومن ذلك بمكننا القول ان عملية
غسيل الاموال تتناقض مع القواعد الاقتصادية القائمة وتشكل خطرا داهما
على مناخ الاستثمار محليا ودوليا خاصة مع التحولات التي شهدتها الدول
النامية والتي افرزت مظاهر عديدة من صور الفساد والجرائم المسخدمة
بالنسبة لهذه المجتمعات واهمها الجرائم المتعلقة بنشاط الائتمان في
البنوك وتزيف العملات والفساد الاداري ، فظاهر غسيل الاموال تعد ظاهرة
عالمية تتجاوز الحدود لاية دولة لان غاسلي الاموال يبحثون عن نقاط
الضعف في القوانين التي تحكم انظمة الاستيراد والتصدير في العديد من
البلدان كما يبحثون عن دول تفتقر الى انظمة مالية محكمة بحيث يسعون
الى التخلص من كميات ضخمة من الاموال النقدية بايداعها في الجهاز
المالي للدولة ثم اعادة ضخها الى خارج البلاد بعد ان تتخذ مظلة شرعية .
ثالثا : الاتجار بالبشر والرقيق :
تشمتل تجارة الرقيق جميع الافعال التي ينطوي عليها اسر شخص او اجتجازه
او التخلي عنه للغير بقصد تحويله الى سلعة لغرض البيع او المبادلة(10).
والاتجار بالبشر هو ظاهرة ليست
بالجديدة حيث مارسها الانسان ضد اخيه الانسان منذ عصور قديمة وكانت قد
بدات في الغرب في اوائل القرن 16 م على يد البرتغاليين وتبعهم الكثيرين
في ذلك ، وجاء القرن 18م بثورته الصناعية التي اوجدت حاجة واسعة للايدي
العاملة فاندفعدت العقلية الراسمالية صوب افريقيا تنقل منها الرقيق
الى المعامل الانكليزية وذلك لانهم الارخص اجرا والاكثر قدرة على العمل
في المهن التي يانف منها الاوربيون(11).
اما اليوم فتشكل ظاهرة المتاجرة
بالبشر تحديا اساسيا وبالغ الاهمية في مجال حقوق الانسان وفرض تطبيق
القانون . وهنالك اكثر من 700 الف شخص ينتقلون عبر الحدود الدولية
للمتاجرة ومعظمهم من النساء والاطفال(12).
وشهدت هذه الظاهرة نموا كبيرا في
الاونة الاخيرة ، حيث يعامل اولئك المهربون الجدد الرجال والنساء
والاطفال كبضائع تساء معاملتهم ويتم بيعهم ونقلهم عبر الحدود .
والاسباب الحقيقة للمتاجرة بالبشر
تتضمن الجشع والانحلال الاخلاقي وعوامل اقتصادية وعدم استقرار سياسي
وعوامل اجتماعية اخرى . والمتاجرين بالبشر هم من الضالعين ايضا في
جرائم اخرى تتم عبر الحدود الدولية ويقومون باعمالهم هذه بسبب ارباحها
العالية كونها ما زالت غير معرضة لمخاطر كبيرة ،ومن العوامل التي تؤدي
او تشجع على نمو وازدهار هذه الاعمال هو النزاعات العسكرية والاظطرابات
السياسية والحروب الاهلية والكوارث الطبيعية وكذلك الممارسات
الاجتماعية والثقافية التي تدني من قيمة النساء والفقراء .
والاتجار بالبشر اليوم هو النشاط
التجاري المفضل لدى العصابات الاجرامية الناشطة عبر اسيا واوربا والشرق
الاوسط وهذه الشبكات تمتاز بالتنظيم والمقدرة على تحريك اعداد اكبر من
البشر للحصول على ارباح طائلة . وتمارس هذه العصابات نشاطاتها في ظل
قوانين ضعيفة او غائبة كليا بحيث يمكنها العمل دون رقيب او حسيب(13) .
وعادة ما يتم استخدام هؤلاء الاشخاص للمتاجرة بهم في اعمال رخيصة او
غير مشروعة او لا اخلاقية او قتلهم والمتاجرة باعضائهم .
الظروف المشجعة لظهور الفـساد
والجريمة المنظمة في العراق
عاش المجتمع العراقي لفترة طويلة
تحت ظل ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية قاسية ومتغيرة بشكل كبير جعلت
من افراده ومؤسساته ارضا خصبة وممهدة لظهور الجريمة المنظمة والفساد
فيه بالرغم من ان معظم الطروحات السابقة تشير الى ان طبيعة المجتمع
العراقي وعاداته وتقاليده وقيمه وكل ثقافته هي عوامل قد تبعث او تؤدي
الى عدم السماح او التشجيع على ظهور الجريمة المنظمة والفساد فيه .
وسنتطرق الى بعض هذه الظروف
والعوامل التي ادت الى ظهور الجريمة والفساد في المجتمع العراقي ومنها
:
اولا : الظروف قبل
احداث 2003
لا يخفي على الكثير من المهمتمين
والمتابعين للتاريخ القديم والحديث والمعاصر ان العراق قد تعرض الى
الكثير من الازمات والضغوط والهزات المختلفة سواء السياسية او
الاجتماعية او الاقتصادية او غيرها ... جعلت من المجتمع العراقي
ومؤسساته تتشكل بشكل هش رغم مظهرة القوي حيث ان هذه المؤسسات سواء
الرسمية منها او غير الرسمية انما تقوم على اساس او فكرة السلطة
الابوية المطلقة ذات الطابع الخشن والعنيف والمبني على اساس الارتجال
وعدم التخطيط ، وهذا ما ادى الى وقوع المجتمع العراقي في الكثير من
الازمات القوية والعنيفة والمدمرة والتي عادة ما تستمر لفترة زمنية
طويلة تؤدي هذه الاسباب الى زعزعة المجتمع ومؤسساته من حيث البينية
والوظيفة وتضعف ثقة الافراد فيها هذا من جهة ، ومن جهة اخرى فان هذه
الاحداث والازمات ادت الى بناء شخصية ذات طابع خاص بالفرد العراقي
تمتاز بصفات معينة ومن اهمها الكبت والقلق والترقب والاحساس بالدونية
والشعور بالذنب بشكل كبير رغم المكابرة وادعاء بصواب الفكرة او السلوك
وهذا ما جعل الشخصية العراقية تاخذ طابع السكون والاستسلام ( على انه
صبر ) ثم ما تلبث ان تفجر حتى بدون اعطاء علامات او انذر قبل ذلك .
ومن المعروف ان العراق مر بتقلبات
عديدة ومختلفة سياسية واجتماعية واقتصادية هذا بالاضافة الى التقلبات
البيئية ، هذا التغيرات والاختلافات والتنوعات والتي تمتاز بالعنف
والتطرف والقسوة بالاضافة الى كونها تحدث في مجتمع فيه نسبة الامية
والتخلف بكافة انواعه واشكاله عالية نسبيا ، مهدت الاجواء والطريق
لتقبل أي تغير عسى ان يكون هو المخرج او المنقذ من ضغط هذه الظروف
والازمات التي تكاد لا تنهي .
وهذا بطبيعة الحال ادى ويؤدي الى
احداث تغير في كل البناءات والوظائف المؤسسية ، فقد كانت الاسرة
العراقية على سبيل المثال ذات شكل وعلاقات معينة تمتاز بكونها اسرة
كبيرة ممتدة وذات علاقات داخلية قوية متساندة الا انها تحولت (بعضها )
الى اسرة مفككة بسبب تعرضها المستمر الى عدة ازمات كالاقتصادية وابتعاد
الاب عن المنزل وغيابه المستمر ، وكذلك تاثير العوامل الثقافية الجديدة
الداخلة من الخارج ، كما صاحب ذلك نوع او درجة من التغير القيمي السلبي
حيث تبدلت الكثير من القيم ذات البعد الايجابي وحلت محلها قيما اخرى،
او انها افزعت من مضومنها الايجابي وحرفت بما يتلائم مع الوضع السلبي
الجديد ، فظهرت الرشوة والابتزاز والغش والنصب والاحتيال والتزوير ..
ولكنها اخذت معاني اخرى بحيث يتقبلها افراد المجتمع فارتبطت بمعاني
وقيم القوة والنفوذ والشطارة .... اما قيم الشرف والاخلاص والمرؤة فقد
تحولت الى ضعف او قلة حيلة او غباء وعدم قدرة على مسايرة الواقع الجديد
، مما شجع على القيام بالاعمال والنشاطات المنحرفة وظهرت بشكل واضح
وقوي رغم سلطة الدولة وبطشها ، ثم ان قيام السلطة بتفضيل جماعات او
فئات او قوميات معينة منها واعطائها المكاسب والامتيازات والمناصب على
اساس المحسوبية والمنسوبية وحرمان الاخرين منها ، خلق نوع من العداء
والكراهية بين هذه الجماعات والفئات المختلفة مما اوجد وخلق جماعات
متناحرة متضادة تعمل على تحقيق مصالحها الخاصة باساليب مختلفة منها
شرعي واخر غير شرعي .
ومن الجدير بالذكر هنا ان اغلب
ابناء المجتمع العراقي (وبحكم الظروف) هم مقاتلون يجيدون استخدام
السلاح والقتال ولديهم القدرة على تشيكل وادارة المجموعات القتالية
وتنظيمها ، كل هذه العوامل مهدت وشجعت قيام وتشكيل الجماعات الاجرامية
المنظمة ، كان بعضها يمارس نشاطاته وهو مدعوم من قبل السلطة والبعض
الاخر كان يعمل ضد السلطة ، وهنا نلاحظ بان هذا الوضع خلق جماعات
الاجرام المنظم لها نفس الوسائل والاهداف الا ان مصالحها مختلفة .
ثانيا - الظروف
بعد احداث 2003
نتيجة لما مر به العراق من ظروف
واحداث قبل عام 2003 والتي مهدت الاجواء الاحداث 2003 وانهيار الدولة
العراقية بكل مؤسساتها ولانها كانت تعتمد على وجود اشخاص ولم تكن قائمة
على قواعد مؤسسية او علمية صحيحة ، لذلك فبنهاية وانهيار هؤلاء الاشخاص
انهارات الدولة بكل مؤسساتها ، مما ادى الى حدوث فراغ كبير في كل
الجوانب من جهة ، ووجود رغبة الانتقام من جهة اخرى سواء ممن كانوا
مظلومين ومضطهدين كرد فعل انتقالي من ظالمهم . أومن قبل الذين فقدوا
السلطة وخسرو نفوذهم ومصالحهم ومكاسبهم ، وظهور احزاب كثيرة مختلفة
ومتصارعة على السلطة وغير عارفة او مهتمة بمصلحة المجتمع العراقي ،
وبسبب قلة الوعي وعدم التخطيط الذي يمتاز به اغلب افراد المجتمع
العراقي ، بالاضافة الى عامل الكبت والحرمان والانتقام تم تشكيل جماعات
او تنظيمات سواء من الداخل ومدعومة من الخارج ، او انها قدمت من
الخارج بشكل مخطط ومقصود ومدبر ولاسباب عديدة ومتنوعة قامت بالعمل على
السلب والنهب والقتل والتخريب بكل انواعه واشكاله ولاغراض واسباب عديدة
منها نفسية واجتماعية واقتصادية وسياسية وغيرها ... مما شجع قيام هذه
الجماعات الاجرامية ونموها وتطورها غياب القانون وسلطة الدولة من جهة ،
وغياب الوعي الثقافي والاجتماعي من جهة اخرى ، حيث ان معظم افراد
المجتمع العراقي التحق اونظم بطريقة او باخرى مباشرة او غير مباشرة
ضمن هذه الجماعات والتنظيمات وساعدها في تحقيق اهدافها تحت مختلف
الذرائع والمسميات دون الوعي او فهم او ادراك لها .
وبسبب هذين العاملين (غياب سلطة
القانون والدولة وقلة الوعي ) تم اختراق مؤسسات الدولة المختلفة
واستغلالها لتحقيق اهداف ومصالح هذه الجماعات ، حيث ان اغلب هذه
المؤسسات ( ولنفس الاسباب اعلاه ) قد بنيت بشكل عشوائي غير منظم وغير
علمي وغير دقيق وانما على اسس ومصالح شخصية ومنفعية او طائفية او
محسوبية ومنسوبية ، غير قائمة على الكفاءات والولاء للوطن واحترام
المصلحة العامة ، مما ادى الى اختراق المؤسسات في اغلب مراكزها
ومناصبها واستغلالها من حيث الموارد والامكانيات او من حيث كونها غطاء
تتستر وتحتمي به ، فقد قامت هذه الجماعات والتنظيمات باستغلال العقود
والمناقصات للمشاريع المختلفة في هذه المؤسسات سواء عن طريق المراكز
والمناصب التي يحتلونها في هذه المؤسسات او عن طريق استغلال اصحاب هذه
المراكز سواء بالترغيب او الترهيب ، بل الاسوء من ذلك هو عدم قيامهم
بتنفيذ هذه المشاريع وحرمان المجتمع منها مع انها مدفوعة الثمن .
اي انها تقوم بعمليات هدم وتخريب
سواء اقتصادي او اجتماعي او صحي او غيرها باسم هيئة او مؤسسة حكومية
معينة مثل استيراد مواد غذائية تالفة وفاسدة او بضائع غير صالحة او
استيراد المخدرات والسموم وادخالها الى العراق وتوزيعها على ابناء
المجتمع العراقي بشكل سري او علني على انها مساعدات او علاجات او ادوية
او لقاح معينة او ادخال بعض الامراض التي تصيب الانسان والحيوان
والنبات ونشر انواع من الامراض والاوبئة الفتاكة باساليب مختلفة بعضها
ذات طابع وشكل رسمي . وكل هذا يحدث دون ادنى نوع من الرقابة او
المحاسبة الرسمية وذلك كون هذه الجماعات والتنظيمات قد مدت اذرعها الى
كافة مفاصل المؤسسات وخاصة المراكز المهمة منها ، واصبح لها تنظيم داخل
تنظيم المؤسسة الرسمية نفسه يدار من خارج المؤسسة ويتحكم بموارد
وقرارات وعمل المؤسسة ، بل ويعمل على تعطيل كافة القوانين و محاولات
الاصلاح التي تعمل على الحد من تاثير هذه الجماعات والتنظيمات وتحقيق
المصلحة العامة ، ومحاربة الخارجين عنهم والموناوئين لهم بكل الوسائل
والامكانيات المادية والعنوية سواء بالعزل او الطرد او التصفية الجسدية
، وبذلك تستمر سيطرتهم وتحقيق اهدافهم ومصالحهم الخاصة على حساب
المصلحة العامة .
ثالثا -
وجود سلطة الاحتلال
مما لاشك فيه ان وجود سلطة
الاحتلال الامريكي وما تمارسه من دور في واقع الحياة السياسية
والاقتصادية والاجتماعية العراقية اثر كبير في بروز الجريمة المنظمة
وانشطتها الفاسدة داخل مؤسسات الدولة العراقية حيث ان وجود هذه السلطة
الغريبة وما تمثلة من متغير في واقع الحياة للمجتمع العراقي وحصر
السلطة بيد القوات المحتلة ( رغم الوجود الشكلي للسلطة المحلية ) مهدت
الاجواء لظهور الجماعات والتنظيمات الاجرامية وانتشار نشاطاتها الفاسدة
وذلك من خلال ما يلي :
1- غياب
سلطة القانون التي تحمي مصالح المجتمع العراقي:
إذ ان سلطة الاحتلال لاتبالي
ولا تعمل على انشاء قانون يحمي مصالح الدولة والمجتمع العراقي وانما
فقط ما يدعم ظهور الجماعات الاجرامية المنظمة التي تقوم باعمال السلب
والنهب والقتل والتخريب والتي من خلالها تستطيع تحقيق الكثير من
المكاسب ومنها اعطاء غطاء او مبرر لبعض الاعمال والفعاليات غير
المقبولة تجاه المجتمع العراقي كتصفية الكفاءات والرموز الوطنية وكذلك
سرقة وتهريب الثروات الى الخارج وكذلك سرقة الاموال من خلال مشاريع
وهمية و شكلية ، بالاضافة الى ادخال المخدرات وتجارة الرقيق والاعضاء ،
وهذا يرجع الى ان القانون لا يسن ولا يطبق الا فيما يخص مصالح الاحتلال
ويحافظ على وجود وبقاءه اما غير ذلك فهو غير مهم .
2- قلة او
عدم المعرفة بالواقع العراقي:
مما لاشك فيه ان سلطة الاحتلال
لديها معرفة ومعلومات عن طبيعة المجتمع العراقي من خلال البحوث
والدراسات القديمة او من خلال العلماء والخبراء الذين جلبتهم معها
لدراسة المجتمع العراقي (وهذا ما اكدته الكثير من المصادر ) الا انه
ولاسباب عديدة فان هذه المعلومات تبقى ناقصة وغير دقيقة وغير كافية
لضبط وحكم المجتمع العراقي بشكل ايجابي يمكن ان يحد من ظهور وانتشار
الجماعات والمنظمات الاجرامية المنظمة ، حيث ان من المعروف ان سلطة
الاحتلال تهتم فقط بالمعلومات التي تستطيع من خلالها تحقيق مصالحها
وسلطتها السياسية والعسكرية داخل المجتمع العراقي ، الا انها لاتتفهم
طبيعته وافكاره ورود فعله تجاه مثيرات او متغيرات معينة وبالتالي فان
أي قرار او اجراء يمكن ان تقوم به هذه القوات عادة ما يكون غير محسوب
النتائج او متاكد منها على الاقل_وخير مثال على ذلك هو انشاء قوات
الصحوة ودورها في حياة المجتمع العراقي ومؤسساته) مثل هذه القرارات
ونتائجها يمكن ان تعمل على ظهور وتعزيز الجماعات الاجرامية المنظمة
وتعزز نشاطتها .
كما وان طبيعة المجتمع العراقي وما
فيه من تنوعات اجتماعية وثقافية واقتصادية ودينية وتعليمية وغيرها ...
من المتغيرات الاخرى ، وكذلك قصر الفترة التي يمكن ان حددت لدراسة
المجتمع العراقي غير المتجانس ، او طبيعة المصادر المعتمدة في ذلك ،
جعلت من الصعب فهم طبيعة هذا المجتمع وميوله وحاجاته وافكاره وسلوكياته
وما يمكن ان ينتج عنه تجاه أي مثير او متغير جديد (وهو مجتمع شديد
الغرابة والتعقيد وخاصة بالنسبة للغريب والاجنبي) لذلك فان الكثير من
القرارات التي تم اتخاذها من قبل سلطة الاحتلال كان لها اثرها ودورها
في ظهور وتقوية الجماعات الاجرامية المنظمة بسبب جهلها بطبيعة المجتمع
والواقع العراقي .
3- الاهتمام
بالمصالح الخاصة على حساب العامة:
مما لاشك فيه ان سلطة الاحتلال
جاءت لتحقيق اهداف ومصالح خاصة بها ولا يهمها من قريب او بعيد مصالح
العراق ، لذلك فانها تعمل بكل امكانيتها وجهودها من اجل تحقيق هذه
الاهداف والمصالح حتى وان تعارضت وتقاطعت مع مصالح المجتمع العراقي ،
فهم يصدرون القرارات والقوانين التي تحقق اهدافهم ومصالحهم ويتحركون
بالاسلوب والاتجاه الذي يحقق اهدافهم ومصالحهم دون الاخذ بنظر الاعتبار
مدى تعارض ذلك مع مصالح واهداف المجتمع العراقي ، ودون مسائلة قانونية
تجاه اعمالهم ضد المجتمع العراقي وكذلك تدخلاتهم في اطلاق سراح الكثير
من المجرمين والقتلة الذين تلقي القوات العراقية القبض عليهم حتى رغم
اعترافم بجرائمهم ، وذلك على اساس صفقات سياسية او تخطيط داخلي سري
لتجنيدهم ضمن جماعات تسند لهم مهام سرية معينة تتضمن القتل والتدمير
لاهداف ومصالح سلطة الاحتلال مقابل الحصول على حصانة وامتيازات مادية
مجزية ، ذلك لانها تحقق اهدافهم ضمن خطة مدروسة ، هذا من جهة كما ان
تعزيز روح الفردية والمصلحة الخاصة لدى ابناء المجتمع العراقي وزرع روح
الفرقة والانعزال والانفصال والانانية وتفعيل المصلحة الخاصة على
العامة شجعت ظهور الجماعات الاجرامية المنظمة التي تخدم مصالحها الخاصة
من جهة ومصالح واهداف سلطة الاحتلال من جهة اخرى سواء بشكل مباشر او
غير مباشر .
4-استغلال
الموقف من قبل البعض : لم يحظى دخول القوات الامريكية الى
العراق واحتلاله بقناعة ورضى كل افراد المجتمع العراقي رغم اختلافاتهم
وتنوعاتهم العرقية والاثنية وتوجهاتهم السياسية والاجتماعية والثقافية
، لذلك ضهرت تنظيمات عديدة هدفها المعلن مقاومة هذا الاحتلال والتواجد
الامريكي في العراق ، ثم ما لبثت ان زاد عددها وتنوعت اشكالها وخاصة
بعد ان فشلت سلطة الاحتلال باحداث تغيير ايجابي وتحقيق اهداف ومصالح
افراد المجتمع العراقي وتحقيق الرفاهية والتقدم ، ومع ان بعض هذه
التنظيمات والجماعات كان لها اهداف وطنية سامية وحقيقية الا ان البعض
الاخر استغل الظروف ومشاعر الناس والفراغ الامني نتيجة للاحتلال ونظم
تشكيلات وتنظيمات معينة كان الغرض منها تحقيق مصالح مشبوهة خاصة متسترا
بستار الجهاد والوطنية ومحاربة المحتل ، مستغلا بذلك مشاعر الناس في
الحصول على دعمهم واسنادهم من جهة والفراغ الامني والتخبط والفوضى
السياسية من جهة اخرى فقد استطاعت هذه الجماعات الدخول بشكل قوي وواسع
داخل مؤسسات الدولة والحكومة من خلال الأداء السيئ والضعيف للاحزاب
ومبدأ المحاصصة وكذلك جهل الناس بما يحدث من امور ومتغيرات سريعة
وواسعة وعلى مختلف الجوانب والاصعدة ، ومن خلالها استطاعت هذه الجماعات
والتنظيمات الاجرامية التحرك بشكل فاعل ومؤثر وتحقيق اغراضها ومصالحها
دون رقابة اومحاسبة رسمية او غير رسمية لذلك بدات بالسلب والنهب والقتل
والتدمير والخطف والابتزاز وكل ما يمكن ان يحقق اهدافهم ومصالحهم .
5- طبيعة
المجتمع العراقي
لايخفى على المطلع ان المجتمع
العراقي يتكون من عدد من القوميات والاديان والطوائف ، وريف وحضر
ومجتمع قبلي ومجتمع حضري ، مثل هذا التنوع والتعدد والاختلاف يمكن ان
يكون له نتائج جيدة وايجابية على حياة المجتمع اذ ما تم استثمارها
والتعامل معها بشكل ايجابي بحيث تعمل على تكامل المجتمع وزيادة
تضامنه وتسانده ، وهذا ما اكد عليه الكثير من العلماء ومنهم دوركهايم
في كتابه تقسيم العمل(14) بحيث يكون لكل مكون من هذه المكونات (قوميات
، اديان ، طوائف .... ) دور معين في حياة المجتمع يعمل على سد النقص
واشباع حاجة معينة يسند ويقوي بها وظائف وادوار الجماعات والمكونات
الاخرى ، ويعمل على امتصاص مصادر القلق والنقص والتوتر وبالتالي يؤدي
الى وحدة وتماسك بناء هذا المجتمع(15) ، اما اذا اسيئ استخدام هذا
التنوع والاختلاف فانه بالتاكيد سوف يؤدي الى كارثة حقيقة يمكن اثارتها
واستخدامها بشكل فاعل وخاصة اذا ما كانت الظروف ممهدة لذلك ( مثل قلة
الوعي والتخلف ).
ومن المعروف ان العراق قد مر
بمواقف واحداث وظروف كثيرة شجعت ودعمت الاتجاه السلبي في هذا التنوع
والاختلاف واستغلال عيوبه ، فقد حدث تمييز بين القوميات والعشائر
والاديان والطوائف ، وتم تمييز وتفضيل احدهما على الاخرى ودعمها سواء
ماديا اومعنويا من خلال اعطاء المناصب في الحكومة و منح حقوق وامتيازات
لفئة او جماعة و طائفة معينة دون الاخريات ، مما ولد العداوة والكراهية
والضغينة لدى هذا البعض أوعلى الاقل اوجد نوع من الكره والبغض الكامن (
بسبب بطش الحكومة لكل من يعترض او يعارض ) لذلك حاولت كل من هذه
المكونات ( عشائرية ، طائفية ، .... ) ان تعمل على ايجاد تنظيم لها
تتوحد به وتدافع به عن حقوقها ونفسها ضد التهديدات والضغوط الخارجية
وظهور انواع مختلفة من العصبية ( قومية ، طائفية .... او غيرها ) وجعلت
لنفسها رموزا تميزها وروايات واساطير تحكي قصتها وتاريخها وتسئ الى
الاخرين ، وبذلك مهدت الطريق لانشاء جماعات منظمة تعمل على تحقيق
مصالحها الخاصة في السلطة والنفوذ والثروة .
وقد تناول هذا الموضوع وهذه
الظاهرة في المجتمع العربي عامة والعراق خاصة الكثير من العلماء
والمفكرين ومنهم أبن خلدون ونظريته في العصبية القبلية وقيام الدولة
وكذلك الكاتب حنا بطاطو والدكتور على الوردي في كتابه عن طبيعة المجتمع
العراقي وغيرها من الاشارات التي تؤكد على مثل هذه التوجهات داخل
المجتمع الذي يتميز بطابع ذو ثقافة روحية والذي يعاني من مشاكل في
المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، فمثل هذه العوامل تؤدي
الى تشجيع ظهور جماعات منظمة تعمل على تحقيق مصالحها الخاصة ، وعادة ما
يكون التعدي على الاخرين وسلب اموالهم ( واحيانا حياتهم ) هو الاسلوب
الانجح والافضل في تحقيق هذه الاهداف والمصالح .
6- طبيعة
الشخصية العراقية:
تمتاز الشخصية العراقية بمميزات
وصفات خاصة ، وذلك نتيجة لمجموعة من المؤثرات البيئية والاجتماعية
والثقافية ، وقد تناول الكثير من العلماء والكتاب هذا الموضوع حول
طبيعة وسمات الشخصية العراقية ، واهم وابرز مميزاتها وما هي الاسباب
التي ادت الى تكوين مثل هذه الشخصية ومنهم الدكتور علي الوردي والدكتور
علي كمال وغيرهم .
ويرى الباحث ان الشخصية العراقية
قد تميزت ببعض الصفات الخاصة بفعل تاثير البيئة الطبيعية المتطرفة من
جهة ( حيث الانتقال من الحر الشديد الى البرد القارص وخلال فترة زمنية
قصيرة جدا ) وكذلك طبيعة التربية والتنشئة الاجتماعية التي تمتاز
بالقسوة المفرطة احيانا والعاطفة الشديدة والمحبة والتعاون والغفران من
جهة اخرى (وهذا ايضا يتم بسرعة شديد مما يولد الاحساس بالاثم والشعور
بالذنب(16) ) وهذا التطرف والانتقال السريع والمفاجئ من حال الى اخر
مغاير تماما يمكن ان يؤدي الى الكبت الذي يؤدي بدروه الى الانفجار من
جهة والاعتماد والاتكال على الغير من جهة اخرى ، بحيث ان معظم الافراد
في المجتمع العراقي هم معتمدون على غيرهم في المعيشة واتخاذ القرار
وينتظرون من الاخرين ان يقوموا لهم او يعطوهم دون مساهمة في ذلك ( وهذا
ما لاحظناه بعد دخول قوات الاحتلال لى العراق حيث ان بعد مضي فترة من
الزمن ولم يرى العراقيون من المنافع والانجازات المتوقعة شيئا ، فترى
الأفراد العراقين اخذو بالتململ والتهجم على السلطة الحاكمة بانهم لم
يعطونا كذا ولم يفعلوا كذا ولم يوفر وكذا دون ان يحاولو هم انفسهم ان
يساهموا بهذا العمل ، وذلك لانهم اعتادواعلى ان يقدم المسؤول او الرئيس
لهم احتياجاتهم ولا يطلب منهم الا الطاعة والولاء ، وهذا يؤدي مع مرور
الوقت الى الاحساس بالغبن والظلم مما يؤدي الى تدوير الفكرة ثم العمل
على قيام تجمعات وتنظيمات داخلية تعمل على مواجهة هذا الواقع والتمرد
والعصيان بشكل انفعالي متطرف(17) .
ومن المعروف ان أي تغيير سريع
ومفاجئ عادة ما تكون نتائجه غير محسوبة وغير اكيدة وغير مرضية وهذا ما
حدث بعد احداث 2003 وعدم حصول افراد المجتمع العراقي على المتوقع من
المتغيرات والمكاسب ، مما ادى الى قيام وبناء تشكيلات وتنظيمات (تحت
مختلف التسميات ) من اجل مواجهة هذا الواقع المرفوض والحصول على بعض
المكاسب المادية والمعنوية ، مما ادى الى قيام وتكوين جماعات ومنظمات
اجرامية منظمة استغلت الظروف لتحقيق مصالحها الخاصة ومنها نهب ثروات
هذا البلد وقتل وتهجير اهله وخاصة الكفاءات منهم .
مما تقدم يمكن القول ان بناء
الشخصية العراقية كان ومازال هشا قائما على التسلط من جهة والتبعية
والاستسلام من جهة اخرى، ومثل هذا التطرف في المواقف يؤدي الى عدد من
المشاكل النفسية والاجتماعية لدى الافراد منها الكبت والاحساس بالغبن
ومما يجعل الفرد متربصا لاية فرصة للانتقام واحداث التغير وهو ما ادى
الى ظهور الجماعات والتنظيمات الاجرامية وسرعة انضمام بعض الافراد
اليها وخاصة اذا ما زامن ذلك عدم الوضوح والفهم لكثير من المفردات
المفاهيم الحياتية اليومية او تشويه معانيها كالسلطة والندية واختلاف
الراي والحرية والديمقراطية والحرام والحلال والنصر والتفوق وغير من
المفاهيم والتي هي الان بامس الحاجة الى اعادة فنهم وتعريف لان سوء
فهمها يؤدي الى سوء استخدامها .
ومن الجدير بالذكر هنا وللاسباب
المذكورة اعلاه نلاحظ ان ابناء المجتمع العراقي عادة ما لا يعترفون
بالخطا عن ارتكابه ، وذلك لاعتقادهم بان هذا يضعف من موقفهم ويقلل من
شانهم امام الاخرين ، لذلك نراهم عادة ما يندفعون باتجاه معين دون
التفكير والتروي فيه ، ومن الامثلة على ذلك هو عندما يحدث حادث تصادم
بين سيارتيين في الطريق فان كلا الطرفيين سيحاول التهجم على الاخر على
اساس انه المخطا وسبب الحادث بشكل انفعالي دون التفكير او الاحتكام الى
القواعد والقوانين المرورية العامة او سؤال المختص ، وانما تتم
المواجهة بشكل سريع وعنيف في محاولة لفرض الراي والحصول على المكاسب
والتعويض او الافلات من العقوبة وتعويض خسائر الطرف لاخر على لاقل ،
وهذا يعد وفق مبدأ التغالب المتخذ من الثقافة القبلية وثقافة المناطق
الشعبية من الرجولة والشطارة والدهاء .....
ويمثل هذا النوع من التفكير
والسلوك ( وهو الغالب بين ابناء المجتمع العراقي ) فكرة النصر والفوز
والتي تتحقق وفق رؤية نفسية واجتماعية ضيقة ، فهي تحقق الاحساس بالرضى
الاني والمؤقت بغض النظر عن اثارها اللاحقة مما يؤدي الى تفاقم الخطا
والتمادي فيه ، حيث ان التراجع المتاخر يكون اكثر صعوبة منه في البداية
وخاصة اذا ما وجد التبريرات اللازمة لذلك واقنع نفسه بها ، او يؤدي الى
الانسحاب المفاجئ والسريع مما يخلق نوع من الاحساس بالذنب والدونية وما
يخلفه من مشاعر العدوان والعنف تجاه النفس والاخرين(18) . وتقوية موقف
الطرف الاخر الذي تعرض للاعتداء مما يعطه الفرصة للثار والانتقام بشكل
قاس وعنيف وبذلك تزداد المسالة تعقيدا وسواء وهذا العامل في طبيعة
الشخصية العراقية يؤدي الى امكانية الانضمام الى الجماعات الاجرامية
المنظمة والتمادي في الاشتراك بنشاطاتها (كنوع من التعويض او اشباع
الحاجات ) ومن ثم امكانية الانسحاب السريع والمفاجئ اذا ما احسن متاخرا
بالخطا وعدم الجدوى مما قد يؤدي الى تكوين جماعات وتشكيلات مضادة والتي
قد تكون بنيت على اسس ومفاهيم خاطئة في الفهم والتصرف مع اعطاء
التبريرات اللازمة لذلك(19) .
7- طبيعة الحكم
في العراق :
امتاز الحكم في العراق في الفترة
السابقة بوجود سلطة مركزية قوية شمولية وضعت بيد شخص واحد كان يمثل
الدولة ومسيطر على كل مفاصلها ومؤسساتها بحيث لا يمكن اتخاذ أي قرار او
تغيير او تتحرك اية مؤسسة الا من خلاله ، وهذا تجسيد لطبيعة السلطة
الأبوية الموجود في المجتمع العراقي ، كما انها تمثل رغبة القادة
والسياسين في مثل هذا المجتمع ، حيث انهم يفضلون ان تكون جميع الخيوط
بايديهم فيتصرفون بامور البلد مثلما يريدون دون اعتراض او مقاطعة من أي
طرف اخر، لانهم حسب اعتقادهم واعتقادنا رموز لاتخطا ولا تنحرف وان كل
ما يقومون به هو صحيح وعبقري لانه صدر عن شخص يمتلك من الصفات
والمؤهلات ما لا يمتلكها غيره بل انه يمثل ظل الله في الارض لذلك فان
لديه من القدرات والامكانيات ما يعجز الاخرون عنه (وهو ما يطلق عليه
اسم الكارزما او القائد الملهم والضرورة ) هذا من جهة ، ومن جهة اخرى
فان اغلب الحكومات والرؤساء الذين حكموا العراق انما جاءو نتيجة لثورة
او انقلاب عسكري قتل ودمر واباد كل منافسيه ولم ياتي أي منها عن طريق
الانتخاب او المنافسة العقلانية التي تنتقي الافضل ، لذلك فان كل من
يعارض هذه السلطة مصيره الفناء فقد حصلوا على ما يسمى ( بالشرعية
الثورية ) التي تتيح لهم قتل ما ومن يردون دون معارضة، كما اننا نجد ان
اغلب الحكومات والرؤساء والقادة الذين حكموا العراق لم يتازل احد منهم
عن منصبه طواعية او بحكم راي الشعب والديمقراطية والانتخاب وانما قتل
او نفي ، لذلك عندما يحتل أي شخص هذا المنصب لايتنازل عنه لاحد وانما
يبقى فيه قدر المستطاع الى ان يتمكن منه شخص او جماعة اخرى وتقوم بقتله
أونفيه وتحل محله لتقوم بنفس الاعمال وبنفس الاسلوب الذي يحقق لها
البقاء والاستقرار لاطول فترة ممكنة وبكل الوسائل الممكنة مثل هذا
الحال لابد وان يؤدي الى خلق جماعات دعم السطلة لانها قد استفادت منها
وحققت بعض المكاسب المادية او المعنوية ، واخرى ضد السلطة لانها حرمت
من كل حقوقها بل وابسطها ، فمثل هذه السلطة تقرب جماعات وافراد وتمنحهم
امتيازات على حساب الاخرين وبذلك تخلق الكره والبغض فيما بينهم مما
يؤدي الى احساس بالفكرة ثم التوحد ضمن تنظيمات ضد الاخرين سواء بشكل
سري او علني(19) . والتي هي في حالة من الصراع غير المعلن ، ثم بدا
حالة من الفراغ السياسي والامني في العراق وصراع الاحزاب المختلفة
المتناحرة على السلطة شجع ودعم ظهور الجماعات الاجرامية المنظمة لغرض
الاستفادة منها في تحقيق مصالح ضيقة تخص فئة او حزب او جماعة
معينة،(حيث يرى العالم ريموند فيرث انه اذا ما استحوذت الاقلية على
الحكم فان ذلك سيدفع بالجماعات الاخرى الى محاولة احداث التخريب
والفساد كنوع من الاعتراض والمحاربة للنظام ، اما اذا تناوبت الجماعات
والفئات المختلفة فان الجماعة التي تتولى مقاليد الحكم ستعمل على اثارة
المشاكل والاضطراب بشكل سري ، لتبقى محتفظة بالحكم لاطول فترة ممكنة)،
من خلال التاثير على الاخرين والاستحواذ على الثروة والسلطة ،
فالانتقال من السلطة المركزية القوية والتي تستخدم كل اساليب القوة
والبطش ضد كل من يخالفها الى فراغ سياسي وامني وقانوني مدعوم بوجود
صرعات وتكتلات مختلفة ومتناحرة وطامعة ادى الى ظهور وبروز الجماعات
المنظمة الاجرامية والتي في جملتها مدعومة من خارج العراق ومن مصادر
مختلفة ، وكل منها يهدف الى تحقيق غاية معينة من خلال احتلال السلطة
والنفوذ .
ومن الجدير بالذكر هنا الى ان بقاء
الحاكم ( او أي موظف حكومي ) في موقع المسؤولية لفترة طويلة يؤدي الى
توليد فكرة وقدرة لديه لتكون جماعات دعم خاصة من جهة، وتحويل منصبة من
عمل رسمي يقدم من خلاله خدمات الى المجتمع والحصول على اجر وامتياز
مقابل ذلك ، الى مالك شخصي للمقدرات والموارد المادية والبشرية في
المؤسسة التي يعمل فيها فيبدأ باستغلالها وفق توجهاته وبما يتلائم مع
افكاره وميوله ، ويبدا بتفعيل المصلحة الخاصة على العامة ، وكذلك تقريب
المؤيدين والمناصرين ومحاربة كل من يعترض على رايه ، وهذا ما حدث في
العراق وخاصة قبل احداث عام 2003 حيث قربت جماعات وفئات بشكل كبير مما
شجع على القيام وتشكيل جماعات ومنظمات سرية وعلنية تعمل ضد بعضها
لتحقيق مصالحها الخاصة .
وبعد احداث 2003 عندما انهار
النظام والسلطة انهارت معه كل مؤسسات الدولة والنظام السلطوي الشمولي
المرتبط بشخص الحاكم او القائد والقائم على وجوده وبقيت فقط التنظيمات
غير الرسمية هي الفاعلة والعاملة في الساحة العراقية .
8- العلاقة مع دول
الجوار :
شهد العراق الكثير من الحروب
والمشاكل والازمات سواء الداخلية منها والخارجية ، اثرت بشكل مباشر في
طبيعة علاقاته مع دول الجوار كما ان موقع العراق وما يتمتع به من ثروات
طبيعية كثيرة جعلت منه هدفا للاخرين ، فمنهم من يريد ان يستولي على
ثرواته ومنهم من يريد ان يحتل موقعه ويتخذ فيه موطا قدم لضرب الاخرين
او التجارة او غيرها
كل هذه العوامل بالاضافة الى طبيعة
الحكام الذين حكموا العراق واللذين لم يستطيعوا ان يقيموا علاقات
ايجابية متوازنة مع دول العالم عامة والدول المجاورة خاصة ادخلت العراق
في مشاكل كثيرة وجعلته مسرحا لمختلف العمليات والنشاطات السلبية
والاحداث التخريبية والدموية ، فمنهم من دخل معه في حرب ومنهم من شجعه
وورطه في دخول الحرب لتحقيق اهداف خاصة به ، وهذا ادى بمرور الوقت الى
ان تكون علاقة العراق مع بعض ان لم تكن بكل جيرانه علاقة عدوانية
متوترة ، جعلت من الاخرين متربصين به ويحاولون استغلال ايه فرصة
للانتقام او النيل منه واضعافه طمعا فيه او اتقاء لتاثيره السلبي ، وقد
كانت احداث 2003 وما انتجته من ظروف داخل المجتمع العراقي فرصة كبيرة
لهولاء المتامرين والحاقدين عليه من جهة والطامعين والساعيين الى تحقيق
اهداف خاصة من جهة اخرى ، فقاموا بارسال العصابات والجماعات الاجرامية
الى العراق وامدادهم بكل انواع الامكانيات المادية والعسكرية المطلوبة
لاحداث الدمار والخراب والقتل والفوضى ونهب خيرات هذا البلد، كما ان
البعض من هذه الدول جعل من العراق مسرحا وساحة لعملياته ضد قوى اخرى
غير عراقية سواء لاستعراض القوة او لتصفية الحساب دون مراعاة او احترام
لسيادته ولاهله ، مما شجع قيام جماعات اجرامية منظمة ذات اهداف مختلفة
فيما بينها ، الا ان هدفها جميعا هو نهب خيرات وثروات هذا البلد فقامت
بتقديم التسهيلات لدخول العصابات الاجرامية الى العراق من جهة ، و
وتسهيل خروج بل واستثمار الاموال والمواد المنقولة (بل حتى الكفاءات
والعقول العراقية ) في بلادهم من جهة اخرى .
مما تقدم يمكن القول ان العلاقات
السلبية العدائية مع دول الجوار شجعت على دخول ونمو الجماعات الاجرامية
المنظمة داخل العراق وقامها بسلب ونهب وتدمير ثرواته .
الخاتمـة:
من كل ما تقدم يمكن ان نقول ان
العوامل والظروف التي عاشها ويعيشها المجتمع العراقي بكل مؤسساته هي
عوامل وظروف مناسبة بل ومشجعة على ظهور نشاطات التنظيمات الاجرامية
وقيامها باعمالها الفاسدة والتخريبية في العراق ، بل وهي ايضا مشجعة
على بقاءه واستمراراه ، لان فيه وجدت الاجواء المناسبة لتكوين هذه
الجماعات الاجرامية المنظمة او تواجدها ، حيث الاختلاف على المصالح
وتقسيم الثروات والسطلة وعدم العدالة الاجتماعية ، وما ولده من عوامل
كبت وقهر وعدوان لدى البعض على البعض الاخر ولسنوات بل لعقود عدة بشكل
خفي وكامن ، متربصا باية فرصة ليعبر فيها عن معاناته ويحل بها مشاكله ،
هذا بالاضافة الى طبيعة الواقع الفكري والثقافي ومستوى الوعي بالظروف
الاجتماعية والثقافية لعموم ابناء المجتمع العراقي وليس لخاصته من
المثقفين (الذين همش ويهمش دورهم في المجتمع) فانه ساعد ويساعد على
ظهور وبناء الجماعات والمنظمات الاجرامية المنظمة ، والتي تتخذ لنفسها
اشكالا مختلفة ومسميات مختلفة ومتسترة تحت رايات وشعارات براقة وذات
تاثير قوى وفاعل في حياة وواقع الفرد العراقي ، مما يسهل استغلاله او
خداعه لتسهيل عمل هذه المنظمات الاجرامية ونشاطاتها الفاسدة في مؤسسات
الدولة والمجتمع العراقي ، فاصبح بالامكان استغلال وخداع الافراد في
المساعدة في بعض النشاطات الفاسدة لخدمة هذه المنظمات الاجرامية ، او
استغلال مؤسسات معينة في الاعمال الاجرامية والفاسدة كاستغلال قوات
الامن والجيش في تصفية بعض الخصوم او الكفاءات ، او احداث اعمال الشغب
وترويع وترهيب للافراد والمجتمع او استغلال المؤسسات في عقد صفقات
مشبوهة او غير صالحة ، او القيام بمشاريع وهمية او غير ذات اهمية ،
بغية تحقيق ارباح مادية كبيرة وتهريبها الى الخارج او غيرها من
النشاطات الفاسدة الاخرى التي غايتها تحقيق الارباح والمكاسب والحصول
على السلطة والثروة والنفوذ من جهة وتحقيق الاضرار والالم والمعاناة
والتدمير للفرد والمجتمع العراقي من جهة اخرى ، من خلال استغلالها لضعف
اداء المؤسسات بصورة عامة سواء القانونية او الخدمية او الامنية .....
وعاملة في ذات الوقت على استمرار هذا الضعف في اداء الواجب بالشكل
الايجابي المطلوب .
كل هذه العوامل والظروف ادت الى
ظهور الجماعات والمنظمات الاجرامية المنظمة في العراق وكذلك ساعدت على
بقائها واستمرارها بشكل فاعل وقوي ، بحيث مارست نشاطاتها بشكل وضع
مستوى الفساد في العراق في مقدمة الدول التي تعاني من الفساد وكل هذا
يحدث تحت مسميات براقة ذات بعد وغطاء ثقافي واجتماعي وسياسي .
بعض المقترحات للحد من الجريمة
المنظمة والفساد في العراق
1- الغاء مبدا المحاصصة بكل اشكاله
وانواعه لانه يمثل العامل الاساس في تشكيل وتكوين العصابات المنظمة
داخل المؤسسات ويجعل عملها سهلا وفاعلا اعتماد مبدا الاكثر كفاءة في
التعيين وشغل المناصب وخاصة الرئيسية منها وذلك من خلال وضع شروط
ومواصفات علمية وعملية لشغل المنصب .
2- وضع قوانين واضحة وصارمة لعمل
المؤسسات سواء في مجال العقود او التعيين او غيرها ووضع عقوبات مشددة
لمن يخالفها على ان يشمل الجميع دون استثناء لان ذلك يجعل القانون اكثر
هيبة وثقة واحترام عند الافراد .
3- العمل على زيادة ورفع مستوى
الوعي الثقافي والسياسي والاجتماعي والامني ... لدى ابناء المجتمع
العراقي على ان يتم ذلك على يد المختصيين .
4- اعادة تعريف وفهم بعض
المصــطلحات والمفاهيم ســواء الدراجة او الحـديثة ( كالديمقراطية
والحرية والسـلطة والانتخاب وفصل السـلطات والوطنية والمصلحة العامة ..
) ليتم استخدامها بشكل ايجابي ومفيد داخل المجتمع بعد ازالة التشويه
الذي اصابها وحرفها .
المصـــــــــادر :
........................
1- محمد
ابراهيم زيد ، الجريمة المنظمة تعريفها وانماطها وجوانبها التشريعية ،
اكاديمية نايف ، الرياض ، 1999 ، ص 32 .
2-LIDESMITH AL.FRED.orgnized crim in the annals of the American
Academy of political and social scince.vol217.1971.
3- عادل
عبد العال ، جرائم ضد المجتمع انماطها ووسائل الحد من انتشارها ، بحث
مقدم لمؤتمر الشرطة في تونس ، 1993 ، 56 .
4- محمد
الامين البشر ، التحقيق في قضايا الجريمة المنظمة ، الرياض ، اكاديمية
نايف ، 1999 ص 143 .
5- عبد
الرحيم صدقي ، الظاهرة الاجرامية ، دار الثقافية العربية ، الجامعة
العربية ، مصر ، 1988 ، ص 23 .
6- احمد
فتحي سرور ، الوسيط في قانون العقوبات ، القاهرة ، دار النهضة العربية
، 1991 ، ص116 .
7- د.
احمد جمال الدين موسى ، الجريمة الدولية المنظمة ، بحث مقدم الى الندوة
العربية حول الجريمة ، القاهرة ، 1998 .
8- حمدي
عبد العظيم ، غسيل الاموال في مصر والعالم ، ط1 ، القاهرة ، 1999 ، ص
17 .
9- هاشم
انور ، وسائل الكشف عن عمليات تبيض الاموال ، بحث مقدم الى جامعة الدول
العربية 1995 .
10-
الاتفاقية الخاصة بالرق الموقعة في جنيف 25 ايلول ، 1926 .
11- عامر
فروخ ، نظريات اسلامية في مشكلة التمييز العنصري ، دار الندوة الجديدة
، بيروت 1992 ، ص 20 .
12-
تقرير وزارة الخارجية الامريكية عن تجارة البشر ، 12 تموز ، 2001 .
13-
تقرير عن تجارة البشر وتهريب المهاجرين ، شبكة بي بي سي اون لاين
،22-7-2001
14-
نيقولا تيماشيف ، النظرية المعاصرة في علم الاجتماع ، ترجمة محمد
الجواهري ، ط4 ، دار المعارف ، مصر ، 1977 ،ص133 .
15- جين
روجيه ، تالكت بارسونز ، ترجمة محمد عودة ، دار الحداثة ، بيروت ،
1989،ص73 .
16- د.
علي كمال ، النفس وانفعالاتها ، ج1 ،دار العربية للطباعة ،بغداد ،
1998 ،ص87 .
17-
نيقولا تيماشيف ،مصدر سابق ،ص184.
18- د.
علي كمال ، مصدر سابق ،218 .
19-
روجيه باستيد ، السوسيولوجيا والتحليل النفسي ، ترجمة وجيه البعيني ،
دار الحداثة ، بيروت ،1998 ،ص93 .
|