الحضارية «دراسات اجتماعية»

السبت : 30/05/2009                                

 

  حقوق الطفل في القرآن الكريم

د. عبد الحكيم الأنيس
  

                      

                                       

 

1- من حق الطفل(1) اليتيم الإحسان إليه، وكلمة الإحسان كلمة عامة تشمل كل ما تستحسنه الشرائع ويستحسنه العقلاء في تنفيذ تلك المستحسنات.

        وهذا الإحسان مما واثق الله عليه الامم السابقة واللاحقة:

قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ) [البقرة:83].

    ثم قرعهم [سبحانه] بأنهم لم يلتزموا هذا الميثاق فقال: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ)

2- من حق الطفل اليتيم أن يُبرّ ويكفى وتلبى حاجاته ويعوض عما فقده، قال تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى) [البقرة: 177].

    وقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) [البقرة: 215].

وختام الآية الذي يبين أن هذه المبرة يعلم الله بها فيه من تحريك الوجدان ما يعجز التعبير عن بيانه.

3- من حق الطفل أن يُسعى إلى إيجاده، ورُبّ طفل عاد على البشرية بخير وسعادة لا تقدر، قال تعالى بعد أن كان قد حظر المعاشرة الزوجية في ليالي رمضان: (فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) [البقرة: 187]، وفي آية أخرى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ) [البقرة: 223].

    فإذا كان من حقه أن يُطلب ويوجد فلا يوجوز الحد من هذه الدعوة ولا تحديد النسل، وكل ما كان كذلك فهو ضد الطفولة التي يمكن أن يكون فيها من يسعد البشرية ، وضد البشرية التي يمكن أن تعتمد عليهم في آخر أمرها إذا عملت على تقديم ذلك لنفسها.

4- من حق الطفل اليتيم أن يحظى بكل ما يكون إصلاحاً له، وتترك التفاصيل للمعني بهذا الشأن، وتكون الرقابة عليه من الله مباشرة.

تأمل قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) [البقرة: 220].

    وتشعر كلمة (الإصلاح) بمباشرة ذلك باليد، وفي ختام الآية تحذير واضح من الإهمال والتعدي.

5- من حق الطفل حسن اختيار المرأة التي ستكون أمه؛ فهو سيتخلق في أحشائها، ويتشرب من أخلاقها وطباعها، ويتربى على حسب ميولها ورغباتها، ويتقلب في بيئة أهلها وأقربائها.

    ولعلّ هذا أحد الأسباب التي كانت وراء هذا التشريع: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) [البقرة: 221].

    والإنسان قد يعير بأمه، وربما عيره أقرب الناس إليه .

    وكذلك من حقه حسن اختيار أبيه (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) [البقرة: 221].

 

6- من حق الطفل –إذا طلقت أمه وهو حمل غير ظاهر- أن تعلن أمه خبره حتى لا يضيع ولا ينسب إلى غير أبيه، ومن حقه على أبيه مراجعة أمه لينعم بالعيش مع كليهما.

تأمل هذا الهدي الرباني: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا) [البقرة: 228].

7- من حق الطفل أن يرضع من أمّه –سواء كانت مطلقة أم لا- حولين كاملين، وفي وصف الحولين بـ(كاملين) إشعار صريح بأن هذا هو الأصل (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) [البقرة: 233]، وأما من نقصها عن الحولين فلم يتم المطلوب.

8- والإرضاع حولين يدل على تجنب الحمل، وفي ذلك إشعار بحقه اللازم من العناية به والانصارف له والتفرغ لشأنه عما سواه.

9- وهذا في حال قيام الزوجية وعدمها؛ فإذا كانت الزوجية قائمة فالمصلحة واضحة، وأما إذا كانت غير قائمة ففي هذا تأخير زواج الأم من آخر، وفسح المجال لإعادة الزوجية –إذا كان ذلك ممكناً- ويدل على حق الطفل بأن يعيش في ظل أبويه معاً(2).

10- من حق الطفل أن يرضع حليباً فيه غذاء جيد، وأن يعيش في حضن دافئ، في جور مستقر هادئ، ومن هنا جاءت الوصية الربانية بتوفير رزق المرضع وكسائها؛ لانعكاس هذا على وضع الطفل، وللتفرغ لهذه المهمة؛ فهذا الرزق والكساء ليس بمثابة أجر فقط؛ بل هو لمصلحة الطفل أيضا، قال تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، وفي قوله تعالى (لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا) دفع  للشطط الذي يمكن أن يحصل في ذلك من قبل الرجل والمرأة؛ فقد تطلب المرأة أكثر مما يستطيعه الرجل، وقد يضيق الرجل على المرأة، وكلا الأمرين ممنوع، و(النفس) هنا لا تعني الرجل فقط؛ بل تعني المرأة أيضا، ولعل هذا أقرب إلى المعنى؛ لأن التضييق على المرأة في النفقة والكساء يعود بالضرر على الطفل: فتكون الأذية لنفسين، بخلاف تعنت المرأة في طلباتها الذي سيكون ضرره على نفس واحد –أعني الرجل-.

11- من حق الطفل إعلاه نسبه، وانضواؤه إلى سلسلة يعرف بها، ونسبة يحملها: ليبلغ حقه في الغنم والغرم، فإذا وجب له شيء أخذه، وإذا وجب عليه شيء دفعه، وهكذا. وهاذ ما تشير إليه الآية القرآنية (على المولود له) فالتعبير بـ(له) تصريح بنسبته إليه ورجوعه إليه، ومن واجب الأب فهم هذا والعمل به.

12- من حق الطفل أن يكون بمنأى عن أن يكون سبباً في الإيذاء، ومشجباً تعلق عليه الرغبات المبطنة؛ فربما جر هذا إليه أذى غير مقصود.

13- ومن حقه أن يُجنب النظر إليه على أنه عبء ثقيل يرميه أحد الطرفين على الآخر، والنظر إلى إنسان أنه ثقيل أو إشعاره بذلك يؤذيه أشد الأذى، قد يقال: إن الطفل لا يشعر بهذا؟ فيقال: ولكن النظرة إليه على أنه كذلك والتبرم به ومعاملته معاملة غير المرغوب فيه تقلل من مكانته في أعين المحيطين به وتثير في نفوسهم الانزعاج منه، ومن حقه شرعاً –وإن لم يكن يشعر بذلك- أن يُحفظ من كل هذا، وأن يعيش في بيئة يخف عليها ولا يثقل، ويُحَبّ فيها ولا يُكره.

ويستنبط هذان المعنيان من قوله تعالى: (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) أي لا يجوز أن يكون الطفل سبباً في الإضرار بأمه ولا بأبيه.

ويأتي الشعور بالاستثقال إذا شعرت الأم أنه مفروض عليها إرضاعه والعناية به، أو إذا رفضت الأم إرضاعه، ولم يجد الأب له ظئراً، إلى غير ذلك من الأحوال.

14- من حق الطفل أن تكون القرارات الصادرة تجاهه مبنية على رضا عميق وتشاور تام؛ فهو ليس شيئاً قليلاً يمكن اتخاذ القرار انفرادياً.

ويستنبط هذا من قوله تعالى: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا)، وهذا وإن كان نصاً في الفطام إلا أن العلة فيه وهي رعاية مصلحته موجودة في سائر أحواله وأطواره من غذاء وكساء ودواء ولعب وترفيه وتعليم وغير ذلك.

 15- من حق الطفل أن يشرب الحليب الطبيعي من أمّه أو من امرأة أخرى؛ لأن هذا هو الأنسب له، والرضاعة الطبيعية –ولا سيما من الأم- لها فوائد كثيرة كما هو معلوم.

وهذا حق يؤخذ من قوله تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ)، ومن قوله تعالى (وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى) [الطلاق: 6].

فيلحظ أن البدل عن الرضاع الأصيل هو من مرضع أيضاً، فإذا كان هذا بعد تحقق إرادة الطرفين أو الأطراف فلا حرج.

وهنا لا بد من وقفة عن قوله تعالى: (وإنْ أردْتُمْ) بعد أن قال (فإنْ أرَادَا فِصَالاً) فما الحكمة من الانتقال من ضمير الاثنين إلى الجمع؟

        لعلّه يمكن القول –والله أعلم-: إن التعبير الثاني (الجمع) يشير إلى وجود آخرين مع الأبوين في هذه الإرادة وهم الأهلون، واختيار مرضع غير الأم لا بد له من خبرة ومعرفة قد لا يمتلكها الأبوان؛ ولنا أن نتصور مدى العناية الربانية التي تحشد هذه الأطراف لمصلحة هذا الطفل الغافل المستسلم.

وهناك من قال: (وإن أردتُمْ) أي: أيها الآباء، ولا يناقض هذا ما ذهبت إليه فالآباء تشمل الأب المباشر والجد للأب والأم، وقد يغبب الأب وينوب عنه الجد (أبوه)، وقد تغيب الأم وينوب عنها الجد (أبوها).

 والخلاصة: أن التعبير بالجمع يوحي باستمزاج أكثر من إرادة ورأي وتدبير.

16- من حق الطفل –إذا وكل في إرضاعه إلى غير أمّه- أن يهيّأ له الجو المناسب مادياً ومعنوياً بأن تؤدى إلى المرضع حقوقها كاملة بدون تقصير ولا تسويف ولا تأخير ولا تقليل؛ لتقوم بواجبها تجاهه قياماً تاماً غير منقوص.

وهذا ما تشير إليه الآية القرآنية التي جاءت بصيغة الشرط (إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ) بعد قوله (وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ).

فرفع الجناح عن تسليم الطفل إلى مرضع آخر مشروط بأن يسلم إليها ما يتم الاتفاق عليه بالمعروف، أي: بالطريقة المثلى التي يقرها العرف: عرف العقلاء والنبلاء والوجهاء، وهذا من حيث التعامل ومن حيث مضمون الاتفاق كالأجر ونحوه من الإكرام المالي والمعنوي بما يشجعها على العناية به والحنو عليه.

وأي تقصير في هذا الجانب يعود بالظلم على المرضع، وينعكس على الطفل.

17- من حق الفطل أن يخاف الله أهلُهُ فيه، وأن يستشعروا رقابته سبحانه عليهم، وكذلك مَنْ ستكون أمّه بالرضاع؛ فالجميع مخاطبون بقوله تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، وذكر (بصيرٌ) هنا يلقي بظلال المراقبة والمتابعة الربانية لشؤون هذا الطفل، ويشير إلى تعرض المقصّر تجاهه للمساءلة والحساب والعقاب.

إن النفس الإنسانية لتفيض بمشاعر جياشة يعجز القلم أن يعبر عنها وهو يقرأ ختام هذه الآية التي تناولت مسألة واحدة من المسائل المتعلقة بالطفل، وهي الرضاع، فأية عناية هذه من الله بالإنسان! وأي دفاع عنه وحفظ لحقوقه وتخويف من التفريط والتهاون بها!

18- من حق الطفل أن يذره أبوه مكفياً، وذلك بأن لا يبذر في أمواله، ولا يوصي بها للآخرين –إلا بحدود الثلث والثلث كثير-:

قال تعالى: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) [البقرة: 266].

هذه الآية مثلٌ لمن عمل بالخير ثم انقلب أحوج ما كان إلى الاستقامة، فمثله كمن له مال وهو كبير قارب الرحيل وله ذرية ضعفاء فتلف المال كفيف سيكون حاله وتفكيره في ذريته؟

 نفهم من هذا ضرورة المحافظة على المال –ما أمكن- من أجل الذرية الناشئة.

وسيأتي ما له علاقة بذلك.

 19- من حق الطفل أن يُغذى تغذية تصلح من حاله، وتنهض من شأنه وتقويه وتحسنه وتمنع عنه الأمراض والعاهات، وأن يكفله أهله بما يناسبه:

قال تعالى: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا) [آل عمران: 37].

ومريم منذورة لله فتولى الله شأنها بنفسه وأنبتها النبات المذكور، وعلى كلّ مربٍّ أن يتعلم هذا من توجيه هذه الآية، وأن يحرص على إنبات من يعول نباتاً حسناً تستحسنه العقول والأبصار.

20- من حق الطفل أن يُشارك في مجامع الكبار ومحافلهم، وقضاياهم ومهماتهم؛ ليسمع وليتفتح وعيُهُ مبكراً.

 تأمل قوله تعالى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) [آل عمران: 61].

21- من حق الطفلة اليتيمة –إذا أراد من هي في رعايته زواجها- أن يعطيها المهر الكامل الذي تستحقه، وإلا وقع ذلك الفاعل في الإثم والحرج.

قال تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) [النساء: 3].

وكذلك غير اليتيمة فإن من حقها –إذا لم يسم لها مهراً- مهر المثل، إلا إذا رضيت بأقل من ذلك فمن حقها.

22- من حق الطفل المعاق –بتخلف عقلي مثلاً- أن يحفظ الآخرون أمواله كما لو أنها أموالهم، وأن يرزق وأن يكسى بما يناسبه، وأن يخاطب بالمعروف:

قال تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) [النساء: 5] .

23- من حق الطفل أن يعدّ إعداداً تاماً لسن التكليف وما يستلزمه بلوغه هذه السن، حتى إذا بلغها كان عارفاً بما يُراد منه وما يطلب، وما ينهى عنه وما يُذمّ.

قال تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [النساء: 6]

والآية تدل على أنه إذا بلغ النكاح –يعني البلوغ- فمن حقه تسلُّمُ أمواله والتصرف بها، إذا كان خبيراً بذلك قادراً عليه.

فبلوغ هذه السن هو الفيصل بين الطفولة وما بعدها، وفيها تفرض عليه الفرائض ويخاطب بالشرائع.

وعلى الأمة أن تعده لذلك ليكون جاهزاً للدخول في المرحلة الجديدة، ولنا أن نتصور مدى نهوض الأمة لو طبقت هذا، ومدى المشكلات والجنوح لو قصرت فيه(3).

24- من حق الطفل اليتيم أن يحظى بشيء من العطاء إذا حضر قسمة تركة ولو لم يكن وارثاً، أمرت بهذا الآية القرآنية: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) [النساء: 8].

وهذا العطاء يجعله يشعر كأنه قريب، وفي ذلك خير وفير في التقارب والتحابب.

25- من حق الطفل أن يتناصح الناس في أمره وشؤونه وفيما يعود بالنفع عليه ويجنبه الضرر.

قال تعالى: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) [النساء: 9].

معنى الآية: أن على من حضر من يوصي لذوي قرابته وغيرهم بماله أن يأمروه بالعدل، ويتقوا الله، ويقولوا قولاً سديداً فيما يرجع على ذريته بالخير، كما لو كانوا هم مكانه ولهم ذرية ضعفاء(4).

26- من حق الطفل أن يرث كما يرث الكبير؛ بل يثبت له حق الميراث وهو حمل ويقسم له أكثر ما يستحق.

 يستفاد هذا من عموم قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) [النساء: 11].

وهذا يعني حقه في التملك في كل شيء.

27- من حق الطفل أن يشأ من أبوين حرين، ليكون حراً غير مستعبد لأحد، والحرية أجمل ما في هذه الحياة، وهي من أكبر نعم الله على الإنسان:

قال تعالى بعد أن أجاز للفقير أن يتزوج أمة –إذا خاف على نفسه الوقوع في المعصية- (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النساء: 25].

 وحكمة التذكير بالصبر والحض عليه بأنه خير من الزواج بالأمة هي أن لا ينشأ الأولاد أرقاء.

ويستنبط هذا أيضا من قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ) [النور: 33].

فالعبد إذا طلب المكاتبة يجب أن يجاب إلى طلبه ليصبح حراً، ويجب أن يساعد على ذلك. 

28- من حق الطفل أن يسعى أبوه في تحصيل نفقته ومتطلباته، وأن ترعاه أمه وتتفرغ له وتقوم عليه.

نستنبط كل هذا من قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) [النساء: 34]. والقوامة تقتضي النفقة على البيت، ويلزم منها كفاية المرأة وتفرغها لزوجها وأولادها.

29- من حق الطفل الدفاع عنه إلى حد القتال من أجل استخراجه من مكان يُستضعف فيه ويُضطهد.

وقد عاتب الله من لا يفعل هذا فقال: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) [النساء: 75].

وهذا يؤكد حق الطفل في العيش في مكان آمن، هو وأسرته فلا يؤذى في نفسه ولا في أهله.

30- من حق الطفل أن يكون مستثى من العقوبات التي تطال غيره؛ لأنه ليس مكلفاً أصلا ولا يد له في تدبير أو تغيير.

فعندما توعد الله الذين لم يهاجروا –والهجرة في صدر الإسلام واجبة كما هو معلوم- استثنى المستضعفين فقال: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) [النساء: 98-99].

وما فرض ويفرض على بعض الدول من عقوبات تنال من الأطفال أفظع نيلٍ يُعدُّ انتهاكاً سافراً لهذا الحق المكفول لهم في الشرائع السماوية والأرضية.. ولكن؟

31- من حق الطفل أن يُبدأ بتكوين شخصيته الاجتماعية من حين ولادته:

تأمل قوله تعالى: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) [هود: 71]، وقوله: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) [الصافات: 101]، وقوله: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) [مريم: 7].

وهذا التبشير به وإعلان الفرحة والسرور يؤثر في محيط الطفل ويعطيه كياناً وحضوراً وأهمية.

ويجب أن يصحبه هذا في كل سنيّه(5).

32- من حق الطفل أن يعامل بعدالة تامة ومساواة كاملة في الحب بينه وبين إخوته الآخرين، والإخلال بهذا يؤدي إلى مشكلات كثيرة، وعلى الوالدين أن يكتما مشاعر الميل والتفضيل مهما أمكن.

يستفاد هذا من قصة يوسف وإخوته: (لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [يوسف: 8].

ولا يعني هذا بالضرورة أن يكون يعقوب عليه السلام قد أظهر حبه وميله ليوسف؛ بل إن قوله: (يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا) [يوسف: 5] يدل على حذر يعقوب وتكتمه على مزايا يوسف، ورعايته لنفوس إخوته، وكتمانه الحب في قلبه، ولعل إخوة يوسف رفضوا حتى هذا الحب القلبي.

ولنا أن نتصور مدى المشكلة فيما لو أظهر الأب الحب وبنى عليه التفضيل في المعاملة(6).

33- من حق الطفل أن يُدعى الله له بأن يُحبّ ويودّ ويُؤلف، ويُسأل له الرزق، والصلاح، وبعبارة أخرى أن يطلب له خير الدنيا والآخرة.

تأمل تضرع إبراهيم [عليه السلام]:

(رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ

رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ

فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ

وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ

لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) [إبراهيم: 37].

(رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي

رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ) [إبراهيم: 40].

 ومن أنجح الرغائب تفويض الأمور إلى الله، والاتكال عليه فيها، ورجاؤها منه –سبحانه-.

 


 

الهوامش:
....................................

1- لسان العرب (11/402): "قال ابو الهيتم: الصبي يدعى طفلا حين يسقط من بطن أمه الى أن يحتلم".

2- انظر ما أوردته مجلة منار الإسلام في العدد (2) من السنة (24) صفر 1419ﻫ تحت عنوان: (تأثير الطلاق على التحصيل الدراسي في دراسة بريطانية) ص81.

3- من المفيد أن تقرأ: "الإعداد لسن التكليف: نظام تعليمي وتربوي جديد" للأستاذ سلمان الحسيني الندوي.

4- انظر "تفسير الطبري من كتابه جامع جامع البيان" (2/403).

5- تأمل هذا القول: قال عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي لأبيه: إن ابني فلاناً حذق؛ فقال الحسن (ت:97): كان الغلام إذا حذق قبل القوم نحروا جزوراً وصنعوا طعاماً للناس. انظر: "العيال" لابن أبي الدنيا (1/489).

6- قال التابعي الجليل إبراهيم النخعي (ت:96): كانوا يستحبون أن يسووا بين أولادهم حتى في القبل. رواه ابن أبي الدنيا في "العيال"(1/174)، فانظر عمق هذا القول وسداد هذا التوجيه.