|
السبت
:
23/05/2009
مظاهر
عمل الصبية المبكر ومخاطرها على الامن الاجتماعي
- دراسة
ميدانية في ميدانية بغداد -
أ.م.د فهيمة كريم
رزيج المشهداني(*)
(خاص
للمعهد)

1 . مشكلة البحث
تعاني معظم مجتمعات العالم من
ظاهرة انتشار عمل الاحداث , فالحدث دخل سوق العمل بسن مبكرة . ونتيجة
لازدياد حدة الفقر وانتشاره في معظم تلك المجتمعات والعوائل اختلفت
فيها الادوار وتغيرت فيها المكانات , وأخذ بعض الصبية مكان العائل ,
ودخلت المرأة مجال العمل وأخذت تساهم في اعالة العائلة إذا لم تكن هي
اصلا العائل للعائلة , وبالرغم من صدور العديد من القوانين والتشريعات
الدولية والعربية والمحلية التي تحاول ان تحجم هذه الظاهرة , إلا ان
عمل الاحداث آخذ بالانتشار وخصوصا في الدول النامية والتي تعيش بعض
عوائلها تحت خط الفقر .
ومن خلال استطلاعاتنا الميدانية
لاحظنا انتشار هذه الظاهرة بشكل ملفت للنظر , فالاحداث باعمار مختلفة
منتشرين في الاسواق بشكل كبير . لذا سعت الباحثة استطلاع هذه لظاهرة ,
لرصد حجمها , والتعرف على الاسباب التي تدفع هؤلاء الصبية للعمل في سن
مبكرة ومحاولة تقديم لهذه الظاهرة في اطار الظروف الاقتصادية
والاجتماعية والثقافية وعلاقتها ونتائجها بالامن الاجتماعي للمجتمع .
2. أهمية البحث
واهدافه :
ان اطفال اليوم هم مشاريع مستقبلية
وإذا تعرض الطفل لاي عوق بدني او نفسي فانه لامحالة سوف يؤثر على
المستقبل ويكون قوة معطلة , وبالتالي ينعدم اسهامه في عمليات البناء
ويعطل بعض الخطط التنموية الاقتصادية منها والاجتماعية للبلد .
ويهدف البحث للاجابة على التساؤلات
التالية :
1 . هل ان تردي الحالة المعاشية
للعائلة تدفع بابنائها الصبية للعمل ؟
2 . هل يؤثر عمل الصبية على
مستقبلهم الصبية ؟
3 . ما مدى رقابة العائلة على عمل
الصبية ؟
4 . هل يتعرض الصبية العاملين
لحالات من السلوك المنحرف اثناء عملهم ؟
5 . النتائج السلبية لعمل الصبية
على أمن المجتمع ؟
هذه التساؤلات وغيرها يهدف البحث
للاجابة عنها من خلال الدراسة الميدانية .
3. مفاهيم البحث
:
لكل بحث مفاهيمه , ولابد من وقفة
عند بعض مفاهيم البحث ومنها :
أ. مفهوم الحدث (Juvenile) :
لقد قسم المشرع العراقي مفهوم
الحدث الى :
أولا. يعتبر صغيرا من اتم التاسعة
من عمره.
ثانيا. يعتبر حدثا من اتم التاسعة
من عمره ولم يتم الخامسة عشرة .
ثالثا. يعتبر الحدث صبيا إذا اتم
التاسعة من عمره ولم يتم الخامسة عشرة .
رابعا. يعتبر الحدث فتى إذا اتم
الخامسة عشرة ولم يتم الثامنة عشرة .
وفي بحثنا هذا تهمنا الفقرة
الثالثة من قانون رعاية الاحداث رقم (76) لسنة 1983 . أي ان الحدث
يعتبر صبيا إذا اتم التاسعة من عمره ولم يتم الخامسة عشر(1) , فالبحث
هنا يركز على الصبي ( Boy Hood ) . أما الحدث في المفاهيم اللغوية
فيعني به (حدث) بفتحتين أي شاب فأن ذكرت السن قلت حديث السن . وغلمان
أي احداث , والصبي هو الغلام , والجمع (صبية) و ( صبيان ) (2) , كما
تعرف الصبا بأنها مرحلة ما قبل المراهقة بين سن (10ـ13) وتمتاز هذه
المرحلة بأطراد نمو الجسم والنشاط الكبير وظهور الميول المختلفة
والانفصال عن سلطة الابوين إلى سلطة العصبة وتأثرالصبي الشديد بها (3)
. ان هذا التعريف يجري على الاحداث او الصبية من عمر (10 ـ 13 ) سنة
وهذه تختلف عن السن التي شرعها المشرع العراقي لانه جعل السن من ( 9 ـ
15 ) بالنسبة للصبية . وهذا تباين بين الدول العربية في تحديد سن الصبا
او مفهوم الحدث بشكل عام وبما ان المشرع العراقي قد حدد سن العمل بـ
(7) سنوات , فأننا اعتمدنا الفقرة الثالثة لانها الاقرب إلى موضوعنا .
ب . العمل (Labour) :
يعرف العمل بأنه مجهود ارادي عقلي
او بدني يتضمن التأثير على الاشياء المادية وغير المادية لتحقيق هدف
اقتصادي مفيد , كما انه وظيفة اجتماعية تتحق فيها شخصية الفرد .
وتقدير قيمة العمل من العناصر
الهامة في الايديولوجية التي تسود اية فترة لان هذا التقدير يعكس
البناء الاجتماعي كما يعكس درجة القيم الاجتماعية .
اما ظروف العمل ( Labour
Conditions) فيقصد بها مجموع الاحوال الطبيعية والمادية التي يمكن ان
تحيط بالعامل في مكان العمل , ويصعب حصرها بصورة نهائية , إذا انها
تختلف من صناعة لأخرى ومن منطقة إلى منطقة . والتصنيف الشائع لظروف
العمل هو الذي يميز بين ظروف العمل التي تؤثر على صحة العامل وبين ظروف
العمل التي تؤثر على سلامته (4).
اما سوق العمل ( Labour Market )
فهو المكان الذي تتفاعل فيه مختلف العوامل التي تؤثر في صناعة التوظيف
, أي المكان الذي يبحث فيه اصحاب الاعمال عن العمال , وهو المجال الذي
تجد به انواعا عديدة لظروف العمل الذي تؤثر وتوجه خلاله العلاقات
المختلفة والتوظيف كأحوال عرض العمال وطلبهم والاختلافات الجغرافية في
الاجور والاختلافات في ساعات العمل وغير ذلك من ظروف تشغيل العمال (5).
من التعريفات السابقة نلاحظ ان
العمال في بحثنا هذا نقصد بهم الصبيان الذين لم تتجاوز اعمارهم الخامسة
عشر ولاتقل عن سبع سنوات . وان سوق العمل متاح ومفتوح لهؤلاء الصبية
وهم مطلوبين للعمل من قبل اصحاب العمل الخاص وذلك لقلة الاجور التي
يمنحونها لهم ولانها ايدي عاملة سهلة الانصياع والانقياد , ان البحوث
المتعلقة بعمل الاطفال تهمل عادة من هم دون سن السادسة نظرا لصغر سنهم
, وقد أظهرت دراسة منظمة العمل العربية إن معدل اعمار الاطفال العاملين
هو (15) سنة (6) .
اما بيئة العمل ( Worke Cology )
فيقصد بها الوسط او المجتمع الذي ينتقل اليه الحدث لمزاولة مهنة أو
حرفة او وظيفة , وقد يتكيف الحدث لهذا المجتمع او الوسط , أو قد يواجه
اخفاق او فشل في التكيف مع هذا الوسط مما يترتب عليه اضطراب خطير على
نفسية الحدث وعقليته الاجتماعية (7) .
وفي الظروف الطبيعية فأن بيئة
العمل ينتقل اليها الحدث بعد ان ينتهي من دراسته , لكن البعض منهم لا
تمكنهم طروفهم من الاستمرار بالدراسة بعد المرحلة الابتدائية او جزء
منها مما يضطرون وهم احداث إلى العمل فيندفعون إلى بيئة جديدة قد تؤدي
إلى اغراضهم (8) .
ج. الامن الاجتماعي ( Social
Security ) :
ارتبط الامن الاجتماعي بمفهومه
الشامل بخطط التنمية الاجتماعية التي تضعها البلدان المدركة لواجبها
نحو مواطنيها فعملت على تحقيق الوعود المعلنة في بيانات وتوصيات
ومقررات بغية تعميم الخدمات الاجتماعية التي تؤمن لهؤلاء المواطنين
الرفاهية المنشودة (9) .
وتشير المصادر اللغوية إلى ان كلمة
أمن ( Security ) تقابل مفردة أخرى هي الخوف , ولذلك فان الامن يعني
اقصاء الخوف والقلق وتوفير السلامة والطمأنينة . وقد ورد لفظ الامن في
القرآن الكريم في مواقع متعددة وفي معان تشير إلى الايمان والاطمئنان
والوثوق وعدم الخوف , كقوله تعالى ( الذي اطعمهم من جوع وامنهم من خوف
) (سورة قريش , الآية/4).
ان التحرر من الخوف او الحاجة إلى
الامن هو اول حاجة يسعى الانسان لتطمينها بعد اشباعه لحاجاته
البايولوجية الاساسية , فاذا لم يحقق الانسان حاجته إلى الامن استحال
العالم كله في نظره إلى عالم من الخوف والتهديد , ولن يستطيع حينها
انجاز أي حاجة ذات مستوى اكثر ارتفاعا كحاجات تحقيق الذات او حاجات
المعرفة او الحاجات الجمالية (10) .
اما الامن الاجتماعي فهو بالاساس
يشير إلى انتماء الانسان إلى جماعة والى تنظيم يحدد علاقاته وتفاعلاته
لأن الفرد لايمكن أن يعيش بمعزل عن الاخرين . لذا فأن الامن الاجتماعي
حالة تنظلق من الشعور بالانتماء وتستند إلى الاستقرار وتستمد مقوماتها
من النظام . بمعنى ان تلك الحالة تفترض وجود بناء تنظيمي او تنظيم
اجتماعي اتفاقي يشعر الافراد بالانتماء اليه ويتسم بالثبات والاستقرار
والدوام ويحدد مواقع اعضاء ذلك التنظيم وحقوقهم وواجباتهم بما يساعد
على توقيع سلوكيات اعضاء التنظيم في الحالات التفاعلية (11) .
ويرى البعض ان الامن الاجتماعي
يفترض حماية الافراد والجماعات والمنظمات من التهديدات والاتسفزاز
والتي تتعرض لها بسبب تفاقم مشكلات المجتمع وتناقض الاحكام والضوابط
الاجتماعية وتحلل القيم والمثل الحضارية .
ويعرف البعض الاخر الامن الاجتماعي
بأنه "انتصار الانسان على نفسه" ويحدد لذلك عددا من العوامل والسياسات
الاجرائية التي يراها ترتبط بعضها ببعض وتعمل على الحفاظ على بناء
المجتمع وثقافته وتماسك افراد وتعزز امنهم الاجتماعي .
والمن الاجتماعي وهو انتصار
الانسان على نفسه , فلكل نفس هواها تتبعه وهي تواقه إلى تحقيق ذاتها
كارهة للقيود والحدود حتى إذا فرضت عليها حملتها منها ما لم تشعر
بغيرها (12) .
ويقابل مصطلح الامن الاجتماعي
مصطلح اللامن الاجتماعي وفيه حالة عدم استقرار أو حالة أضطراب وظيفي أو
خلل بنائي تعرض لها ذلك البناء التنظيمي المستقر نسبيا , فأختل ترتيب
مواقع اعضاء الجماعة وتداخلت آليات وظائفهم وارتبكت مراكزهم وادوراهم
ثم تصدعت علاقاتهم الاجتماعية الامر الذي أخل بتوازن النظام الاجتماعي
وأربك آليات فتأثر السلوك بذلك الارتباك وتحجم الشعور بالانتماء إلى
الجماعة (13) .
وتظهر الكثير من مظاهر القلق
والتوتر والاغتراب والانحرافات السلوكية وتفاقمت المشكلات الاجتماعية
مثل التفكك الاسري والفقر والبطالة والتسرب من الدراسة وفشل عمليات
الصبط الاجتماعي والتضخم الاقتصادي وغيرها من المشاكل التي تلازم حالة
انعدام الامن الاجتماعي.
وتحقيق الامن الاجتماعي إذا يفترض
تصديا مزدوجا للبنية الاجتماعية ككل ولظاهرة الانحراف كظاهرة سلبية في
حياة هذه البنية , فتحصل المعالجة على الصعيدين معا , الصعيد العام وهو
ميدان التنمية الاجتماعية وما تتبعه من نشاطات اجتماعية والمحافظة على
المجتمع من الانحرافات والجرائم , والصعيد الخاص الذي يتأمن فيه أمن
المواطن على نفسه وروحه وماله (14) .
إذن الامن الاجتماعي يؤمن للمجتمع
حالة من التوازن والاستقرار والتنظيم الاجتماعي للفرد والعائلة
والمجتمع ككل , اذ ان المجتمع الذي يتوافر له الامن الاجتماعي يكون في
اعلى حالات التماسك الاجتماعي وامتثال افراده للقيم والمعايير الثقافية
, كذلك هناك توافق وانسجام بين الاهداف والوسائل الثقافية التي يسعى
المجتمع إلى تحقيقها (15) .
د. الفقر ( Poverty ) :
نعني بالفقر هو الحرمان من جميع
ضروريات الحياة بما في ذلك المأكل والمسكن أي الفقر المفرط (16) .
ويعرف الفقر البشري بأنه الفقر من
حيث أبعاد متعددة ـ هي الحرمان من أن يحيا المرء حياة مديدة وصحية ,
ومن حيث المعرفة , ومن حيث الحصول على مستوى معيشي لائق , ومن حيث
المشاركة , وعلى الاختلاف من ذلك يعرف فقر الدخل بأنه الحرمان من ـ
بُعد واحد ـ هو الدخل ـ لانه من المعتقد اما ان هذا هو الفقر الوحيد
الذي يهم او ان أي حرمان يمكن اختزاله في شكل قاسم مشترك . اما مفهوم
الفقر البشري فهو يعتبر انعدام الدخل الكافي عاملا مهما في الحرمان
البشري (17) .
ان ظاهرة الفقر هي ظاهرة عالمية
غير مقتصرة على بلد معين , وتشير التقارير إلى ان (130) مليون نسمة
يعيشون في حالة فقر من حيث الدخل , وأن (790) مليون نسمة اليحصلون على
تغذية كافية , و( مليون ) طفل يستخدمون كيد عاملة (18) .
اما بالنسبة للعراق فأن الدراسات
تشير في ذلك في مايخص نسبة الفقر فأنه يلاحظ انها قد حققت انخفاضا
كبيرا خلال الفترة ( 1972 ــ 1976 ) واستمرت في الانخفاض خلال الفترة (
1976 ـ 1979 ) إلا ان نسبة الفقر في سنة 1988 هي أعلى بكثير مما كانت
عليه سنة 1979 .
وأن أزمة عام 1990 حملت معها تبعات
مختلفة للعراق , اذ وضع تحت الحصار الدولي , ناهيك عن الدمار الكبير
الذي لحق بمنشآته الاقتصادية وبنيته التحتية , وقد اجتمعت عوامل مثل
الحد من صادراته ووارداته , ومعدلات التضخم العالية , وانهيار العديد
من أوجه النشاط التي يقوم بها السكان لتساهم في تراجع النمو الاقتصادي
وتدهور مؤشرات التنمية البشرية , وتشير احدى الدراسات الى ان متوسط
نصيب الفرد من الدخل القومي بالاسعار الثابتة قد انخفض خلال الفترة
(1988 ـ 1992 ) بمقدار الثلثين من ( 1006 ) دينار للفرد الواحد عام (
1988) إلى (332,4) دينار للفرد عام 1992 (19).
وان ظاهرة الفقر ترتبط بالأسر التي
ترتفع فيها معدلات الاعالة ( أي يزداد فيها عدد كل من الاطفال وكبار
السن الذين هم خارج سوق العمل ) .
وفي دراسة عن جيوب الفقر عام 1989
, تبين ان حجم العائلة بدا هو العامل الرئيسي وراء ظاهرة الفقر , وايضا
هذا ما أكده مسح التوافق والبطالة والعائدين والفقر الذي اجاب فيه
(28%) من الافراد الذين يعتبرون انفسهم فقراء ان سبب حجم الفقر هو كبر
حجم العائلة , واعتبر حجم العائلة اكثر اهمية من البطالة التي أعطيت
الترتيب الثاني (27%) من الافراد الذين يعتبرون أنفسهم فقراء (20).
وعلى هذا الاساس فان وجهات النظر
تحتلف فيما بينها لتحديد مفهوم الفقر , فهو من جهة بأنه "إذا لم يتمكن
فرد او اكثر من الحصول على حد ادنى مقبول من الرفاه الانساني" , ويعرف
ايضا "بأنه حالة من الحرمان المادي تنعكس سماته بأنخفاض الاحتياجات
الاساسية من الغذاء وما يرتبط به من تدني الحالة الصحية وتدني
المتطلبات السكنية عن مستواها الملائم , فضلا عن فقدان الاصول التابعة
سواء المتعلقة منها بالمتطلبات الحياتية او تلك المولدة للدخل" (21) .
اما خط الفقر ( Poverty Line ) وهو
مقياس للدخل يمكن من خلاله التفرقة بين الفقراء وغير الفقراء , ومنه ما
يعرف بخط الفقر المطلق الذي يعبر عن اجمالي تكاليف سلة من سلع تعد
اساسية لاحتياجات الفرد سواء الغذائية وغير الغذائية , في حين هناك
مايعرف بـ ( خط الفقر المدقع ) يشير إلى ادنى تكلفة لسلة غذائية رئيسة
يصعب من دونها البقاء على قيد الحياة (22).
وتشير التقديرات التي أجريت عن
الفقر في العراق بعد مطلع التسعينيات بأنه آخذ بالتزايد نتيجة الحصار
الظالم على الاقتصاد العراقي وما ترتب عليه من قيود فرضت على الانفاق
الاستهلاكي والاستثماري والذي تعد الحاجات الاساسية دالة بها , وقد
قدرت نسبة الفقر من خلال دراسة اجراها ( الكليدار ) بما نسبته (25%)
عام 1988 وأرتفع حسب تقديرات ( الاسكوا ) إلى مانسبته ( 45 % ) عام
1992 , واكثر من ذلك في نهاية التسعينيات نتيجة تراكم الاثار التي
افرزها الحصار الشامل على العراق .
هـ . التفكك الاسري ( Family
Disorganiztion ) :
يقصد بالتفكك الاسري ( اتجاه
التفاعل بين الوحدات التي تتكون منها الاسرة ضد المستويات الاجتماعية
المقبولة , بحيث يحول ذلك بين الأسرة وبين تحقيق وظائفها والتي لا بد
لها من القيام بها لتوفير الاستقرار والتكامل بين افرادها ) (23) .
واصطلاحا يراد بظاهرة التفكك
انهيار وحدة اجتماعية وتداعي بناءها واختلال وظائفها وتدهور نظامها
سواء اكانت هذه الوحدة شخصا أم جماعة ام مؤسسة ام امة بأسرها وهو عكس
الترابط والتماسك (24) .
كما يعرف على انه فشل وحدة النظام
وانهيار تكامله سواء لدى الفرد او الجماعة او المنظمة , وتسبق هذه
المرحلة عادة مرحلة الانحلال (25) .
اما التفكك الاسري فيشير إلى اي
وهن او سوء تكيف وتوافق أو وانحلال يصيب الروابط التي تربط الجماعة
الاسرية كل مع الاخر , ولا يقتصر وهن هذه الروابط على ما قد يصيب
العلاقة بين الرجل والمرأة , بل قد يشمل أيضا العلاقة بين الوالدين
والابناء (26) .
كما يشير التفكك الاسري إلى تصدع
علاقاتها الاجتماعية الداخلية والخارجية وانحلال وحدة تماسكها وتحطم
هيكلها التكويني بحيث يتعذر على منتسبيها خصوصا الأب والام من الايفاء
بالتزاماتهم والقيام بوظائفهم تجاه بقية افراد العائلة والمجتمع (27).
ويقسم التفكك الاسري إلى نوعين :
1. التفكك الجزئي : ويتم في حالات
الانفصال والهجر المنقطع حيث يعاود الزوج والزوجة حياتهم وعلاقاتهم
الاسرية , ولكن الحياة الزوجية لا تستقيم في مثل هذه الحالات وتبقى
مهددة من وقت لاخر بالانفصال او الهجر .
2. التفكك الكلي : ويتم بأنتهاء
العلاقات الزوجية بالطلاق او تحطم الحياة الاسرية بموت أو قتل احد
الزوجين أو كليهما (28) .
ويلاحظ وجود هذه الظاهرة وانتشارها
في محيط الاسرة بوجه خاص في المجتمعات المتحضرة , بل لقد بلغت في كثير
من المجتمعات حد فتور الرابطة بين الاباء والابناء في الأسرة الواحدة ,
واستقلال الاخيرين في المسكن والمأكل في سن مبكر بسبب سرعة التطور وهذا
ما يحدث بشكل خاص في المجتمعات الغربية الصناعية (29) .
وقد يؤدي التفكك الاسري إلى اختلاف
الادوار والمراكز الوظيفية والمكانات داخل الاسرة فيؤدي إلى اتخاذ
الابناء مكان الاباء في إعالة وكفالة اخوتهم واخواتهم . وفي هذا الخصوص
يتطرق بحثنا إلى العلاقة بين التفكك الاسري وعمل الصبية المبكر .
4. الاسباب التي
تدفع الصبية للعمل المبكر :
هنالك العديد من الاسباب التي تجبر
الصبي وتدفعه للعمل بسن مبكرة , وهنا نحاول التعرف على بعض تلك الاسباب
والتي من ابرزها ما يلي :
أ. التفكك الاسري :
إن تصدع الاواصر الاسرية وخصوصا
عند فقدان الأب بالوفاة , يدفع الصبي لأن يكون مسؤولا بسن مبكرة عن
تحمل اعباء اسرته من أخوته وأخواته ووالدته حتى ولو كانت والدته تعمل ,
والعائلة المفككة هي التي فقدت رئيسها او التي ابتليت بالطلاق والهجر
أو بأحد الامراض الاجتماعية كالمقامرة والادمان على المسكرات , ويرمز
البيت المفكك إلى نوع من العلاقات السيئة التي تعتبر المصدر الرئيسي
لكثير من المشكلات منها الحرمان العاطفي للابناء (30) , وتعرضهم
للانحراف بحيث لا تتمكن الاسرة من رعاية ابنائها وتوفير متطلباتهم
الاساسية والدفاع عنهم ضد الاخطار . وهنا يضطر الصبي لمزاولة العمل بسن
مبكرة للمساهمة ولو بجزء يسير في توفير بعض المردود المادي لعائلته
والتي يعتقد بأنه تحت وطأة تلك الظروف بأنه أصبح مسؤولا عنها . وهذا
يهدد حياته بكثير من المخاطر النفسية والبدنية والاجتماعية .
ب . اخفاق الصبي في الدراسة :
لا أدل على دور المدرسة في السلوك
البشري من قول ( فكتور هوغو ) "إذا فتحت المدرسة المدرسة ابوابها ,
اغلق السجن ابوابه" ويقول ( شوسر ) " الطفل السعيد هو الذي يتعلم يدرك
دائما " , أن ترك المدرسة المبكر يؤدي إلى قذف الحياة إلى الشارع أو
إلى العمل (31) , أي ان الحدث يتجه إما إلى البطالة او التسكع في
الشوارع ( التشرد ) أو الى العمل والمسؤولية . وقد يكون ترك المدرسة
ليس بسبب الرسوب فيها وانما قد تكون هناك اسباب منها انخفاض مستوى
التدريسي في المناطق المعدومة او المواقف السلبية للمدرسين ازاء الطلاب
خصوصا الفقراء منهم (32) , او زيادة الرسوم الدراسية وانخفاض نوعية
التعليم أو ان تردي الظروف الاقتصادية للكثير من الاسر تضطرها للتوقف
عن تعليم ابنائها وبناتها في سن مبكرة او حتى ارسالهم منذ البداية إلى
المدارس بحيث يلحق الطفل بعمل او بآخر للحصول على مردود نقدي بدلا من
مواصلة التعليم , وقد يبدو هذا المردود بسيطا في قيمته المطلقة ولكنه
غالبا ما يمثل نسبة يعتد بها من دخل الاسرة بحكم فقرها . وقد ينجح
الطفل او يفشل في تعليم حرفة او صنعة , وفي حالة الفشل في ذلك فأن هذا
يعني فشل مستقبله كمواطن بالغ في مقتبل الايام , وقد يتحول نتيجة لهذه
الظروف القاسية الى طريق الجريمة والانحراف والتشرد (33) .
وتشير احصائيا بعض الدراسات إلى ان
(61,5%) من الاحداث هم من الاميين , وأن (27%) منهم يقرأ ويكتب فقط ,
كما دلت الدراسة على أن ( 100% ) من الاحداث المبحوثين هم متسربين من
المدارس , وان اسباب تسربهم كما بين (57,5) (34) منهم على ان الحالة
المادية الضعيفة للاسرة هي السبب لتسربهم من المدرسة ودخول سوق العمل
بسن مبكرة , وتشير احصائيات وزارة التربية بان عدد تلاميذ الدراسة
الابتدائية المسجلين في بغداد للعام الدراسي ( 1999 ـ 2000 ) بلغ (
498588 ) تلميذ والمتسربين منهم ( 11372 ) تلميذ , في حين ان تلاميذ
الدراسة المتوسطة المسجلين في بغداد لنفس العام الدراسي ( 1999 ـ 2000
) منهم ( 207952 ) تلميذ , والمتشردين منهم ( 4394 ) تلميذ .
اما تلاميذ الدراسة الابتدائية
المسجلين في بغداد للعام الدراسي ( 2000 ـ 2001 ) فهم
( 523737 ) تلميذ ولا توجد بيانات
عن المتسربين منهم , في حين بلغ تلاميذ الدراسة المتوسطة لنفس العام
الدراسي ( 2000 ـ 2001 ) منهم ( 161223 ) تلميذ , والمتسربين منهم (
4228) تلميذ (35) . هذه البيانات تشير إلى ان هناك نسبة غير قليلة من
تلاميذ المدارس الابتدائية والمتوسطة متسربين من المدارس وبعضهم قد
اتجه إلى سوق العمل بسن مبكرة .
جـ . الطلب على عمل الاحداث :
يفضل أرباب العمل تشغيل الاحداث
وذلك لانهم يمنحونهم اجورا قليلة , فضلا عن قدرتهم السريعة في العمل
وان معظم الاحداث يعملون في مهن لا تتطلب مهارات عالية او خبرة أو
كفاءة وحتى تحصيل علمي , لذا يستعين بهم أرباب العمل بدلا من البالغين
, كما ان الاحداث أقل ادراكا بحقوقهم وأقل ازعاجا واكثر رغبة في تنفيذ
الأوامر والاشتغال في أعمال متعبة على وتيرة واحدة من دون شكوى , فضلا
عن أنهم يعملون في اعمال تعد حقيرة ورذيلة , كما انهم اكثر امانة وأقل
احتمالا للسرقة والغياب عن العمل (36) . ان سوق العمل الان مفتوح على
مصراعيه لاستقبال الاحداث للعمل فيه , ونجد الاحداث يعملون في كافة
مجالات العمل التاقه منها والضروري , فهم يعملون في بيع الاواني
المنزلية وبيع الاكياس , وجمع النفايات , وبيع الغاز والنفط , وبيع
السكائر ودهن وتشحيم السيارات وصبغها والسمكرة وفي البناء والنجارة
والحدادة وغيرها من الاعمال والضبط الاسري , اما البعض الاخر فهم تحت
رقابة الوالدين , فبعض الصبية يعمل مع والده أو احد اقاربه , لذا فهو
بعيد عن المشاكل التي تؤثر عليه وتعرضه للانحرافات السلوكية أو للمخاطر
النفسية والبدنية .
د. الحاجة الاقتصادية :
ان الفقر والحاجة الاقتصادية هي من
الاسباب المهمة التي تزج بالصبية لسوق العمل بسن مبكرة , فالاسرة
الفقيرة تدفع بأبنائها للعمل لسد احتياجاتها مهما كانت أجورهم قليلة ,
فالاسرة تحتاج إلى المعونة المالية والمستلزمات الحياتية الضرورية التي
لا يستطيع الوالدين تحقيقها للاسرة فيدفعون ابنائهم الصبية الى التوجه
نحو الاعمال الحرة والاعمال اليدوية دون مراعاة للجوانب العمرية
والقابلية الجسمية للصبي , لكن هذه الاعمال لا تدر الاموال الكافية
للاسرة بل تسبب المشكلات لها منها تعرض الصبية للجنوح والانحراف.
اذن الحاجة الاقتصادية وتردي
المستوى المعاشي تدفع الاسر الفقيرة إلى استغلال ابنائها وتدفع بهم
للعمل مبكرا , إن ظروف المعيشة غير المتوازنة في معيشتها ودخلها وعملها
, ومما يزيد عدم توازنها هو عيش الفقراء في المدن الصناعية الحضرية
التي تستقطب اصحاب رؤوس الاموال وفاقديها ( العمال والكسبة ) بالاضافة
الى وجود البطالة والاسر المفككة والمتقاعدين عن العمل والشباب العاطل
اللذين يزيدون حجم الفقر (37).
هذه الظروف تجعل من الصبية صيد سهل
لأصحاب رؤوس الاموال واصحاب الأعمال لان يكونوا ايدي عاملة رخيصة سهلة
الانقياد ومطواعة في تنفيذ الاوامر والقيام باعباء العمل .
وبالاضافة إلى الاسباب السابقة
الذكر فأن هنالك اسباب أخرى تدفع الصبية للعمل مبكرا , منها تقليده
لمهنة والده والسير على خطاه وتعوده على العمل في ورشة الاب او ورشة
احد الاقارب واستمراره في العمل تلك الورشة او المعمل . ان اعتزاز
الصبي بحرفة عائلته واستمراره في العمل بها يجعله تحت رقابة اهله
ويبعده عن الكثير من المخاطر , وقد يكون العكس فالصبي قد يقلد اصدقائه
ويسير على خطاهم في دخول سوق العمل بسن مبكرة وذلك للحصول على الاموال
التي هم في حاجة اليها , وان توفر المال بين يديه يغريه على الاستمرار
في العمل وترك المدرسة , هذا الاغراء المادي قد يعرض البعض من منهم إلى
الكثير من المخاطر البدنية والنفسية والسلوكية وقد يندفعون للانزلاق في
مهاوي الجنوح والانحراف .
5 . عمل الصبية
ومخاطرها على الامن الاجتماعي :
يكاد يكون عمل الصبية بسن مبكرة من
الأمور المهمة التي تعرض الفرد والأسرة والمجتمع إلى الكثير من المخاطر
التي يكون هؤلاء الصبية في غنى عنها , ويهدد أمنها واستقرارها . ان طفل
اليوم هو رجل المستقبل , وعلى المجتمع ممثلا بالأسرة والاقارب توفير
الرعاية والحنان وتوفير المستلزمات الضرورية له لكي ينشأ التنشئة
الاجتماعية السليمة والصحيحة كبقية اقرانه . ولكن ... ؟ فقر العائلة
وحاجتها الاقتصادية تدفع ببعض الصبية للعمل مبكرا , ان تأثيرات ظاهرة
العمل تبدو اكثر التصاقا بالفرد ( الصبي ) وبالاضافة إلى تأثيرها على
الاسرة والمجتمع . إن تلك التأثيرات يمكن ان تظهر بشكل واضح في بيئة
العمل ومخاطرها البدنية والمادية , كما ان ظروف العمل نفسه قد تؤثر
بصورة مباشرة او غير مباشرة في انحراف الصبي , فعدم قدرته الجسمية على
تحمل اعباء العمل قد تدفعه إلى الهرب منه , أو قد تؤثر قدراته العقلية
على عدم استيعابه لما يوكل إليه من اعمال , ويكون من نتائج الشعور
بالفشل وممارسة السلوك العدواني , كما ان نوعية العمل قد تكون غير
مناسبة لقدرات الصبي العقلية او النفسية او الجسمية , فقد تكون نوعية
العمل اكبر من قدراته ولا طاقة له بها , او تكون أقل بكثير من قدراته
ولا يكتسب منه أي مهارات , فيشعر بتفاهة ما يقوم به من عمل , هذا
بالاضافة إلى ظروف العمل الاخرى مثل قلة الاجور وساعات العمل الطويلة
التي يقضيها الصبي في عمله اليومي بما لايتناسب مع قدراته وامكانياته
الجسمية والعمرية (38) .
ان ظروف العمل غير الصحيحة تعرض
الصبية الذين يعملون فيها لتهديدات مادية وتقنية عديدة , تلك المخاطر
قد تؤدي إلى مرض الصبي او اصابته بالعوق أو غيره من الأمور التي تسبب
الألم للصبي من الناحية النفسية والعقلية وبالتالي تعوق تكيفه في
المجتمع , إلى جانب ان الصبي يعمل في ورش او حتى في الشارع كبائع متجول
فأنه يكون نمط من العلاقات وقد يكن البعض من هؤلاء الاقران اكبر منه
سنا , وهذا بحد ذاته امرا فيه شيء من الخطورة على الصبي لانه قد يقلدهم
او يحاكيهم في سلوكهم الذي الذي قد يكون بدوره سلوكا منحرفا مثل
الادمان على الخمر والتدخين او التردد على الاماكن غير الغير صحية من
الناحية السلوكية . وتشير بعض الدراسات بأن (100%) من الاحداث العاملين
يقلدون اصدقائهم في تلك السلوكيات السيئة (39) . أو أن الصبي يتعرض
للانحرافات الاخلاقية خصوصا في حالة غياب الرقابة الوالدية . وهنالك
امرا آخر الا وهو تسرب الصبي من المدرسة لاسباب من ابرزها عدم وعي
الوالدين بأهمية التعليم ودفعهم للعمل لمساعدة ابائهم في اعالة العائلة
خصوصا بالنسبة لمن كان والده حرفيا , أن هذا يساعد على انتشار التنشئة
الناقصة للاطفال مما قد يهيئهم ان يلعبوا في المستقبل ادوارا انحرافية
تتناسب ومكاناتهم الاجتماعية والتي غالبا ما تكون أسفل سلم التدرج
الاجتماعي مما يساعد على تغذية التوتو السلوكي (40) . هذا بالاضافة إلى
ان الصبي المتسرب من الدراسة يكون لديه وقت فراغ اكبر فقد دلت
الاحصائيات على ان تلاميذ المدارس الابتدائية في العراق المسجلين للعام
الدراسي ( 1999 ـ 2000 ) بلغت اعدادهم (1205799 ) والمتسربين منهم (
37502 ) , اما تلاميذ المرحلة المتوسطة في العراق لنفس العام الدراسي (
1999 ـ 2000 ) فقد بلغ ( 484842 ) والمتسربين منهم ( 20008 ) , أما
تلاميذ المرحلة الابتدائية في العراق المسجلين للعام الدراسي ( 2000 ـ
2001 ) فقد بلغ عددهم ( 1892141 ) ولا توجد دلائل احصائية
للمتسربين منهم , في حين ان تلاميذ المرحلة المتوسطة المسجلين للعام
الدراسي ( 2000 ـ 2001 ) في العراق بلغ ( 495777 ) والمتسربين منهم (
16795 ) (41) . من نظرة متفحصة لتلك البيانات نلاحظ ان هنالك اعداد
كبيرة من التلاميذ الابتدائية والمتوسطة متسربين من الدراسة , وهذا
مؤشر سلبي بالنسبة للعملية التربوية خصوصا إذا ما عرفنا بأن التعليم
الزامي في العراق في المرحلة الابتدائية , هذا التسرب من شأنه ان يوفر
عملا للصبية وبالوقت نفسه يتيح لهم وقتا كثيرا قد يسيئون استخدامه
واستثماره , وسوء استغلال وقت الفراغ وعدم توفر وسائل الترفيه من
العوامل المهمة والمؤثرة في انحراف الصبي . وفي هذا الصدد يقول سدرلاند
"ان الاطفال يدفعهم الفضول إلى التماس وسائل جديدة في كل الاوقات , وهم
لذلك يندفعون لتجربة كل ما يحيط بهم من وسائل اللهو التجارية ( الرخيصة
) وخصوصا إذا كانوا يعيشون في احياء موبؤة , ولهذا قد ينغمس اطفال هذه
الاحياء في انماط سلوكية ضارة , الامر الذي يقوهم إلى الجنوح والجريمة"
(42) . وتشير بعض الدراسات على ان (31,5) من الاحداث العاملين ينفقون
فائض دخلهم على التدخين , وان ( 14,5) منهم يصرف فائض دخله على مشاهدة
الافلام في دور السينما , ان المخاطر التي ترتبط بكلام سبق قوله ,
تزداد إذا اخذنا بنظر الاعتبار حقائق مثل أمية الطفل وسطحية وعيه ,
وافتقاره للخبرة الاجتماعية والمهنية , لقد اثبتت بعض الدراسات ان
(70%) من الاحداث ارتكبوا سرقات خلال اوقات العمل , وان (67,5%) منهم
ارتكبوا تلك السرقات بمساعدة آخرين معظمهم من رفاق العمل , وأن (
81,5%) منهم ارتكبوا جريمة السرقة تقليدا لاصدقائهم الذين سبق لهم
السرقة , كما ان ( 73,5%) من الاحداث المبحوثين اظهروا عدم الرضا عن
عملهم بسبب طول ساعاته او قسوة رب العمل , كما اظهر المبحوثين صفات
سلبية لاصدقائهم مثل التدخين وشرب الخمر او تناول الحبوب المهدئة (43)
.
ان الاثار التي تنعكس على الصبي
جراء عمله المبكر تنسحب على الاسرة والمجتمع , فالطفل مشروع مستقبلي
وهو الذي يغذي طاقة العمل التي يحتاجها المجتمع لادامة حياته , فالاسرة
تخسر ابنائها إذا تعرضوا لتلك المخاطر في حالة غياب الضوابط الاسرية
والاجتماعية , بل أن الابناء في حالة انحرافهم أو عوقهم سيشكلون عبئا
اضافية على الأسرة والمجتمع معا , إلى جانب ان اتجاه الاطفال نحو العمل
المبكر يهدد البرامج الدراسية , خصوصا الابتدائية , بالفشل ويؤثر لاحقا
على التوجيهات التنموية للدولة(44).
إن نظرة استطلاعية على أوضاع اماكن
العمل والاسواق المحلية وعلى الصبية في الشوارع كبائعين متجولين أ, حتى
العاملين باعمال لا قيمة لها , تعطينا دلالات ومؤشرات واضحة على انتشار
ظاهرة عمل الصبية مبكرا وعلى الحرمان الطفولي والمعاناة التي يعانيها
اطفالنا واحداثنا من جراء الحصار الظالم على قطرنا , ان استفحال هذه
الظاهرة يحتاج إلى اتخاذ تدابير امنية اجتماعية وقانونية من أجل الحفاظ
على رجال المستقبل وحماية أمن المجتمع واستقراره .
6 . عمل الصبية في
التشريعات والقوانين الدولية والعربية والعراقية :
إن ظاهرة عمل الاحداث والصبية هي
ظاهرة عالمية , لا تقتصر على مجتمع , بحد ذاته , انما هي اكثر انتشارا
وظهورا في المجتمعات الفقيرة , وقد أخذت هذه الظاهرة اهتماما دوليا
وعالميا من خلال اهتمامها بتحديد أسباب ودوافع تلك الظاهرة ووقف المشرع
موقفا حازما للحد من تلك الظاهرة , لكن مهما كانت تلك التشريعات
والقوانين فأن تلك الظاهرة آخذة بالاستفحال والانتشار لزيادة نسبة
الفقر في مختلف المجتمعات وتشير ( اتفاقية العمل الدولية ) رقم ( 82 )
لسنة 1999 بشأن "حظر أسوأ أشكال عمل الاطفال والقضاء عليها فورا " (45)
فقد تناولت مواد ما يلي :
· المادة (1) : التي تنص على أن
تتخذ كل دولة عضو تصدق على هذه الاتفاقيات تدابير فورية وفعالة تكفل
بموجبها حظر أسوأ أشكال عمل الاطفال واعتبارها من الأمور الملحة.
· المادة (2) : في مفهوم هذه
الاتفاقية يطبق تعبير ( طفل ) على جميع الأشخاص دون سن الثامنة عشر .
· المادة (3) في مفهوم هذه
الاتفاقية يشمل تعبير أسوأ اشكال عمل الاطفال مايلي :
أ. كافة اشكال الرق او
الممارسات الشبيهة بالرق , كبيع الاطفال والاتجار بهم وعبودية الدين
والقنانة والعمل القسري او الاجباري بما في ذلك تجنيد الأطفال القسري
او الاجباري لأستخدامهم في المنازعات المسلحة .
ب. استخدام طفل او تشغيله او
عرضه لأغراض الدعارة او لأنتاج اعمال اباحية أو اداء عروض إباحية .
جـ . استخدام طفل أو تستخدم فيها
الالات والمعدات وادوات خطرة والتي تستلزم المناولة او نقل احمال ثقيلة
يدوية .
د. الأعمال التي تزاول في ظروف
بالغة الصعوبة كالعمل لساعات طويلة مثلا أ, اثناء الليل او العمل الذي
يحجز الطفل في مكان صاحب العمل بشكل غير معقول.
وفيما يتعلق بأنواع العمل المشار
اليها في المادة (3) (د) من الاتفاقية والفقرة الثانية من التوصية ,
يجوز للقوانين الوطنية او اللوائح او السلطة المختصة وبعد التشاورمع
المنظمات المعنية لاصحاب العمل والعمال , ان تسمح بتشغل او عمل الاطفال
في سن السادسة عشر , شرط توفير الحماية الكاملة من الناحية الصحية
والسلامة والاخلاق للاطفال المعنيين , أن يتلقى الاطفال تعليمات محددة
وكافية , وكذلك التدريب المهني في فرع النشاط ذي الصلة .
اما النقطة (16) من الفقرة ثالثا
من التوصية فقد نصت على ضرورة توسيع التعاون الدولي او المساعدة
الدولية فيما بين الدول الاعضاء من أجل "حظر أسوأ اشكال عمل الاطفال"
والقضاء عليها بشكل فعال , ويمكن عند الاقتضاء , تطويره وتطبيقه
بالتشاور مع منظمات اصحاب العمل والعمال على أن يشتمل مثل هذا التعاون
الدولي او المساعدة الدولية على ما يلي :
أ. تعبئة الموارد من أجل البرامج
الوطنية او الدولية .
ب . المساعدة المتبادلة في المجال
القانوني .
جـ . المساعدة التقنية بما في ذلك
تبادل المعلومات .
د. الدعم للتنمية الاقتصادية
والاجتماعية وبرامج القضاء على الفقر والتعليم العالمي (47 ) .
اما التشريعات العربية فقد اختلفت
في تقنين سن العمل بالنسبة للاحداث , ويمكن ارجاع ذلك لعوامل اقتصادية
وشيوع البطالة وكذلك لعب التعليم الابتدائي الالزامي دورا في تعيين سن
العمل , واذا كان تفاوت الحد الادنى للسن القانونية للعمل في الدول
العربية يمكن ان يكون مبررا في ضوء اختلاف الظروف الاقتصادية
والاجتماعية في هذه الدولة علاوة على ذلك فان دواعي العمل الاجتماعي
العربي المشترك ,وميثاق حقوق الطفل العربي , تستلزم تضييق هذا المدى
الواسع , في تحديد السن القانونية لعمل الاحداث , ان لم يكن توحيد الحد
الادنى لسن العمل القانونية .
....
ثالثا .
تشخيص الحالات الفردية :
من خلال مقابلة المبحوثسن والتعمق
في دراسة حالتهم والاطلاع على المتغيرات الحياتية المهنية منها
والاجتماعية وغيرها من المتغيرات تم تشخيص بعص الامور العامة منها
والخاصة حسب الحالات المدروسة :
1 . ان اغلب المبحوثين هم من ذوي
التعليم الابتدائي إذ شكلوا نسبة (67%) من المبحوثين .
2. ان اغلب المبحوثين تاركين
الدراسة ذوي المرحلة الابتدائية وقد شكلوا نسبة (67%) من المبحوثين .
3. تبين ان بعض المبحوثين هم في
الدراسة المتوسطة وبلغت نسبتهم (25%) من العينة
4. كما تبين بأن كل الطلبة في
الدراسة المتوسطة مستمرين على الدراسة . وهذا يشكل نسبة (33%) وأيضا
واحد من الابتدائية فقط مستمر على الدراسة .
5. ان اغلب المبحوثين هم في العمر
الحرجة او كما تسمى بالفترة الحرجة (13ـ14) سنة وقد شكلت نسبتهم (50%)
في العينة . وهذا ما تؤكده اغلب الدراسات التي خاضت في موضوع عمل
الصبية المبكر , واكدت على ان اغلب الصبية يعملون في هذه الفترة
العمرية .
6. تبين ان بعض المبحوثين ابائهم
متوفين بنسبة (25%) وهذا السبب قد يعرض بعض المبحوثين لبعض المخاطر
والتي اجاب عنها (67%) من ان وفاة الوالد تفقد الصبي الرقابة العائلية
وكذلك اسباب اخرى قد يتعرضون لمخاطر غير وفاة الوالد .
7. ان بعض المبحوثين يعملون باعة
متجولين وبلغت نسبتهم (50%) , وهذا العمل يعرضهم للارهاق والتعب وكما
يعرضهم لمخاطر الانحراف وان يكونوا صيدا سهلا للمحترفين من المجرمين ,
خصوصا اذا كانوا بعيدين عن الرقابة العائلية .
8 . من خلال الدراسة ايضا تبين لنا
بان الحاجة المادية وفقر العائلة تدفع بالصبية للعمل بسن مبكرة خصوصا
العوائل التي فقدت معيلها اما بالوفاة او بالهجر او الانفصال فهذه
العوائل تعتمد على ابنائها في توفير مردود مادي لهم .
هذه الامور تؤثر على الصبي وعلى
العائلة لانها بالدرجة الاولى تعطل الصبي وتجعل منه غير ذي فائدة
مستقبلا خصوصا إذا انقطع عن المدرسة او اصابه العوق نتيجة عمله او تعرض
للانحرافات السلوكية او ارتكاب الجريمة , فهذه الامور تعوق استثماره
كطاقة بشرية يستفيد منها المجتمع مستقبلا في مشاريعه التنموية بالاضافة
إلى كونه طاقة معطلة ومعوقة لتقدم المجتمع . إذن عمل الصبية المبكر له
مردودات خطيرة على أمن المجتمع.
رابعا. توصيات
ومقترحات البحث :
من خلال الدراسة الميدانية ومن
خلال النتائج التي حصلت عليها توصي الدراسة بما يلي :
1. أن تُدرس ظاهرة عمل الصبية
بشكل مكثف وبفريق عمل يتشكل من مجموعة وزارات في الدولة للتعرف على
ابعاد المشكلة او الظاهرة بشكل أعمق وخصوصا وزارة العمل والشؤون
الاجتماعية .
2. احكام الرقابة على اماكن
العمل وخصوصا من قبل الشرطة .
3. حث الاهل والعوائل من خلال
البرامج الاذاعية والتلفزيونية على ضرورة استمرار الصبية في الدراسة
لصالح وخدمة المجتمع , ورفع وعيهم المعرفي بضرورة التعليم وفوائده
ونتائجه مستقبلا على المجتمع .
4. دراسة قانون العمل وتشخيص
ثغراته .
5. زيادة رواتب العوائل المتعففة
وخصوصا رواتب الرعاية الاجتماعية .
.......................
(*) قسم الاجتماع ـ كلية الاداب
الهوامش
:
................................
1.
وزارة العدل , قانون رعاية الاحداث رقم (76) لسنة 1983 , ص 4 ـ 5 .
2.
ابو بكر الرازي , مختار الصحاح , دار الكتاب العربي , بيروت , 1981 , ص
125.
3.
إبراهيم مدكور وآخرون , معجم العلوم الاجتماعية , الهيئة العامة للكتاب
, مصر , 1975 , ص 45 و ص 355 .
4.
د. احمد زكي بدوي , معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية , مكتبة بيروت ,
لبنان , 1978 , ص 236 .
5.
د. احمد زكي بدوي , المصدر السابق , ص 238 .
6. .
كريم محمد حمزة , مسببات عمل الاطفال وتأثيراتها على الفرد والاسرة
والمجتمع , دراسة مقدمة إلى المؤتمر السنوي لهيئة رعاية الطفولة في
وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عام 2000 , ص 6 .
7.
د. جلال ثروت , الظاهرة الاجرامية , مؤسسة الثقافة الجامعية ,
الاسكندرية , 1979 , 127 .
8.
د. رمزي اسكندر , الامن الاجتماعي وقضية الحرية , دار المعرفة الجامعية
, الاسكندرية , 1988 , ص 7 .
9.
د. مصطفى العوجي , الامن الاجتماعي , ط1 , مؤسسة نوفل , لبنان , 1983 ,
ص 72 .
10. د.
كامل المراياتي وآخرون , الأمن الاجتماعي , سلسلة المائدة الحرة , عدد
(7) بيت الحكمة , بغداد , 1997 , ص 10 .
11. د.
كامل المراياتي وآخرون , مصدر سابق , ص 12 .
12. د.
مصطفى العوجي , مصدر سابق , ص 26 .
13. د.
كامل المراياتي وآخرون , مصدر سابق , ص 15 ـ 17 .
14. د.
مصطفى العوجي , مصدر سابق , ص 75 .
15. احمد
فرحان الكبيسي , دور الامن الاجتماعي في تحصين وتماسك المجتمع العراقي
, رسالة دكتوراه غير منشورة , جامعة بغداد , 1995 , ص 6 .
16. احمد
زي بدوي / مصدر سابق , 105 .
17.
تقرير التنمية البشرية لعام 2000 , برنامج الامم المتحدة الانمائي , ص
17 .
18.
تقرير التنمية البشرية لعام 2000 , المصدر السابق نفسه , ص 30 .
19. د.
عبد الرزاق فارس , الفقر وتوزيع الدخل في الوطن العربي , ط1 , مركز
دراسات الوحدة العربية , بيروت , 2001 , ص 61 .
20. د.
عبد الرزاق فارس , مصدر سابق , ص 82 .
21. د.
سالم توفيق النجفي , المتضمنات الاقتصادية للامن الغذائي والفقر في
الوطن العربي , بيت الحكمة , بغداد , 1999 , ص 13 .
22. د.
سالم توفيق النجفي , المصدر السابق , ص 14 .
23. د.
سالم توفيق النجفي , المصدر السابق , ص 144 .
24. د.
احمد زكي بدوي , مصدر سابق , ص 153 .
25. د.
إبراهيم مدكور , مصدر سابق , ص 168 .
26. د.
احمد زكي بدوي , مصدر سابق , ص 112 .
27. د.
محمد عاطف غيث , المشاكل الاجتماعية والسلوك الانحرافي , دار المعرفة
الجامعية , الاسكندرية , 1989 , ص 161 .
28.
Goode , W., Family Disorganization , an Article Written In
Contemporary Social Problem,N.Y.,1961,P.390.
29. د.
معن خليل عمر وعبد اللطيف العاني , المشكلات الاجتماعية , جامعة بغداد
, 1991 , ص 106 .
30. علي
عبد الواحد وافي , الأسرة والمجتمع , ط 6 , مكتبة الانجلو المصرية ,
القاهرة , 1966 , ص 25 .
31. د.
عبد الجليل الطاهر , التفسير الاجتماعي للجريمة , شركة الرابط للطبع
والنشر , بغداد , 1954 , ص 64 .
32. د.
فخري الدباغ , جنوح الاحداث , دار الطباعة للنشر , جامعة الموصل , 1975
, ص 82 .
33.
الجامعة العربية , مجلس وزراء الشون الاجتماعية العرب , التقرير
الاجتماعي العربي لعام 2001 , ص 158 .
34.
الجامعة العربية , مجلس وزراء الشؤون الاجتماعية العرب , مصدر سابق , ص
158 .
35. الاء
عبد الرحيم , العمل المبكر وجنوح الاحداث , رسالة ماجستير غير منشورة ,
جاعة بغداد , 1999 , ص 83 .
36.
وزارة التربية , الاحصاء والتخطيط ,
37. الاء
عبد الرحيم , مصدر سابق , ص 45 .
38. د.
معن خليل عمر وعبد اللطيف العاني , مصدر سابق , ص 171 .
39. محمد
سلامة محمد غباري , الانحراف الاجتماعي ورعاية المنحرفين , المكتب
الجامعي الحديث , الاسكندرية , 1989 , ص 149 .
40. الاء
عبد الرحيم , مصدر سابق , ص 118 .
41. أحمد
فرحان الكبيسي , مصدر سابق , 232 .
42.
وزارة التربية , الاحصاء والتخطيط , سنة 2001 .
43. محمد
سلامة غباري , مصدر سابق , ص 140 .
44. الاء
عبد الرحيم , مصدر سابق , ص 114 ـ 118 .
45. د.
كريم محمد حمزة , مصدر سابق , ص 17 .
46.
وزارة العمل والشؤون الاجتماعية , هيئة رعاية الطفولة , ص 2 ـ 4 .
47.
وزارة العمل والشؤون الاجتماعية , مصدر سابق , ص 4 .
|