الحضارية «دراسات اجتماعية»

السبت : 16/05/2009                                

 

الأزمات والضبط المجتمعي

 

 د.عدنان ياسين مصطفى(*)
(خاص للمعهد)
  

                      

                                       

     تترك الأزمات والحروب الأرض التي يحترب عليها المحاربون خرابا ويبابا، وتخليها من الناس الذين يرعون حسرتها وزرعها وضرعها، ومن العلامات التي ترسم فروقا وتخط حدودا. وفي هذا السياق يرى غاستون بوتول[1]، في كتابه هذه هي الحرب، إن الحرب أخطر الظاهرات الاجتماعية بلا خلاف. وهي أيضا العامل الأساسي الذي يلعب دورا كبيرا في التحول الاجتماعي. إنها صورة من صور الانتقال العجل(وفق تعبير بوتول). الحرب كما يراها بوتول تساهم في انتقال الثروات[2] ، إفقار فئات والصعود بأخرى، وإحداث أثر كبير على السكان[3]، ومنها زيادة الوفيات وخاصة الشباب. إنها تؤدي إلى تغيرات ديمغرافية واسعة مثل تأخير سن الزواج وهجرة الشباب وارتفاع نسب الفئات المهمشة Vulnerable Groups، (الأيتام والمعوقين والأرامل وغيرها). والحروب قبل هذا وذاك مصدر قلق وتوتر وانفعالات لا يضاهى، تنتزع الفرد من محيطه المعتاد وتضعه في محيط مادي ونفسي غريب. وتقدم الأزمات الكثير من الأمثلة لمثل هذه الانفعالات انعكست في ممارسات سلوكية وأخلاقية  غير مألوفة. ذلك أن الحروب تؤدي إلى هدم بعض القواعد الأخلاقية، ورفع المحرمات (التابو)، بحيث تباح أعمال كان من المألوف تحريمها فتصبح مستحبة أو تفرض فرضا[4].وقد تنتج عن كل هذه المتغيرات ظهور مشكلات اجتماعية، ديمغرافية وسلوكية تصبح في دائرة التهديد المباشر وغير المباشر للأمن الإنساني.

    إذ غالبا ما تقود الحروب والأزمات إلى تغيرات اجتماعية عميقة، فالأمم التي تقاتل من أجل البقاء، أكثر عرضة للتغير في إطارها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وتشير المعطيات إن ظروف الأزمات تؤدي إلى ردود فعل تتباين من مجتمع إلى آخر، وتؤدي الخبرة التاريخية دورها المهم في ذلك. إن تلك الخبرات تعني ألفة الفرد بالأزمة، واستيعابه تفاصيلها، وفي بعض المجتمعات يتعزز الطابع التعاوني المؤسسي الذي يميز سلوك الأفراد والجماعات. بينما تظهر في مجتمعات أخرى ردود فعل متوترة ذات طابع فردي أناني، وحوادث سلوك جمعي غير خاضعة للضبط  والتوجيه، مما يؤدي إلى مضاعفة الآثار السلبية لفعل الأزمات، وخصوصا في البيئات الحضرية التي تتسم باللا تجانس السكاني Heterogeneous  والحجم الكبير والكثافة السكانية العالية فضلا عن سيطرة العلاقات التعاقدية المصلحية النفعية على المشهد الاجتماعي[5].

   إن انفصال الفرد عن روابطه الأولية وضعف انتمائه للمجتمعات المحلية والثقافات الفرعية في ظروف الأزمات يدفعه للارتباط والاتصال بالمؤسسات والجماعات التي يتعامل معها، وإذا لم تتح له المؤسسات فرصة الارتباط والولاء والشعور بالتفرد والذاتية، فان ذلك قد يدفع به للبحث عن ذاته بالخضوع لجماعات منحرفة، أو التقرب من الرؤساء والخضوع لهم بالمشاركة في الاتجاهات العدوانية أو بالتودد وتقديم الرشوة، مما يتيح له فرص التفاهم لتحقيق مكاسب غير مشروعة بغض النظر عما يترتب على سلوكهم من ضرر بالمصلحة العامة[6].

     وفي المجتمعات النامية التقليدية، غالبا ما يؤدي انهيار سلطة الدولة المركزية، أو ضعفها إلى اندلاع النزاعات بين مختلف الفئات العرقية والقبلية والطائفية. كما تؤدي إلى اتساع دائرة العنف التي تستغل الفوضى العامة لتنفيذ مخططاتها، بل والسيطرة على بعض المناطق التي تنهار فيها سلطة الضبط الرسمية وغير الرسمية.  هذه الفوضى تثير وبدرجات متفاوتة العوامل الكامنة في البنية الاجتماعية لحساب الهويات الفرعية، فتوجد عجز بنيوي وتوالد متواصل للمشكلات[7]، وقد ينجم عن ذلك أن تخرج سلوكيات من عقالها لتشيع الفوضى والاضطراب  بين شرائح  المجتمع ومؤسساته. 

       وفي ظل التداعيات التي تشهدها العديد من المجتمعات المأزومة يبقى التحدي الأول هو كيفية الحفاظ على النسيج الاجتماعي، مع مواجهة المخاطر المتزايدة التي تتسبب بها السلوكيات المنحرفة في حياة قسم كبير من البشر، ذلك أن الكثير مما يلاحظ من ممارسات وسلوكيات يومية خاطئة  تطفو على السطح تشجع الفوضوية وعدم الانضباط أو احترام القانون والاعتداء على مشاعر وحقوق الآخرين إنما هو ناجم عن   تأثر المؤسسات المجتمعية  وإلى حد كبير بالمحيط الثقافي والاجتماعي المحيط بها . فالمجتمع في كثير من الأحيان يسير تلك المؤسسات وليست المؤسسات هي التي تؤثر في المجتمع  وتقوده. إنها دوافع اجتماعية تذكيها تناقضات الحياة المأزومة وتداخلاتها وامتداداتها،  وفي المؤسسات الرسمية وغير الرسمية تطفو ثقافة الواسطة والمحسوبية والوصولية والمداهنات والتسلق وطلب الولاية والمناصب والتدخل في العلاقات... كلها تعبير عن كبت داخلي للاستحواذ على القوة والمال والجاه[8]. وهذه الظاهرة تبرز بشكل واضح في المجتمعات التقليدية،  إذ تسبق فيها تكويناتها الاجتماعية تنظيماتها السياسية، ذلك إن المجتمع ( society) إنما يكون فيه أسبق زمنا  وأقدم عمرا من الدولة (State).  هذا السبق للمجتمع على الدولة في المجتمعات التقليدية ومنها مجتمعاتنا العربية،  زاد في حجم المجتمع على حساب الدولة إلى الحد الذي يمكن فيه للمجتمع من أن يحتوي الدولة نفسها. ومما يلاحظ إن مثل هذا التفاوت بين ثقل وفاعلية كل من المجتمع والدولة، إنما يبرز في اختلاف وظيفة كل من هذين النظامين. وهنا تبرز الفجوة بشكل واضح بين الأقوال والأفعال يجعل من إمكانية تحقيق التنمية البشرية المستدامة صعبا ومعقدا يتطلب فيه تضافر الجهود المجتمعية القائمة على إعادة تثقيف المجتمع بغرس قيم احترام القانون وحقوق الآخرين وإشاعة ثقافة التسامح والحوار وحق الاختلاف في الرأي وجعلها أولوية وطنية تمكنه من تجاوز المحنة وتجعله مجتمع أكثر تحضرا وإنتاجا وقوة.

     وليس ثمة شك في أن أهم المشكلات، التي تشكل تحديا لعملية الاندماج والشراكة في مجتمعاتنا التقليدية، هو طغيان ثقافة وقيم الغلبة المستمدة من البداوة والمبنية على مبدأ أخذ الكثير بأقل القليل بغض النظر عن حقوق الآخرين ودون حساب درجة الاجتهاد ومستوى الإنتاجية.  وقد استشرت هذه المنظومات القيمية وتجذرت في ظل غياب سلطة الدولة التي أعقبت ظروف احتلال  العراق عام 2003، وإتاحة الفرصة للثقافات الفرعية في التعبير عن مكنوناتها التي لا تنسجم بالضرورة مع آليات الضبط  القانونية والرسمية والأخلاقية، فخرجت سلوكيات من عقالها لتشيع معايير إنحرافية لا تنسجم مع آليات الضبط المجتمعي الصحيحة. ففي ظل هذه المنظومة لم يكن مستنكرا أن يجاهر اللص أمام زملائه بأنه استولى  واغتصب أموال الناس أو الدولة دون وجه حق. وكذلك الطالب يتفاخر أمام زملائه  بأنه غش في الامتحان؛ أو ذلك الخريج الذي لا يخجل من وصف وظيفته التي حصل عليها للتو بأنه بالكاد يقوم بأي عمل ليجد الجالسين من حوله يحسدونه على ذلك! إن المشكلة الحقيقية تكمن في أن بعض الناس قد تربوا على  مبدأ (إذا لم تظلم الناس تظلم) ومقولة (إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب) . انه القانون الذي يفترس فيه البعض بعضا كلما لاحت في الأفق فرصة، دونما رادع أخلاقي ولا مراعاة لحقوق الآخرين. لقد هان على الناس الظلم حتى إنهم استسهلوه فلا الظالم يحس بظلمه ولا المظلوم يعي ما يقع عليه  من ظلم! فالكل يتوهم إن الوضع المتراخي المطاطي وغير الانضباطي يتيح الفرصة للحصول على ما ليس له، فاليوم مظلوم وغدا ظالم! المهم هو أن تتحين الفرصة وتفوز بالغنيمة قبل غيرك وتحصل على قصب السبق في صراع محموم وتنافس شديد في  لعبة لا تخضع لقوانين وأنظمة ولا لمنطق وقيم سوية رشيدة!

     إن من المؤسف حقا أن نقول أن  احترام القانون وحقوق الآخرين أصبحت في بعض الأوساط الاجتماعية سبة يوصف صاحبها بالسذاجة والضعف ولربما شك في قدراته العقلية! لم يعد البعض يطيق احترام القانون، فقد يسيطر عليه وهم التميز عن الآخرين، وانه يصح له ما لا يصح لغيره! لذا لم يكن مستغربا أن تتفشى ظاهرة الاستعلاء على الآخرين بسبب أن الموظف الفلاني أو الأستاذ الفلاني على علاقة طيبة مع المسؤول عن الدائرة التي يعملون فيها! يشجع على ذلك ان المسؤول عن الدائرة أعطى المجال لأشخاص غير جديرين بتولي المسؤولية لأنهم لم يراعوا حقوق الآخرين واحترام القانون وكان شغلهم الشاغل هو لتحقيق مصالحهم الخاصة حتى ولو كان ذلك على حساب المصلحة العامة، وكأنما كل واحد منا يعيش في معزل عن الآخر ولم يعلموا أن المجتمع كالسفينة تتطلب تكاتف الجميع للإبحار بها إلى ساحل الأمان. إنها السفينة التي ينحشر فيها الجميع: الكل في قارب واحد باتت تتقاذفه الأمواج تعصف به في غمرات بحر لجي أو محيط متلاطم ، ولكن ركابه في كل حال شركاء في مصير واحد، مهما تباينت حظوظهم أو ثرواتهم أو مقدار ما حصلوه من علم أو مكانة، فالكل متوحد المصير، إما أن يغرقوا معا وإما أن يصلوا إلى مرفأ الأمان.

   لقد أدت الأزمات والحروب في العراق إلى خلق مخاطر متراكمة في حياة ومعيشة السكان وخصوصا الفقراء والفئات المهمشة، ولما كان الملايين من الفقراء والمهمشين والمهجرين لا يتسنى لهم التعامل مع المخاطر الناجمة عن الأزمات بمواردهم الخاصة، فان أي إستراتيجية تروم التكيف سوف تحتاج لتقوية إمكانياتها في إدارة المخاطر وتمكين البشر من التواؤم مع الصدمات- خاصة الصدمات الكارثية الناجمة عن الاحتلال- دون أن يعود ذلك بمعاناة طويلة الأمد مع ما تحدثه هذه الصدمات من ارتكاسات هو الشرط المطلوب لتحقيق التقدم المستدام في التنمية  البشرية. 

    وانطلاقا من هذا المنظور ينبغي أن يسعى الجهد التنموي الحقيقي إلى توفير كل المقومات الثقافية الفعالة-بما فيها توظيف الثقافة الشعبية والتراث الحي- لدعم خلق ثقافة وطنية إنسانية مشتركة متطورة ضمانا للتماسك الاجتماعي وتعزز الضبط الاجتماعي  وتدعم الوحدة الوطنية، والولاء الوطني، والتواصل والحوار الحر بين مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية، وهذا يقتضي العمل على مختلف الجبهات، وبخاصة من خلال منظومات الثقافة والتعليم والإعلام، لتعظيم الجوامع واحترام الفروق، والحرص على ترسيخ قيم الإنصاف والمواطنة ومعانيها ورموزها دون تعصب أو انغلاق.

    إن بناء برامج فاعلة للحماية الاجتماعية وبناء رأس المال الاجتماعي، إلى جانب ترسيخ حكم القانون وبناء منظومات فاعلة تعزز القيم المشتركة، تعني نطاقاً واسعاً من أشكال التدخل. وهى تشمل المخططات الإسهامية التي يتسنى من خلالها  لجميع شرائح المجتمع بناء منظومات تسهم في مقاومة المخاطر (المعاشات وتأمينات البطالة على سبيل المثال) وتوفير مدى عريض من المنافع للقطاعات السكانية المستهدفة. وتتمثل واحدة من الأهداف الملحة في ذلك الحد من تأثير  الصدمات المؤقتة من أن تصير مصدراً لفقر مدقع طويل الأمد يهدد بالنتيجة الأمن الإنساني. وفي سياق تعزيز الضبط المجتمعي، فإن بإمكان برامج الحماية الاجتماعية والتي يتم تنفيذها كجزء من إستراتيجية أوسع للتكيف من خلال توفير مظلات أمان اجتماعي، أن تلعب دوراً حيوياً في مساعدة الفقراء والفئات المهمشة على تفادي المخاطر وتجنب الارتكاسات طويلة الأمد في التنمية البشرية.

     وفي ضوء هذه المعطيات يمكن القول،  إن بناء  المجتمع بمؤسساته وبمنظوماته الثقافية والقيمية يتطلب من الجميع جهدا استثنائيا،  وأن نتحرك الآن حيث يشكل نوعاً من التأمين ضد خسائر من المحتمل أن تكون كبيرةً جدًا، ولكن لا ينبغي أن يشكل عدم يقيننا لاحتمالية مثل هذه الخسائر أو توقيتها المحدد أو المرجح ذريعة لكي لا نتخذ كل ما يلزم للتأمين ضد هذه الإمكانيات فنحن نعلم أن هناك خطر داهم ومحتمل ، كما نعلم أن الضرر الذي تسببه الأزمات والحروب لا يمكن عكسه قبل مرور وقت طويل، وأنه يزداد مع كل يوم نتهاون فيه عن اتخاذ الخطوات اللازمة للحد منها.


.............................
(*)
 أستاذ علم اجتماع التنمية/ جامعة بغداد

 

 

 

الهوامش :
.......................

[1] -غاستون بوتول، هذه هي الحرب، ترجمة مروان ألقنواتي، منشورات عويدات، بيروت، 1981.                                          

[2] - المصدر السابق نفسه، ص49.  

[3]-المصدر السابق نفسه، ص49.                                                

[4]-المصدر السابق نفسه، ص78.        

[5]-Wirth, L. "Urbanism as A way of Life", American Journal of Sociology, 1938, Vol. 44, PP.1-24.

[6] - علي السيد شتا، علم الاجتماع الجنائي، القاهرة، ص150. 

[7] -Francis Fukuyama, State Building: Governance and World Order in the Twenty-First Century, London: Profile Books, 2004, P.67.

[8] - سيار الجميل، بنية المجتمع العراقي: محاولة في تفكيك التناقضات، محاضرة ألقيت في غاليري الكوفة، الاثنين 20 أيلول/ سبتمبر 2005