نزعة الأنسنة في الفكر العربي الإسلامي(مسكويه إنموذجا)
قراءة في بعض كتابات أركون
الدكتور علي عبد الهادي
المرهج(*)
(خاص للمعهد)

نزعة
الأنسنة
يعد أركون من أهم دعاة
العودة للأنسنة وضرورة تسييد النزعة الإنسانية التي تهتم
بالإنسان وتجعله محور الدراسة والاهتمام والبحث عن عظمته
والدعوة إلى تنمية القيم الإنسانية ومحاولة إعطاء تفسير جديد
للدين يتماشى مع القيم الإنسانية وبالتالي تشجيع النزعتين
الإنسانيتين، النزعة الإنسانية ذات الاستلهام الديني ، والنزعة
الإنسانية ذات الاستلهام الفلسفي وأركون على وجه التحديد "لفت
الانتباه إلى ضرورة إعادة التفكير في معارك النزعة الإنسانية
الدينية المشتقة من الانتثربولوجيا الروحانية القرآنية"
(ص30،معارك) ويقصد بهذا المصطلح الصورة السائدة عن الإنسان في
القرآن بوصفها صورة رفيعة مليئة بالقيم الروحية وهي قد اختلطت
مع التراث الفلسفي اليوناني والتجارب الدينية الاخرى وعن طريق
المزج بين الصورتين تشكلت النزعة الإنسانية العربية -
الإسلامية في العصر الكلاسيكي وكان من جملة الذين بلوروها
اشخاص مثل مسكويه والتوحيدي .. اللذان كرس أركون اهتمامه بهما
لبلورة النزعة الإنسانية في التراث الإسلامي وهو دائم
الاهتمام بضرورة استبدال ذهنية التحريم والتكفير بذهنية
الأنسنة المنفتحة، المؤمنة بفضائل الإنسان، المحترمة لكرامته
ومؤهلاته للممارسة حقوقه وواجباته بكل مسؤولية فكرية بشرط ان
نوفر له جميع وسائل التربية الإنسانية ومناهجها وبرامجها"( ص17
معارك من اجل الأنسنة)، التي من أولوياتها الاهتمام بتغيير طرق
التعليم في المدارس والجامعات ومن ثم تفكيك كل العقائد
والأنظمة اللاهوتية الموروثة من القرون الوسطى.
فيما نجد أن الفلسفة
وإلى يومنا هذا في ثقافتنا تبدو وكأنها جسم غريب لم يتطبع
الجسد الإسلامي على التعامل معه ، ناهيك عن الانتقادات التي
اصبحت سائدة في التصور للفرق بين الثقافتين، على ان ثقافتنا
روحية وثقافتهم مادية سواء بتصورنا نحن أو ما ساد بحسب ما صوره
المستشرقين، او بطروحات المعاصرين أمثال هنتنجتون الذي ركز في
اطروحته "صِدام الحضارات" على امكانية وجود نقاط التقاء بين
حضارتنا وحضارة الشرق الاقصى معتمداً على ان هذه الحضارات
يجمعها المشترك الروحي.
إن الجهاز العقلي للفكر
الإسلامي الكلاسيكي منغلق داخل الفضاء الفروسطي وبالتالي فهو
يحتاج بحسب أركون إلى اعادة قراءة نقدية قبل استخدامه كنظام
للصلاحية المعرفية الهادفة إلى الاسهام في استكشاف العقل
الاستطلاعي المستقبلي* يقصد اركون بالعقل الاستطلاعي المستقبلي
ما يدعوه الآخرون بعقل ما بعد الحداثة الذي يقوم بنقد الحداثة
وفرز ايجابياتها وسلبياتها" ( ينظر هامش المترجم ص 39، معارك)
وكأن أركون يرى ان العقل العربي الإسلامي محكوم بتاريخه ولا
فكاك من هذا التاريخ وسطوته، وكأنه حتمية لابد ان يعيش فيها
هذا العقل، هذه الحتمية تدفع المفكر العربي الإسلامي إلى ايجاد
مخرج آخر يبقي على التراث مع تبني وجهة نظر نقدية.
تبني النزعة النقدية عند
أركون لا يتم الا بتحليل النصوص التأسيسية على ضوء العلم
المعاصر بل وتفكيكها من الداخل بكل منهجية ودقة وامانة علمية
(ص37-38،معارك).
ويقصد بالنصوص التأسيسية
هي النصوص التي تؤسس القانون الديني : أي أصول الدين وأصول
الفقه.
يشير أركون إلى ان اوربا
هي القارة الوحيدة التي حصلت بها ثورات سياسية واقتصادية
واجتماعية مهدت لها حركات فكرية انقلابية وهذا الجانب برأيه "
يشكل استثناء على كل المسارات التي عرفتها الامم البشرية
الاخرى" (ص45،معارك).
وقد إندفع أركون في
المقارنة بما وصلت اليه أوربا هوما عليه المسلمون من حال في
مجتمعاتهم ومافعلوه من احداث في أوربا وأمريكا من حيث قوة
التعبئة السياسية التي يتمتع بها الإسلام السياسي التي على
أساسها يتبنى أركون المسار النقدي – الجينالوجي نفسه الذي قام
به الفكر الاوربي في مواجهة الضغوط والمقاومات وانواع الرفض
والمواقع السلطوية الخاصة بالكنيسة الكاثوليكية التي التحقت
بها فيما بعد الاصوليات البروتستانتية "( ينظر ص55،معارك).
وهنا وجه المقارنة يبدو
غير موفق من وجهة نظرنا لأسباب اهمها ان الكنيسة ابان القرون
ما قبل السادس عشر والسابع عشر كانت تمارس دور السلطة والسلطة
تخرج من عبائتها ، فضلاً عن ذلك فأنها مؤسسة ثابتة واضحة
المعالم والتأثير ولها إلى اليوم في الفاتيكان ما يمثلها كسلطة
روحية وقبل ذلك سياسية روحية في المجتمع الغربي وسلطتها ابان
تلك المرحلة كانت شمولية مضافا إلى ذلك ان اقطاب المواجهة
للكنيسة كانت النزعة الإنسانية ومنجزات عصر النهضة ومفكريه
والثورة المناهجية على مستوى التفكيرين الفلسفي والعلمي وصولاً
إلى الثورة الصناعية. وهذا يعني ان الارثذوكسية الدينية في
أوربا وعلى الرغم من قسوتها إلا انها سمحت او استطاع الاوربيون
رغم وجودها من احداث نهضتهم، ولا نريد الخوض في شكل الاستبداد
الغربي في مقابل الاستبداد الشرقي الذي تكلم عنه كلاً من
منتيسكيو وماركس ومن تابعهم.
يبدو أن أركون لم يستطع
الخلاص مما يطلق عليه المركزية الاوربية ، وحاول انتاج اسئلة
واعطاء اجوبة تسير في فلك هيمنة الثقافة الأوربية ، وما الدعوة
إلى تسييد النزعة الإنسانية إلا لأنها كانت ناجحة في نقل أوربا
من حال إلى حال، ولم يكن بحثه عن الأنسنة الا للرد على
المستشرقين الذين انكروا ان تكون هناك نزعة أنسنة في الثقافة
العربية والإسلامية في العصر الكلاسيكي وهو يطرح السؤال التالي
: "هل وجدت في العالم العربي ـ الإسلامي أنسنة مشابهة لتلك
الحركة التي ظهرت في عصر النهضة الأوربي تحت اسم
هيومانيزم(Humanism)؟!"(ص43 معارك) ليس هذا فقط بل نجد أركون
يبحث عن أوجه التشابه بين الفضائين ـ الجغرافيين التاريخيين
المتوسطين، الغربي والعربي ويجد ان " الفكر الذي سيطر علينا
وعلى الأوربيين هو واحد في نهاية المطاف، انه يتمثل بتيارين
اساسيين : الديانات التوحيدية والفلسفة اليونانية، فنحن تأثرنا
بالإسلام والغرب تأثر بالمسيحية. ونحن تأثرنا بالفلسفة
اليونانية والغرب كذلك، بل نحن الذين نقلنا الفلسفة اليونانية
إلى أوربا ولكن حضارة الشرق الأقصى لاتعرف الديانات التوحيدية
المنزلة من يهودية او مسيحية، او إسلام. وانما تعرف ديانات
اخرى كالبوذية والشنتو والكونفيشيوسية.. وهنا الفرق الحضاري
هائلاً بيننا وبين الشرق الأقصى" (ينظر هامش المترجم ص43-44
معارك)،وهنا نفهم أن نقاط التشابه كبيرة بيننا وبين الغرب، ولو
قارنا بين هذا الطرح والطرح القائل بأختلاف الحضارتين لأصبحنا
في حيرة،وآخر هذه الطروحات هي أطروحة هنتنجتون الذي أشرنا له
سابقا إذ يعتقد بإمكانية التلاقي بين حضارة المسلمين
والحضارتين البوذية والكونفشيوسية لأنها حضارات يجمعها العامل
الروحي وهي بأجتماعها يمكن أن تشكل خطرا على الغرب ينبغي الحذر
منه والتخطيط لمواجهته،وهناك مايؤيد هذا الطرح عند المستشرقين
من أمثال رينان ومونك وكوتييه وماسنيون وآنه ماري شيمل وآخرون
وعندنا في الفكر الفكر العربي من ذهب إلى ذلك من أن الشرق يغلب
عليه الطابع الروحاني والغرب يغلب عليه الطابع البرهاني
العقلاني ومن الصعب التلاقي بين الحضارتين، أهم هؤلاء دعاة
التيار الديني الأصولي، ومنهم على سبيل المثال سيد قطب ومحمد
باقر الصدر. وكذلك دعاة الحداثة، أهمهم وأقربهم للذكر زكي نجيب
محمود ومحممد عابد الجابري وإن كان الاخير قد وجد في تبني فكر
ابن رشد البرهاني تكون هناك إمكانية للتلاقي بين حضارة الغرب
وحضارة الشرق.
وهنا لا أجد أن لهذا الطرح
مايؤيده لا على مستوى الواقع ولا على مستوى التاريخ سواء
النظري أم السياسي ام الديني، فأن يكون مستوى تأثر الغرب
بالمسيحية مساوٍ لتأثرنا بالإسلام، فهذا مما لايعترف به أركون
نفسه ولا يؤيده الواقع حينما نقول عربي ـ إسلامي، ومن الصعوبة
اليوم أن نقول الغرب المسيحي لأن الدين في الغرب لم يعد يشكل
ثقافتهم وإن كان هناك مشترك روحاني فلايبرر ذلك إمكانية
التلاقي ، وأركون نفسه يبحث في ما أسماه "الأنثروبولوجيا
الروحانية القرآنية" لطغيان هذه الروحنية إلى اليوم على العقل
العربي الإسلامي ،أما ان يكون الغربيون قد تأثروا مثلنا
بالفلسفة اليونانية، فذلك أمر معروف ولكن طريقة التأثير تختلف
فالغربيون يعتبرون فلسفتهم امتداد للفلسفة اليونانية اما نحن
فنعدها وافدة وأثارت لنا مشكلة التوفيق بين الفلسفة والدين تلك
المشكلة التي هيمنت على ثقافة العصور الوسطى في التاريخ العربي
ـ الإسلامي وحتى في الفكر المسيحي الوسيط، لكنها مع كل هذا إلا
أنها لم تثر في الفكر الغربي ما أثارته في الفكر العربي، بمعنى
آخر ان الثقافة الغربية لم تتعامل مع الفلسفة اليونانية على
أنها وافدة وتشكل خطرا على العقل الغربي ولم تنظر لها بوصفها
جسما غريبا يستهدف خرق المنظومة الثقافية كما حصل في الفكر
العربي الإسلامي الذي تعامل معها بلغة التكفير والأقصاء ...
أما ما يتعلق بالإسلام
السياسي ومن خلال ما ذكرناه آنفاً ، فإن وجه التشابه غير قابل
للتحقق وذلك لان الإسلام السياسي إلى الان لم يأخذ شكل السلطة
الدينية ذات المعالم الواضحة في كل الدول الإسلامية ماعدا
ايران والتأثير مرتبط بأجهزة الحكم وحكام الدول العربية
والإسلامية، فضلاً عن إن دعاته يدعون معارضتهم للسلطات
القائمة، وان حكام البلاد لايستمدون سلطتهم لا من الإسلام
السياسي ولا من العباد. وان كان هناك حكم للإسلام السياسي فهو
في ايران وهو لايمثل نزعة شمولية تؤثر في المجتمع الإسلامي.
في مقابل ذلك يضع أركون
نزعة الأنسنة للخروج من الازمة ، واجدها ضرب من ضروب اليوتوبيا
عند الفلاسفة التأمليين الذين حلموا بالمدينة الفاضلة.
وجد أركون في الأنسنة
خلاصا مما يسميه (السياج العقلاني المركزي) أو السياج
الدوغمائي موافقا هنا لما طرحه علي الوردي حول فكرة (الاطار
الفكري) والمقصود به أن الإنسان يتأثر بقيم وثقافة وبيئة
المجتمع الذي يعيش فيه ويعتقد أن أفكاره المستمدة من هذه
العوامل هي الحقيقة ومايتبناه الآخر المغاير هو الخطأ بعينه.
يبين أركون انه يستحيل على
العقل ان يتجلى لنفسه وللاخرين بدون وساطة قراءة ما اي كلام
داخلي او خارجي او مكتوب هذا لايعني بالطبع ان حدود اللغة
تتوافق تماما مع حدود الفكر فالفكر يظل فعالية حرة قادرة على
ان تجدد باستمرار امكانيات اللغة وتزيد فعاليتها. وهذا ما يحصل
في وقتنا الحاضر في بدايات الفكر الاغريقي أو اثناء ولادة
العلم الحديث ، ان الامتياز الذي يمتلكه المؤرخ حاليا يكمن في
انه يستطيع المساعدة على محاولة الخروج خارج هذا السياج
المتشكل تاريخيا ، بعد ان يكون قد اكتشف ووصف المساحات
المثالية التي غطاها حتى اليوم (اي المساحة التي غطاها الفكر
الاغريقي الارسطوطاليسي، ثم المساحة التي غطاها الفكر
الديكارتي والكانطي الحديث الذي تلاه مباشرة أو حل محله
(ص205،معارك) هذا هو الموقف المنهجي الابستمولوجي الذي يحاول
اركون تطبيقه على الفكر الإسلامي الكلاسيكي لوضع حد لاجترار
الكتابة التراثية وتكرارها بعد اكتشاف كل حدودها ، ووصف
الياتها الداخلية ، وتقييم وظيفتها ومعرفة علاماتها المتبادلة
، ومحاولة تبيين كيف لايتخذ الشيء في الادبيات الكلاسيكية
معناه ووجوده وانما من معنى آخر مخلوع عليه في لحظة معينة من
لحظات التاريخ : يقول اركون ينبغي ان نعلم ان النص (أي نص) ما
أن يكتب حتى يفلت من يد كاتبه وتصبح له حياته الخاصة التي
لايستطيع ان يتحكم فيها حتى من كتبه" (ص204،معارك)
وهنا يغيب النص وصاحبه
ويحضر القارئ والمتلقي ويصبح النص قولاً آخر.
أهم خصائص العقلانية المركزية
العربية
ـ الإسلامية:
1. ان الباعث لكل تفكير
ليس علمياً بالمعنى الحديث للكلمة، وانما جماليا ـ اخلاقيا
مهمة العقل هي السير والتوصل نحو الكائن الأعظم (الله).
2. ان العقل يستمد انواره
من القوة العاقلة ، وهي بدورها مخلوقة من قبل الله او ممتلكة
عن طريق الافكار المثلى(ص208،معارك)
خلاصة ما يريده اركون ان
العقل العربي ـ الإسلامي يتحرك في ضوء الخلط بين الميتافيزيقا
واللاهوت ويسير نحو المطلق والثابت ويستمد تشكلاته من جواهر
نامية لا تتغير ولا تتبدل.
3. ان الدين والثقافة
والدولة هي اشياء ثلاثة تتشكل داخل السياج العقلائي المركزي ،
وبدلا من تجدد محاولات الخروج من السياج المغلق ، فان الدين
والثقافة يتحولان إلى شيفرات ومؤسسات يكرسان نفسيهما للدفاع عن
مشروعية رسمية (ينظر ص210 معارك من أجل الأنسنة).
يفصل كتابي ابو الحسن
العامري (الاعلام في مناقب الإسلام) و(السعادة والاسعاد)
بوصفهما مثالاً على هذه العقلانية الدوغمائية التي تفرض
القناعات الذاتية وكانها موضوعية ، كما وتفرض العقيدة
الايمانية او الدينية وكانها مسلمات بديهية مبرهن على صحتها
سلفاً.
وان العلوم الدينية هي
اشرف العلوم والعلوم العقلية هي خادمة لها (ينظر ص 211،232
معارك) وهنا تصبح اللحظة الاساسية للتاريخ موجودة في الماضي لا
في المستقبل انها لحظة الوحي القرآني ، وكل ما عداها باهت
بالقياس اليها . والتاريخ لن يأتي بشيء جديد حتى نهاية الزمن
(هامش ص240 معارك).
يرد آركون في اغلب
اطروحاته كما يقول على اصحاب الفكرة الشائعة من الغرب وهي : إن
المسلم لايمكنه الا ان يكون مضاداً للعلمانية! لان الإسلام
والعلمانية بحسب رأيهم شيئان لا يجتمعان ، وهذه الفكرة الخاطئة
تحولت إلى عقيدة راسخة في اذهان الخبراء الاستشراقيين (ص290
معارك).
مشروع دراسة الظاهرة
الدينية لديه ينسجم وتوجهه العلماني لانه يقوم على غايتيين
متكاملتين:
1. الاهتمام بالبعد الديني
للوجود التاريخي للبشر في كل العصور وعلى مستوى كافة التشكيلات
او الفئات الاجتماعية.
2. اقامة مسافة نقدية
بيننا وبين العقائد الاكثر رسوخاً وتجذراً وتقديساً ...
والاديان لن تشكل ابداً خطراً على التعليم العلماني العام اذا
ما عرفنا كيف ندرسها. (ص270 معارك)
ويؤسس على دراسة للفكر
الديني دراسة الابعاد الثلاثة المشكلة للمعرفة البشرية
1. البعد الاسطوري
2. البعد التاريخي
3. البعد الفلسفي (
ص291،معارك)
يرى رينه جيرار صاحب كتاب
(العنف والتقديس) الذي نشر عام 1972 ان جميع الاديان تقوم على
ثلاثية (العنف ـ والتقديس ـ الحقيقة) (ص33،نزعة الأنسنة) بمعنى
أن الدين يقوم على اساس التضحية او العنف الاولي البدائي الذي
نبحث عنه بعدئذ السلم الاجتماعي وبالتالي لابد من كبش فداء لا
بد من العنف وسفك الدم اولا لكي يهدأ المجتمع ويؤسس عقيدته،
وهكذا نرى أن العنف مرتبط بالتقديس والتقديس مرتبط بالحقيقة
لأن الدين يمثل الحقيقة المطلقة عند أتباعه.
إذا كانت هذه الثلاثية هي
التي تتحكم في الدين أو تحركه فكيف يمكن أن نجد النزعة
الإنسانية التي يدعو لها أركون والتي يتحدث فيها عن الإنسان
الذي يحقق ذاته بذاته، وإذا كانت غير متحققة هذه الذات في
الإسلام النصي وهذا ما يميل إليه آركون كونها برأيه متحققة في
الفلسفة الإسلامية وتحديداً في القرنين الثالث والرابع
الهجريين، فهل الدور هنا للإسلام كبير ونص مقدس أم لسيادة
الوافد (النزعة الفلسفية اليونانية) وأثرها في الثقافة العربية
الإسلامية وتحويل البحث من علم الكلام ومركزية الله إلى
الفلسفة والقول بمركزية الذات فضلاً عن ذلك نجد آركون يشير إلى
أن كتاب "تهذيب الأخلاق" لمسكويه جاء متأثراً بالفصل المخصص
للحكمة الأخلاقية في كتاب المجوس المقدس (إي دنكارت) (ص 142
نزعة الأنسنة).
يعتقد أركون أن ظهور ما
يسميه بالعلمنة الجنينية أو البدائية هو بسبب ضعف هيبة الخلافة
من قبل الأمراء البيهيين ثم ازدياد أهمية الدور الذي يلعبه
العقل الفلسفي من أجل تجاوز الصراعات المتكررة والحاصلة بين
الطوائف... (وبالتالي فإن صعود العقل الفلسفي على حساب العقل
المذهبي الآرثدوكسي يعني أيضاً تأكيد العلمنة الفكرية في
الساحة العربية الإسلامية (ص 47 نزعة الأنسنة).
وهنا ينظر أركون إلى
العلمنة بوصفها الوجه الإيجابي الذي بدت ملامحه الأولى في
القرنين الثالث والرابع الهجريين وسبب خمول العقل العربي
والإسلامي حسبما يرى آركون هو غياب نزعة العلمنة الإنسانية
العقلانية هذه، ولكن الغريب في الأمر أن هذه النزعة جاءت بسبب
عاملين خارجيين هما عامل الاحتلال (سيطرة البويهيين) وعامل
الفكر (سيطرة العقل اليوناني)، ولو نظر أركون برأينا إلى بداية
التفكير العقلاني مع علم الكلام بوصفه تحولاً لصالح العقل، وأن
العقل بدأ يمارس دوره أمام النص ويحركه النص باتجاه حاجاته،
نقول لو أنه إلى هذا التحول بوصفه التحول العلمني الجليلي لكان
ذلك أكثر مقبولية للعقل العربي اليوم لأن هذا سعي من داخل
الفكر في الدفاع عن العقل وجعله مؤثراً في مقابل سيادة النص
وللإمام علي عليه السلام قول مشهور يقول فيه القرآن كلام مسطور
بين دفتي كتاب يفسره الرجال، وهذا الفهم برأينا نفهم علم
الكلام لا بوصفه حسب التعريف التقليدي الدفاع عن العقائد
الإيمانية بالطرق العقلية ولكن يمكن فهمه على أنه تفعيل العقل
لصالح الإنسان في مقابل النص.
يركز اركون على وضع المرأة
في المجتمعات العربي والإسلامية ويجد ان هذا الوضع في تراجع
وانتكاس وهذا الانتكاس ناتج من القطيعة الجذرية مع الاجتهاد
بوصفه الموقف الفكري المؤسس لما ندعوه بالقانون الإسلامي.
تحقيق الأنسنة يتم عن طريق
استرجاع البعد الديني المحض المختلط مع الوظائف الدنيوية بمعنى
عزل الدين عن الملابسات السلطوية والسياسية وفهم جانبه الروحي
التنزيهي الذي يشكل جوهره ، أي جوهر الدين (ينظر ص87 معارك).
بمعنى ادق التفريق بين خطاب الوحي، وبين الخطابات المتفرعة عنه
كخطاب الفقه وعلم الكلام و ......(هامش المترجم
ص88،معارك)،وهنا نتساءل كيف يمكن عزل الدين والتفريق بين خطاب
الوحي والخطابات الناتجة منه ؟ هل يعني بذلك أركون أخذالنص على
ظاهره وأنا أعلم أن أركون ليس من دعاة الاخذ بالظاهر لأنه من
الذين دافعوا عن الفلاسفة وتبني طروحاتهم في إعمال العقل لفهم
النص وهو من دعاة التخلص من الارثذوكسية الدينية، وهنا نكون
إزاء مشكلة في فهم مايريده أركون، لأنه ينبغي أن يككون من
التأويليين ولابد لنا حينما نمارس التأويل أن نحرك بإتجه
رغباتنا وتوجهاتنا الفكرية، وهنا يكون النص ملك القارئ ويصعب
علينا التمييز بين خطاب الوحي والخطابات الفرعية وسعي التمييز
نفسه لابد من أن يعكس توجهات من يريد التمييز و(القرآن حمال
أوجه) كما ذهب إلى ذلك الامام علي فلاتوجد قراءة بريئة كما ذهب
لذك ألتوسير.
يقول اركون ان النصوص
المؤسسة بحد ذاتها بقت ساكنة وجامدة، او بقيت هكذا عن طريق
اللاهوت الساكن للوحي، فهذا اللاهوت يمارس دوره ككيان تسقط
عليه بشكل استرجاعي أحلام المتخيل الايماني وحاجياته، اكثر مما
يمارس كمصدر لا يستند للدلالات والمعاني الاصلية او الازلية
(ص89،معارك)!!.
وهنا علامة التعجب مني،
وأتسائل كيف يمكن الوصول إلى هذه المعاني الاصلية الأزلية، واي
نص مؤسس يمكن ان يبقى ساكناً فعلاً، إلا بحدود انتهاء مدة
تنزيله، ولكن يبقى الإنسان تستجد له حاجاته. والنص يمثل سلطة
لا يمكن تجاوزها وبالتالي هو مضطر لأن يسقط عليه احلامه
وامانيه ورغباته وهذا أمر لا اعتقد اننا كمجتمعات عربية
إسلامية نعتقد بصلاحيته وديمومته وكثافة معانيه التي تعطيه سر
الاستمرارية في كل زمان، لا اعتقد ونحن نعتقد بعدم قابلية النص
للنقد وانما للتأويل الا وان نمار س عليه تفسير المصلحة
واحيانا كثيرة تفسير الفرقة الناجية.
وفي رأي التوحيدي" انه
لايمكن للقانون الديني ان يمتلك الا معنى واحد بقول التوحيدي
في السؤال رقم 147ن في كتاب الهوامل والشوامل، يسأل مسكويه
ص315" هل يجوز ان ترد الشريعة من قبل الله بما يأباه العقل
ويخالفه ويكرهه" فيما ان العقل متصور فلسفيا وكأنه نور صادر عن
الله(أو فيض الهي) فأنه لا يمكن الا ان يصدق هذه الحقائق
الكبرى التي اتى بها الوحي الصادر عن الله ايضا (ص127 معارك).
الأنسنة عند مسكويه
إختار أركون مسكويه بوصفه
ممثلا للنزعة الإنسانية في الفكر العربي الإسلامي وقد وجد في
هذه النزعة التي وجدها ايضا في كتابات ابي حيان التوحيدي .
"يميز اركون بين نزعة الأنسنة الفلسفية ونزعة الأنسنة الدينية"
( ص19 نزعة الأنسنة)
ويعتقد أنه قد تم القضاء
على النزعة الإنسانية الفلسفية والعقلانية في ارض الإسلام قضاء
مبرما" (ص20، نزعة الأنسنة)
اذا ما جدوى محاولة اركون
هل يمكن اعادة احياء الميت الا يعني ذلك بالاشارة إلى عدم
العودة للتراث وصناعة نزعاته الإنسانية الخاصة بنا لاننا نعيش
عصر غير العصر وظروف غير الظروف واحوال غير الاحوال ومتغيرات
كبيرة في زمن التكنلوجيا والثورة المعلوماتية الا اننا نجد
اركون يؤمن بامكانية احياء الميت بايمانه بامكانية دراسة افكار
مسكويه والتوحيدي بمناهجية حديثه فهكذا يمكن ان تبعث من رقادها
فعلا ونجدد الفكر العربي والإسلامي والفكر البشري يشكل عام من
خلالها(ص48،نزعة الأنسنة) ان مشكلة الفكر العربي انه يفكر في
الماضي ويعيش الحاضر وهو مشدود لهذا الماضي او كما قال الجابري
العرب كائنات تراثية وهذا ما وقع به اركون فيما نجد ان العقل
العربي والعقل الامريكي تحديدا يبعث الحاضر ويفكر في المستقبل
لان هذا الزمن هو الزمن الذي سيكون جامدا فيما بعد وماضي بعد
ذلك لذلك نجد هذا العقل لايشتغل بالماضي الا بالقدر الذي يجعل
من الماضي مخزون من الافكار يعود اليه في حالة الضرورة ولا
يبعث الافكار من رقادها وانما يعود إليها اذا كان هناك ما يؤيد
استمراريتها في الحاضر والمستقبل.
ان المشكلة لدينا هي مشكلة
النظر لأقسام الزمن فاغلب الامم يكون الماضي والحاضر في خدمة
المستقبل اما نحن فنقرأ المستقبل في ضوء الماضي ويكون مهمة
الحاضر تأويل المستقبل بما يخدم الماضي أو بما يجعل الماضي حيا
ولا بد ان يكون لكل الماضي او الجزء فهم عنه قدسيته وحظوره
وامكانيته لان يفسر الحاضر ويتنبأ بالمستقبل، في الوقت الذي
يدعو فيه اركون إلى تبني النزعة الإنسانية الا اننا نجده يتبنى
موقفا ينطوي على كثير من اليأس لان الروح و الفكر في كل
المنحنيات الإسلامية قد ماتا وهكذا تراكم الا مفكر فيه
والمستحيل التفكير فيه من تاريخ هذه المجتمعات إلى درجة ان
الفكر النقدي اصبح مستحيلا تماما في كل مكان يهيمن عليه
الإسلام سياسيا اكثر مما يهيمن عليه روحيا وفكريا اصبح من
الصعب ان تفكر في اي شيء داخل هذه المجتمعات الت ينسيت عادة
التفكير منذ زمن طويل. اصبح كل شيء محظورا ومحرما في هذه
المجتمعات المغلقة والخائفة حتى من ظلها" (ص21،نزعة الأنسنة)
انا اعتقد ان في رأي اركون هذا مصادرة لكل الجهود المبذولة من
قبل المفكرين النقديين الذين يذكرهم اركون بشكل مستمر او جهود
الذين بعدهم مثل طه حسين واحمد لطفي السيد وصولا إلى محمد عابد
الجابري وصادق جلال العظم ونصر حامد ابو زيد، اذن هذه الاتمة
لم تنس التفكير ولكن ضعف فاعليته واذا نظرنا إلى الإسلامات
الاخرى فخير نموذج هو النموذج الاندنوسي والنموذج الماليزي
وقيمة التحول باتجاه صناعة التقدم والانسجام والتحولات
العالمية.
النزعة الإنسانية التي
يسعى لها اركون كما يقول نزعة إنسانية شاملة " تتجاوز حدود
الاديان والطوائف والقوميات والاعراف لكي تصل إلى الإنسان في
كل مكان ... اننا نسعى إلى تحقيق تلك الفلسفة الإنسانية
الكونية المحسوسةويعتبر ذلك مهمة ملقاة على عاتق إنسان القرن
الواحد والعشرين" (ص29، نزعة الأنسنة)
يعتقد أركون أن تبنيننا
لهذه النزعة وإحيائها من قبلنا اليوم يجعلنا قادرين على تجوز
النعرات الطائفية والمذهبية التي تنخر جسد الامة العربية
والإسلامية ويكون باستطاعتنا تبني ثقافة الاختلاف والتنوع
والقبول بالرأي اللآخر بوصفه مكملا للحقيقة.ومن هنا تكون
الدعوة إلى إحياء الزعة الإنسانية هو دفع باته ضرورة قبول
العلمانية بوصفها الحل الناجع في ادارة الدولة وتقيق الحرية
بكل تمظهراتها يقول أركون " يبدو لنا مسكويه كمفكر ذي وعي
(معلمن) إلى حد كبير مثله مثل مفكرين آخرين في عصره ... والعقل
(عنده) ينبغي ان ينفذ إلى جميع الاسرار، بما فيها تلك التي
يفرضها الايمان الديني بدون تفسير" (ص141معارك)
وما يميز مسكويه عن بقية
الفلاسفة المسلمين من حيث كونه خصص مكانه كبيرة للاخلاق داخل
التنظيم العام للمعرفة والعلوم، واكبر دليل على ذلك كتابه
المهم (تهذيب الاخلاق) (ص155-156 معارك).
في دفاعه عن مسكويه نجد
أركون يتخذ طريق الانحياز بحق أو من دون حق وكأن هذا الدفاع
فيه شكل من أشكال الانتماء الايديولوجي في لهذه الطروحات أكثر
منه تحليلاً ابستملوجياً كما يحاول أن يفعل أو يدعي فحينما يصف
مسكويه بأنه بخيل ومنافق وكذاب وحسود وحريص على الثروات
والتشريفات جاهلاً ومغروراً ومحباً للمشاجرة والنزاع كما جاء
في كتابات مزامنيه ومنهم أبو حيان التوحيدي (ينظر، ص122 ، نزعة
الأنسنة). نجد أركون مدافعاً عن مسكويه ومبرراً له ولمواقفه
هذه لأن العصر الذي يعيش فيه كان عصر فاقة وجوع!! ونحن نقول
وهل أن كل مفكر يجب أن يعيش بمثل هذه الصفات السيئة كونه ابن
عصره فإذا كان ذلك كذلك فما الذي يميزه عن غيره من الناس
البسطاء والوصوليين الذين لا يعرفون غير مصالحهم، وأي نزعة
إنسانية يمكن أن نجدها عن شخص قضى خصب عمره متنقلاً في ولائه
من أمير إلى عدوه دون أية مشكلة كما يذكر آركون وهو يبجل كل
أسياده على اختلاف توجهاتهم فابن العميد الاستاذ الرئيس وعدوه
عضد الدولة الملك السيد فضلاً عن مرافقته لمحمد بن المهلبي (ت
352) الذي كان يحكم باسم الدين في النهار ويعيش ملذات الدنيا
من متع وشهوات وسكر في الليل.
استخدم مسكويه مصطلح صاحب
الشريعة "عن النبي محمد ص ويعتقد آركون أن هذه التسمية تنطبق
على الذات الإلهية، ولكن الفلاسفة تجاوزوا هذا الاستخدام
واستخدموها على النبي وفي ذلك إشارة إلى سعيهم إلى علمنة الدين
والترميز على أن الشريعة بشرية لا إلهية (ينظر، ص 172، نزعة
الأنسنة)، وهنا لا نعرف هل أن أركون مع الشريعة الإسلامية ام
مع الخروج منها، وإذا كانت الشريعة بشرية كما يريد لها أركون
أو كما فهمها عن الفلاسفة، فلو كان هذا الفهم صحيحاً لفقدت
برأينا الشريعة بريقها الروحي ودفاع الجماهير عنها هذا الدفاع
المرتبط بالبعد الغيبي والقدسي الذي يحمي هذه الشريعة، وإذا
نحن أزلنا هذا المعتقد فإن الشريعة برأينا تفقد فاعليتها
التأثيرية، وبالتالي تكون كأي منتج إنساني يأخذ مكانه في
الساحة الابداعية ولكنه لا يأخذ هذا الحيز الذي تعطيه قوى
الغيب والقوى الخفية له ولفاعليته، أما عن مصطلح صاحب الشريعة
فإننا لا نعتقد أنه يدفع باتجاه قبول فكرة العلمنة لأن النبي
بتحصيل الحاصل مبلغ هذه الشريعة والواسطة الأساسية بين العبد
وربه وهو من يملك مفاتيح الكشف الحقيقية لهذه الشريعة، أما نحن
فربما نستطيع فهم هذا النص وتأويله بما ينسجم وحاجاتنا والواقع
الذي نعيش فيه وحاجتنا للتفسير الديني في ضوء الواقع، أما
بالنسبة إلى النبي فهو يدرك المغزى الحقيقي للنص وبالتالي فنحن
باعتقادنا إن ما يطرحه النبي هو مطابق للإرادة الإلهية أو منفذ
لها وهنا يمكن القول بأنه صاحب الشريعة، فضلاً عن ذلك علينا أن
لا ننسى أن المسلمين الأوائل كانوا حينما يريدون الذكر نص من
القرآن الكريم أو آية من الذكر الحكيم يقولون (قال محمد في
كتابه)، ولربما هذه العبارة تدفع قبول فكرة العلمنة أكثر مما
درج عليه استخدام مسكويه لمصطلح "صاحب الشريعة"، وهذه الفكرة
بحد ذاتها تدفع بقبول فكرة العلمنة ولربما لو نظرنا إلى فلسفة
الفارابي في كتابه (الحروف) بأن يجعل الملة خادمة للحكمة
لوجدنا توجه الفارابي هذا يدفع كثيراً باتجاه العلمنة وبشكل
واضح أكثر مما نجده في ما قاله مسكويه.
إن الفيلسوف المسلم (بحسب
أركون) كان يكن للمعلم الأول أي أرسطو احتراماً دينياً يشبه
الاحترام الذي يكنه المؤمن للنبي (ينظر ص 262 نزعة الأنسنة)
وهذا الأمر باعتقادنا أيضاً غير موجود عند الفلاسفة واحترامهم
لأرسطو لم يكن احتراماً دينياً مبنياً على الإيمان لأن هذه صفة
الاحترام الديني، وإنما هو احترام مبنيٌ على الاعتراف بالأستذة
المعترف بها عقلاً طبقاً لقدرة أرسطو العقلانية في زمنهم،
ولربما يكون أركون قد انساق في فهمه هذا مع عجز البيت الشعري
القائل (كاد المعلم أن يكون رسولاً)، فضلاً عن ذلك فإننا نجد
كثير من طروحات الفلاسفة المسلمين هي خروج عن طروحات الحكيم
الأول (أرسطو)، فابن سينا كتب (الحكمة المشرقية) ومعروف ما ذهب
إليه الفارابي من قبل سواء في محاولته للدمج بين فلسفة أفلاطون
وتلميذه أرسطو أو سواء تأثره بـ(أثولوجيا) أفلوطين كذلك يمكن
القول ان نص (حي بن يقضان) لا يعد تقليداً لأرسطو ولربما قيل
ذلك عن التابعية الإيمانية والتقديسية لأرسطو عن ابن رشد الذي
عده أغلب مفكرينا العرب المعاصرين بما فيهم آركون، عدوه نقطة
من نقاط التحول نحو التنوير وأنه كان أحد أسباب نهضة أوربا
الفلسفية وأحد أسباب تأخر العرب هو تخليهم عن فلسفة ابن رشد،
نقول أن هذه التبعية التقديسية تنطبق على ابن رشد الذي يقول عن
أرسطو أنه (الرجل الذي كمل عنده الحق)، وأخذ ابن سبعين على ابن
رشد تقليده واتباعه وأرسطو حذو النعل بالنعل بعبارة ابن سبعين
كما جاء في رسائله، أو إذا قال أرسطو القائم قاعد قال ابن رشد
بمثل ما قال به أستاذه. ملخص القول أن إيمان الفلاسفة لم يكن
دينياً بقدر ما هو عقلاني ولم يكن في (نفس مناخ العقل
الاسطوري) كما ذهب إلى ذلك آركون بقدر ما كان ضمن العقل
البرهاني.
اعتقد أركون أن النزعة
الإنسية العقلانية في الفكر العربي الإسلامي انتهت مع دخول
الأتراك إلى مسرح التاريخ التي انتصر بها التقليد على الاجتهاد
في الوسط الإسلامي (ينظر، ص258، نزعة الأنسنة) ولربما هذا مما
يتفق عليه أغلب الدارسين لإشكالية النهضة وأن هذه المرحلة شكلت
غياب العقل البرهاني الاستدلالي وحضور العقل الغيبي السحري
النكوصي الغنوصي الارتكاسي ففي الوقت الذي كان فيه العرب في
القرن الرابع الهجري يتجهون إلى دراسة العلوم والتوجه إلى
العلوم العقلية وبداية التوجه المنهجي في التعامل مع المعلومة
حتى ذهب ذلك إلى التاريخ نفسه وإلى علم التأريخ الذي "اتخذ
مظهراً عقلانياً وأصبح يميل إلى نقد الوثيقة التاريخية ويفضل
المنهجية العيانية المحسوسة التي لا تصدق إلا الوقائع الوضعية
الناتجة عن الاحتكاك المباشر بعالم البشر والأشياء" (ص336 ،
نزعة الأنسنة)، ففي الوقت الذي نجد أن عصر التصديق الساذج بكل
ما نقل عن القدماء انتهى في القرن الرابع الهجري وأصبح المفكر
والمؤرخ يشغل عقله في تمحيص المعلومة والخبر نجد أن المرحلة
العثمانية قد غاب عنها هذا التوجه وأصبح ديدنها استغلال ثروات
البلدان وانهاك طاقات الناس واتخاذ الدين بحتاً ستاراً للفحشاء
والمنكر.
أما ما وجدناه من أسباب
اتخاذ أركون لمسكويه نموذجاً للنزعة الإنسانية فذلك يعود لعدة
أسباب منها كما يرى أركون أنه كان موهوباً جداً في تبسيط العلم
والفلسفة ونشرهما في أوساط واسعة من الجمهور وكان يهيمن كلياً
على معارفه ومعلوماته إلى درجة أن كان يستطيع ادخالها ودمجها
داخل تيار الثقافة العامة السائدة في عصره (ينظر، ص 381، نزعة
الأنسنة) ونحن لا نعتقد أن ما قاله أركون هنا دقيقاً، فلم يكن
ما طرحه مسكويه مبسطاً ولا متساوقاً مع الثقافة العامة، وأن
الثقافة لم تكن مشاعة وكانت في بيوت الأمراء وبحدود كبيرة كانت
نخبوية، فضلاً عن ذلك فأي علم ذلك الذي بسطه مسكويه وهو
المعروف بأنه فيلسوف أخلاق وإذا كان قد كتب في موضوعات علمية
أخرى كالطب إلا أنه في هذا المجال لم يكن معروفاً وأنه كتب فيه
باعتقادنا لأن هذا العلم كان من مستلزمات الفيلسوف في ذلك
العصر، لكنه لم يعرف كما عرف ابن سينا في هذا المجال أو ابوبكر
بن زكريا الرازي. وما وجدنا أركون يميز فيه مسكويه بوصفه ممثلا
لنزعة الأنسنة لأنه إستطاع تجاوز مرحلة الأخلاق الدينية من أجل
التوصل إلى مرحلة الأخلاق الفلسفية، أي مرحلة القرار الحر
والمستنير للفيلسوف (ينظر، ص 391، نزعة الأنسنة) كذلك ما يميز
نسكويه هو كما (يرى أركون) قدرته على التوفيق بين العلم والعمل
وأن الحكيم السعيد الكامل السعادة من قوي ذهنه وصحة تمييزه
فحصلت له حقائق الأمور في الموجودات كلها وقويت عزيمته في
إنفاذ ما علمه عملاً ثم لانت طريقته في هذين أعني العلم والعمل
(ينظر،ص397، نزعة الأنسنة) وتبين مما تقدم أن جزء النظر مقدم
على جزء العمل إذا كان محوره التمييز وقوة الذهن تدرك الصواب
ولا أعتقد أن هذا ما يميز مسكويه أو أن هذه فلسفة خاصة تميز
مسكويه عن غيره من الفلاسفة فأغلبهم إن لم أقل جميعهم يقسمون
العلوم الفلسفية إلى نظرية وعملية ويحاولون التوفيق بينهما
والحكم في الصواب يبنى للعلم النظري. ويقول آركون أن أول شيء
يلفت النظر فيما قاله نسكويه هي تلك الأهمية الكبرى التي أوليت
لأرسطو وحده من دون الفلاسفة الآخرين (ص 406، نزعة الأنسنة)
وهذا مما لا يختلف فيه مسكويه عن الفلاسفة الآخرين كما أشرنا
إلى ذلك سابقاً فضلاً عن ذلك نجد أن أركون يرى أن مسكويه يؤكد
على الإنسان المحسوس عبر إلحاحه الشديد على مسألة الأخلاق
واهتمامه الزائد بها، وبالتالي فالميتافيزقا لا تتدخل عنده إلا
بصفتها شهادة عقائدية (ص 450، نزعة الأنسنة). كيف يثبت ذلك
آركون نجده يثبت عبر الاستشهاد بنص لنسكويه يقول فيه: "لا
يمكننا أن نتذوق السعادة الحقيقية إلا بعد أن تفارق نفوسنا
أجسادنا، فالسعادة على هذه الأرض ناقصة ولا يمكن أن تقارن إلا
من بعيد بعيد، بالسعادة الأبدية في السماء" (ص 449، نزعة
الأنسنة) وهنا نقول هل يوجد فيلسوف أكثر ميتافيزيقية من نسكويه
طبقاً للقول المذكور آنفاً وأين هو الإنسان المحسوس الذي يقول
فيه نسكويه كما ذكر ذلك آركون وأين هو اختلافه عن بقية
الفلاسفة حتى فيما يتعلق بالجانب الأخلاقي، هل هو أكثر تميزاً
من الفارابي أو ابن سينا أو الغزالي أو ابن رشد في هذا المجال
فهؤلاء كتبوا في الأخلاق وزادوا على ذلك في العلوم النظرية،
وأين هي نقاط التميز التي يعتقد بها أركون فيما يتعلق بالنزعة
الإنسانية في الفكر العربي ولا يبرر القول أن أركون كتب عن
مسكويه كونه سبق الفلاسفة الآخرين، ولو كان صاحب نزعة إنسانية
لكانت هذه النزعة قد توضح أثرها في طروحات الفلاسفة الذين تلوه
إلا أننا لم نجد شيئاً من ذلك قد حصل.
وواحدة من الحلول ليست
سيادة نزعة ما ، بل ان تعي الجماهير أهمية الحرية التي تدفع
باتجاه التطور في التربية والتعليم والتحول الى الثورة العلمية
التي تجعل الشعوب في المقدمة وما نقوله ليس جديداً بل هو ما
ذهب اليه مفكرون منذ الافغاني ومحمد عبده إلى عالم الكيمياء
الحائز على جائزة نوبل احمد زويل في كتابه (عصر العلم) الذي
يرى النهضة في " ان نجعل الشعب كله يفكر بالمستقبل"، هذا الطرح
الذي استمده زويل من التوجه الامريكي لاسيما في الفلسفة
البراجماتية التي تنظر إلى المستقبل بوصفه الزمن الاجدر بالكسب
وبالمراهنة لكي يحافظ الشعب على تقدمه، لذلك وجدنا فيلسوفاً
مثل جون دوي يحرك فلسفته باتجاه التربية والمدرسة بوصفهما
الاصل الذي نبني عليه التقدم وتحقيق المستقبل.
.........................
(*)
استاذ
الفلسفة المساعد في كلية الآداب الجامعة المستنصرية، معهد الأبحاث
والتنمية الحضارية
alialmerhj@yahoo.com