الصورة الذهنية
دلالات المفهوم وعلاقتها بالصورة النمطية
د.
أسماء جميل رشيد
(خاص للمعهد)

في تعريف الصورة الذهنية
من الصعوبة بمكان تقديم
حصرٍ منهجيٍ لمشكلة تعريف الصورة. فقد ورد المصطلح ليشير الى
معانٍ متعددة تبعاً للحقول المعرفية التي تعاطت هذا المفهوم.
في الفلسفة حاول المختصون تأطير معنى الصورة وذلك بتمييزها عن
المدركات الحسية الملموسة ورأوا أنها احد عنصري الفكر الذي
يتألف من مادة وصورة. اما مادته فهي الحدود التي يتألف منها،
وأما صورته فهي العلاقات الموجودة بين هذه الحدود.
كان أرسطو أول من لفت
الانتباه الى أهمية الصورة الذهنية بوصفها عملية تسبق التفكير.
ورأى بأنّ التفكير لا يمكن ان يتحقق دون وجود صورة ذهنية.
وعرّفها بأنها كل ما يتحدد به الشيء ويتعين. وهذه إشارة الى
ان مفهوم الصورة تعني الصفة او الشكل وهي تقابل المادة وليس
هناك مادة بغير صورة الا في الذهن
(1). وهذا
التعريف اعتمده كانت في نظرية المعرفة اذ فرق بين المادة
والصورة واطلق لفظ المادة على كل ما في المعرفة من عناصر
مستمدة من الاحساس والتجربة واطلق لفظ الصورة على ما في
المعرفة من عناصر مستمدة من قوانين العقل التي تحاول ان ترتب
معطيات الحس ( الموجودات الحسية ) وتفرغها في قوالب تساعد على
ادراكها وفهمها. فالزمان صورة الحس الداخلي والمكان صورة الحس
الخارجي. والمكان والزمان صورتان قبليتان تنظمان المدركات
الحسية. وكذلك مقولات العقل ومعانيه الكلية
(2). أما الصورة
عند هيوم فتعني حصراً الأفكار التي تتشكل في الذهن بعد ان تغيب
الانطباعات الناتجة عن الاحساسات المباشرة. ويعني هيوم
بالانطباعات جميع الاحساسات والانفعالات والعواطف. واعد الصور
نسخاً باهتة( خابية فقدت حدتها) عن تلك الانطباعات الحسية
المباشرة التي تبقى بعد اختفاء الانطباع وهذا ما يدعى الصورة
(3).
الصورة وفقاً للتعريفات
السابقة اذن هي محتويات ذهنية تعتمد على خبراتنا السابقة مع
العالم الخارجي. وقد يكون لها ما يقابلها في الدماغ(4).
وتبعاً لذلك فرّق الفلاسفة
بين التصور القبلي والتصور البعدي. وعدّوا التصور القبلي هو
التصور المحض المتقدم على التجربة. اما التصور البعدي فهو
المعاني العامة المستمدة من التجربة. وعرف المعجم الفلسفي كلمة
صورة على انها مرادفة لمفهوم الشكل Form "الصورة هي الشكل
الهندسي المؤلف من الابعاد التي تتحدد بها نهايات الجسم وايضاً
الصفة التي يكون عليها الشيء "
(5). ويحيلنا
الاصل المعجمي للكلمة الى معنى مقارب فقد وردت الصورة في لسان
العرب لتشير الى ظاهر الشيء وهيئته وحقيقة الشيء وصفته وجاءت
في المنجد لتقتصر على صفة الشيء
(6). وفي كلتا
الحالتين افترض المعنى المعجمي وجود تطابق بين الشيء وصورته في
العقل مما أعطى الصورة بعداً حقيقياً ومصداقية سرعان ما تغيرت
واستبعدت مع تطور استخدام المفهوم وما كشفت عنه التنظيرات
اللاحقة في هذا المجال، التي تفترض بأن الصورة ليست بالضرورة
نسخة طبق الاصل عما أُخذت عنه بل انها غالباً ما تكون مزيفة
وغير حقيقية. وفي اللغة الانكليزية اشتقت كلمة Image من اصلها
اللاتيني Imago التي تعني حصراً صورة Picture او شبه Likeness
وتقابل كلمة يُحاكي ويشابه.
وعرفت Imageبحسب قاموس
اكسفورد لتعني نسخة طبق الاصل او صورة او مُحاكاة صرفة للواقع
الخارجي وعلى الاغلب البصري
(7). ويعرفها معجم
ويبستر بأنها التقديم العقلي لأي شيء لا يمكن تقديمه بالحواس
على نحو مباشر. أو هي احياء او محاكاة للتجربة الحسية. وهي
ايضاً استرجاع لما اختزنته الذاكرة او تخيل لما أدركته حواس
الرؤية أو السمع أواللمس أوالشم أو التذوق
(8). ولا يشترط
هذا التعريف ان تكون الصورة مطابقة لما هو متصور أوغير حقيقية
في الوقت الذي يرى فيه علي عجوة أن لا شيء غير حقيقي في الصورة
المتكونة عن فرد معين أو منظمة في أذهان الأفراد لأن هذه
الصورة هي ذلك الفرد أو تلك المنظمة كما يراها هؤلاء الافراد
او تلكم الجماعة سواء كانت زائفة أو صادقة ، والشخص الذي تكونت
لديه صورة معينة عن شئ سيتصرف مع هذا الشئ تبعاً لهذا التصور
الذي كونه او تكوّن لديه
(9). وفي اطار
التحديد المعجمي ايضاً وردت كلمة Image لتشير الى صورة او فكرة
محمولة في الذهن عن شئ ليس ماثلاً امام الحواس وهي انطباع
يخلقة شخص أو مجموعة اشخاص استناداً الى المواقف والسياسات
والممارسات السلوكية
(10). ويؤكد هذا التعريف على دور حامل الصورة في تحديد
وتشكيل الصورة. كما أنه يحصر مجالها في اطار البنية الاجتماعية
والنشاطات التفاعلية. في الوقت الذي تتضمن فيه الصورة معاني
أوسع، فهناك صورة الزمان والمكان و غيرها من الانواع التي
تجعل من الصعوبة حصرها في مجال واحد غير انه يواكب من جهة اخرى
عملية الترحيل الذي خضع لها المفهوم في مجال العلوم السياسية
والاعلام اللذين اهتما على نحو خاص بموضوع الصورة من ناحية
ارتباطها بالعملية السياسية مثل صورة الحزب او صورة المرشح في
الانتخابات او صورة الشركة والمؤسسة ضمن مجال العلاقات
العامة. كما يعكس المنحى الخاص الذي بدأ يتخذه مفهوم الصورة
والذي بدأ يؤسس فيه لعلم جديد أطلق عليه Imagology.
وفي السياق نفسه قدم
بولدنغ تعريفاً اخر للصورة من خلال تعريفه لصورة المرشح في
الانتخابات بانها مجموعة من الانطباعات الذاتية التي تتكون عنه
في اذهان الناخبين (11).
وقد سبق لبولدنغ ان عرفها بشمولية اوسع بوصفها مرادفة او بديلة
لكلمة المعرفة فمعرفتنا بالعالم قد يسميها شخص اخر صورتي عن
العالم وهذا التعريف يتضمن جميع مجالات المعرفة ومضامينها مثل
الصحة و الحقيقة، الشجرة وغيرها
(12). اما في
معجم المصطلحات الاعلامية فقد وردت كلمة Image لتشير أما لصورة
ملتقطة بأحدى الالات التصوير او مرسومة. او صورة شخص او شيء
في ذهن انسان ما أي فكرته التي كونها عن ذلك الشخص وصورته التي
رسمها له في ذهنه أي انطباعاته عنه(13).
وفي علم النفس نوقشت
الصورة في ضوء علاقتها بالإحساس وعرف قاموس علم النفس الصورة
الذهنية (*)
بأنها الصورة المتكونة من عدد من التجارب الحسية للموضوع نفسه
(14). وعدّت
الصورة ضمن هذا المجال المعرفي احدى ادوات التفكير الثلاث
الصور،الرموز،المفاهيم كما عدت الاساس في كل النشاطات العقلية
والمعرفية العليا اذ انها تمكن الانسان ليس فقط من ان يستدعي
ما هو غير موجود، وانما وهذه نقطة مهمة، ان يحتفظ بالتنظيم
الفاعل للشيء غير الموجود
(15).
وفي نظرية الجشطلت وهي
النظرية المسماة بالنظرية الصورية. تطلق لفظة صورة على البنية
والتركيب والتنظيم (16).
وعّرف معجم العلوم
السلوكية مصطلح Image بانها صورة كاذبة وتقييم مضخم يقدمه
المرء لنفسه ينحدر عما يجب على المرء ان يكون بدلاً مما هو في
الواقع (17).
وتؤكد التعريفات التي
أوردتها المعاجم النفسية لمفهوم الصورة على الجانب غير
الموضوعي وغير الواقعي. فقد ورد مفهوم الصورة الاجتماعية
Social Image في ذخيرة علوم النفس لتشير الى انطباعات وجدانية
تمثل آراء واعتقادات وتحاملات مبلورة يجري تخيل صورها بعمق في
الفرد وفي المجتمع ولكن لا مقابل موضوعي لها يمكن إثباته في
الواقع فليس لهذه الانطباعات اية علاقة مباشرة بالموضوع او
الموقف الذي اُسقطت عليه
(18). وقد اكد
يونغ هذه القضية عندما ميز بين الواقع وبين صورته في أذهاننا
مشيراً الى الانفصال الكبير ما بين الوعي بالواقع وبين الواقع
بما هو موجود فعلاً وان الواقع ليس سوى صور تمت معالجتها
بعناية واننا نعيش في عالم من الصور لاغير.
وفي الاقتصاد وظف مفهوم
الصورة الذهنية ليشمل جميع المعتقدات و الافكار والانطباعات
التي يحملها الشخص تجاه مؤسسة معينة، وهذا المفهوم يقترب
كثيراً من المفهوم الذي تبلور عن دراسات الصورة في حقل
العلاقات العامة والدراسات الاعلامية
(19).
ويستخدم مفهوم الصورة في
الادب على نحو مختلف تماماً عن استخداماته في الحقول المعرفية
الاخرى بعيداً عن معنى الهيئة والشكل وتغيب عنه فكرة المعتقدات
والانطباعات لتطلق على كل ما في اللغة من استعارة ورمز وتعبير
ملموس. ويشير معنى الصورة في الادب الى :
1. الدلالات الرمزية
للنص وهنا يكون التصوير معادلاً للتعبير المجازي.
2. الصورة في الادب
بوصفها أنماطاً تجسد رؤية رمزية أو حقيقية أو حدسية.
3. رسم قوامه
الكلمات.
4. ابداع خالص للذهن ولا
تنتج عن مجرد المقارنة أو التشبيه أنما هي نتاج التقريب بين
واقعتين متباعدتين(20).
فالصورة في هذه الحالة تفيد باستدعاء وتحسس ما هو عميق وما لا
يمكن الافصاح عنه بطريقة مباشرة وبهذه الطريقة تجعل حالات
النفس محسوسة بصورة مباشرة أو حدسية .
في مجال علم الاجتماع وهو
المجال الذي سنأتي الى ذكره لاحقاً ورد مفهوم الصورة الشعبية
أو الصورة العامة Public Image ليشير الى الصورة التي يحملها
مجموعة من الافراد في الوقت نفسه. خاصية العمومية ومصادر تشكيل
الصورة التي تقع خارج اطار الفرد وفي اطار ما هو اجتماعي هي ما
يجعل المفهوم يقع ضمن اهتمامات الدراسات الاجتماعية تحديداً
ويقربنا هذا التعريف
للصورة الشعبية من مفهوم الصورة الاجتماعية الـ Social
Imageالتي تعني في ابسط معانيها الصورة التي يشترك في حملها
عدد كبير من الناس ينتمون الى جماعة اوكيانات اجتماعية واحدة
(21).
وتنشأ الصورة الشعبية بحسب
بولدنغ عما أسماه بالكون الخطابي Discourse الذي يعني عملية
المشاركة بالرسائل و الخبرات. اما مصدر هذه الرسائل التي تبني
الصورة الشعبية فهو الطبيعة والناس الآخرين. وهذا لا يعني أنّ
كل الافراد في مجموعة اجتماعية يستلمون الرسائل نفسها بالضرورة
اذ ان كل واحد منهم يدرك الوضع من موقعه الا ان الصورة التي
تتكون في ذهن كل منهم تكون متشابهة الى حد ما
(22). ويضيف
بولدنغ الى وجود نقاط تشابه في صور الافراد المختلفين في
المجموعة يدفع سلوك المجموعة باتجاه تعزيز نقاط التشابه
وتقويتها (23)
ويمثل الكلام Speech مصدراً آخر من مصادر الرسائل التي تشكل
الصورة الشعبية فالرموز او الصور الرمزية التي تتوارد من خلال
الكلام تؤدي دوراً مهماً في بناء الصورة الشعبية.
وادى اندلاع الحرب
العالمية الاولى الى اتساع ونمو عدد من الدراسات التي حاولت ان
تكشف عما عّرف بالصورة القومية National Image وهي الصور التي
تكونها الجماعات عن الجماعات الاخرى. ويعرفها سكوت بانها
الصورة التي تتألف من مجمل السمات التي يدركها المرء ويتخيلها
عندما يتأمل (يفكر) في هذه الامة
(24).
وعرفها جان ميرل بأنها
منظومة من الانطباعات و الافكار والآراء و الاتجاهات التي
تكّون تمثيلاً عاماً أو سائداً فهي عبارة عن وصف موجز او تصور
موحد لشعب دولة ما او حكومته وفي المرحلة نفسها نشطت الدراسات
الخاصة بالصورة النمطية Stereotype وهو المفهوم الذي يتداخل
الى حد كبير مع مفهوم الصورة Image الى الحد الذي عالجه بعض
الباحثين بوصفه رديفاً او بديلاً للـImage (**)
وشهدت العقود الاربعة
الاخيرة انتشاراً واسعاً لمفهوم الصورة الذهنية في اطار
الدراسات الاجتماعية وعلى نحو خاص الدراسات المتعلقة بالاتصال
وكان لهذا النمو ارتباط كبير بالاهمية التي كشفت عنها الدراسات
حول الدور الذي تؤديه الصورة في صياغة وتوجيه شكل العلاقة ما
بين الامم والشعوب وبين الجماعات الفرعية المتنوعة داخل
المجتمع الواحد. ونتج عن هذا الاستخدام ان تبلور المفهوم
واستقر بصيغة متداولة ليشير وكما عرفه قاموس ويبستر في طبعته
الثالثة الى مفهوم عقلي شائع بين الافراد أو جماعة معينة يشير
الى اتجاه هذه الجماعة نحو شخص معين أونظام أو طبقة بعينها أو
جنس بعينه. او فلسفة سياسية أو قومية أو أي شيء آخر(25).
وفي تعريف اكثر تفصيلاً قدمه علي عجوة تعني الصورة الذهنية
استحضار العقل او التوليد العقلي Mental Reproduction لما سبق
ادراكه بالحواس وليس بالضرورة ان يكون ذلك المدرك مرئياً وانما
قد يكون مسموعاً او ملموساً، هذا الاستحضار او التوليد
للمدركات الحسية يبقى مجال اختلاف بين البشر تبعاً لاختلافهم
في انواع التجارب مع الأشياء الحسية التي مروا بها.
ومن تعريفات الصورة
الذهنية وترحيلات المفهوم عبر الحقول المعرفية المختلفة يمكن
استخلاص الملامح الاتية:
§ أن الصورة هي محتويات
عقلية أو حالات عقلية تدخل في إطار البنى المعرفية للفرد ومن
ثم فأن أية دراسة للصورة لابد من أن تقع ضمن حقل الدراسات
المعرفية.
§ على الرغم من ان الصورة
خاصية فردية تخص الحالة العقلية للفرد الا انها يمكن ان تمثل
ظاهرة اجتماعية من وجهة نظر حامل الصورة اذا كانوا جماعة تشترك
في صورة واحدة او المحمول الجماعات التي صورت كما أن مصادرها
اجتماعية من خلال الناس الاخرين او الخبرات والتفاعل او حتى
اللغة وتنتقل عبر عملية التنشئة الاجتماعية وهو ما يبرر
دراستها في مجال علم الاجتماع بالذات.
§ أي صورة يمكن ان تبدأ في
عقول بعض الافراد ثم تصبح عامة Public عندما تنتقل بين الافراد
ويشتركون فيها وترتبط بهذه النقطة خاصية اخرى تعطي للصورة
اهميتها وتأثيرها وهي اعتقادنا بأن الاخرين يشتركون معنا في
الصورة نفسها عن العالم وعن الاخرين وهذا الاعتقاد هو جزء من
صورتنا للعالم (26).
§ هناك بعض الاستخدامات
التي قربت كلمة Image من مفهوم الاتجاه والمواقف مثل صورة
العرب عند الإنكليز وهذا يعني انها تشترك في المكونات الثلاث
التي تؤلف مفهوم الاتجاه وهي المكونات المعرفية أي السمات
المعرفية و الادراكية التي يُفهم بوساطتها الشيء بطريقة عقلية،
والثاني المكون التأثيري او الانفعالي العاطفي المتمثل
بالتفضيل وعدم التفضيل، والثالث المكون الحركي السلوكي الذي
يضم مجموعة الاستجابات الحركية العملية التي يعتقدها المرء
ملائمة ازاء الشيء في ضوء صفات الشيء المدركة مسبقاً. غير ان
بعض الباحثين (27)
يعد الصورة المكون المعرفي للاتجاه، أي أنها الادراك العقلي
للشيء ومن ثم فان الصورة تمثل جزءاً من الاتجاه وليس رديفاً
له.
§ هناك دلالات عدة لمفهوم
الـ Image فقد تعني نقيض المادة أو الفكرة أو المعرفة واحياناً
تعني البراديم (***)
او هي انطباعات وفي اقرب معانيها الى بحثنا تشير كلمة الصورة
وتقترب من مفهوم السمعة فصورة مؤسسة او شخص هي بالضرورة سمعته.
§ هذه التعددية الدلالية
للمفهوم ناتجة بالدرجة الاساس عن شمولية المفردات التي تشكل
صورنا أو الانواع العديدة للصور، فهناك صورتنا عن العالم وصورة
الزمان وصور العلاقات وصور للقيم وصور للافراد الآخرين الذين
نشترك معهم في هذا العالم وفي مجال العلم ايضاً هناك صور تحكم
عالم العلم وفي ضوئها يتم تركيب العلاقات القائمة في الكون
موضوع العلم.
§ من الامور الواضحة بعد
مراجعة المصطلح وترحيلاته خلو المعاجم و القواميس السوسيولوجية
(****) من تعريف
واضح أو حتى اشارة لـمفهوم الـ Image على الرغم من ان علم
الاجتماع تعامل مع هذا المفهوم على نحو مباشر في الدراسات
الاجتماعية والأنثروبولوجية مثل استخدام الصورة الشعبية
Poblic Image و الصور القومية National Image او الصورة العامة
او بشكل غير مباشر ضمن المعالجات السوسيولوجية لعمليات التمثيل
الاجتماعي و التنميط الاجتماعي.
§ يتداخل مفهوم الصور
على نحو كبير مع مفهوم الصورة النمطية.
§ ثمة ضبابية وغموض في
تحديد معنى دقيق لمفهوم الصورة … فهل هي انطباعات أو اتجاهات
أو مدركات أو افكار أو آراء.
الصورة الذهنية و الصورة
النمطية
كثيراً ما يستعين الباحثون
بمفهوم الصورة الاجتماعية والصورة النمطية للدلالة على قضية
واحدة تتعلق بتصور أو انطباع أو اتجاه او افكار أو معتقد يشترك
فيه مجموعة من الافراد اتجاه جماعة أو مؤسسة أو فرد آخر الى
الحد الذي يتداخل فيه المفهومان او يستعمل احدهما رديفاً
للآخر.
ويحاول هذا الجانب من
الدراسة ان يعالج مفهوم الصورة بعلاقته بمفهوم الصورة النمطية
على افتراض ان العلاقة التي تربط ما بين المفهومين هي علاقة
الجزء بالكل. بمعنى ان كل صورة نمطية هي صورة Image بالضرورة
ولكن ليس كل صورة هي نمطية.
وتشير الكثير من التعاريف
التي حاولت ان تحدد معنى الصورة النمطية الى انها صورة ذهنية
الا ان هذه الصورة تتميز بمجموعة من الخصائص التي تجعلها بشكل
او بآخر تتمايز عن مفهوم الصورة الذهنية Image. لعل اهمها هو
عنصر التبسيط (28).
فالصورة النمطية هي صورة بالغة التبسيط والتعميم، يحملها الناس
عن جماعتهم أو عن جماعة اخرى
(29).والعنصر
الثاني هو عنصر الثبات و التصلب بمعنى عدم قابلية الصورة على
التغير (30).
ويُعد عامل الثبات وعدم
المرونة من اهم العوامل التي اتفق على تحديدها الباحثون من اذ
كونها الحد الفاصل الذي يميز الصورة عن الصورة النمطية.
فالصورة Image مفتوحة أي انها تستقبل كل الصور وقابلة للتغير
والتوسع بأستمرار اما الصورة النمطية فتتسم بالثبات والجمود
النسبي وترفض استقبال الرسائل التي لا تتفق معها. على الرغم من
ان بولدنغ تجاوز هذا الفرق وعدّ الثبات النسبي من خصائص Image
الا ان سكوت قد اكد بأن كون الصور نمطية اوغير نمطية يعتمد على
تركيبتها وفيما اذا كانت مفتوحة اومغلقة
(31).(ولو ان
تحديد هذا العمل على المستوى العملي ليس بالامر السهل). واضاف
ابراهيم الداقوقي في كتابه صورة الاتراك لدى العرب بأن اعتماد
الصورة الذهنية على الخيال وتقبلها على التحوير وقابليتها
على التغير هو ما يجعلها اقل جموداً من الصور المقولبة
(32). ومن
الامور الاخرى التي تميز الـ Stereotype عن الـ Image هو ان
الاولى تقوم على احكام مسبقة وافكار مدركة سلفاً
(33). في حين ان
الصورة الذهنية، وكما يرى بعض الدارسين تعتمد على الادراك
العقلي للواقع وتُبنى على حقائق موضوعية وقد اختلف روبنسون
وبارلو حول هذه النقطة اذ يرى ان كلمة Image تشبه الى حد كبير
الـ Stereotype فالاثنتان ترتبطان بالتحيز والاحكام المسبقة
Prejudice أو التسرع بالحكم قبل توفر الادلة
(34). ولذلك
فهما لايجدان فرقاً بين المفهومين.
ويرى فريق من الباحثين ان
الصورة النمطية تختلف عن الصورة الذهنية من اذ ان الاولى تنطوي
على احكام قيمية وتكون مشحونة بالمشاعر الذاتية والعواطف
الشخصية على عكس الصورة التي لا تتضمن بالضرورة مثل هذه
الاحكام (35).
يمكن القول على نحو عام
بأن الصورة النمطية هي صورة ذهنية، الا ان الاخيرة تكون اعم
واشمل كما انها ليست بالضرورة جامدة أو مقولبة بل قابلة
للتغيير. وان الصورة النمطية تمثل مرحلة لاحقة للصورة الذهنية
أو هي صورة ذهنية في اقصى تطرفاتها فالصورة الاجتماعية متى ما
تقولبت وجمدت وقادت الى التعصب تصبح صورة نمطية.
ومع ان الصورة النمطية
يمكن ان تكون سلبية او ايجابية الا ان التركيز يكون اكثر على
الصورة النمطية السلبية وهذا متأتٍ ربما من طبيعة المشكلات
التي تخلقها الصورة النمطية السلبية،والمتمثلة بأدامة السلوك
المتحيز في المجتمع من خلال التشديد على الاختلاف بين الجماعات
والمبالغة في تقديرها وهذا يقود وحسب المنظور الظواهري الى فك
روابط الالفة وتبرير التحيز ضدها او حتى الاعتداء عليها. كما
ان الصور النمطية السلبية تعمل على تحريف الواقع وتشويهه وقد
وجد هاملتون ان الصور النمطية تؤدي الى تحريف سلوك الافراد
الاخرين الذين يجسدون موضوع الصورة وتعليلها على نحو يتسق معها
ويساعد على اثبات صحتها
(36).
كما اكد برونر وتاغويري ان
ادراكنا للاخرين لا يقوم على معرفة بحقيقتهم في الواقع وانما
يقوم على توقعات عامة نشكلها حولهم وقد ابتكرا مفهوم النظرية
الضمنية في الشخصية Implicit Personality Theory لوصف عمليات
الاستنتاج اللاشعورية التي تمكننا من تشكيل انطباعات عن
الاخرين بناءً على ادلة محدودة بشأنهم
(37).
ولعل اخطر ما تقود اليه
الصورة النمطية هو انها تخلق واقعاً خاصاً بها يؤدي الى توجيه
عملية التفاعل بطريقة تدفع الشخص المصور ليسلك بطريقة تعزز
الصورة النمطية السائدة عنها.
.......................
استاذة الاجتماع المساعد ، جامعة بغداد
الهوامش:
.....................
(1) Enc-of
phelosophy. Vol. 8 , editor in chief Poul Edwards ,
The Macmillan Co.
N.Y, 1967. P. 133
(2) جميل
صليبيا : المعجم الفلسفي (بيروت: دار الكتاب اللبناني
1979) ص 745.
(3)
Enc- of phelosophy p.134.
(6) لسان
العرب ، لأبن منظور ، ج 6 ( القاهرة : دار العربية
للتأليف والترجمة، بلا تاريخ ) مادة صوّر
ايضاً المنجد في اللغة ، لويس المعلوف ، ط37 ( بلا
مكان: دار الفقه ، 1996 ) ، ص440.
(7)
Oxford Dictionary Of English Etymology,By C.Tous,
Oxford Claredonc Press 1966.
(8)
Webster's Seventh New Collegiate Dictionary , G&C.
MERRIAM 1967 P.
(9) علي
عجوة : العلاقات العامة والصورة الذهنية ، ص 4.
(10)
Macmillan Dictionary Macmillan Publising CO. Inc.
New York 1977.
(11)
نقلاً عن علي عجوة : العلاقات العامة والصورة الذهنية
، ص 6.
(12)
Boulding , Kenneth : The Image , Ann Arbor ,
The University of Michigan Press ,
1966. P.6
(13)
كرم شلبي: معجم المصطلحات الاعلامية (القاهرة :دار
الشروق1989) ص 285.
(*)
يشير الخولي صاحب الموسوعة المختصرة في علم النفس
والطب النفسي الى ان كلمة image هي في اصلها Mental
image أي الصورة الذهنية او العقلية ولكنها عادة ما
تختزل بكلمة واحدة وهي image
(14)
نقلاً عن : ريا قحطان الحمداني: صورة الولايات
المتحدة الاميركية في الصحافة العراقية ، رسالة
ماجستير غير منشورة ( جامعة بغداد – كلية الاداب 2001
) ص 25.
(15)
خلدون وليد خليل فهي: المميز الدلالي وعلاقته بالنمطية
والتصور ، رسالة دكتوراه غير منشورة (جامعة بغداد –
كلية الاداب 2002 ) ص18.
(17)
Dictionary of Behavioral Science, by Bwnjamin B.
Wolman in y: Van Nostrand Reinhold Co, 19973 , S.V.
( Idealized Iamge ).
(18)
كمال دسوقي: ذخيرة علوم النفس ( القاهرة : الدار
الدولية للنشر والتوزيع 1988 ) ص 684.
(19)
نقلاً عن: ريا قحطان: ص 25.
(20)
نهلة بنيان محمد النداوي : الصورة التخييلية في
التراث البلاغي والنقدي ، رسالة دكتوراه غير
منشورة ( جامعة بغداد : كلية الاداب 1998 ) ص
8-9.
(23)
نقلاً عن: صفاء صنكور جبارة : صورة بريطانيا في
الصحافة العراقية 1945-1958 ، رسالة دكتوراه غير
منشورة ( جامعة بغداد – كلية الاداب 2001 ) ص 112.
(24)
عبد القادر طاش: الصورة النمطية للاسلام والعرب في
مرآة الاعلام الغربي ( الرياض : شركة الدائرة للاعلام
1989 ) ص 14.
(**)
يستخدم عبد القادر طاش في كتابه الصورة النمطية
للاسلام والعرب في مرآة الاعلام الغربي مفهوم الصورة
الذهنية بديلاً أو رديفاً للصورة النمطية ويؤكد ان
الكلمتين تشتركان في دلالتهما غير ان الصورة الذهنية
تعني مطلق الصورة عن الحياة والاشخاص وهي أعم من كلمة
Stereotype كما انها لا تتميز بالثبات والجمود كما هو
الحال فيما يخص الثانية[ ينظر:عبد القادر طاش ،
ص13-14].
(25)
نقلاً عن علي عجوة : العلاقات العامة والصورة الذهنية
ص 4.
(27)
معتز سيد عبدالله : الاتجاهات التعصبية ( الكويت سلسلة
عالم المعرفة 1989) ص58. عدّ معتز سيد عبدالله ،الصورة
النمطية (وهي مرحلة من مراحل الصورة المكون المعرفي
للاتجاهات التعصبية وليست رديفة للاتجاه بمكوناته
الثلاثة).
(***)
اشار بولدنغ الى ان الصورة المستندة الى فتوحات علماء
معينين في مرحلة تاريخية على سبيل المثال تمثل براديم
او نموذج علمي يشيع بين عالم العلم وينتشر في كافة
الحقول المعرفية.
(****)
تمت مراجعة عدد من المعاجم و القواميس السوسيولوجيية
من مثل معجم علم الاجتماع لدنكن ميشل وموسوعة علم
الانسان لشارلوت سميث وموسوعة علم الاجتماع للدكتور
احسان محمد الحسن.
(28)
عرف حلمي خضر ساري الصورة النمطية بأنها تصور مفرط في
التبسيط وتعميم مُبالغ فيه ثابت نسبياً ومليء بأحكام
القيمة يرتبط بالفئة كعلاقة ملاصقة لها ودالة عليها :
يُنظر ( حلمي خضر ساري ص 761 ) كما عرفها اولفر
ستاليري بأنها صورة ذهنية مفرطة في التبسيط يشترك في
حملها عدد كبير من الناس حول فئة من الاشخاص او مؤسسة
او حدث، يُنظر ( ارادة زيدان راهي، ص 35 ) وعرفها
اولبرت بأنها تبسيط مبالغ فيه للخبرات الناتجة عن
الاتجاه يُنظر ( بشرى عناد مبارك : ص 68)
(29)
روبرت مكليفن و ريتشارد روس، ص 246
(30)
عرفها عبد القادر طاش بأنها صورة ذهنية ثابتة يشترك في
حملها افراد جماعة ما وتمثل رأيا مبسطاً او موقفاً
عاطفياً او حكماً غير متفحص. يُنظر ( عبد القادر طاش
ص 13 ). كما عُرفت بأنها تصور يتصف بالتصلب و التبسيط
المفرد لجماعة ما يتم في ضوئه وصف الاشخاص الاخرين
الذين ينتمون الى تلك الجماعة وتصنيفهم استناداً الى
مجموعة من الخصائص والسمات تُميز تلك الجماعة. يُنظر (
حلمي خضر ساري ص 761 ).
(31)
ارادة زيدان راهي : الصورة النمطية – صورة العرب في
مجلة التايم ص 17
(32)
ابراهيم الداقوقي:صورة العرب لدى الاتراك ( بيروت :
مركز دراسات الوحدة العربية 1996 )ص 67.
(33) في
تعريف اخر لالبورت وتاكفيل عدّا فيه الصورة النمطية هي
تلك الاحكام المسبقة التي تطلق على جماعة ما او فئة
محددة. نقلاً عن ( بشرى عناد مبارك : ص 68 ).
وعرفتها موسوعة علم الانسان بأنها صورة عن شخص او
جماعة لا تقوم على الملاحظة او الخبرة وانما تنهض على
افكار مدركة سلفاً ويتم تحليل هذه الانماط الجامدة في
القالب جزءاً من الجانب الرمزي للعلاقات الاجتماعية (
موسوعة علم الانسان : ص 717 ).
(34)
نقلاً عن علي عجوة : العلاقات العامة والصورة الذهنية
، ص 6
(35)
ريا قحطان الحمداني، ص 29.
(36)
نقلاً عن بشرى عناد مبارك، ص 15
(37)
روبرت مكليفن وريتشارد روس، ص 225