الحضارية «دراسات فلسفية»

 الأربعاء: 26/05/2010

 

  

 

فلسفة التاريخ والموقف من النهاية الحتمية للحضارات

 

أ. د عبد الجبار ناجي(*)
(خاص للموقع)

 

 

 

 

 

يخيل أن نظرية السير ارنولد توينبي في تشخيص أزمة الحضارة –أي حضارة- والحضارة الغربية تحديداً في دراسته الرائعة للحضارات القديمة والحديثة قد اوصدت الباب وربما ضيقته امام انبثاق تفسير شامل أو نظرية موضوعية لمسيرة الاحداث التاريخية منذ اطوار عصور ما قبل التاريخ المتمثلة في حضارة بلاد الرافدين وبلاد النيل. مع الاخذ بنظر الاعتبار مسألة مهمة وهي أن فلسفته قد طورت كثيراً نظرية اوزفلد شبنجلر ازاء الرؤية الأوربية الواحدية وموقفها الاستعلائي في تفوق الحضارة الغربية وأنها الحضارة العامة التي تعلو فوق أي حضارة سابقة أو معاصرة لها، تلك التي شهدتها البشرية، ويبدو أن الحرب الباردة بين القطبين المتنافرين ايدلوجيا لم تسخن الموقف الفكري الحضاري ولم تؤثر بفعالية شحذ همم المفكرين والفلاسفة خاصة في نهضة فلسفية جديدة في تفسير التاريخ وفي فلسفة الحضارات كما هي الحالة التي عّمت اوربا والعالم قبل وخلال الحربين الكونيتين وما افرزته من عوامل ضاغطة في هذا الميدان، فقد اثارت مخاوف سقوط الحضارة الغربية عندما ظهر كتاب (تدهور الغرب(1)) قلقل جدياً ومفزعاً عند الفرد الأوربي العادي، اكثر بكثير من هلع المؤسسات السياسية الأوربية، على مصيره ككائن يرغب في تحقيق حياة آمنة بعيدة عن التوترات والازمات النفسية، وكذلك مخاوفه على مصير حضارته التي اعتقد –منذ عصر النهضة الأوربية أو قبل ذلك بكثير انها المتفوقة دائماً والى الأبد. وقد ارتفعت نسبة القلق والتأزم هذه عندما بادر توينبي إلى ترجيح وتأييد ما وصل إليه شبنجلر من نظرية بأن الحضارة الغربية –وهي حضارته- ستؤول إلى التدهور – والشيخوخة شأنها شأن أي حضارة من حضارات العالم التي(2) افلت.

فالحرب الباردة كما يبدو قد تم الاتفاق بين الاطراف المعنية أن تكون كذلك لئلا تصل التأزمات إلى مرحلة الحرب وافناء العالم برمته باستخدام السلاح المرعب الذي يلوح باستخدامه في كل لحظة وهو سلاح التدمير الشامل السائد الآن وبانتهاء مرحلة القطبين المتنافرين بدأت سيادة جديدة على العالم سيادة احدهما على الآخر، ومحاولة المنتصر منهما الاستحواذ على ادارة الكون بمفرده مستثمراً المفتاح الوحيد الذي يملكه لغرفة عمليات التدمير الشامل(3). ويرافق هذه الواحدية والعالمية ذلك التقدم التكنولوجي الصعب المراس والذي لا نقدر على السيطرة عليه أو على تائجه اليومية غير المتوقعه حيث يقف الإنسان –صانع الحضارات بل صانع هذه التقنية- منذهلاً – ومكتوف الايدي ازاء النتائج التي برزت من على شاشة الحاسوب بأن الروبوت قد ينمو نمواً هائلاً في نهاية المطاف فيتحول إلى مارد قاتل للبشرية ومدمر للمتطلبات والمنجزات الحضارية التي اختعته وصنعته، ففي دراسة لمؤسسة شركة (سن مايكروسيستم) Sun Microsystem في مجلة المعلومات وايراد Wired "ان الإنسان سيواجه حالة أقرب ما تكون إلى الابادة، خلال جيلين إذا ما استمر الخط البياني لتطير ذكاء الكومبيوتر والتكنولوجيا العضوية (البايوتكنولوجي) على النحو الذي هو قائم الآن(3)". والاهم من ذلك كله ان الكون بدأ يشهد نذر شؤم اخرى تقدمها العولمة متمثلة بالتلويح المستمر بتدمير كل من يقف ضدها(4) وفقاً للتصنيف الواحدي السائد لعناصر هذا الكون، فمن لم يؤيد سياسة هذا القطب الواحدي سيُقتل ويُدمر 0وتعبير من لم يؤيد يشير إلى اولئك الفقراء العاجزين على الرد- وتداس كرامته وتهدم منازله الهشة اسساً فهو الضد من العولمة(5). هكذا تدار الحضارة الكونية الآن، وابواق الحرب الاخيرة وطبولها شرعت تدق بتصاعد مباشرة بعد تفرد القطب الواحد ثم تصاعد إلى حد كبير وتأججت نيرانها بعد احداث(11) ايلول2001 فالحرب الآن في كل بيت وفي كل مكان سواء كانت حرباً نفسية ام اجتماعية ام اقتصادية ام سياسية ام عسكرية ام الاهم حضارية، رؤية فيكو قد صدقت بأن الاغناء هم الاكثر حكمة والاكثر لباقة في ادارة السياسة والحكم اما الفقراء فهم الخاملون العاطلون الذي يؤججون حالات الفوضى والفساد(6)، فقد عادت هذه الافكار لتؤدي الدور الفاعل في عصرنا الحداثي وما بعده. لا من جانب الماكنة العولمة انما عند الفرد العادي وفي اشارع لامريكي خاصة والاوربي بشكل عام. وما القوانين والتعليمات الامنية الصارمة على حرية الفرد العادي –في العمل والحركة والتعبير- بعد احداث (11 ايلول) في امريكا وخارجها الا صيغة من صيغ القلق إذ جعلت حياته اليومية التي كانت آمنة ومرتاحة إلى حياة باشة وتعيسة. الفرد العادي في خوف متزايد وقلق شديد من موت ينتظره في أية لحظة.

هنا، وفي خضم هذه التوترات، شرع الفكر الأوربي، بله الامريكي يعالج هذه الحالات من القلق المتزايد على مصير الفرد ومصير الحضارة الغربية وكذلك الخوف من تنامي الشعور بالسيادة والتفوق اكثر مما هو عليه الحال الآن بالاعتماد على فلسفة التاريخ تماماً(7) كما كان الأمر ابان الحربين الاولى والثانية، فانبرى فرانسيس بان العولمة الاريكية والواحدية في منطق القوة التفوق التكنولوجي لاسلحتها التدميرية تعد نهاية التاريخ(8) فيها وعن طريقها تتحقق السعادة والحرية والرخاء للفرد العادي. وهدف نهاية التاريخ جليّ تماماً انها محاولة جديدة لاختراق المعرفة التاريخية بواسطة فلسفة التاريخ. فصار هذا العلم ضحيتها، كما فعل كارل ماركس في القرن التاسع عشر صياغة نهاية للتاريخ والحضارة بتطبيق مبدأ من كل حسب قدرته إلى كل حسب حاجته، إذ أنه حسب القدرة والحاجة على أنهما المعياران الاساسيان لتطمين الفرد العادي الذي كان يعاني ما يعاني من ظلم الرأسمالية وقهرها وشقائها. فيرى فوكوياما يهلل قائلاً ان امريكا قد حققت اضخم انتصار مع نهاية القرن العشرين: ابادة الشيوعية وسحق العراق "ولا احد يشك –كما يزعم- الآن في أن امريكا هي زعيمة العالم نحن الاقوى والاعظيم(9)" كان كارل ماكرس قد تنبأ بسقوط الرأسمالية في أوربا والانتقال إلى سيادة الرأسمالية والشيوعية –فيا عمال العالم اتحدوا-.

وخلال هذه التوترات السياسية والنفسية والاقتصادية الحية في الشارع الامريكي والاوربي وهذا الخوف من المارد الجديد –ربما النقيض- الذي نعته الساسة الامريكان بـ(الارهاب الإسلامي) استثمرت فلسفة التاريخ أيضاً في مفهومية ورؤية تدميرية للحضارات وتصويرها تصويراً حيوانياً بشعاً في تصارعها –بمعنى تجاربها- فلكي تنتصر To prevail (10) كما هو عليه عنوان كتاب حديث صدر في امريكا – عليك أن تدمر وعليك أن تسحق الآخر بالمرة. والحضارة الخاسرة في هذا الصراع هي التي سوف تمحق وتمحى من ذاكرة تاريخ الحضارات.

والعامل الفاعل في هذين التفسيرين للحضارة كامن في القوة والهيمنة –نحن الاقوى-، وهنا لا بد من العودة إلى الاستشهاد بنظرية فيكو التعاقبية إذ حدد عاملاً لنهاية تاريخ المرحلة هو ليس عامل القوة المادية والعسكرية انه العناية الالهية – بتفسير كنسي أو غسطيني في فلسفته فهي التي ستفني المرحلة الوحشية الثانية في تعاقبيته الدورية(11). فصموئيل هنتغتن باستخدامه تعبر (clashes) انما يقصد الحرب والقتال بين مجموعتين من الحضارة مجموعة مملكة السماء الخيرة مملكة سنت أو غطسين وحضارة مملكة الارض الشريرة والفاسدة –حضارات الشرق والشرق الاقصى(13) الحضارة الغربية وحليفتها ضداً بالإسلام والكونفوشية:

وازاء هذه النظرية الدموية لهنتغتن... في الصراع والحرب كانت ردورد الخصم (الآخر) وقبل أن تبدأ المصارعة والمنازلة رداً سليماً ربما يُفسر من جانب الوحش الأشقر(14) بانه تراجع وتخاذل موازنة بالقوة والهيمنة، والرد هو عرض لشمروع الحوار بين الحضارات. والملفت جداً في النقيضين المعروضين، ذلك التشابك الغامض في عقلية هنتغتن والعقلية الغربية من جهة وفي عقلية (الآخر) المسالم من جهة اخرى، فالطرفان أخذا يعرضان مواقفهما عبر صراع الديانات من الطرف الاستعلائي وعبر حال الديانات من الطرف المسالم. برغم أن شيرين هنتر مديرة مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية Csis فتحت جبهة توفيقية بين الطرفةي مستثمرة فلسفة التاريخ في كتابها: مستقبل الإسلام والغرب هل هو صراع للحضارات ام تعايش سلمي (15)؟.

لقد غاب عن عقلية انصار الطرفين الدموي منهما والسلمي في الحضارات أن فلسفد التاريخ لا تخدم تفسيراتهما في مثل هذه الحالة، كما سنبين لاحقا. واقعياً فإن مفهومية الصراع أو الحوار بين الحضارات غاية غير ممكنة في التطبيق لا سيما مفهومية الصراع أو الحوار بين الحضارات غياة غير ممكنة في التطبيق لا سيما بالنسبة إلى العناصر الجوائية المكونة للحضارة أي حضارة والا كيف تتصارع الحضارات بل كيف تتحاور؟ هل الحضارة تكنولوجيا عسكرية فقط بالشكل الذي يتشابه مع المصارع أو الملاكم فتوجه الضربات التدميرية أو الصراعات المميتة باستخدام السلاح الذي لا يبقي ولا يذر عندها نفرض السيادة الكونية أن افلح المنتصر من الفرار من عواقب السلاح التدميري الشامل {هنا ثمة ملاحظة تتعلق بنتائج ام المعارك حرب الخليج على الجنود الامريكيين}(16). أما في اشكالية الاحوار فهل يعقد التحاورين بين مجموعتين أو اكثر من الثقافات والقيم أو الاديان التي تؤمن بها العقلية سواء الاسيوية ام الغربية،الإسلام ام الغرب، وهي قيم وثقافات وأديان عاشتها وتعايشت معها وامتزجت في ضميرها ووجدانها عبر قرون كثيرة فتتنازل في هذا الحوار في الحد الادنى منها للحضارة الغالبة والمغلوبة؟ أم هل تنتهج هذه المجموعة من الحضارات أو تلك نهج التشكل الكاذب مع الحضارة الارقى لتهيء مناخاً ملائماً للحوار؟. ولنذهب إلى صحة المبدأ في أن هناك نوافذ بين الحضارات والثقافات والاديان التوحيدية إذ تؤثر وتتأثر به روحياً وفكرياً ومادياً غير أن تاريخ الحضارات الواحد العشرين(17) أو الاكثر من ذلك لا يؤيد مثل هذا العرض في تطور المجتمع والدولة الحضارة فالحضارة تولد لتنمو وتترعرع وتبدع الاصيل مادياً وفكرياً ومن رحم المجتمع والانسان –صانعها الحقيقي- لتبلغ الذروة وبعدها تأخذ بالرتابة والخمول والجمود وأخيراً التدهور، جاء في كتاب الله العزيز –سورة الروم- الآية(الله الذي خلقكم في ضعف(18) ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة) الروم آية 54 وهذا هو الشأن الذي شخصه توينبي بعد ثلاثين سنة من عمره في دراسة الكثير من الحضارات دراسة متمعنة فكانت التائج التي توصل إليها تقيد أن نسبة عالية من الحضارات التي مثلّت ادوارها بفاعلية على مسرح التاريخ البشري قد رحلت وطويت صفحاتها وفي عدد منها دون أن تخلّف ورثة شرعيين في مؤهلات وجودها فلنشرك ابن خلدون في هذه المسألة إذ ينصّ في موضوع اختار له عنواناً رائعاً {ان الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع(19)} يقول فيه {قد قدمنا ذكر العوارض المؤذنة بالهرم واسبابه واحداً بعد واحد وبينا انها تحدث للدولة بالطبع وانها كلها امور طبيعية لها وإذا كان الهرم طبيعياً في الدول كان حدوثه بمثابة حدوث الامرو الطبيعية كما يحدث الهرم في المزاج الحيواني. والهرم من الامراض المزمنة التي لا يمكن دواؤها ولا ارتفاعها لما انه طبيعي والامور الطبيعية لا تتبدل(20)}.

وللتدليل على ضبابية مفهومية هنتغتن نعرض راية الذي عرضه في الفصل العاشر الموسوم: من حروب الانتقال إلى حروب خطوط التقسيم إذ يصرح قائلاً "وبالنسبة للمسلمين سرعان ما اصبحت الحرب –حرب الخليج- حرباً بين حضارات(21) – يلاحظ فهمه للحضارة Civilizatiovn – ثم يستمر في عرضه بقوله (حرمة الإسلام) مهددة فيها.... الجماعات الإسلامية الاصولية قد شجبتها كحرب ضد الإسلام وحضارته من قبل الصليبيين والصهاينة) {صدام الحضارات اعادة صنع النظام العالمي، ترجمة طلعت الشايب 1998 صفحة 404} والجدير ملاحظة التشويش في الصدام –الصراع- الإسلام (الدين) وحضارته مقابل الصليبيين (كيانات سياسية حمل انصارها في البداية الصليب أما الصهاينة فهو تعبير سياسي ايدلوجي أكثر من كونه ديناً أو حضارة). التصارع في هذا المشهد من الصدام غير مرئي الا في ذهن هنتغتن، وربما يسئل السائل ترى ما هي النتائج التي وصل إليها عبر هذه الافكار المضاربة التي غابت عنها أساسيات نظريته. النتائج هي (وهكذا بدأت حرب الخليج كحرب بين العراق والكويت ثم أصبحت حرباً بين العراق والغرب {-يلاحظ فكرة سياسية} ثم حرباً بين الإسلام {يلاحظ انه تحول إلى الدين} والغرب {مفهوم جغرافي سياسي} وفي النهاية أصبحت في نظر كثير من الغربيين حرباً بين الشرق والغرب {هنا يتضح المفهوم السياسي –الاستعماري- الاقتصادي} وتمشياً مع هذا المنظور يردد صموئيل هنتغتن القول بأن (حرب الخليج) هي أول حرب موارد بين الحضارات بعد الحرب الباردة(22) {اذن فهي ليست الأنموذج لصراع الحضارات، كما يزعم، انما هي انموذجاً للحروب الاقتصادية}، فيقول (الرهان كان على ما يأتي: هل يظل الجزء الرئيسي من احتياطي البترول في العالم تحت سيطرة حكومات السعودية والخليجية المعتمدة أمنياً على القوة العسكرية الغربية ام يقع تحت سيطرة انظمة مستقلة معادية للغرب)(24) فصموئيل هنتغتن بهذه الرؤية الانانية الفاضحة لا يعرض نظرية في فلسفة التاريخ انما يستعرض تصارعاً مصلحياً بل تسابقاً بين تكنولوجيات وبين منافع هدفها المحرك الربح أو الخسارة، وهذا لا يتوافق قطعاً مع المفهومية المتكاملة للحضارة، فالحضارة لا يقصد بها البترول والتصارع على استثماره ونيل ارباحه، والبترول ان هو الا جزءاً من بين آلاف الاجزاء المكونة لهذا الكيان الشامخ الحضارة.

موقف فلسفة التاريخ:

وفلسفة التاريخ تقف موقف الضد تماماً من هذه المفاهيم في الصراع والحوار بين الحضارات. انها ترسم رسماً خاصاً للحضارات وحركة وجودها وتصاعد فاعليتها وتغيرها، انه رسم في افضل حالاته الانطولوجية رسماً بناينياً باتجاه الانتكاسة والضمور لا باتجاه التألف والابداع والعنفوان الدائم الاستمرارية والبقاء وفلسفة التاريخ والفلسفة. ان التاريخ حسب نظرية أنصار التقدم يسعى دوماً إلى التقدم نحو الأمام لتحقيق آمال وتطلعات تقدمية في مسيرته الإنسانية الحضارية(25). وبالرغم من مواقف العنف والحروب الدموية في احداثه السياسية المفردة، فإن هذه المواقف الدموية لم ولن تعطل أو تعرقل سير عربات قطاره(26) –مستعيراً تعبير فرنسيس فوكوياما- للوصول إلى الاهداف النبيلة التي تريدها وتتطلع الإنسانية دوماً إلى نيلها. وليس بالضرورة أن تكون هذه الأهداف مريحة للفرد العادي الذي طالما يحلم ويتأمل في الماضي الذهبي، وانه في قراءة الماركيز دي كوندروسية (27)، يهتم في الشعور أو اللا شعور فيما إذا وطئ الإنسان بقدميه أرض القمر أو المريخ أو أي كوكب من الكواكب البعيدة عن كوكبه تصدر ما يهمه ويهتم به واقعياً وأن يحيا عمره وما تبقى منه حياة سعيدة بعيداً عن هموم أمراض العصر الفتاكة وبعيداً عن مخاوفه اللحظوية واليومية وبعيداً عن همومه الآنية وهو يرى نفسه متأخراً دوماً ازاء الفقرات الهائلة التي تقدمها الاكتشافات التقنية تلك الاكتشافات التي جعلته مصاباً بابداء اليأس والرتابة والكآبة والحيرة والتسابق اللاهث وراء اللا مرئي مادياً ومعنوياً.

كذلك فإن نظرة فلسفة التاريخ التشاؤمية ازاء الحضارات وقيامها وحتيمة موتها تقف بالضد من جوهر الفلسفة، فالفلسفة علماً أو مفهوماً مطلقاً تسعى إلى المطلق والحداثة وما بعد الحداثة ميتافيزيقيا ام انطولوجيا، وهي أيضاً تنظر بهذه النظرة الكونية الشاملة في الاخلاق والجمال والقيم والتربية وفي كل شيء وجداني. الفلسفة هي المنهج الفاعل بها وعن طريقها يشعر الفرد منطقياً وجدلاً انه دائم الحركة والتغير والتحول نحو كم أفضل ونوع ارقى وحياة حرة.. ان حبة واحدة من القمح لا شك انها تعطي وتنتج مئات الحبات أو أكثر بفعل عامل التضاد المطقي. وهذا ما عبّر القرآن الكريم بصورة رائعة فقال عزّ من قائل "مثل الذي ينفقون اموالهم في سبيل الله كثيلِ حبة أنبتت سبع سنابلَ في كل سنبلة مائة حبةٍ والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم(28)".

فالنهايات التي تسعى الفلسفة الوصول إليها هي منها نهايات مثمرة قابلة للزيادة في الانتاج والإثمار اللا نهائي مادياً وفكرياً. والعقل المطلق فيها تزينه دوماً عوامل خيرية تفعل فعلها في الارتقاء الشراني خيرياً أيضاً.

فعلى الرغم من كل هذه الخصال الجوهرية المترسخة في فعل التاريخ واقعياً وفي خيال الفلسفة المطلق عقلياً وفكرياً فانهما –أي التاريخ والفلسفة- عندما اندمجا سوية في هذا العلم الحيوي المتحرك والفاعل فلسفة التاريخ، تحولا جزئياً أو كلياً في موقفهما من مركزية العوامل التي كانا كلاهما يسعيان إليها قبل عملية الاندماج زمانياً، بمعنى قبل ظهور فلسفة التاريخ مفهوماً وعلماً. فكان فولتير(29) متطلعاً جداً في الآن الذي جمع بينهما –التاريخ والفلسفة- في مقالته (فلسفة التاريخ) ليصوغا سلاحاً عقلانياً فأخذا في الوقوف بله وحر ونقد الافكار التي هدفت إلى فرض سياج حديدي وطوق فكري جامد على تطور العلم والقيم والابعد من ذلك على تطور الحياة والانسان. فكانت فلسفة التاريخ السلاح الفاعل للرد على عوامل الجهل والتحجر، وصارت أيضاً ميداناً علمياً جدلياً اراد بها هيغل (30) وعن طريقتها اكتشاف الحركة الجدلية الداخلية في الحدث التاريخ المفرد وبالتالي الحركة الدؤوبة المتصاعدة لمسيرة الاحداث التاريخية عموماً. كان هدف هيغل الأساس هو ان يفهم التاريخ لا بوصفه مجرد حقائق مدونة في بطون الاوراق الصفراء وفي متون الوثائق المتعاطفة مع مصالح – مدونيها وان لحمتها وسداها تقف على مجرد كيفية التثبت من صحة وقوعها أو صحة معلوماتها فعند هيغل إن التاريخ هو التاريخ الفلسفي الذي لا يفهم كنهضة الا بواسطة ادراك الأسباب والعلل التي من أجلها ولأجلها وقعت تلك الحقائق التاريخية. وهي رؤية تتطابق تماماً مع فهم ابن خلدون للتاريخ قبل هيغل بحوالي اربعمائة عام.

فالتاريخ يعرض مراحل التقدم الإنساني منذ أقدم العصور إلى اليوم، انه كما ينص هيغل قصة تطور الحرية(31) بالرغم من الحرية الغنائية التي تطلع هيغل إلى الوصول إليها فحسب في بروسيا. وحتى حين طبق هيغل موقفه من التاريخ في ديالكتيكه المبدع والمفعم بالحركة والتغير فانه كان ينبغي الوصول إلى الحرية في التاريخ كما يؤمن بها في الوصول إلى الدولة الغائية –دولة الحرية في مفهومه- بروسيا الت يعدها أسّ الدول وابعد من هذا أسّ الحضارات. وهذا الطرق الذي مشى فيه أكثرية فلاسفة التاريخ الاوربيين انه الدرب الذي يؤدي في نظرياتهم إلى نهاية المطاف بانتصار الحضارة الأوربية. في الآن الذي اكتشف كارل ماركس ديالكتيكه(32) المادي لتفسير مسيرة الاحداث التاريخية بخط يبدو مستقيماً ومتصاعداً لكنه فقط للوصل إلى المحطة النهائية في فريضته نظرية مستقبلية جاهزة في تحقيق المرحلة النهائية لحركة التاريخ، تلك المرحلة التي تخلو من أي تناقضات وتصارعات نابعة وقائمة على الأساس المادي. ففي اطروحته يعتقد أنه تطيق معيار من كل حسب قدرته إلى كل حسب حاجته في المرحلة الاخيرة مرحلة نهاية التاريخ المادي عندها ستحل مشاكل الإنسانية جمعاء ومنفعاتها الآتية. فهذا هو جميع ما يهدف إليه التاريخ وبه ينتهي جدليا وموضوعياً. وعلى نفس الخطى تدحرجت عربات قطار فوكوياما نحو الامام لكنه امام لا محالة منته إلى حافة الهاوية، فهو يرى في متابعته سير العربات وهي متجهة نحو نهاية التاريخ بتقحيق الرأسمالية. وكلاهما يسعى نظرياً إلى وجود عالم سعيد حيث يحيا الإنسان سعادته الأبدية بتحقيق العدالة والحرة والرخاء، وعند فوكوياما بسيادة امريكا والرأسمالية(33) الليبرالية وعند ماركس بسيادة البروليتاريا والشيوعية.

نصل اذن إلى النقطة الجوهرية وهي ان علم فلسف التاريخ الذي اعطى قدراً كبيراً عبر بنائه المعرفي في استثمار الفلسفة والتاريخ معاً –منهجاً واسلوباً ومنقطاً- لصياغة شخصية متكاملة للحضارة –أي حضارة كانت- سواء كانت تلك الصياغة. تتشكل عبر قوانين وضعية بدهية ومحدودة في النشوء والتطور والنتائج أو في افتراض فرضيات حازمة وجازمة مأخوذة أو مقتبسة من اصل التطورات الطبيعية والحياتية للانسان والحيوان والنبات دون اكتراث واقصد اكتراث هذا العلم –فلسفة التأريخ إلى ان هذا القانون أو هذه الفرضية التي افترضت لمعالجة ازمة الحضارات هي فرضية يغلب عليها التعميم المسبق والقسري إلى حد كبير. لقد ابتعدت فلسفة التأريخ عن هويتها التي تأسست بميلادها وانشغلت لاحد له في هذه المسألة الخطيرة والتي تعد حيوية جداً على كافة المستويات البشرية للفرد والمجتمع تسعى اى التشخيص بغية تقديم دواء مسكن أو مهدأ لتريح القلق الذي أخذ يستبد بالفرد الأوربي على وجه التحديد وهو يحلم بالخلود في السيادة والعولمة، القلق على مصيره كفرد سائد في هذه القرية العالمية الصغيرة وعلى مصير حضارته الكونية تماماً كما سبق ان استشرى عليه القلق ذاته ابان الحربين الكونيتين الاولى والثانية. لا سيما وان عناصر مؤشرة أخذت تطفو على سطح الكرة الارضية في نصفها الأوربي خاصة وهي عناصر تكمن في الاحداث الطبيعية المعاصرة كالتلوث البيئي واتساع الشق الاوزوني وفي احداث سياسية كأحداث 11 ايلول والنذر اليومية المتصاعدة عن حرب كونية ثالثة وربما رابعة وهكذا.

انشغالات فلسفة التاريخ:

رب سائل يبادر إلى سؤال خطير وهو كيف اصبحت فلسفة التاريخ الخيرية في عناصر وجودها طبيبا نفسانيا يشخص الداء ويقدم الدواء للقلق الإنساني؟ بادئ ذي بدء فان انشغالات فلسفة التاريخ حول وجودية الحضارات الميتة منها أو التي ما زالت على قيد الحياة في تحيا مراحل حياتها الاخيرة – والفكرة متأثرة هنا بنظرية توبيني- فان هذه الانشغالات توزعت في عدة اتجاهات لعلها تحصر في الآتي:

·   فهناك اتجاه وزّع الحضارات التي مرت بها الإنسانية توزيعاً غائباً في الوصول إلى الهيمنة الحضارية الغربية وانها الحضارة التي لا بد ان تنتهي إليها مسيرة الحضارات الكونية، فالحضارات –جغرافيا- بدأت على ضفاف الانهار –وهي الحضارات القديمة الشرقية والاسيوية- ثم انتقلا إلى الحضارات الاقرب تاريخياً تلك التي نهضت على سواحل البحار وساحل البحر المتوسط خاصة وهي الحضارت المتوسطية- الهيلنية ثم اليونانية ثم الرومانية. وبعد ذلك اتجهت حركة الحضارات إلى خط النهاية بحضارات المحيطات إذ تقلصت إلى حضارتين، الحضارة المسيحية الغربية والحضارة المسيحية الشرقية(34).

وقد استثمر هذا الاتجاه الحضاري استثماراً أوربياً وسياسياً بشكل هائل في ترشيح الحضارة الغربية لتبسط نفوذها وهيمنتها على العالم بدء بالفلسفة الالمانية النازية ومروراً بالنظرية الامبراطورية كالامبراطورية البريطانية وانتهاءاً بتفرد العولمة الواحدية الأمريكية.

ومما يلاحظ في هذا الاتجاه ان حضارات البحار والمحيطات هي حضارات أوربية صاغتها عقلية البروفسور ارنولد توينبي صياغة الصلة الروحية بين الاب والابن. فالحضارة العربية تنتسب بفعل عامل البنوة والاسرية إلى الحضارة اليونانية، فالمحصلة ان تلك الحضارة وهذه الغربية واحدة في الأصل السلالي. في الوقت الذي هشت حضارات الشرق الأقصى بما يعادل الآن الحضارات الكونفوشية والحضارات العراقية القديمة وحضارة وادي النيل وأهمل نسبها فولدت منفصلة غريبة عن بعضها البعض الآخر، وانطلاقاً من فكرة من لا اصل له ومن لا نسب له يكون في النهاية لا تاريخ له. وهناك احساس من هذا المنطلق ان التفسير النسبي هذا يقصد منه توكيد نظرة النسبي هذا يقصد منه توكيد نظرة سنت اوغسطين في {مدينة الله(35)}، إذ حسب لعنته ومقته لهذه الحضارات التي جعلها تمثل مدينة الارض المليئة بالشر واللا دين مقابل ميدنة الله الخيرة وهي مدينة بني اسرائيل ومدينة الحضارات الغربية.

ومما لا ريب فيه ان انصار هذا الاتجاه في توزيع الحضارات وأوبتها امام امتحان حضاري عسير جداً، والامتحان هو ماذا سيكون بعد ذلك؟ أي ماذا سيؤول الأمر بعد حضارات المحيطات لا سيما وان مياه المحيط العام الذي يستوعب الكرة الارضية لا يترك مجالاً للتفسير في فلسفة تاريخ الحضارات عن أنماط ^^^ في اخرى على سواحل مياه اخرى؟ ولكن هذا الاعتراض لا يبدو مهما بالقدر الذي يثير اهتمام انصار هذا الاتجاه في تحقيق الاهداف الآنوية النزعة.

·   اما الاتجاه الآخر فينزع إلى الواقعية والعلمية إلى درجة ملحوظة، وهو في دالخ يضم محورين أساسيين توهم البعض من الباحثين انهما يعرضان مفهوماً رتيباً في حركة المسيرة التاريخية للاحداث وفي ظهور الحضارات وانطلاقها وتألقها ثم كبوتها بما ينظر إليه انها رؤية دائرية للتاريخ. فالتاريخ –كما يتوهم هؤلاء- كالعجلة تدور حول فسها في مبدأ ان التاريخ يعيد نفسه وان مراحل الشخصية الحضارية تتعاقب تعاقباً دوريا أيضاً. وواقع الحال غير ذلك مع توافر عناصر الدورة التاريخية بالفعل لكنها دورة لا تعتمد نمط الدائرة الكاملة انما على نمط لا دائري بشكل تام. وقد استثمر النمط الأول من هذا الاتجاه الدورة اللا دائرية على نفسها صيغة المراحل الثلاثية ومطبقة على الانموذج الأوربي لا غير. واقصد بذلك مراحل جويفاني باتيشا(36) فيكو الايطاي الثلاثية أ- دور الالهة أو الوحشية الاولى ب- دور الاباطل جـ- دور البشر أو الوحشية الثانية وتنتهي دورات فيكو الثلاثية إلى نحو منتصف القرن الثامن عشر الميلادي أي خلال زمنه وفي اوربا. ومع أن هناك احتمالاً معززاً بان فيكو قد تأثر واضحاً بدورات ابن خلدون ومراغحله الثلاث لكن طبقها على التاريخ الأوربي بدلاً من تطبيقات ابن خلدون على التاريخ العربي المشرقي منه والمغربي، فيبدأ فيكو مراحله الاولى في العصور الاغريقية القديمة فتنتهي في عصر النهضة الأوربية، فهي ظرية اوربية جملة وتفصيلاً. والمفيد هنا ان فيكو قد ادخل قبل هيغل وماركس جدلية النقيض Anti الذي ينمو نمواً متواصلاً مع الدورات ليصل إلى بداية ظهور المحصلة Synithesis مع انها جدلية لا تبلغ الشأ والقلمي الذي بلغته جدلية هيغل وماركس.

والعلامة ابن خلدون – الذي يرجع اليه الفضل اولاً في هذه الرؤية – قد استشرف في مراحلة فرشة حضارية أوسع والاهم من كل هذا اقرب الى حضارات الشرق التي غاب عن منظور فلاسفة اوربا. والموازنة السريعة بين جدلية الحضارة الخدلونية التعاقبية وبين اختها الفيكوية نرى ان فيكو قد ترك نهايات المرحلة الاخيرة من حتمية موت الدولة او الحضارة سائبة ومتأرجحة بين الثورات والحروب الاهلية وبين الفوضى والجمود في الابداع وبين التناشزات الطبقية في الثراء الفاحش للاغنياء وفي الفقر المدقع للفقراء. انه موقف البرجوازي الاستعلائي الذي كان هو المفهوم السائد خلال عصره. فالاغنياء هم الافضل بل هم الفضلاء والاكثر حجكمة ودراية في فنون السياسة والحكم، ام الفقراء منهم الذين يعملون دوماً على تأجيج حالات الفوضى والفساد، وانهم فوق ذلك الخاملون المتخلفون الكسالى، وعزز العامل الاساسي في هذه النهاية الحتمية بله هذا التقسيم القسري غير المنطقي الى العناية الالهية(37). احسب ان فيكو في هذه المفهومية الحضارية قد تأثر بالتفسير الكنسي وتفسير سنت اوغسطين. والقول في مراحله ونهايتها انه تفسير تعسفي ومنحاز لذلك لم تترك نظريته اثاراً ولم يكن لها صدى واسع في اوربا برغم النزعة الرأسمالية الكبيرة التي سادت اوربا. العناية الإلهية حسب رأي فيكو هي التي فرضت حتمية انطولوجية للدولة والمجتمع والحضارة. ففي مرحلة جمود الابداع وتوقف الاصالة الفكرية وسيادة الفوضى بسبب سيادة الفقراء تتدخل العناية بعدة اشكال فهي اما تعمل على اظهار بطل مرحلي يعيد تأسس البناء السياسي الجديد لكي يقضي على عوامل الفوضى وعمق سيادة الفقراء وفي حالة غياب هذا المحرك الداخلي ابن المجتمع المنتكس – تترك الامر لظهور بطل خارجي او قوة خارجية غازية، فالعناية الالهية هي الت يتنتزع هذا البطل او تفرضه وقد يكون بصيغة بطل = فرد او بصيغة بطل = شعب خارجي. واخيراً في حالة العدمية وانعدام وجود هذا البطل فرد وشعباً تفرض العناية الإلهية قوتها وجبروتها في افناء المجتمع افناءاً مطلقا(38).

فلم يترك فيكو أي مجل لهذه الحضارة او لهذا المجتمع المنتكس الذي يكون في مرحلة الوحشية الثانية اسبه بقطيع ماشية مرتحل وسائب دون راع يرعاه ويديره فتنتشر بين القطيع آفات وامراض تأتي على القطيع برمته دون استثناء. هنا نجد فيكو بفضل الاساس الذي بنى عليه نظريته في أن الاغنياء حسب العناية الإلهية هم الفضلاء والاذكياء والمبدعون وهم المنتصرون ولكن الجميع كانوا عرضة للفناء الحتمي.

في مقابل ذلك فإن دورة ابن خلدون(39) التعاقبية الحتمية هي الاخرى لا توفر فرصاً للتوثبت والاستمرارية للدولة والمجتمع والحضارة، آخذين بنظر الاعتبار أن ابن خلدون لم يقصر حركة العجلة التعاقبية على المؤسسات الفوقية في الهرم الاداري او على السلطة السياسية بل توغل في اعماق حركة الحدث التاريخي ليشمل الفرد العادي والسوق والتبادل البضائعي والأنماط الانتاجية الاخرى كالزراعة والصناعة والتجارة والمفاصل الفاعلة في كل منها كالمزارع والحرفي والتاجر، فضلاً على انه لم يهمش البنية الاجتماعية والثقافية والحضرية للمجتمع فشمل مفهومه العادات والقيم والأخلاق وسلوك الفرد وتأثير البيئة والمناخ على التصرفات الفردية وعلى ثقافة الفرد والمجتمع وعلى تفاعله الحضاريز برغم هذه المفارقات الجوهرية بين الرؤيتين الخلدونية والفيكوية، فإن ابن خلدون هو الاخر افترض وضعاً قائماً في دويلات وتكوينات سياسية لا بد ان تصل الى مرحتلها الاخيرة بفضل عوامل اهمها ظهور (الدولة المستجدة) حسب مفهومه أي دولة قوية بدأت من المرحلة الاولى وتجاوز الدولة المستقرة الت يوصلت الى مرحلة التدهور. فالدولة المتسجدة(40) القوية ستعمل بكل فاعلية على هم المستقرة وتسيطر عليها. حقيقة إن انماذج التي افترضها ابن خلدون غير قليلة وهي عربية مغربية او مشرقية لكن الملاحظ ان جميعها دون استنثاء قد حكم عليها التاريخ بلوغ مرحلة الشيخوخة والانهاك وبالتالي الأفول مسايرة للآية القرآنية الكريمة التي سبقت ان استشهدنا بها من سروة الروم "الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة(41)". وابن خلدون يفترض ايضاً ظاهرة تأجيل الأفول والموت في المرحلة اذ أن قانونه يبقى سائداً وفاعلاً وهو (ان الدولة لها اعمار طبيعة كما للاشخاص) وان الامة اذا غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع اليها(42) الفضاء. وتعتبر الفناء عند ابن خلدون مؤشر الى لفناء مجتمع تلك الدولة فيقول (فلا يزال هذا القبيل المملوك عليه أمره في تناقص واضمحلال الى ان يأخذهم الفناء والبقاء لله وحده واعتبر في أمة الفرس كيف قد ملأت العالم كثرة ولما فنيت حاميتهم في ايام العرب بقي منهم كثير… ولما تحصلوا في ملكة العرب وقبضة القهر لم يكن بقاؤهم الا قليلاً ودثروا كأن لم يكونوا ولا تحسبن ان ذلك لظلم نزل بهم.. إنما هي طبيعة في الانسان اذ غلب على امره وصاره آله لغيره)(43) ثم ان ابن خلدون يفترض ان الهرم والشيخوخة اذا ما نزلت بدولة فلا علاج له، انظره يقول "قد قدمنا ذكر العوارض المؤذنة بالهرم وأسبابه واحداً بعد واحد، وبينا انها تحدث للدولة بالطبع انها كلها امور طبيعية لها.. والهرم من الأمراض المزمنة التي لا يمكن دواؤها ولا ارتفاعها لما انه طبيعي، والأمور الطبيعية لا تتبدل(44).

وثمة اتجاه ثالث منتزع من مؤثر حياتي في الولاة والنمو والشباب ثم الجمود في الكهولة والموت في الشيخوخة. حقيقة ان انصار هذا الاتجاه لا يوجهون نظرياتهم وجهة اوربية –الحضارة العربية- في نهاية الحال، ولكنهم، وبالاخص السيرارنولد توينبي يترك مجالاً للعودة والتوثب والتجديد في الحضارة وهي تصارع معاناة الموت ولا سيما بالنسبة الى الحضارة الغربية. فهي مستثناة على هذا الاساس وان كانت تعيش دور الاحتضار وتكمن الايجابية في الحضارة الغربية في الروح المسيحية التي تعارض الحرب –كما يقول- ولذلك (لعل العناية الإلهية التي فديت الانسانية بصلب المسيح تتدخل مرة اخرى لانقاذ مصير هذه الحضارة بقبس من النور الإلهي يهدي المجتمع الغربي الى الرشد فلا يتردى الى حرب عالمية ثالثة(45)).

اما مؤسس الاتجاه الحياتي للحضارات اوزفلد شبنجلر فأنه لا يعتقد بهذا الاستثناء فجميع الحضارات الثماني التي شخصها (الشرقية منها والغربية) تخضع خضوعاً حتمياً لهذه الالية الحياتية والمناخية. والاكثر صرامة وربما تطرفاً فأنه حدد النهايات الزمنية لموت الحضارات، فالمصرية قد ماتت عام 1205 ق.م، والصينية عام 200ق.م، والاسلامية عام 1250 م. اما الغربية فان موتها سيكون في عام 2400 م(46).

وهذا الاتجاته يتماهى باالعم الاغلب مع التعاقبية الدورية للمراحل الخلدونية والفيكوية بحيث لا ينفع أي نوع من الدواء في تجديد عمار الحضارات وشبابها الذي بدت عليه الشيخوخة، تماماً كما ان الربيع هو فصل الولادة والاخضرار يترك المجال لفصل النمو والشباب والانتاج الصيف ليأتي فصل التجمد والجمود والخمول الشتاء وهو يسلم الراية لنهاية السباق الحضاري الخريف حيث التدهور والشيخوخة واشتداد المرض.

ومرة اخرى يستمر شبنجلر عالم الاحياء فلسفة التاريخ وهو علم الخيرية والتقدم في رسم هذه الصورة المحزنة للحضارات بصورة امة والغربية بخاصة. فإن طبول مآلها أخذت تدق خلال الحرب الكونية الاولى وهكذا ب كتابة (تدوهر الغرب) وكأنه الوصفة الطبية المؤقتة للحد من قلق الفرد الاوربي المعادي والمؤسسة الاوربية السياسية وهما يترقبان المصير المؤلم المحتوم.

فلم يوفر سبنجلر أي فرصة للحضارة وهي تقترب من دور احتظارها ان توثب من جديد او ان تشفى من مرضها العضال وان كان ذلك مؤقتاً كما استحضر ابن خلدون ذلك العلاج المؤقت. بالفعل انها نهاية مأسوية لا تتقارن بنهاية فوكوياما وكارل ماركس الايجابية السعيدة حيث يتحقق الافضل.

وتشاؤمية المفهومية الحضارية عند اشبنجلر قد ادت دوراً مؤثراً على السير ارنولد توينبي في دراسته المكثفة البارعة للحضارات الاحدى والعشرين التي مرت بها البشرية، اذ لم يبقى من هذه الحضارات التي اندثرت الا خمس حضارات معتمد في بقائها على ديانات جامعة، مع انها، او اربعة منها هي: الحضارة الاسلامية، الحضارة المسيحية، الحضارة الهندية الهندوكية، حضارة الشرق الاقصى البوذية، هذه الحضارات قد واجهت تحديات كبيرة جعلتها قاصرة عن الاستجابة الفاعلة. انها حضارات – حية لكنها مترهلة تنقصضها قوى الابداع والطاقة الفاعلة في الفكر والعمل.

نخلص من هذا بأن علم فلسفة التاريخ الذي بدأ شاباً يافعاً موعوداً من المؤرخين او الفلاسفة لحل الازمات التي يعاني منها التاريخ –كعلم- والكتابة التاريخية- كمنهج – لكنه استثمر العلماء الوضعيين استثماراً حركياً وجدلياً وحياتياً للغور في اعماق الحركة الحضارية وبمرور الوقت تحول علم فلسفة التاريخ الى قانون او مجموعة قوانين تفرض الحتميات الايجابية او القسرية السلبية في تفسر الحضارات الانسانية بصورة شاملة لهذا صناع التأريخ ومرضت الكتابة التاريخية وانفلت زمام الاحداث التاريخية المفردة في هذه المتاهة العقلانية.

علينا بالفعل ان نضع نصب اعيننا على افتراضات هذه القوانين الحتمية في محاول ايجاد النماذج الحضارية بأي اتجاه كان ذلك وليس بالضرورة الاتجاه الغربي المتمثل بالعولمة لتعلم درساً بل دروساً في نشأة الحضارات ونموها ورقيها ثم اندثارها. وأي من القوانين القدرية منها او الوضعية تعمل عملها الفاعل في هذه العملية الجدلية في التغيرات النوعية في الحضارات.


................................

(*) الاستاذ الدكتور عبد الجبار ناجي رئيس قسم الدراسات التاريخية في بيت الحكمة.

 

الهوامش:
.....................

1. عنوانه Decline of West وترجم من قبل أحمد الشيباني تدهور الحضارة الغربية/ بيروت 1964، م3 اجزاء.

2. ينظر توينبي/، ارنولد: مختصر دراسة التاريخ (ترجمة فؤاد محمد شبل طبعة اولى/ القاهرة مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر 1960). جـ1 ص38-39 (المتجمعات المتحجرة)، 57، خوري، منح: التاريخ الحضاري عند توينبي (بيروت 1960) صفحة 108-110.

3. احمد محمود صبحي: في فلسفة التاريخ (الاسكندرية ص 291-292.

4. السماك، محمد: العولمة واثارها على الخصوصيات الثقافية، مجلة الاجتهاد بيروت، العددان 52-53، 2001-2002 ص87.

5. ما فعلته امريكا في تدمير المنازل والعمران في العراق وافغانستان.

6. ويدجيري، البان ج: المذاهب الكبرى في التاريخ من كونفوشيوس إلى تونبي، ترجمة ذوقان فرقوط، بيروت، دار العلم، طبعة اولى 1972، ص193-196. صبحي، في فلسفة التاريخ ص163-161.

7. ينظر مقدمة كتابة نهاية التاريخ ترجمة وتعليق د. حسين الشيخ، بيروت دار العلوم العربية الطبعة الاولى 1993 وعنوان الكتاب The end of history and the last man.

8. المصدر نفسه صفحات 7،8،12.

9. المصدر نفسه ص7.

10. كتاب بعنوان To Prevail.

11. ينظر د. صبحين في فلسفة التاريخ ص162-164.

12. عنوان كتاب هنتغتن.

The clash of civilizations and remarking of World Order.

وترجم إلى صدام الحضارات واعادة صنع النظام العالمي (ترجمة طلعت الشايب بيروت 1998).

13. يراجع عن مدينة الله لسنن اوغسطين، يوسف كرم: تاريخ الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط ص44-48، ويدجيري، المذاهب الكبرى ص148-152.

14. هكذا أطلق عليه توينبي ينظر د. صبحي، المصدر السابق صفحة260.

15. Hunter,sh The futur of Islam and the West – clash of civilizations of peaceful coexistence Washoington 2001.

16. فقد انتشر بين الجنود الامريكان والانجليزية مرضاً اطلق عليه مرض لعنة حرب الخليج وهو من المحتمل جداً احد الامراض الناجمة عن استعمال السلاح الكيمياوي من الامريكان فوقع الجنود لاجانب بمصديته.

17. توينبيك دراسة ص108-110.

18. سورة الروم آية 54.

19. المقدمة، بيروت، دار الفكر ص232-233.

20. المصرد نفسه.

21. صدام الحضارات الفصل العاشر ص399-430. الاخص 404.

22. المصدر نفسه ص404.

23. المصدر نفسه ص408.

24. المصدر نفسه ص408.

25. د. صبحين في فلسفة التاريخ ص177-179.

26. فوكوياما، نهاية ص11-12.

27. د. صحبي، فلسفة التاريخ ص191 – 195.

28. سورة البقرة آية 261.

29. كولنجوود، ر.ج: فكرة التاريخ ترجمة محمد بكير خليل، طبعة ثانية، لجنة التأليف والترجمة والنشر 1968، ص30.

30. المصدر نفسه ص30.

31. احمد امين وزكي نجيب محمود: قصة الفلسفة الحديثة، القاهرة 1959، جـ2 ص376-381، علي ادهم: فلسفة التاريخ لهيجل. في مجلة تراث الإنسانية، دار الكتاب العربي، مجلد 5/1967 ص98-116.

32. جدانوف، حول تاريخ تطور الفلسفة (1947) ص23-24. د. صبحي فلسفة التاريخ ص217-224.

33. نهاية التاريخ ص275-279.

24. ينظر د. نوري جعفرن التاريخ مجاله وفلسفته (بغداد 1955) ص70.

جوردن ايست: الجغرافية توجه التاريخ (ترجمة د. جمال الدين الناصوري، القاهرة) ص10-13، 13-14.

35. ويدجيري، المذاهب الكبرى ص150-151.

36. الصمرد نفسه ص194-195.

37. المصرد نفسه ص193-196.

38. المصدر نفسه ص194، د. صبحي: فلسفة التاريخ ص164.

39. المقدمة ص143-138.

40. المصدر نفسه ص236-238.

41. سورة الروم آية 54.

42. المقدمة ص134، كذلك ينظر ص117.

43. المصدر نفسه ص117-118.

44. المصدر نفسه ص232-233.

45. د. صبحي، فلسفة التاريخ ص293.

46. المصدر نفسه هامش (2) ص 244.