قراءة نقدية لطروحات محمد عابد الجابري بمناسبة رحيله
د. علي
عبد الهادي المرهج(*)
(خاص للموقع)

لم يشغل مفكر عربي الساحة
الثقافية العربية بقدر ما شغلها مفكر مثل مفكر محمد عابد
الجابري الذي اصبح مرجع لكثير من القضايا الاشكالية المطروحة
في خطابنا العربي المعاصر او في تراثنا، بل أكثر من ذلك نجده
يحاول اعادة تشكيل العقل العربي من جديد وان كان هناك نقودات
كثيرة لهذه المحاولة من نقاد بدرجة مفكرين أمثال جورج طرابيشي
وعلي حرب ومحمد المصباحي وطه عبد الرحمن وهشام غصيب والطيب
تيزيني وحسام الآلوسي ويحيى محمد وكمال عبد اللطيف والقائمة
تطول كل هؤلاء، كتبوا عن محمد عابد الجابري مدحاً او قدحاً
نقداً معرفياً او تحاملاً ايديولوجياً وطروحاته تحتمل كل هذا
الذي ذكرناه ففيها من البحث المعرفي ما يجعل القارئ منبهراً
بهذه الطروحات وبقدرة كاتبها وفيها من المنحى الايديولوجي ما
يجعل القارئ حذراً كي لا يقع في مطبات توجيه النصوص التي عمل
بها الجابري في قراءته للتراث او في تحقيقاته لكتابات ابن رشد.
كان التركيز في كتابات
الجابري قائم على نقد المعرفة، ذلك الجانب الذي تطور على يده
بوصفه متبنياً للفكر الابستيمولوجي وهذا ما كان واضحاً في
كتابه مدخل الى فلسفة العلوم، محاولاً الخلاص من سيادة
الأفكار الجاهزة، ذلك ان نقد المعرفة هو الذي يبني المعرفة
لأنه هو الذي يشكل وعي الذات بنفسها ووعيها بتأريخها العلمي
الماضي والحاضر، ومن ثم وعيها بفكر الأخر وتأريخه العلمي
وكيفية تكون الذاتين.
هذا يعني عدم الايمان
بوجود مناهج للبحث دائمة، و الأبستيمولوجيا بمفهومها المعاصر
هي محاولة التخلص من سلطة هذه المناهج والتي ان دلت على شيء
فإنما تدل على عجز الباحث الذي يبحث فيها- المناهج- عن
المساعدة والعون.
ففي الأبستيمولوجيا "الموضوع
هو الذي يفرض كيفية التعامل معه وليس المنهج هو الذي يفرض على
الموضوع آلياته في البحث العلمي الصحيح وأن يدخل الباحث الى
الموضوع دون انحياز الى أي منهج مهما كانت سلطته فيجعل الموضوع
هو الذي يختار المنهج الذي يتلائم مع طبيعته"([1]).
ولم يكن الجابري ، على
الرغم من ادعائه الموضوعية كذلك، فالقارئ حينما يقرأ نقد
الجابري يستشعر وكأن الجابري قد وضع تقسيماته المعروفة للأنظمة
التي تحكم بنية العقل العربي بصورة مسبقة ولم تفرضها طبيعة
الموضوع الذي يبحث فيه، وذلك ما سنحاول توضيحه عند تناولنا
لهذه التقسيمات.
يبدو أثر "فوكو" واضحاً في
فكر الجابري خصوصاً في حفرياته وفي وضعه للأنظمة التي حاكم
فيها العقل العربي –البيان والعرفان والبرهان- وقد تأثر بمفهوم
فوكو للخطاب الذي هو "الكلام المقموع الذي يعتمد شتى الحيل
الخطابية والأساليب التمويهية"([2])،
فحاول الجابري بالاعتماد على البنيويين وخاصة فوكو التفريق بين
الفكر والخطاب والتأكيد على ان "الخطاب ليس الفكر … فالفكر
مفهوم نظري مجرد ونحن عندما نقرأ نصاً ونسمع كلاماً أو نتلقى
رسالة أو نشاهد اشارة لا نفهم الفكر مباشرة بل نفهم أولاً
الأداة التي بها يصاغ الفكر وتكشف الغلاف الذي به يتغلف، ولا
نصل الى المعنى الا اذا نجحنا في فهم شبكة الرموز المقدمة لنا
واستطعنا ان نحل مختلف العلاقات التي تربط بينها، وفي ضوء
فهمنا لشبكة الرموز يكون المعنى، ولا يكون المعنى عندنا
بالضرورة مطابقاً لما أراده الباحث"([3]).
لذلك يكون مصطلح الخطاب
انجح من مصطلح الفكر لأنه أكثر استجابة لما يريده
الأبستيمولوجيين "فالخطاب بهذا المعنى يجعل( المتلقي) القارئ
واعياً بأنه طرف في تحديد معنى (الرسالة) فيصبح اثناء مشاركته
في انتاج المعنى حذراً من مغبة الوقوع في (الدوغمائية) والتعصب
وواعياً بانه يقدم من النص امكانية من امكانيات عدة تحققه ولا
تستنفذه"([4])
ولكننا سنرى ان الجابري قد خرج ايضاً عن هذه القاعدة "الأبستيمولوجية"
خصوصاً في التعصب للعقل المغربي في مقابل محاولته اقصاء العقل
المشرقي. وبالتالي محاولته تثبيت أهلية العقل المغربي على
العقل المشرقي متناسياً ان العقل المشرقي كان أحد أسباب تكون
العقل المغربي، بل ان الثقافة في المغرب العربي الى اليوم لم
تتخلص من سطوة الثقافة المشرقية على الرغم من انفتاحها على
ثقافات العالم؛ وقد بدا ذلك واضحاً بشكل كبير حينما حاول ان
يجعل من العقل في المشرق العربي عقل يسيطر عليه "الفكر
الأسطوري" و "السحري" و "الغنوصي" و "العرفاني" و "البياني"
محاولاً جلب ما يؤيد وجهة نظره من نصوص مفكري المشرق. ولم
يحاول ان يتعب نفسه في البحث عن المناحي العقلية في هذا الفكر
الذي لم يكن بياناً وعرفاناً فقط، بقدر ما كان بناءُ للبيان
والعرفان وفي الوقت نفسه بناءُ للبرهان ايضا. والا ماذا نسمي
النقد عند العرب في تلك الفترة؟ وأيضاً ماذا نسمي دفاع
المعتزلة عن العقل والحرية، وماذا نسمي دفاع ابن سينا "حتى وان
صرح بتبنيه للعرفان" عن العقل والبرهان.
واذا كان البنيويون يصرحون
"بأن كل نص حاضر يتضمن نصاً غائباً"([5])
واذا كانوا يصرحون بضرورة مشاركة القارئ أو المتلقي بانتاج
النص على ضوء هذا التصور، ألم يكن من الأجدر للجابري بدلاً من
ان يبحث عن الجانب المظلم باعتقاده في فكر فلاسفتنا، ان يحاول
ان يقرأ الغائب. وأن يكشف العقلانية المستترة وراء النص
العرفاني أو البياني بدلاً من أن يسلم به كما هو؟ وهو بهذا
سيكون أقرب لروح الفكر البنيوي الذي يصرح بتبنيه له. لأن مهمة
القارئ في الفكر البنيوي هو محاولته استخراج معاني جديدة في
النص لم يصرح بها مؤلف النص حتى تصبح العلاقة بين القارئ والنص
علاقة جدلية، هو يستنطق النص، والنص يحفزه على انتاج المعاني
واثراء الذات. وبهذا المعنى، فالنص لا يكتب مؤلفه فقط، لأنه في
صيرورة دائمة وتفاعل مع قراءة جديدة. والذي حصل مع الجابري انه
طرح النص كما أراد له كاتبه وذلك ما حصل في قراءته لابن سينا
خاصة كما سيتوضح لاحقاً.
ومما يلاحظ على الجابري في
قراءته، ايضا، انَه، على الرغم من تأثره بالفكر الأبستيمولوجي
الذي ينقد فكرة الأنظمة والفكر البنيوي الذي هو أيضاً ضد طغيان
العقلانيات، الا اننا نرى ان الجابري مغرم بفكرة الأنظمة،
وأيضاً مغرم بالدفاع عن العقلانية متناسياً ان هايدغر الذي يعد
الاكثر تاثيراُ في فوكو والتفكيكيين على السواء "كان يفر من
طغيان العقلانيات ويبحث عن كينونة الانسان محاولاً فهم الذات
في العالم لاعادة طاقتها الدلالية والترميزية"([6])
وتحقيق هذه الكينونة لا يتم الا "عن طريق (التقويض) الذي لا
يعني افناء وابادة، بل هدماً للأسوار وازالة للردم … التقويض
معناه فتح لآذاننا ونزع للسدادة عنها … "([7])
وبالتالي محاولة كسر القيود والتخلص منها لا اعادة صياغتها كما
فعل الجابري الذي سحرته فكرة الأنظمة والدفاع عن "البرهان"
فعقلانية اليوم هي ليست عقلانية نسقية بل متغيرة بتغير النموذج
العلمي السائد وهي ضد سيادة النسقية، ومفهوم الحقيقة فيها
مفهوم نسبي وليس هناك حقيقة ثابتة ونهائية، انها تضل حقيقة
طالما كانت الوقائع التجريبية أساساً لكونها كذلك وهذه هي
"عقلانية باشلار" الذي تأثر به الجابري وبمفهوم القطيعة عنده.
الا انه لم يطبقه كما اراده "باشلار"، فمفهوم القطيعة عند
الجابري وان كان يصرح انها انفصال واتصال في نفس الوقت، الا
انها انفصال عما يريد الجابري الانفصال عنه والاتصال بما يريد
الجابري الاتصال به لا انفصال واتصال بما يقتضيه الفكر
الأبستيمولوجي.
ففي الوقت الذي يدعو فيه
الجابري الى الاتصال بالرشدية نراه يستبعد الفكر السينوي
والمشرقي عموماً متناسياً ان هذه المهمة هي ليست من مهام
الأبستيمولوجي. "فالأبستيمولوجي غير معني في البحث عن مشروعية
أي نمط من أنماط المعرفة العقلية بما في ذلك المعرفة العقلية"([8])
وحتى القطيعة عند باشلار هي "ليست انفصالاً عن العلم السابق أو
رفضاً مطلقاً له، بل تعني احتواء الفكر العلمي الجديد للفكر
العلمي السابق عليه"([9])
لذلك صرح باشلار بعقلانيته المطبقة والتي هي "عقلانية منفتحة
لانها دائمة النظر في مبادئها ومفاهيمها الأولى ومدى انطباقها
مع النظريات العلمية الجديدة .. أو هي عقلانية جدلية، فالسعي
المستمر الى التطبيق والتفتح صفتان تلزم عنهما صفة الجدلية"([10])
والذي جعل باشلار يعتقد هذا الاعتقاد هو ايمانه ان "البنية
العقلية ليست بنية ثابتة بل بنية متطورة لفعل أثر المعارف
العلمية"([11]).
وما طرحناه هنا حول غاية
الفكر الأبستيمولوجي عند باشلار يتعارض مع ما ذهب اليه الجابري
سواء في نسقيته أو في دعوته الى رشدية عربية معاصرة. لاننا اذا
اردنا تطبيق مفهوم القطيعة الأبستيمولوجية عند الجابري أو
بمفهومه عند باشلار نكون أمام رفض لمثل هذه الدعوة لأن قطيعة
الجابري قطيعة تامة مع العلم القديم، وهذا يعني اننا لا بد ان
نكون قطيعة مع الفكر الرشدي نفسه لأن الفكر الآن قد تخلص من
البحث في الميتافيزيقيا والانساق التأملية سواء عند أرسطو أو
عند ابن رشد. أما اذا أخذنا مفهوم القطيعة بمعناه عند باشلار،
فالقطيعة عند باشلار ليست قطيعة مع الفكر القديم، بل محاولة
احتوائه. لكن الذي يتفق مع مفهوم الجابري للقطيعة هو مفهوم
القطيعة عند توماس كون، وهي قطيعة مع كل أشكال الفكر القديم،
وهذا ما كان واضحاً عند "توماس كون" في مفهوم النموذج
(Pardigm) والقطيعة الأبستيمولوجية تتحقق عند "كون" حينما لا
يأتي أحد العلماء ويضع يديه بطريقة أو بأخرى على كشف علمي هام
يخالف به الآراء السائدة في النموذج العلمي المعمول به، فعلاً،
فتتغير نظرة العلماء المعمول بها في ظل النموذج السائد لتحل
مكانها نظريات جديدة ترتبت على الكشف الجديد ويبدأ العلم
مسيرته مرة أخرى وفق أفكار وآراء جديدة من خلال نموذج جديد
مخالف تماماً للنموذج الذي ألفه العلماء فيما مضى، والعلم في
الفترة التي يسود فيها النموذج القديم هو ما يطلق عليه "كون"
العلم السوي (Normal Science). أما العلم الذي توصلنا اليه بعد
الكشف العلمي فهو (العلم الشاذ) (Abnormal Scieence) وهو شاذ
لأنه خرج على المتعارف عليه في ضوء النموذج السائد"([12])
والفكر الرشدي حسب هذا المفهوم لم يخرج عن النموذج السائد في
تلك الفترة والذي هو الفلسفة الأرسطية وان كانت القراءة لهذا
الفكر اختلفت بين الشراح. فضلا عن ذلك فان الفكر اليوم لا يمت
بصلة الى الفكر الرشدي الا باعتبارات التوجه العلمي وهو ان كان
علمياُ في مرحلته فهو ميتافيزيقي في عصرنا ابتعد عنه الفكر
بكل توجهاته سوى ارتباطه بالفكر الديني.
واذا كنا نحن بحاجة
"للتعامل العقلاني النقدي"([13])
بعبارة الجابري، فالأوجب لنا التعامل مع كل التراث بهذه
الطريقة، لا مع جزء منه واغفال الجزء الآخر أو التعامل معه
بطريقة التقديس، لأن الجابري نفسه يدعو "الى عدم التشبث في
الوقت الحاضر باتجاه من هذه الاتجاهات أو مذهب من هذه المذاهب
في تراثنا الماضي وكأنه وحده الممثل الحقيقي للتراث"([14])
فكيف به يدعونا الى التشبث بالرشدية اذا كان هو نفسه يطالبنا
بعدم "نقل صراعات الماضي الى الحاضر"([15])
لأنها بالتأكيد تثبيت للفرقة والدعوة الى القول "ببرهانية"
المغرب على الرغم من عدم وجود الدليل هو نوع من محاولته تثبيت
هذه الفرقة ونقل لصراعات الماضي في الثقافة العربية الاسلامية
الى داخل الثقافة العربية المعاصرة، وهذا ماحصل فعلاً بعد
طروحات الجابري حينما افترق مثقفينا الى مثقفين مشارقة يدافعون
عن عقلانية الفكر المشرقي، ومفكرين مغاربة يتابعون الجابري
يدافعون عن عقلانية المغرب العربي بالقول مع الجابري بوجود
لحظتين، الثانية ألغت الأولى "الأولى هي لحظة حلم الفارابي كما
عاشه ابن سينا، واللحظة الثانية هي لحظة حلم ابن باجة كما طوره
ابن رشد"([16])
وعاشه الجابري ومن تابعه من المغاربة لدرجة أصبح فيها الجابري
وكأنه اليوم يمثل لحظة ابن رشد بالأمس لأن "ما تبقى من تراثنا
الفلسفي أي ما يمكن أن يكون فيه قادراً على أن يعيش معنا عصرنا
لا يمكن ان يكون الا رشدياً"([17])
لأن" الروح الرشدية يقبلها عصرنا، لأنها تلتقي مع روحه في أكثر
من جانب، في العقلانية الواقعية، والنظرة الأكسيومية ،التعامل
النقدي، تبني الروح الرشدية يعني القطيعة مع الروح السينوية
"المشرقية"، "الغنوصية"، "الظلامية"([18])
وهكذا "فالجيل الصاعد -بعبارة الجابري –أما ان يكون رشدياً
فيتقدم على مدارج الأصالة والمعاصرة معاً، وأما ان لا يكون له
كون ولا مكان في هذا العالم"([19]).
هذا التوجه عند الجابري لا
يتعارض مع الفكر الأبستيمولوجي الغربي فقط بل يتعارض مع كثير
من الأبستيمولوجيين العرب أنفسهم. فهذا هو هشام شرابي يرى ان
الخطاب الأبستيمولوجي " خطاب نقدي حضاري يرفض الشرعيات المطلقة
ولا يعترف بمطلب الحقيقة الواحدة الشاملة ويصر على الاختلاف
السياسي والتعددية الفكرية"([20])
التي أنكرها ابن رشد وختم الفكر مع أرسطو وتناساها الجابري
وختم الفكر بالاصرار على تبني كل ما هو برهاني وقمع كل
الخطابات الأخرى والانتماء الى ابن رشد مثلما انتمى ابن رشد
لأرسطو "الذي كما عنده الحق"، أي ان الجابري لم يتجاوز التخلص
مما سماه شرابي "النظام الأبوي" علماً ان الخطاب الأبستيمولوجي
يرفض مثل هذا النظام و "يدعو الى الاطاحة بأي خطاب يدعي امتلاك
الحقيقة الكاملة، والاعلان ان الحقيقة ليست ملكاً لأحد، بل هي
اجماع في سياق تاريخي متغير ملك للجميع"([21]).
وهذا يعني ان عقلانية
اليوم تختلف عن عقلانية ابن رشد لانها عقلانية ترى في "العقل
اداة (تسويغ) و (تعليل) يمكن ان يستخدم للخير مثلما يستخدم في
الشر"([22])
فضلا عن ذلك، فـ"الانسان ليس عقلاً كله وتحويله الى عقل خالص
لا يمكن الا ان يعني تجريده من انسانيته واختزاله ليكون مجرد
آلة تقنية اصطناعية وظيفتها خالص العلم الموضوعي، خارج
الحياة"([23])
واذا اردنا ان نتجاوز مثل هذا التصور فما علينا الا ان ننظر
الى المعرفة العقلية بوصفها "حاجة من بين حاجات، فثمة الى جانب
القوة العقلية مكون الثقافة الموروثة ومكون الارادة، والمكون
السايكولوجي بأطيأفه (اللاشعورية) والعاطفية والوجدانية
والانفعالية الغنية، والمكون (اللاعقلاني) أو (اللاشعوري) بما
ينطوي عليه من رغبات ودوافع ومناشط سوية أو غير سوية، والمكان
البيولوجي بموروثاته الصارمة والشاردة التي يمكن ان تذهب كل
مذهب في ضبط او دفع نشاطنا الحيوي واخلاقنا وطباعنا وافعالنا
وجملة مصيرنا"([24]).
إذن نحن بحاجة الى
"الفلسفة المفتوحة" بعبارة حسن صعب الفلسفة التي توسع من مجال
الفهم وتفسح المجال للفهم المغاير ولطبيعة تعدد طرق المعرفة.
وما حصل في العصر الوسيط ان دل على شيء فانما يدل على فاعلية
الاسلام وحركيته وابداع مفكريه، فالطريق الصوفي فتح الطريق
للتكاشف مع التصوف المسيحي والمشرقي الافلاطوني الجديد،
والطريق العقلاني فتح الافق للتواصل مع الفلسفة اليونانية ومع
الرياضيات … وفتح له طريق التذوق الجمالي "البيان، أفق التناجي
مع آداب هذه الثقافات والأديان والفنون التي تفاعل معها
الانسان، وضلت مع ذلك معبرة عن روح الاسلام القرآنية الخلاقة،
أي عن روح التواصل السرمدي بين الله والانسان، هذا التواصل
الذي يعتبره الاسلام ذروة التحرر الذاتي"([25](
لهذا يجب ان تكون نظرتنا الى الانظمة المعرفية في الفكر العربي
الاسلامي على انها "كلها مصادر للمعرفة فاذا اصطنع كل منها
اصطناعاً سليماً أعطانا مفهوماً صحيحاً لوجه هام من أوجه الحق،
ولذلك لا يمكن اعتبار رأي أي منها مخطئ خطئأ كلياً، واذا ما
اعتمد أي منها بمعزل عن المناهج الأخرى، فانه يؤدي الى الضلال،
فليس لواحد منها أن يشمل الحقيقة شمولاً كلياً"([26])
مثلما نظر الجابري الى المنهج البرهاني على انه المنهج الوحيد
الموصل الى الحق وابن رشد خير من يمثله، لذلك علينا استعادة
الفكر الرشدي متناسياً انه كثيراً ما يصرح "ان لكل حادثة
تاريخية ظروفها وملابساتها، أسبابها وفرادتها، وبكلمة واحدة
تاريخيتها"([27]).
لم تكن القراءة
الأبستيمولوجية مفتقرة الجذور في فكرنا العربي المعاصر، فقد
سبقت القراءة الأبستيمولوجية قراءات أخرى متمثلة بالأخص بقراءة
ماجد فخري للنص الرشدي وكذلك محمد عاطف العراقي فضلاً عن
القراءات الأخرى التي عرضنا لها في الفصول السابقة، ولكن ما
يميز هاتين القراءتين هو محاولة التركيز على الجانب المعرفي من
فكر ابن رشد دون محاولة التوظيف الاديولوجي للنص وان كان هذا
الجانب لا يخف كثيراً في هاتين القراءتين ولكن الجانب المعرفي
يشكل القسم الأعظم.
اذن فنحن نريد ان نومئ الى
وجود تشابه بين هاتين القراءتين والقراءة الأبستيمولوجية والى
استفادة هذه القراءة بشكل خاص من هاتين القراءتين، ان ما يحدد
ملامح هاتين القر اءتين هو نفسه الذي يحدد ملامح القراءة
الأبستيمولوجية، خاصة في التعلق بالجانب المعرفي في الفكر
الرشدي والتركيز على عقلانيته المتمثلة في ميله للنص الأرسطي
أو في نقده للفكر الاسلامي أو في انفتاح الأوربيون على النص
الرشدي. تلك النقاط التي جعلها الجابري الأساس في اثبات
"برهانية" ابن رشد.
هذا الموقف من "البرهان"
والعقل سيكون أكثر تبلوراً مع الجابري على الرغم من ميله للقول
بفصل ابن رشد بين الحكمة والشريعة. الا انه يميل الى تسجيل
ارجحية العقل في فكر ابن رشد وتسجيل ارجحية الفكر الأرسطي داخل
منظومة ابن رشد الفلسفية.
ركز العراقي على المنهج
النقدي فضلا عن المنهج العقلي عند ابن رشد، خاصة في نقد ابن
رشد للفرق الكلامية والمتصوفة وحتى الفلاسفة، تلك الانتقادات
التي جعلت من ابن رشد فيلسوف العقل والبرهان كما يرى العراقي
"فقد كان ابن رشد حريصاً على نقد الذين يريدون الوقوف عند ظاهر
الآيات بحيث يحرمون التأويل ونقد ابن رشد هذا نابع من ايمانه
بالعقل"([28]).وايضاً
حريصاً على نقد الصوفية "الذين يحطمون المعرفة العقلية"([29]).
وما موقف ابن رشد من الكمال الا موقف نابع من نظرته العلمية
وما الكمال الانساني الا كمال يقوم على العقل أساساً ولا يمت
الى التصوف بصلة.
لاحظ الجابري حين دراسته
للفكر العربي الاسلامي ان هناك نظام لغوي يحكم هذا الفكر هو
"البيان" فعند ظهور "عصر التدوين" أخذ هذا النظام يتسيد في كل
المجالات، النحو والفقه والكلام والبلاغة. كل هذه العلوم
يؤسسها فعل عقلي واحد "أي آلية ذهنية واحدة قوامها ربط فرع
بأصل بمناسبة بينهما. انه القياس بتعبير النحاة والفقهاء، أو
الاستدلال بالشاهد على الغائب بتعبير المتكلمين والتشبيه
بتعبير البلاغيين. ان هذا يعني ان هناك قاعدة أبستيمولوجية
واحدة، ولنقل نظاماً معرفياً واحداً، يؤسس الانتاج النظري في
العلوم العربية الاسلامية هو النظام المعرفي البياني"([30]).
هذا النظام عند الجابري سيطر على آلية الفعل الذهني في المشرق
العربي خاصة مع محاولة نقل اللغة الجاهلية وتدوين العلوم فيها،
وهي لغة "صحراوية" –بعبارة الجابري- لا يستخدمها الا البدو
مما شكل فقراُ في اللغة العربية لأنهم انشغلوا بجمالية اللغة
وبيانها وايقاعها في الأذن أكثر من البحث في ثراءها "فانشغلوا
–بعبارة الجابري- بالنغمة الموسيقية لكي يعوضوا فقر المعنى،
فالأذن هي التي تنوب عن العقل في الرفض والقبول، والمعروف في
اللغة العربية ان الأذن هي التي تستسيغ وليس العقل"([31])،
لذلك فالجابري لا يقف عند هذا الحد في نقده للبيان، بل يرى ان
"النظام والتنظيم في المجال التداولي للكلمات العربية المذكورة
متجه دوماً الى السلوك البشري، لا الى الطبيعة وظواهرها، ومن
هنا يمكن القول " ان العقل في التصور الذي تنقله اللغة العربية
المعجمية يرتبط دوماً بالذات وحالاتها الوجدانية وأحكامها
القيمية، فهو في نفس الوقت عقل وقلب وفكر ووجدان
… أما في التصور الذي تنقله اللغات الأوربية،
فالعقل مرتبط دوماً بالموضوع"([32]).
سلط الجابري جل نقده على
هذا المجال في اللغة العربية، أي مجال نقل الوحدة الى العموم،
أو تفسير العالم بالأنا. وهو يرى ان هذه هي مشكلة التفكير في
المشرق العربي الذي تحكمه مثل هذه الآليات التي ترتبط معظمها
"بآلية قياس الغائب على الشاهد" التي تشكلت منها محاولات
المشارقة "توحيد اللغة والقانون والعقيدة والأيديولوجيا
السياسية وتعميمها جميعاً في مجتمع قدر له ان يكون ملتقى
للأجناس والديانات"([33]).
هذه الآلية، أي آلية
الوحدة والتعميم هي التي سهلت مسألة الدمج بين الدين والفلسفة
في المشرق العربي، فآلية التشبيه أو قياس الغائب على الشاهد لا
تعني سوى جعل الإله حاضراً في الإنسان والعالم في الإله،
والعكس صحيح. لأنه باعتقاده "نظام يتخطى السببية ويؤمن
بالتحوير الذي هو ليس إلا تنيجة لمبدأ الانفصال كما تكرسه
البيئة الصحراوية في وعي سكانها"([34]).
لأنه مبدأ قائم على عدم ربط الأشياء فيما بينها ربطاً علمياً
تتحكم فيه المعرفة المبنية على "الأمارات" أو العلامات، وهذه
"كل ما تفيده وتدل عليه هو ان الغائب كان حاضراً على التعيين،
أو انه سيحضر …"([35]).
ملخص القول ان نظام "البيان" كما يراه الجابري هو "ما يوجب
الفاعلية والمفعولية على صعيد الكلام، أما نظام العقل
البرهاني، فهو ما يوجب الفاعلية والمفعولية على صعيد الأشياء،
أشياء العالم الفكري والحسي، انه بكلمة واحدة نظام السببية،
وهذا ما لا يريد العقل البياني ان يراه في الأشياء"([36])،
ولعقم هذا النظام في فهم النص القرآني لأنه جعل من "الاعرابي،
سلطة مرجعية لقراءة هذا النص، فقد سعى بعض رجالات السياسة
والفكر في الاسلام وفي عصر التدوين بالذات الى التماس فهم آخر
للنص القرآني يخترق حدود اللغة العربية ويتجاوز عالمها
(الجاهلية) الى نوع من (التأويل)، يجد تبريره في التمييز في
النص القرآني بين الظاهر والباطن، انه العرفان الذي سيطرح نفسه
كبديل لـ (البيان)"([37]).
ان آلية قياس الغائب على
الشاهد التي جعلت الكلاميين يلجأوون الى تشبيه الانسان بالله،
هي نفسها تطورت مع أصحاب العرفان" "باللجوء الى (الغيب) كعنصر
رئيسي في استشرافات العقل العربي، بل كمقوم من مقوماته، وهذا
هو الذي جعل الرؤية للعالم في المشرق العربية مبنية على إقامة
التماثل والتناسب بين الانسان والكون بأرضه وسمائه ونظام
الدولة التي تحلم الباطنية بتشييده، مما جعل المسافة تضيق عند
الباطنية والاسماعيلية، من خلال هذه المماثلة والتناسب بين
الألوهية والبشرية، الى درجة تسمع برفع (الإمام) الى مقام
الألوهية"([38]).
ولأن "أرسطو الذي استنجد به المأمون في حلمه لمقاومة
الأيديولوجية الباطنية لم يتم الترحيب به من جانب أعداء هذه
الأديولوجية من المعتزلة وأهل السنة، بل لقد وقف هذان الخصمان
في خندق واحد ضد أرسطو والفلسفة عموماً كما وقفوا ضد
الباطنية"([39]).
لأن هذا حصل، فالفلسفة كان موقفها ضعيفاُ فكان لا بد لها من ان
تستعين ببعض العناصر سواء الغنوصية أو الإشراقية، لدرجة أصبحت
فيها فلسفة "المعلم الأول" تحمل في كثير من طياتها في فلسفة
"المعلم الثاني" عناصر الافلاطونية المحدثة، وحتى الهرمسية
وبعض نزعات الصوفية، لكن هذا لا يجعل منها فلسفة ظلامية كما
ذهب الى ذلك الجابري لأنها فلسفة حاولت، وهي في بدايتها ان
تحتوي ما موجود من ثقافات في زمنها والانحياز للجانب الفلسفي
وان كانت محملة ببعض العناصر الصوفية والاشراقية، فهذا لا يعني
المطالبة باقصائها من دائرة الثقافة الاسلامية لانها على الأقل
قدمت لنا فكرة التسامح والأخذ من الغير حتى وان لم يكن مشاركاً
لنا في الدين، فضلا عن جانبها العقلاني الذي لا ينكر حتى في
دعواتها لوحدة الوجود، لأنها كانت تدعو من خلال ذلك الى بناء
وحدة سياسية وذلك ما فيه خدمة لمجتمعهم وان كان الجابري يرى ان
"العرفان" "ينطلق من القلق والشعور بالخيبة ازاء الواقع الذي
يجد العارف نفسه ملقى فيه"([40])
فانه عند الفارابي وابن سينا لم يكن كذلك، بل كان محاولة للرفع
من شأن العقل وان كان فيه رؤية توحيدية وفضلا عن كونها محاولة
منه للمشاركة الاجتماعية والاحساس بالأزمة التي وصلت اليها
الأمة الاسلامية والتي لا تحل الا عن طريق الوحدة والتوحد على
مستوى الفكر وعلى مستوى السياسة، فالتصوف عندهم لم يكن للتقوقع
على الذات، بل هو انفتاح على الآخر.
مع الكندي، كانت بدايات
التفكير الفلسفي الاسلامي، وتبلورت معه فكرة البحث في مسألة
العلاقة بين الدين والفلسفة، ومحاولة الدفاع عن الفلسفة من
داخل الدين، وهو دفاع يشبه بكثير دفاع ابن رشد فيما بعد عن
الفلسفة، الا ان الجابري يرى ان "الكندي يدمج الدين في
الفلسفة"[41]،
أما ابن رشد فانه على العكس من ذلك، أي يفصل ما بين الفلسفة
والدين ويعدهما بناءين مستقلين، علماً ان ابن رشد قد دافع عن
الفلسفة من داخل الشريعة، لا من داخل الفلسفة نفسها، ودافع عن
الشريعة من داخل الفلسفة والمنطق، لا من داخل الشريعة نفسها،
وقد حاول الكندي الدفاع عن الفلسفة مثلما دافع عنها ابن رشد
فيما بعد ولربما فاق ابن رشد لأنه حاول الدفاع عن الفلسفة من
الفلسفة نفسها لا من الشريعة كما فعل ذلك ابن رشد.
في مقابل موجات التصوف
والاشراق والتدين ونبذ الفلسفة ظهر الكندي مدافعاً عن الفلسفة
وذلك فضل له يرقى على جميع الفلاسفة بما فيهم ابن رشد الذي سبق
بغيره من الفلاسفة الذين دافعوا عن الفلسفة.
يقول الكندي "ينبغي لنا ان
لا نستحي من استحسان الحق واقتناء الحق من اين أتى وان اتى من
الأجناس القاصية عنا والأمم المباينة لنا، فانه لا شيء أولى
بطالب الحق من الحق، وليس ينبغي بخس الحق، ولا تصغير قائله ولا
بالآتي به ولا أحد بخس بالحق، بل كل يشرفه الحق"[42]،
فالفلسفة تطلب لأنها حق وهي واجبة شرعاً، وقد قال الكندي في
وجوب الفلسفة "انه باضطرار يجب على ألسنة المضادين لها
اقتناؤها، وذلك انهم لا يخلون عن ان يقولوا ان اقتناءها يجب أو
لا يجب، فان قالوا يجب وجب طلبها عليهم، وان قالوا لا يجب، وجب
عليهم ان يحضروا علة ذلك، وان يعطوا على ذلك برهاناً، واعطاء
العلة والبرهان من قنية علم الأشياء بحقائقها (الفلسفة) فواجب
اذن طلب هذه القنية بألسنتهم والتمسك بها اضطراراً عليهم"[43]،
لهذا "يحق ان يتعرى من الدين من عاند قنية علم الأشياء
بحقائقها وسماها كفراً"[44]،
وهذا يعني ان الكندي حينما دافع عن الفلسفة من داخل الفلسفة
نفسها، لا من داخل الدين كما فعل ابن رشد في كتابه (فصل
المقال)، لأن الكندي يعتقد بأن رجل الدين نفسه يحتاج إلى البحث
عن علة الأشياء، وكل بحث عن العلة والبرهان هو من صلب عمل
الفلسفة، لا من صلب الدين.
لم تكن نظرة الجابري
للفارابي تختلف عن نظرته للكندي ، فهو يرى ان فلسفة الفارابي
"متجهة الى الوراء، انها استعملت العقل لاضفاء نوع من
المعقولية على ما هو (لا عقلي) على نزعتها الصوفية، ومن هنا
اكتسبت طابع (الفلسفة الدينية) الهادفة الى انشاء (دين فلسفي)
مستمدة من المدرسة السريانية في حران"[45].
ان رؤية الجابري هذه لفلسفة الفارابي هي التي جعلته لم يتطرق
الى الشك في كتاب الفارابي "الجمع بين رأيي الحكيمين" لأن
مضمون الكتاب يتسق وما أراد تثبيته تجاه فكر الفارابي، فأخذ
الكتاب وناقش ما فيه وكأنه مسلمهُ لأن الفارابي نفسه كما يرى
الجابري يذهب الى القول "ان ما في الدين مثالات لما في
الفلسفة"[46]،
وما دافع الفارابي عن الفلسفة الا لأنه وجد ان الطريقين
-الخطابي والجدلي- لم يستطيعا التعبير عما أراده وهو جعل ما في
الدين مجرد مقالات لما في الفلسفة مثلما حققت له الفلسفة ذلك،
أي دمج الدين بالفلسفة.
والحقيقة، على الرغم من من
دقة معالجة الجابري لفلسفة الفارابي، فقد فاته ان يرى في هذه
الفلسفة فلسفة للعقل بمجرد استعماله لآلية الحفر أو التفكيك
والبحث عن الكلام المقموع بلغة البنيويين، وحتى التفكيكيين.
وهذا ما لاحظه علي حرب حينما اعاد قراءة فلسفة "المعلم الثاني"
فقد وجد انه على الرغم من ربط الفارابي لمسألة النبوة بالعقل
وبالتدرج الذي وضعه الفارابي للعقول، الا ان هذا يعني ان
الفارابي يعد العقل "مبدء ومنهجاُ ومعياراُ … فالفلسفة عنده
تفضل النبوة والعقل يتقدم النقل … والا فكيف تفسر الموقف الذي
يعتبر العقل بمثابة الحقيقة الوحيدة التي لا حقيقة سواها؟ أليس
ذلك تأليهاً للعقل وتقديساً له؟ …"[47].
مضافاُ الى ذلك فاننا لاحظنا ان نظرة الفارابي للعلاقة بين
الفلسفة والدين لا تختلف كثيراً عن ابن رشد اذا لم نقل قد فاقه
بتقديسه للفلسفة والعقل، فالفارابي قارن بين الفقيه والفيلسوف
ولاحظ ان "الفقيه يتشبه بالمتعقل. وانما يختلفان في مبادئ
الرأي التي يستعملانها في استنباط الرأي الصواب في العملية
الجزئية وذلك ان الفقيه انما يستعمل المبادئ مقدمات مأخوذة،
منقولة من واضع الملة في العملية الجزئية والمتعقل يستعمل
المبادئ مقدمات مشهورة عند الجميع ومقدمات حصلت له بالتجربة.
فلذلك صار الفقيه من الخواص فضلا عنالى ملة ما محدودة،
والمتعقل من الخاصة فضلا عنالى الجميع"[48].
لهذا، فالفارابي يرى ان "الملة تابعة للفلسفة"[49]
وهي أسبق منها مثلما هي "الفلسفة الجدلية والسفسطائية تتقدمان
على الفلسفة البرهانية"[50]
لأن القول الجدلي هو الطريق الممهد لظهور القول البرهاني،
بمعنى آخر، اذا لم يكن هناك سفسطائي يحاور سقراط لما استطاع
سقراط توليد افكاره التي توضع داخل القول البرهاني، لهذا يكون
الفارابي على حق حينما يقول بأن "المتكلم خادماً للملة، وكانت
الملة منزلتها من الفلسفة تلك المنزلة"[51].
اذن فالفارابي يرفع من شأن
القول الفلسفي وان كانت فلسفته قد حملت نوعاُ من البحث عن
المقارنة بين العالم الأرضي والعالم السماوي مثلما حصل في
مدينته الفاضلة، والسبب الذي جعل الفارابي يذهب الى مثل هذا
التصور هو اعتقاده بأن العالم السماوي هو عالم العقل ويحكمه
العقل والمعقولات تحاول ان تتشبه بالعقل. وما كان التصور
الرشدي يبتعد كثيراً عن مثل هذا التصور سواء في تصوره للكون
على أنه عالم يحكمه العقل وان الجرم السماوي أشرف رتبة من
الموجودات، وهذا التعامل بالرتب التدريجي الى ان يقترب من
العقل الأول الذي هو أشرف الموجودات جميعاً. هذا التصور الرشدي
أقرب الى تصور الفارابي فضلاً عن تصوره لعمل الفيلسوف على انه
"فحص ما جاء به الشرع" و "اعتبار الموجودات من جهة دلالتها على
الصانع".
اذا كان الجابري يرى ان
الفارابي يوظف السياسة في العلم الالهي فان ابن رشد فعل ذلك
بعده حينما اشار الى ان الرؤساء "الفيلسوف أو الإمام" فيهم ما
هو اعظم من الذهب- كما سبق ذكره-وذلك ما اشار اليه في تلخيصه
لسياسة افلاطون ايضاً، تابع ابن رشد الفارابي سواء من حيث تكون
المدينة الفاضلة أو خصال رئيسها خاصة حينما أكد ابن رشد ان "حد
الفيلسوف هو بعينه حد الملك والشارع والإمام كلها بمعنى واحد،
ما دام الإمام في لغة العرب يعني الرجل المتبوع في أفعاله
والذي يؤتم به، ومن هذه صنعته هو بصورة تامة فيلسوف وهو الإمام
بصورة مطلقة"[52]،
وهذا معناه ان ابن رشد يساوي بين الإمام والفيلسوف وذلك ما
فعله حينما اعتقد بخلافة وإمامة الخلفاء الأربعة في مقابل نقده
لحكومة معاوية.
واذا كان الجابري يرى ان
لفلسفة ابن سينا المشرقية "ابعد الأثر في ردة الفكر العربي
الاسلامي وارتداده من عقلانيته المنفتحة التي حمل لوائها
المعتزلة والكندي وبلغت أوجها مع الفارابي الى لا عقلانية
ظلامية قاتلة لم يعمل الغزالي والسهروردي وأمثالهما –يقصد جابر
بن حيان والرازي واخوان الصفا- الا على نشرها وتعميمها في
مختلف الأوساط"[53].
اذا كان ذلك كذلك، فلماذا يرى الجابري في فلسفة ابن سينا
امتداد لفلسفة الفارابي الذي وصفها بأنها عقلانية منفتحة هذه
المرة. على الرغم من انه في كثير من المواقع في نقده للعقل
العربي نراه يرى في الفكر الكلامي وفكر الكندي ومن تلاهم فلسفة
يجب استبعادها واحداث قطيعة معها لأنها فلسفة منغلقة على نفسها
تحمل من عناصر الانزواء والانطواء على الذات الشيء الكثير،
فكيف يمكن ان يكون مثل هذه الفلسفة عقلانية منفتحة وكيف يمكن
ان يضم عقلانية ابن سينا الظلامية بعبارته الى جانب هذه
العقلانية المنفتحة؟
المهم ان الجابري كان في
كثير من الأحيان يناقض نفسه بنفسه، لأنه لم يكن مشغولاً الا
بمحاولة تقويض الفكر في المشرق العربي "فبدلاً من احتيال تلك
الفرصة للأم تصدعات الثقافة العربية ولم شتات اوصالها المقطعة
واعادة بناء وحدتها العضوية سعياً وراء ترميم الوجدان وتوحيد
وتطوير ماضي الصراع والاقتتال الى مستقبل مشترك، تؤسسه جدلية
التماهي من خلال الاختلاف، فان غرفة العمليات الجرحية التي
يدعونا ناقد العقل العربي الى دخولها في الواقع غرفة للتشريح،
للبتر والتشطير والتفسيخ وتجزئة التجزئة"[54].
ما يثبت ذلك هو نظرة الجابري الى الفكر المشرقي على انه أسير
النظرة الميتافيزيقية والعلم عنده أسير التفكير اللاهوتي
غافلاً هذا الجانب في بحثه لفسفة ابن رشد الذي هو على الرغم من
"تصريحه باستقلال العلم الطبيعي عن العلم الالهي، ولكنه لم
يستغل هذا الاستقلال لتقدم العلم الطبيعي في مجالاته الأساسية
التي تقع ضمن حقل دراسته، بل بقي أسير النظرة الميتافيزيقية
الأرسطوطاليسية لهذا العلم ولو قام طرحه بابعاد النظرة
الميتافيزيقية عن العلم لكان لنظرته هذه شأن يذكر في تقدم
العلوم الطبيعية، ولكن ذلك لم يحدث الا بعد مدة ليست بالقصيرة
في تأريخ الفلسفة والعلم الطبيعي"[55].
ملخص القول ان ابن رشد بقي
مثل فلاسفة المشرق أسير النظرة الميتافيزيقية ولم يحقق تقدماُ
كبيراُ في مجال العلوم الطيبيعية مثلما ذهب الى ذلك الجابري.
بل لربما كان الفارابي وابن سينا اكثر تقدماً من ابن رشد
لتعدد مشاربهم التي لم يحكمها النص الأرسطي مثلما حصل ذلك عند
ابن رشد .وهذا باحث ضمن التوجه الأبستيمولوجي للجابري هو محمد
المصباحي، نراه يعترف لابن سينا بهذه القدرة –أي قدرة الانفلات
من سلطة النص الأرسطي- ومحاولة بناء نص سينوي مستقل، فابن رشد
كما يرى المصباحي وان كان احياناً "يتكلم بلغة فارابية خاصة في
مسألة العقل الفعال الذي يعطي العقل الهيولاني المعنى الذي
يقبل به معقولات العالم"[56]
الا انه –أي ابن رشد-" تقليدياً بالتزامه في فلسفة أرسطو،
فلاختلاف حول أرسطو –عند ابن رشد- داخل (المكان الأرسطي) "[57]،
بمعنى آخر ان ابن رشد "لم يدع ارادة تجاوز السابقين كما فعل
ابن سينا مع أرسطو"[58]
لأن ابن رشد "متعلق بالسلطة العلمية باعتبارها مصدر الحقيقة
والبرهان عليها مما جعل فعل التفسير معارضاً لفعل النقد، فانه
من جهة أخرى يفتح الباب لانتقاد المفسرين السابقين من اجل ان
يثبت مشروعية تفسيره هو، هكذا يكون التفسير في أصله أداة قمع
الرغبة في النقد لكنه لا يلبث أن يتحول أداة له"[59].
هذا التفكير عند ابن رشد
هو الذي جعل المصباحي ينظر الى ابن سينا والغزالي على انهما
"أسسا رؤية جديدة للوجود والعلم تختلف عن رؤية اليونان، وقد
مضى الغزالي أبعد من مشروع أبن سينا حيث بنى نظرته الى الموجود
والمعرفة على أساس تقويض مفاهيم الماهية والبرهان والعلية
الذاتية والعقل والفيض، وكل ذلك على أساس فلسفة عرضية جائزة
قائمة على الإرادة والخلق من عدم.
يعتقد المصباحي ان النظرة
العرضية للوجود الواحد كانت وراء النظرة التاريخية لابن سينا
حيال أرسطو فكان بذلك أقرب الى نداء التاريخ من ابن رشد فقد
مكنته تلك العرضية والتاريخية من حصول رغبة لديه في تجاوز
أرسطو واكتشاف حدود الرؤية الأنطولوجية الأرسطية"[60].
على ضوء هذا يرى المصباحي
"ان معارضة ابن رشد لابن سينا معارضة استراتيجية … أما ان تبقى
جيوب سينوية في نسق ابن رشد، فذلك الأمر طبيعي لأن كل من يتصدى
للنقد لغيره لا بد ان تظل آثار من فلسفة هذا الغير في فكره
مهما حاول ان يبتعد عنه"[61]،
بمعنى آخر ان ليس هناك قطيعة بالمفهوم الذي طرحه الجابري بين
الفكر المشرقي والفكر المغربي أو بين ابن سينا وابن رشد وذلك
ما بدا واضحاً عند محمد المصباحي "حينما عقد مقارنة بين ابن
سينا وابن رشد والتركيز على نقاط الشبه بين الفلسفتين"[62].
ختاماً لا يسعنا في نهاية
هذا المقال الا أن نقول أن الثقافة العربية خسرت مفكر كبير
برحيل محمد عابد الجابري، وعزاءنا الوحيد أن طروحاته لا زالت
محط دراسة ونقد وعزاءنا أيضاً أن هناك مفكرين كبار لا زالوا
يعملون في مجال النقد المعرفي في محاولة منهم للنهوض بالعقل
العربي.
.........................
(*) الدكتور علي عبد الهادي عبد الله المرهج أستاذ الفلسفة
المساعد في كلية الآداب/ الجامعة المستنصرية.
الهوامش:
.............................
[1] مختار
(الفجاري)، خطاب العقل عند العرب، المطبعة العصرية،
تونس، ط1، 1993، ص9.
[5] مختار
(الفجاري)، خطاب العقل عند العرب، ص24.
[6] محمد
علي (الكبسي)، الدرس الهايدغري، مجلة الفكر العربي
المعاصر، العدد 58-59، نوفمبر 1988، ص53.
[7]
هايدغر (مارتن)، في الفلسفة والشعر، ترجمة عثمان أمين،
دار الثقافة العربية للطباعة، القاهرة، ط1، 1963، ص60.
[8] محمد
وقيدي، ما هي الأبستيمولوجيا، ص45.
[9] محمد
وقيدي، نظرية المعرفة عند غاستون باشلار، دار الطليعة،
بيروت، ط1، 1980، ص136.
[12]
ماهر عبد القادر، نظرية المعرفة العلمية، دار النهضة
العربية، بيروت، 1985، ص76-77.
[13]
محمد عابد (الجابري)، التراث ومشكل المنهج، ضمن كتاب
المنهجية في العلوم الانسانية، مصدر سبق ذكره، ص87،
ايضاً الجابري، من اجل رؤية تقدمية لبعض مشكلاتنا
الفكرية والتربوية، دار النشر المغربية، ط1، 1985، ص9.
[14]
محمد عابد (الجابري)، من أجل رؤية تقدمية، المصدر
السابق، ص9.
[15]
المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
[16]
محمد عابد (الجابري)، نحن والتراث، ص49.
[17]
المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
[18]
محمد عابد (الجابري)، نحن والتراث، ص52.
[19]
محمد عابد (الجابري)، ابن رشد سيرة وفكر، ص256.
[20]
هشام (شرابي)، النقد الحضاري للمجتمع العربي، مركز
دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط2، 1999، ص30.
[22]
فهمي جدعان، الطريق الى المستقبل، المؤسسة العربية
للدراسات والنشر، عمان، ط1، 1996، ص42.
[25]
حسن صعب، تحديث العقل العربي، دار العلم للملايين،
بيروت، ط3، 1980، ص95-96.
[27]
محمد عابد ( الحابري)، وجهة نظر، مركز دراسات الوحدة
العربية، بيروت، ط2، 1994، ص271.
[28]
محمد عاطف (العراقي)، المنهج النقدي في فلسفة ابن رشد،
دار المعارف، مصر، ط2، 1984، ص 249.
[29]
محمد عاطف (العراقي)، المنهج عند ابن رشد، مجلة عالم
الفكر الكويتية، ص77.
[30]
محمد عابد (الجابري)، تكوين العقل العربي، نقد العقل
العربي، ج1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط2،
1986، ص131.
[32]
المصدر نفسه، ص31-32.
[33]
محمد عابد (الجابري)، نحن والتراث، ص232.
[34]
محمد عابد (الجابري)، بنية العقل العربي، نقد العقل
العربي، ج2، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط2،
1987، ص243.
[38]
محمد عابد (الجابري)، مقدمة فصل المقال لابن رشد، مركز
دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1997، ص19.
[40]
محمد عابد (الجابري)، بنية العقل العربي، ص255.
[42]
الكندي، رسائل الكندي الفلسفية، ص103.
[45]
محمد عابد (الجابري)، نحن والتراث، ص250.
[46]
المصدر نفسه،ص71، قارن ايضاً مقدمة الجابري لفصل
المقال لابن رشد، ص32، نفس المعطيات.
[47]
علي حرب، التأويل والحقيقة، ص129.
[48]
الفارابي، كتاب الحروف، تحقيق محسن مهدي، دار المشرق،
بيروت، 1970، ص133.
[51]
المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
[52]
ابن رشد، تلخيص سياسة افلاطون، ص139.
[53]
محمد عابد (الجابري)، نحن والتراث،ص39.
[54]
جورج طرابيشي، مذبحة التراث ،ص81-82.
[55]
حسن مجيد (العبيدي)، العلوم الطبيعية في فلسفة ابن
رشد، ص25.
[56]
محمد (المصباحي)، الوجه الآخر لحداثة ابن رشد، ص14.
[59]
محمد (المصباحي)، الوجه الآخر لحداثة ابن رشد، ص80.
[62]
المصدر نفسه، انظر ص117 وما بعدها.