الفلسفة العربية المعاصرة وأفكار ما بعد حداثية في المعرفة
والعلم والإعلام
أ. فاتنة
حمدي(*)
(خاص للموقع)

ما هي الحداثة وما الذي
يمكن أن يأتي بعدها؟ هل يتعلق الأمر بمحاولة من قبل مفكري
الغرب لفهم ما يحدث في بلدانهم أم بمشروع غربي محض يخص الغرب
لوحده يخطط للغرب ليطبق عليه بحيث يمكن ان نكون واثقين بأنه لا
يمسنا أم هل أن الفكر الفلسفي الما بعد حداثي يؤسس ويخطط
للجميع؟
لا شك أن الفكر الغربي قد
سار في خط شبه مستقيم في اتجاه يكاد أن يكون واحداً يقوم على
التأكيد على الإنسان وأهميته وتميزه على كل ما عداه. ويصح ذلك
بخاصة إذا استثنينا الفترة الهلنستية وجزءاً من التفرة الوسيطة
حين امتزج الفكر الغربي بالفكر والروحاحنيات الشرقية وتأثر
بالأديان السماوية التي ظهرت كلها في الشرق. هذا التأثر بالشرق
سرعان ما تم تعديله في عصر النهضة عصر العلم الذي أكد على
الإنسان والذات الإنسانية. تلك الذات التي استمرت في التضخم
لتستوعب الكون والواقع كله –ما فوقه وما تحته على حساب كل شيء
آخر.
ووصل هذا المشروع إلى
ذروته في الفلسفة الحديثة. وتمثل ما بعد الحداثة محاولة
استكمال هذا المشروع "الإنساني" من وجهة نظر غربية حيث يتم
الاستكمال بشكل وتوجه آخر ومن خلال التركيز في أحد جوانب
الحداثة الأكثر سوداوية وعديمة.
فتتطرف في الفردية
واستقلالية الفرد وتتخلى عن الثوابت وعن كل ما هو مفارق ومتسام
على الإنسان.
كما لا شك في أن الفكر
وليد الواقع والحاجات الآنية والبعيدة وأنه يتأثر ويؤثر بشكل
مباشر في الواقع، بل أن الفكر الغربي يقصد منه أكثر فأكثر أن
يؤثر مباشرة في الواقع. يؤثر في واقع الغرب وفي واقعنا نحن
الأمم المتأثرة والمنفعلة بتخطيط وحدات التفكير الغربية. وليس
في هذا الفكر في حد ذاته ما يسيء إذا لم يمس حضارتنا وثوابتنا
وقيمنا وحدودنا. لكن مشكلة الفكر الغربي المعاصر في أغلبه انه
لم يعد يعترف بالثوابت والحدود. وهذا ينطبق على الحداثة
المتأخرة وعلى الفكر ما بعد الحداثي على وجه الخصوص.
ولا شك أخيراً في اختلافنا
وفي ضرورة هذا الاختلاف في كثير من الجوانب عن الغرب المعاصر
من حيث مظاهر الحياة المختلفة ومن حيث المبادئ والقيم
والأولويات والمزاج. وبأننا لسنا بحاجة إلى محاكاة هذا الغرب
في كل ما يفعل لتحقيق ما يسمى بالتقدم والتجديد بل أن لدينا
خلافاً جوهرياً حول مفهوم التقدم والتطور والتجديد ذاته
والأولوية التي يمكن أن يتمتع بها والتي يتمتع بها فعليا في
الغرب.
يتناول موضوعنا من أفكار
ما بعد الحداثة والسؤوال الذي يتبادر إلى الذهن هو ما معنى
ودلالة ما بعد الحداثة بل ما معنى الحداثة ذاتها وهل توجد سمة
واحدة أو مجموعة سمات يمكن أن تستوعب معنى الحداثة أو ما
بعدها؟ أقول فقط باختصار بأن مفهوم ما بعد الحداثة يقصد منه
المقابلة بين بعض توجهات الحداثة الرئيسة وبين توجهات حداثية
بدأت هي الأخرى تظهر واضحة في النصف الثاني من القرن العشرين
متأثرة بطروحات مفكرين حداثيين متأخرين مثل نيتشة وماركس
وفرويد وغيرهم في تأكيدهم على جوانب خفيفة في الأغلب لا
عقلانية وحيادية أخلاقياً تفسر الواقع والسلوك البشري. لا يمكن
اعتبار كل الفكر المعاصر فكراً ما بعد حداثي لوجود تعددية
هائلة واهتمامات وتوجهات منتوعة في هذا الفكر.
تهمنا دراسة فكر ما بعد
الحداثة بما فيه من إبهام وهلامية وبعد عن الواقع المتعارف
عليه لأنه يمثل أحدى الوسائل تلفسر أحداث وتطورات العقدين
الأخيرين في تسارعهما وغرابتهما وأهوالهما. وتتضاعف اهمية
دراسة هذا الفكر إذا اخذنا بالحسبان الجانب الاقتصادي والسياسي
والعسكري المتمثل في ما يسمى بالرأسمالية المتأخرة عند دانيل
بل (Daniel Bell) أو المجتمع ما بعد الصناعي عند رانست ماندل
(Ernest Mandel) وما انتهى إليه من محاولة سيطرة قورة واحدة
على كل القرارات في العالم.
أكدت الحداثة في بدايتها
الأولى قدرة الفكر الإنساني على تفسير الحقيقة بشكل منطقي
ومعقول كما أكدت دور الذات الحرة العاقلة في فهم وصياغة وتغيير
واقعها وعتدت الكون عموما، وإن أغلقت بعض جوانبه على قدرات
الإنسان المعرفية، قابلا للاستيعاب والفهم. صاحب كل ذلك تضخيم
واضح لدور الإنسان إذ بدأ يأخذ تدريجيا موقع القوى العليا
ويختفي التمايز بينه وبين تلك القوى حتى حل محلها عند كثير من
مفكري الحداثة المتأخرة. وقد ادى ذلك بالنتيجة إلى ربط القيم
بالذات البشرية والى النظرة الوضعية في الاخلاق ومن ثم إنكار
ثبات لاقيم والنزعة الإلحادية التي مهد لها مفهوم الروح المطلق
عند هجيل والتي نجدها واضحة عند كثير من الفلاسفة بعد هيجل.
ورافق هذا الايمان المبالغ فيه بقدرات الإنسان بروز اهمية
وقيمة العلم والمرعفة العلمية التي تم تمييزها عن غيرها من
أنواع المعارف التي لا تتمتع بدقة وصرامة العلم. ووصل الاعتقاد
بالعلم إلى درجة الايمان بأن استكمال المعرفة التامة بكل
تفاصيل الكون ليست سوى مسألة وقت. وساعد تطور المعرفة العلمية
على تطور التكنولوجيا مما كان له أكبر الأثر في حياة الإنسان
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
بدأت الحداثة المبكرة مع
ظهرو الرأسمالية والثورات التجارية والصناعية والتكنولوجية وما
نتج عنها من تقلص لسلطة الكنيسة والسلطة السياسية والتقليدية
وأدى لى ظهور نظريات ونظم سياسية ليبرالية وترسيخ الدولة
الحديث التي بدأت تدريجيا تمارس سلطتها بكفاءة وربما قسوة أكثر
مع الحفاظ على المظاهر الخارجية للديمقراطية.
ثم تطورت الحداثة لتستوعب
اتجاهات لا تخلو من لا عقلانية وغموض وحيادية أخلاقية نبذ
للتراث والتقاليد وللتاريخ بمجمله. ونجد ذلك واضحاً في ما يسمى
بالحداثة المتأخرة في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن
العشرين حتى اننا نجد في الحداثة تقليدين يسيران جنباً إلى
جنب. وهذا ما يطرحه لويد سبنسر في مقالة له بعنوان "ما بعد
الحداثة والحداثة وتقليد الانشقاق" الذي يعد الحداثة بمختلف
صورها كانت تتميز بالصراع بين نوعين من الدوافع احدهما نقدي
وشكي وسلبي وتشاؤمي يصل إلى حد العدمية، والآخر ايجابي متفائل
ومليء بالامل والحنين وتمثل ما بعد امتداداً للنزعة الشكية
النقدية المعارضة والمنشقة فتصح المعارضة بمثابة مبدأ يؤدي بها
إلى معارضة كل ما يمكن معارضته 161 (L. Spencer). 1994، ويصف
سبنسر هذه النزعة الأخيرة بانها عدمية مغرقة في الذاتية حيادية
أخلاقيا متشظية اعتباطية استبدادية انهزامية عنيدة متصلبة
(Ibid. 162).
ويضيف تشارلز تايلور في
كتاب مهم له بعنوان "منابع الذات" Sources of the Self ان جوهر
ما بعد الحداثة هو النظر إلى الحرية اللا محدودة بعدها النموذج
والقيمة الاسمى إذ يرى تايلور ان تفضيل لمثل هذا النوع غير
المنضبط للحرية يمثل امتداداً لأسوأ ما في الحداثة ويؤدي إلى
انبثاق ثلاثة جوانب في حركة ما بعد الحداثة: تقويم أعلى لقوى
الخيال غير المحدودة، والانتقال إلى نوع جديد من الكشف المفاجئ
والمضخم، والانتقال إلى نظام صارم ومتقشف خال من كل زينة يرفض
الصور الجمالية المريحة مع التركيز في إيجاد لغة لكل ما هو
مرعب ومتدن ومدمر في زماننا (Charles Taylor, 1989, 489).
نرى مما سبق أن مفهوم
الحداثة يتسع ليشمل اتجاهات متعددة ومتناقضة إذ يظهر هذا
المفهوم كما يرى يورغن هابرماس كلما تشكل وعي عصر ما من خلال
تحديد علاقته مع العصور التي سبقته كما فعل مفكروا عصر النهضة
مثلاً لكن حداثة القرن التاسع عشر تحررت من القيود والاعتبارات
التاريخية وطرحت أولوية التجديد على إتباع التراث والتقليد حتى
ظهر ما يسميه هابرماس بعبادة الجديد (J. Habermas, 1981, 269).
وأرى أن هذا التوجه هو فاتحة التحول نحو ما بعد الحداثة./
ويمكن أن نضيف إلى ذلك الأولوية التي توليها أغلب اتجاهات ما
بعد الحداثة إلى الفن والاستتطيقي على حساب القيم الأخرى لكن
بمعنى وتوجه غريب ومختلف للجمالي والفني عن المعتاد. حيث تظهر
مفاهيم مثل موت الفن والفن المضاد واللا فن. ويتفنن الفنان في
استبعاد كل ما هو جميل وانيق ومريح ليصبح البشر وحيث يستقل
مجتمع الفن والفنانين والنقاد عن علاقتهم بالمجتمع ليعيشوا
حياتهم الخاصة على الأغلب من دون هدف أو معنى.
ينصب اهتمام هذا البحث على
السؤوال: أين الفكر العربي المعاصر من الحداثة وما بعدها؟ ولا
أعني بهذا السؤال جهود المفكرين والباحثين العرب المعاصرين
الفردية المبذولة للبحث في هذا الموضوع ولا أقلل من شأن تلك
الجهود بل أحاول الإضافة إليها. ولربما كان السؤال الأهم هو ما
الذي يمكن أن تعنيه الحداثة واستكمالها بشكل آخر في ما بعد
الحداثة بالنسبة للفكر العربي المعاصر في الظروف الحالية التي
يعيشها المفكر والانسان العربي المعاصر عموماً وكيف يمكن أن
نفهم الحداثة وما بعدها لنفهم الأحداث المتسارعة التي تمسنا
بشكل مابشر من مختلف نواحي كينونتنا سواء منها الجغرافية أو
التاريخية أو الدينية أو الاجتماعية أو الاقتصادية.
ويهمني السؤال بالخصوص لأن
الفكر الغربي يمثل تطوراً في الفهم قد لا نتفق مع كل توجهاته
لكنه بالتأكيد يمثل إدراكا وتطويراً وفهماً لنظرة الإنسان إلى
الكون اكتسبت خبرة وعمقاً وتفصيلاً ما نزال نحاول استيعابه
ويحاول بعضنا اللحاق به ويحاول بعضنا الآخر محاكاته. أضف إلى
ذلك ما هو أهم، فقد أصبحت الفلسفة الغربية جزءاً لا يتجزأ من
الفكر الغربي والعقلية الغربية والوعي واللا وعي الغربيين لا
يمكن فهم الغرب من دنها. حيث يوجد تأثير متبادل بين الفكر
الغربي والسياسات والسلوك الغربيين. فإذا اخذنا في الحسبان
تأثير الغرب، فكراً وإنتاجاً مادياً، في كثير من جوانب حياتنا
كان لدينا المبر الكافي لمحاولة فهم بعض توجهات ما بعد الحداثة
التي نعايشها في يومنا هذا شئنا أم أبينا. ويخطئ من يظن اننا
نستطيع أن نعيش في شرنقة بعيداً عن تأثيرات الفكر الغربي وأن
نهمل أو نؤجل محاولة فهمه والتحاور معه. إذ لن يكتمل الفكر
العربي المعاصر بل لن يصبح معاصراً إن لم يأخذ في الحسبان تطور
الفكر الغربي الذي سيوضح لنا كثيراً مما يخفى علينا ويدهشنا من
أحداث وأفكار. كما ان في بعض طروحات هذا الفكر ما يمكن أن
يستخدم في طرح كثير من قضايا عالمنا العربي والإسلامي الراهنة.
سأتناول الموضوع من خلال
مجموعة أفكار انتقيها لأهميتها وعلاقتها بموضوعنا. وسيكون
التركيز في بعض طروحات الفيلسوفيين الفرنسيين المعاصرين جحان
فرانسوا ليوتار Jean-Francois Lyotard (1928 – 1998)، الذي كتب
الكثير من حول الموضوع وتناوله في أكثر من كتاب، وجان بودريار
jean Baudrillard (1929-) المنظر الآخر لما بعد الحداثة.
المفاهيم التي سأتناولها هي مفهوم السرد والعلم والحدث
والمختلف عند ليوتار ثم اتناول مفهوم الشبه والمشابهة أو
المحاكاة عند بودريار.
أبدا بمفهوم السرد أو
الحكاية (كلمة recit الفرنسية المترجمة narrative إلى
الانكليزية) الذي يمثل حجر الزاوية في فكر ليوتار. إذ يعتقد
ليوتار بأن السرد يمثل طريقة في التفكير وحالة من حالات الذهن
الإنساني يتم من خلالها عرض الحقائق والمعارف وتفسيرها
ومناقشتها. ويرى في تفسيره الخاص لثنائية الحداثة\ ما بعد
الحداثة أن كلمة حديث أو حداثة تشير إلى العلم الذي يحاول
تحقيق المشروعية لنفسه بالإحالة إلى خطاب فوقي يستند صراحة إلى
سرد أو حكاية عظيمة، سواء ميتافيزيقية أو ايديولوجية أو
غيرهما، حيث تفترض الحداثة إمكانية حصول إجماع بين أذهان
عاقلة. يتحقق الإجماع نتيجة وجود أرضية مشتركة في استناد هذه
الأذهان العاقلة إلى حكاية عظيمة واحدة (الوضع ما بعد الحداثي،
2). هذا في نظر ليوتار ما يمثله سرد عصر التنوير بينما يمكن ان
ننظر إلى ما بعد الحداثة بوصفها عدم التصديق أو الايمان أو
الشك بأي سرد أو خطاب فوقي. غياب الايمان هذا هو نتيجة التقدم
في العلم والتقدم في العلم من ناحيته يفترض غياب الايمان. مع
غياب السرد العظيم نشهد أزمة الفلسفة الميتافيزيقية وأزمة
المؤسسة الجامعية التي عبرت عن نفسها بوضوع في أحداث 1968 في
فرنسا (المصدر السابق، 24).
يبدو أن ليوتار يرض ما
يسميه بالسرد العظيم الذي يعني به التفسير الشمولي للأشياء
الذي يقاوم المراجعة والتصحيح (ويذكرنا هذا بتمييز كارل بوبر
بين العلم واللا علم من خلال مقياس قابلية التكذيب). إذ يعتقد
أن عصر السرد العظيم قد انتهى ويرى ضرورة هدم سلطة السرد
العظيم التي تكبت الإبدع (ويذكرنا ذلك بفكرة موت الإله وأفول
الآلهة عند نيتشة) ويتم الهدم من خلال البحث عن التناقضات وعدم
الاستقرار والمجهول في حكايات الحداثة وهو هنا ليس بعيداً عن
تفكيكية جاك ديريدا. لكن ليوتار يبدو لنا في احيان اخرى مدركا
لشبه استحالة التخلي عن السرد العظيم بل يبدو مدركا لدور هذا
النوع من السرد واهميته فيمواقع وحالات معينة. يتخطى فكر ما
بعد الحداثة عن هذا النوع من السرد العظيم لصالح السرد الصغير
أي الاستنتاجات أو الأفكار التي يضعها عدد قليل من الأشخاص
لتحقيق أغراض مباشرة ومحددة. هذا النوع الأخير من السرد لا
يدعي امتلاك أجوبة نهائية لك لشيء بل يتقبل حلولاً وإجابات
آنية وجزئية لمشكلات مجزأة تؤخذ كل على حدة.
والسؤال الذي يمكن طرحه
هو: من أي تستمد جماعات السرد الصغير سلطتها ومن يطبق حلولها
وتوصياتها وبأية سلطة وبأية مشروعية. ففي غياب السرد العظيم
الذي توفره مثلاً الاعتقادات الدينية والايديولوجيات يستطيع كل
من يمتلك سلطة ما أن يفرض تصوره واحكامه. ويبقى هذا السؤال
باحثاً ن إجابة شافية ويشكل الثغرة التي تنفذ منها كل السياسات
التعسفية واللا منطقية واللا اخلاقية الت يتحكم عالم اليوم.
ويذكرنا هذا التحول نحو حلول جزئية لمشكلات مجزأة انتقائية
بالتأكيد الليبرالية من وجهة نظر جون رولز وكثيرين غيره على
ضرورة أخذ الاختلافات بين الأفراد بنظرالاعتبار مهما عارضت هذه
الاختلافات التوجه العام للمجتمع ما يعني إعطاء حق الاختلاف
وممارسته لمن يشاء أو لمن لا تتعارض اختلافاته مع توجهات
السلطة السائدة (Rawls, 1999, p16n).
والسؤال الأكثر أهمية
يتعلق بنتائج غياب السرد العظيم وغياب المرجعية والمقاييس
والقيم الكلية والنموذج والقدوة التي يمكن أن تكون أساساً
لأحكامنا سواء على المستوى العام أم الخاص. إنها فكرة موت الله
عند نيتشة وتخطي كل القيم. يؤثر هذا الغياب على إمكانية إعطاء
أحكام تقويمية وذلكلغياب المقاييس العامة فيقترح ليوتار الجوء
إلى تقويم كل حالة مبفردها ويسمي هذه الحالة بالوثنية مما
يذكرنا بعدمية نيتشه ويفسر اختيار كلمة الوثنية بوضوح المعنى
المضمر في هذا التوجه. ويرفض ليوتار وجود أي أسس لا يمكن وضعها
موضع التساؤل. ونتسائل كيف يمكن ان يؤثر ذلك في نظرتنا إلى
العالم والسرد العظيم الذي تنطلق منه ثقافتنا وحضارتنا الضاربة
في القدم. مثال ليوتار للسرد العظيم هو الماركسية لكن
الماركسية ليست السرد الكبير الوحيد الممكن.
يرى فريدريك جاميسون في
مقدمته لكتاب ليوتار أن التخل يعن السرد العظيم لا يعني
اختفاءه وإنما قد يصبح لا شعوريا ومتخفيا (الوضع، 12) وربما
أكثر خطراً. كما يرى أن تحليل ليوتارد للوضع ما بعد الحداثي
يفصح عن تصور سردي عظيم لهذا الوضع يشكو من أزمة مشابهة
(المصدر السابق، 12). وتظهر هنا ازمة الشرعية التي تطال
القضايا لأن أياً منها لا يجد سنداً أو مرجعية. في غياب السرد
العظيم وفي اللجوء إلى السرد الصغير نجد ليوتار يؤكد على
التركيز في مفهوم اللعبة اللغوية الذي قتبسه من فتجنشتاين
المتأخر. فلكل لعبة لغوية غاياتها المباشرة وقواعدها ويتفق
اللاعبون بشكل صريح أو ضمني على تلك القواعد ويتم الحكم
بموجبها على نجاح اللعبة أو فشلها بحسب مقدار التزام اللاعبين
بقواعد اللعبة والنتائج المتحققة ومدى مطابقتها للاهداف
المرسومة (المصدر السابق، فقرة 3،33).
هذا الانتقال المفاجئ إلى
اللغة في جانبها البراغماتي لا المجرد يعطينا تصور ليوتار
للرابطة التي تربط مجتمعات ما بعد الحداثة. إذ يستخدم مفهوم
اللعبة اللغوية نموذجاً لدراسة المجتمع بديلاً عن التصورات
والنظريات الحداثية للمجتمع. باعتبار الألعاب اللغوية تمثل
الحد الأدنى من العلاقات القائمة في المجتمع لا يحتاج ليوتار
إلى سرد كبير لتبرير لجوئه إلى هذا النموذج (المصدر السابق،
فقرة 5، 38). لكنه لا يكتفي في طرحه لهذا المفهوم للغة وسيلة
لفهم المجتمع بوظيفة اللغة بوصفها وسيلة للاتصال بين مرسل
ومستقبل وإنما يتجاوز ذلك إلى محاولة فهم العلاقات الاجتماعية
بوصفها "نظرية للألعاب تقبل التناحر كمبدأ مؤسس" (المصدر
السابق 5،39). فاللعبة اللغوية لا تقوم بين أطراف بريئين
يحاولون التواصل وإرسال الاشارات الواضحة بقدر الامكمان بل
تقوم على المرواغة ومراقبة تحركات الخصوم ومحاولة التشويش
عليها وجعل الرسائل مبهمة لتحقيق نقلات ناجحة تؤدي إلى خسارة
الخصوم. يصف جيمسون اللعبة اللغوية عند ليوتار بأنها "علاقة
صراع بين متحايلين" (المصدر السابق، تصدير، 11) يقوم نجاحها
بالتفوق على الخصم في عملية الاتصال. ولنا أن نفسر سلوك الغرب
طوال سنوات تعاملنا معه حيث يتعامل من خلال مبدأ التناحر
والتحايل في لعبة لغوية لا ثوابت ولا اعتبارات أخلاقية فيها،
ونقارن ذلك بمحاولتنا لمجرد ايصال همومنا الغرب دع عنك محاولة
تحقيق موقع لاعب في لعبة الغرب اللغوية.
يبدو أن فكرة نهاية السرد
العظيم هي ضمن سلسلة من النهايات التي بشئر بها مفكرو الحداثة
وما بعد الحداثة. فقد طرح هيجل فكرة موت أو نهاية الفن وتحدث
دانيل بيل عن نهاية الأيديولوجيا وفوكوياما عن نهاية التاريخ.
ولا يمكن أن نستنتج من ذلك إلا أحد أمرين: إفلاس الغرب أو
تصميمه على فرض سردياته وأفكاره مهما كانت صغير باعتبار أن
اللعبة انتهت ولم يعد هنالك مجال للزيادة أو النقصان. مما يعبر
عن غرور لا حد له وجد بداياته في تقديس الكائن البشري وإحلاله
محل الإله واستمر مع النجاح المتواصل للآلة التكنولوجية
الغربية في تحقيق سيطرة تكاد تكون تامة على الطبيعة وعلى الآخر
اللا غربي. ونتساءل هل علينا أن نمتثل لكل هذه النهايات؟ بل
ألا ينبغي علينا أن نتخذ موقفاً من هذه القرارات الفكرية
الغربية؟ وأن تكون لنا غاياتنا الخاصة وحكاياتنا الصغيرة
ولعباتنا اللغوية بل وحتى حكاياتنا العظيمة في كون يتصف
بتعددية وتشظ هائلين في الغايات والوسائل؟
يتناول ليوتار بعض
الطروحات حول طبيعة المعرفة والعلم في ما يسمى بالمجتمع ما بعد
الصناعي والرأسمالية المتأخرة التي تصف حالة الغرب في النصف
الثاني من القرن العشرين إذ ينظر بعض المنظرين إلى المعرفة أو
المعارف بوصفها سلعة أو بضاعة المعرفة أو بالأحرى تعددية
المعارف في عالم ما بعد الصناعة فنجد اليوم أكثر من أي وقت مضى
منافسة بين الأطراف المختلفة على الاستحواذ على المعرفة بوصفها
سلعة (المصدر السابق، قرة 1، 28). هننا تثار مشكلة المشروعية
واكتسابها فيصبح السؤال المهم "من يقرر ما هي المعرفة؟". وفيما
يخص المعرفة العلمية لم يعد يهم السؤال "هل هي صادقة؟" بقدر
السؤال "ما فائدتها؟" أو "ما هي قيمتها النقدية؟" (المصدر
السابق، فقرة 12، 67).
هنا يعمل مبدأ الأدائية أو
الأداء الأعلى الذي يتمثل في الناتج الأقصى للمدخل الأدنى
ويتحدث ليوتار عن اللعبة اللغوية للعلم التي يسيطر عليها مبدأ
الأدائية والتي أصبحت تعتمد أكثر فأكثر على كفاءة تكنولوجديا
باهضة التكاليف مما يؤدي إلى ارتباط الثروة والكفاءة والصدق
(المصدر السابق، فقرة 11، 63). وترتبط التكنولوجيا بالاقتصاد
فيخضع حتى البحث النظري إلى لعبة الأداء اللغوية مما يخضع
الصدق والعدالة بدورهما إلى مبدأ الأداء. "وتصبح ألعاب اللغة
العلمية ألعاب الأغنياء" (المصدر السابق، فقرة 11، 62) في حين
يرى ليوتار أن الأدائية تبقى مسيطرة فقط طالما لم نتساءل عن
مشروعيتها وإذا طرحنا فوق ذلك التساؤل حل ما هية العلم فإننا
نطرح حدود منطق الأدائية التي لا يمكن أن تبرر ذاتها إلا من
خلال سرد فوقي. ويشير ليوتار إلى ظهور نموذج جديد في العلم
يؤكد على غياب القدرة على التنبؤ واللايقين والكارثة والفوضى
ومنظق الموازاة والمعارضة الذي يتحدة القواعد الحالية للغة
العلم فلا "ينتج المعروف بل المجهول" (المصدر السابق، فقرة 13،
74). مهما يكن من أمر ليس من شك في ان مبدأ الأداء قدر أثر على
سير البحث العلمي وأن كثيراً من البحوث العلمية الأكثر فائدة
للإنسانية خصوصاً تلك التي تحسن أحوال العالم الثالث والتي لا
تحقق مكسباً مادياً أو لا تحقق سيطرة وتسلطاً على العالم
بالنسبة للدول والمؤسسات الممولة أو التي يمكن أن تضع الغرب
والقوى المتسلطة فيه موضع الاتهام لا تزال تنتظر دورها في
التمويل.
يطرح ليوتار في فلسفته
المتأخرة مفهوم الحدث ^^^^^^ ويعي به حادثا يغير بشكل درامي
الطريقة التي ننظر بها إلى العالم ويعرض في الوقت ذاته للتساؤل
كل افتراضاتنا الأيديولوجية والاعتراف بوجود أحداث لا يمكن
التنبأ بها أو وضعها ضمن تفسير كلي هو اعتراف ليس فقط بحدود
السرد العظيم بل أيضاً بالانفتاح اللا محدود للمستقبل. ويمكننا
اعتبار حرب الخليج وحرب أفغانستان وأحداث 11 من أيلول من هذا
النوع من الأحداث. هذا النوع من الأحداث يغير قواعد اللعبة
ويقلب المائدة على اللاعبين مما يضطرهم إلى إعادة النظر في
اللعبة وقواعدها. واللاعب الأكثر كفاءة هو الذي يستطيع مباغتة
الآخرين فيفرض شروطه وقواعده.
ثم يطرح ليوتار مفهوماً
آخر بالغ الأهمية هو مفهوم الاختلاف le differend أو المختلف
أو المختلف ذلك الاسم الذي يعطيه ليوتار لإسكات لاعب في لعبة
لغوية حيث لا توجد إجراءات متفق عليها لعرض ما هو مختلف في
مجال الحديث والحوار وحيث لا تنتج القضايا الصادقة دوماً من
الوجود البسيط للمدلول. كل ذلك يؤدي إلى خلاف حول طبيعة
الموضوع المدلول الحقيقية وحول تفسير قواعد التثبت من صدق
القضية فتقلب هذه القواعد. ونجد نفس هذه الفكرة في مؤلفه حول
"الوضع ما بعد الحداثي" مطروحة تحت تسمية الارهاب "وأعني
بالارهاب الفاعلية المتحصلة عن طريق تصفية، أو التهديد بتصفية،
لاعب ما من لعبة اللغة التي يشاركه المرء فيها. يتم إسكاته أو
يوافق (على السكوت)، ليس لأنه قد تم دحضه، بل لأن قدرته على
المشاركة أصبحت مهددة (ثمة طرق عديدة لمنع شخص ما من اللعب).
وغطرسة صانعي القرار، التي ليس لها نظير في العلوم من ناحية
المبدأ، تتمثل في ممارسة الارهاب. إنها تقول: كيف تطلعاتك
لأغراضنا – وإلا "(المصدر السابق، فقرة 14، 77). في الوضع ما
بعد الحداثي يتحدث ليوتار عن الارهاب المعرفي وهنا يمكن أن
يتحول الموضوع إلى الحديث عن الساسة الدولة وسلوك بعض الدول في
المحافل الدولية فالمعرفة تعمل في أكثر من مجال. والارهاب
المعرفي له نتائج سياسية واجتماعية اقتصادية مهمة ومؤثرة
معروفة لدى الجميع وبخاصة عندما يمارس هذا الارهاب من قبل قوى
عظمى على دول العالم الأقل سطوة.
إمكانية قلب الموضوع
المعرفي ينتج عنها المختلف الذي لا يمكن تثبيت وجوده معرفياً
لأنه يمثل إشارة أو رمزاً إلى ظلم وبوصفه ظلماً لا يمكن
التعبير عنه أو إثباته معرفياً لأن الضحية بوصفه ضحية موضوع
لمختلف. هذا المختلف يؤشر المصت الناجم عن استحالة التعبير
التام عن ظلم. ونتساءل أليس هذا حال القضية الفلسطينية في
اللعبة اللغوية الأمريكية الإسرائيلية وأليس هذا حال الحصار
على لعراق فيهذه اللعبة اللغوية نفسها. ويستعين ليوتار بمفهوم
الجليل le sublime عند كانت لتفسير الأحداث التاريخية المهمة
إذ إن الجليل لا ينتج عن موضوع بل يشير إلى حالة ذهنية تدرك
فيها الذات عجزها عن إيجاد موضوع لأحساسها بالجليل. ويلجأ
ليوتار إلى الجليل لتفسير الأحداث التاريخية لأن هذه الأحداث
فريدة لا يمكن تمثلها أو تصويرها أحداث كالثورة الفرنسية ويمكن
أن نضيف الانتفاضة الفلسطينية. ففي هذه الحالة يكون الجليل
إشارة خالصة للمختلف حيث "يمكن أن نجد المختلف في قلب الإحساس
بالجليل" (Lessons, 1994, p123). مما يعني أن لهذه الأحداث
جانباً لا يمكن تمثله أو وصفه لأنها حالة من حالات المختلف أو
الجليل. يستخدم ليوتار أمثلته الخاصة لتفسير الحدث والمختلف
لكنني كما ترون أجد بعض جوانب واقعنا العربي معبراً عنها بدقة
في هذ ه المفاهيم.
أرى أنه على الرغم من
اختلافنا مع فكر ليوتار ومفكري ما بعد الحداثة الآخرين فيما
يخص غياب المرجعيات والسرد العظيم، فأننا يمكن أن نوافقه على
الكثير من النقد الموجه إلى الوضع ما بعد الحداثي في الغرب من
جوانبه الاجتماعية والسياسية والمعرفية والإعلامية. وهذا
الأخير هو ما سأتناوله في الجزء المتبقي من هذه الورقة
المختصرة.
الفيلسوف الآخر الذي
يعنينا في طروحات الفكر ما بعد الحداثي هو بودريار الذي يتناول
في كتاباته عالم وسائل الإعلام والاستهلاك فيرى أن العالم ما
بعد الحداثي هو عالم الأشباه simulacra حيث لا نعود نميز بين
الحقيقة والمشابهة simulation. هنا يأخذ التطور الثلاثي للفكر
الغربي من الموضوع أو الحقيقة الموضوعية إلى الإشارة أو الرمز
مروراً بالذات يأخذ مداه فيحل الرمز أو الإشارة تماماً محل
الواقع أو الحقيقة الموضوعية التي لا يعود لها وجود ولا حتى
حاجة. فالأشباه لا تمثل سوى ذاتها ولا تشير إلى حقيقة خارج
ذاتها. عالم التلفزيون والسينما ولكومبيوتر وديزني يعتبر حقيقة
أمريكية وعالمية وأكثر من هذا فأن حرب الخليج لم تحدث وإنما
كانتأشبه بلعبة فيديو تحققت فيها القدرة على خلق أزمة مع
القدرة على إخراج فيلم حولها (The gulf War, 1995, 3). وفي هذا
يتهكم ليوتار على ادعاءات الحرب النظيفة والقنابل الذكية
وغيرها ما روجت له وسائل الأعلام حتى ليشك المشاهد بان المسألة
لم تكن سوى نزهة أو مجرد فلم سينمائي. ويظهر هذا التهكم في
عنوان كتابه "حرب الخليج لم تحدث" فهي بالنسبة للغرب لم تحدث
الا على شاشات التلفزيون.
وحيث يتم التحكم بالنهايات
تتلاشى الحدود بين الواقع والوهم ويمتزج الاثنان. يستنكر
بودريار فراغ الحدث الذي تقدمه وسائل الإعلام ويعتبر ذلك في
الوقت ذاته نموذجاً لنفي الحدث أو لللاحداث non-event (Ibid.
6)ز وبوصفنا مستهلكين لوسائل الإعلام فإننا لا نعيش الحدث
المادي بذاته وإنما فقط التغليف الإعلامي الذي يجعل الحدث
"لزجاً وغير مفهوم" (The Gulf War, 1995, 32). وهذا مقصود إذ
باقتطاع الحدث من سياقاته ومضامينه ونتائجه نضمن إفلاته من
الأحكام التقويمية ومن مضامينه الأخلاقية فلا يتساءل المشاهد
مثلاً هل ان تدمير افغانستان له مما يبرره وهل يمكن تفسير
مقدار الظلم الذي يقع على الانسن الفلسطيني م نناحية أخلاقية
وهل أن العراق والعراقيين يستحقون فعلاً المعاملة البائسة التي
تعاملهم بها الهيآت الدولية. وبإخراج الحدث بطريقة فنية بارعة
وذكية نضمن تخدير المشاهد وشد انتباهه إلى الحدث بوصفه صورة لا
بوصفه حدثاً يطال بشراً لا يختلفون عن المشاهد في شيء.
تمثل ما بعد الحداثة
بالنسبة لبودريار تداولاً لا نهاية له لإشارات فقدت كل معنى
للواقع وأخذت تكون عالماً ليس فيه سوى المشابهة. في الماضي كان
هنالك تحول من: 1. زمان تبادل فيه الاإشارات مع الواقع وتمثله
إلى 2. نسق تاريخي آخر تربط فيه الإشارات بغيرها من الإشارات
التي تحيل إلى الواقع ثم إلى 3. النسق الما بعد حداثي حيث
الإشارات لا علاقة لها بالواقع بل أن الإشارات اكثر حقيقة من
الواقع إنها مفرطة في الواقعية أو فوق واقعية hyperreal.
المشابهة والنماذج أمثلة
على إعادة الإنتاج الخالص. إذ بما أن الشفرة تمكننا من تجاوز
الواقع فان إمكانية غربية تنبثق يسميها ليوتار إمكاينة العودة
إلى الوراء مما يعني اختفاء الهدف أو النهاية بحث لا يوجد شيء
خارج النظام الذي يصبح تحصيل حاصل. فالأصل ليس شيئاص أو كائناً
أصلياً بل مجرد معادلات وإشارات مشفرة وأرقام وإذا علمنا أن
الأصل في الاستنساخ هو مبدأ التكوين وليس الموضوع المنتج فتكون
العودة إلى الوراء ممكنة. الأصلي الأخير المنتج يمكن إعادة
إنتاجه وينمحي الاختلاف بين الأصل والنسخة وينبثق عصر الشبيه.
حتى الموت يمكن تضمينه في النظام أو إن مبدأ العودة إلى الوراء
يعني أن الموت لا يحدث في الحقيقة.
من ناحية اجتماعية بدأ عصر
الشفرة يتسرب إلى النسيج الاجتماعي وأحد أعراض ذلك هو انهيار
المتضادات فلا يمكن اتخاذ قرارات حول أي شيء: الجميل والقبيح
في الموضة واليمين واليسار في السياسة والصادق والكاذب في
وسائل الإعلام. كلها تصبح قابلة للتبادل في عصر إعادة الإنتاج
والمشابهة.
قد يبدو لنا بودريار
مبالغاً في كل شيء لكني أتساءل هل أن الواقع الذي نعيشه والذي
لا نمتلك امكانية التخطيط له ولا ننجح في فهمه اقل غرابة
ومبالغة؟ هل يمكن أن نصدق ما حدث ويحدث في فلسطين؟ ألا نشاهد
الأحداث أمامنا كل يوم فيتعامل بعضنا معها كما لو كانت فيلما
سينمائيا؟ لقد كانت حرب الخريج حرباً مأساوية قذرة بالنسبة لنا
هنا في العراق والعالم العربي في أغلبه لكنها كانت فيلماً
سينمائيا مليئاً بالمغامرات بالنسبة لمشاهدي CNN في الغرب
والولايات المتحدة على وجه الخصوص حيث كانت الحرب فرصة للتخلص
من عقدة فيتنام في اللا وعي الامريكي. ولربما كان ما حدث في 11
أيلول لا يزيد عن كونه فيلماً سينمائياً بإخراج هوليودي لتحقيق
المزيد من المكاسب للولايات المتحدة أو لتنفيذ سياسات آن
الأوان لتنفيذها.
8) خاتمة
لقد دارت دورة الحداثة
وتحولت إلى ما بعد الحداثة وما كان للحداثة بطروحاتها التي
اشرنا إليها في بداية هذه الورقة (مبحث 2) الا ان تنتهي إلى ما
انتهت إليه في ما بعد الحداثة بكل ما فيها من ازدواجية
المعايير واللا تمايز الأخلاقي لغياب المرجعيات ونسبية الحقيقة
والتلاعب بالقحائق. لقد ادت اولوية الإشارة والورة وإمكانية
التلاعب بها وتغيير وتهميش كل ما حولها من سياق، بدءاً
بالافتراضات الأولية وانتهاء بالنتائج النهائية مروراً بكل
المعطيات المهمة الأخرى، إلى القدرة على التأشير على الأفراد
والجماعات وتغيير قناعاتهم كيفما اريد لها أن تتغير بالضبط كما
تنبأ السفسطائيون قبل أكثر من الفي عام ونصف.
ومهما يقول بعض منظري
الغرب من دعاة العودة إلى الحداثة واستكمال المشروع الحداثي
فإننا نعيش فعلياً في عصر تغلب عليه سمات ما بعد الحداثة التي
تتم الاستفادة منها للتحكم بمصائر الأمم والشعوب برضا أو تواطؤ
بعضها في حالات معينة.
علينا أن نكشف الحكاية أو
السرد العظيم وراء المبادئ واليم والغايات التي يدعو إليها
الغرب وأن ندرك الغايات التي يحاول الوصول إليها. علينا كذلك
أن نعي أهمية الصورة والشبه في حياتنا وأن نعرف أن جزءاً
كبيراً من حياتنا تحكمه وسائل الإعلام. علينا أن نحسن استخدام
هذه الصورة الشبه لتطوير حياتنا في التربية والثقافة والإعلام.
وأن نثق بقدرتنا على فهم الدرس الحداثي وما بعده وأن نكرس جهد
الباحثين لدراسته بتعمق وبروح عليمة حتى نتمكن من التعامل مه
بكفاءة لكن من دون أن نفقد كياننا فيه. هذا مشروع لجهد يتوزع
على عددد من المفكرين والباحثين الجديين والمخلصين عسى أن
يتحقق ويحقق فهماً أعمق وقدرة أكثر على السيطرة على المتسجدات
وتحويلها لصالحنا.
هذه ليست دعوة للقطيعة مع
الغرب؟ دعوة للحوار والتواصل المتكافئ القائم على التفاهم
والتوعية بين لاعبين يحاولون تحقيق غايات إنسانية سامية لا
مجرد منافع مادية مؤقتة.
المصادر
.......................
جان فرانسوا ليوتار، الوضع ما بعد الحداثي، ترجمة احمد حسان،
القاهرة: دار شرقيات، 1994.
Baudrillard, The Gulf War did not Take Place. Trans. Paul
Patton, Bloomington: Indiana university Press, 1995.
Habermas, Jurgen, Modernity versus Postmodernity, in The
Continental Aesthetics Reader. Ed. Clive Cazeaux, London:
Routledge, 2000.
Lyotard, jean-Francois, Lessons on the Analytic of the
Sublime, Trans. E. Rottenberg. California: Stanford
University Press, 1994.
Rawls, John, The Law of Peoples, Cambridge: Harvard
University Press, 1999.
Spencer, Lloyd, Postmodernism, Modernity, and the Tradition
of Dissent, in The Cambridge Companion to Postmodernism. Ed
Stuart Sim, London: Routledge, 2001.
Taylor, Charles, Sources of the self: The Making of Modern
Identity, Cambridge: University press, 1998.
….........................
(*) الاستاذة فاتنة حمدي، استاذة الفلسفة المعاصرة في كلية
الآداب/ جامعة بغداد.