الحضارية «دراسات فلسفية»

 الإثنين: 23/03/2009

 

آلــهـة الفلاسفة وهوى العلماء

د. عباس حمزة جبر
(خاص للمعهد)

 

مقدمة

   ما أن بلغ المخلوق البشري إنسانيته حتى انخرط في تأمل لم ينقطع، على مر العصور، في معنى الربوبية. ويرى عالم اللاهوت الراحل بيير تيفينا أن من النادر العثور على فلسفة لم تأخذ القضايا اللاهوتية مأخذ الجد في تأملاتها وأبحاثها (1)، أذ وجد أرسطو في اللاهوت قمة مايمكن أن تصل اليه الميتافيزيقيا، أما الرواقيون فقد عرّفوا الفلسفة بأعتبارها علم الربوبيات والأنسانيات. فيما كان لمقدم الديانة التوحيدية أثرٌ مزلزل لأسس اللاهوت بضيغته الأغريقية. غير أن ديانة الوحي لم تضع حداً للتفكير الفلسفي ولم تقترح له نهاية، وبقي الوضع في مهب أعاصير فكرية تشتد حيناً وتخفت أحياناً حتى عصرنا هذا...

   ويجدر بنا القول هنا بأن الفكر التوحيدي القائم على ديانة الوحي أستطاع أن يحاصر  الأنماط الوثنية في التفكير (2) وأطاح (ببعل) كل من حاول أن يجتزئ فكرة الاله وفق قياسات تفصيل تلائم المقاس الأنساني. ويتمثل هذا الأنجاز في تجاوز أي توجه ثيوصوفي (أشراقي) يهدف الى الأتحاد بالرب، وتعدي أي أتجاه وثني حتى ذلك الذي أعتبر العقل الأنساني الهة. وتقود ديانة التوحيد، دون أدنى لبس الى الأعتراف بإله أبراهيم وأسحق ويعقوب وليس الهة الفلاسفة أو هوى العلماء وولههم. ومن هنا فأن رسالة الوحي أدت دور المطهر من أي خلط أو تطابق يمكن أن يخطر على البال بين نموذجي الالهين، وعملت على أن لايعلو أحدهما على الآخر فيفسد الرجاء الأنساني. من هنا القطيعة الكبرى مع طموح الفلاسفة في جعل العقل أو الطبيعة مصدر الهام الفكر, أو أن يكونا في توائم ومشاركةٍ مع الله. ولعل هذا الأمر هو الذي دفع تيفينا الى التصريح بأن "الله لم يتخذ غير طريق رسالة الوحي سبيلاً لمس شغاف قلب الأنسان، مع أن مقدوره أتخاذ طريق الفلسفة"(3). ومقابل ذلك فإن ديانة الوحي لم ترفض التفكير والتفلسف بل تسعى جاهدة لإحداث تغيير في أنماط التأمل الأنساني. وعلينا أن نتفحص هنا أساليب مقاربة العقل لفكرة الربوبية بعيداً عن شروط الأيمان الديني.

 

أ- إلــه الفــلاسفــة

أسّس اللاهوت ومبادئه بأيد أغريقية. بيد أن أقتراب الأغريق من هذا العلم كان يأتي من مقام تفلسفهم قبل كل شيء. ولم يجد هؤلاء تعارضاً بائناً مابين الفلسفة واللاهوت، أذ ولد هذا من رحم تلك، أو أن اللاهوت كان قد  أبصر النور بأعتباره فلسفة أو علماً فلسفياً في لبّه, الى جانب علوم الفيزياء والأخلاق والمنطق. ويعلل المؤرخون أختفاء التعارض مابين العقل والأيمان عند الأغريق بحقيقة أن التدين اليوناني لم يأت من نمط مشابه لما هو معروف في عصرنا هذا من صروف التدين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم يفهم الأغريق العقل بأعتباره كينونة مستقلة بل هو في تشارك مع الربوبية، أو لنقل أنه جوهر متصالح مع جوهر الأشياء، أو هو إله كونٍ أو طبيعةٍ حين يتسنى للفيلسوف أجتراح دروب مختلف الأفكار المتعلقة بالصيرورة أو المادة. من هنا تجاوز أوائل الفلاسفة الأغريق الجذر الأسطوري للوجود ويمموا وجوههم شطر أصلٍ منطقي. فبدل البحث في كيفية ولادة الأشياء من اله المحيطات وجد طاليس في الماء مبدأ أولياً للخلق، فيه صور الموجودات والمعلومات كلها وبأعتباره وجوداً أنبساطياً. مثلما يلحظ صدر المتألهين صدر الدين الشيرازي في كتابه الحكمة المتعالية (4). أو هو اله الفكر مثلما قال به أنكزاكور. وهكذا دُسَّ في باطن الوجود المرئي مبدأ منظم ومنتظم جرى تجديده بعد ذلك على يد أفلاطون والرواقيين ثم أفلوطين من بعدهم حيث غدا الله مبدأ الأدراك والفكر أو هو عقلٌ بالقوة, جواني وأخلاقي جعل المدائن تفقد الهتها المتعددة المبعثرة.

أما سقراط فقد وجد للاله مكانة قصوى في باطن الوعي الفردي وبأعتباره مصدر الأخلاق ذات البعد الكوني، ثم هنالك الاله اللانهائي الواحد حين دفع أفلاطون لاهوت الأغريق الطبيعي الى أن يتفجّر من داخله ويتشظى. فبحسب أفلاطون لايمكن أعتبار تطابق هوية الفكر intelligence مع الاله قمة مايبغيه العقل, أو أن يعد مبدأ أولياً, ذلك أن الفكر أو الذكاء أنما ينتظمان من خلال أتصالهما بــــ(الأول) الذي يعلو بصمديته على حادثة الكون. هنا أدرك اللاهوت الأغريقي الذروة. ثم أعاد أفلوطين أدخال الأصل اللاهوتي حين أرجع الأدراك الى نسبٍ الهي وبأعتبار أن الله الأحد هو المصدر المطلق لأي فهم. ولم يكن يدور في خلد أفلوطين وهو يخطو مثل هذه الخطوة التقليل من شأن الأدراك بل أراد أن يعيد موقع هذا الأدراك في علاقته مع الاله الصمد. وهكذا جرى الأفتراق ما بين الاله وكينونة العالم.

ومثلما ينطبق هذا التسلسل التطوري على الفلسفة قبل رسوخ مبدأ الوحي, فأنه يطال تطور الفكر لاحقاً، مروراً باسبينوزا حيث لم يعدو الأمر عن أن يكون أكثر من عمليات ربط وتفكيك للحدود في هذه المعادلة.

لقد عمد أسبينوزا ذاته الى أعطاء الاله الفلسفي المفهوم الأشد ثراءً حين أكد في حلوليته على الأرتباط النهائي بين أفكار الاله- اللانهائية-الفكر-الكون Deus sive natura : أي أن الجوهر الأوحد واللانهائي هو فكر وأمتداد. وهنا تعلق الأمر بطبيعة غير طبيعة الأغريق وفيزيائهم وبمادة غير تلك التي تخيلوا ذراتها. ومع الفيزياء الرياضية والميكانيكا التي عمل عليها ديكارت نجد أنفسنا قبالة ماأطلق عليه مؤرخ الفلسفة أميل بريهه تألق المادة التي غدت معقولة ومدركة بشكل جليّ وحاسم وبأمتياز. وهذا يعني أن الاله هو الطبيعة، أو هو الأمتداد اللامتناهي للكون (جيوردانو برنو)، وهو ما يقود أيضاً الى الأعتقاد بأن الله أصبح هو مبدأ المعقولية الكلي.

وبهذا فقد صار القرن التاسع عشر الأوروبي بحق عصر المذهب التأليهي الذي يقّر بوجود الله ولكنه ينكر الوحي القادم من لدنه ويتغاضى شكاكاً بالآخرة. وهنا فأن هذا المذهب يعد أساساً لما أصطلح عليه بالدين الطبيعي الذي مثل أنتصاراً لآلهة الفلاسفة. غير أن هذه الآلهة ما كانت لتكون الا الهة عقلانيين أرادوا نحت وثنٍ فكري لم يلبث أن كشف عن هلاميته بعد أن زعزعت الفيزياء الحديثة في القرن العشرين مبادئ العقلانية الكلاسية. وهي الهة تختلف أيما أختلاف عن اله الوحي لإنكار القائلين بها فكرة الغيب. وهكذا عمل فلاسفة مثل لبنتز ولوك قبل هذا على صياغة نمط من المسيحية خلواً من أي غموض أو طقوسية. ومن هنا ولدت أسس الفلسفة الوضعية، بعد ذلك بقرن على يد أوغست كونت.

أن القائل بالمذهب التأليهي Deisme يريد رباً أعلى يمكن الأعتقاد بوجوده بطريقة معقولة ومتلائمة مع معطيات نظرية المعرفة كما بدت في زمانه، ودون أدنى قبولٍ لفكرة الغيب أو الوحي. بيد أن هذا النمط من الأعتقاد أفقر ولاشك الفلسفة من فضائها الرحب الذي تمثل في مقولة الأمتداد والأفق المجهول. وبالمقابل ظلت ديانة الوحي قادرة على محاصرة مثل هذه التوجهات لأنها تمنح تعالياً على كونية الهة التأليهيين. ولأن اله الديانة التوحيدية اله (خالق) يسبق وجود العالم وعدمه وقادر على أن يوحي لتاريخ الخلق وبشكل متتابع بما يجعل من سياقات التطور خاضعة لإرادة تسبقها دون أن تعتري هذه الأرادة عقبات المادة وعوارضها، لهذا فأن الروح الخلاق يخترق صفحة المادة مثلما يقول بيرغسون في كتابه التطور الخلاق. لبعث الحياة في الأرجاء كافة.

ومن هنا فقد شدد رهط من اللاهوتيين المحدثين على الفصل مابين الاله وكينونة العالم تجنباً لأي سقوط محتمل في فكرة الكمون، وبهذا فأن فكرة الاله صارت تتعالى من جديد على صيرورة العالم وعلى الأدراك وتمظهراته وعلى الكون وتقلباته ولكن من دون أن يكون هنالك فراق تام بين الأثنين. وفي ضوء علم التأويل الحديث أصبح ممكناً قراءة الاء الالوهية عبر كينونة العالم وصيرورة العقل وبما يسمح بأكتشاف المزيد والمزيد من هذا النور الخالد الذي يتجاوز في وجوده كل شيء، وهو نورٌ لايفهم الا من خلال (قرآن) هذه الالاء وعلى ضوء رسالة الوحي تحديداً. وبالمقابل ترسخت صفتا اللانهائية والوحدانية في ذهن اللاهوتيين المحدثين وهم ماضون في حواراتهم الشيقة مع الفلاسفة والعلماء (5).

   تجدر بنا عند هذه العتبة من النقاش أن نؤكد أن اله الديانة التوحيدية سيدخل من الآن فصاعداً على الفكر الفلسفي ليس كشيء قابل للتأمل أو المعرفة, بل كأعتراف وتسليم فهو الفاعل المؤثر في شيئية الأشياء. وما أن ينفتح العقل الأنساني على الحضرة الالهية حتى تتغير معالم وطرق التفكير حول معنى الوجود الأنساني بل وحول الوجود برمته. وسيدرك هذاالعقل أن لا مجال للتعالي وهو بأزاء هذه الحضرة أو أن يتمثل بها (أفلاطون)، أو أن يسعى الى خلود خارج أرادتها (أرسطو). أو أن تنفصم الأنا عن العالم بقوة مكرها وأرادة قوتها (نيتشه). ومن هنا فستعمل الفلسفة على تشظية الوهية الأدراك والأرادة واللغة والضرورة المنطقية لابل وحتى البداهة. وبعبارة أخرى فأن أكتفاء التفكير الأنساني بذاته (المدارس المادية) سيقود الى ردبٍ لايمكن أتقاءه الا بالأنشغال الدؤوب بأستجلاء ماهية الالوهية والأتجاه صوب دروب ترقي وتطور الحياة على هدى ذلك القبس الخالد. ولقد سبق للقديس أوغسطين ، على سبيل المثال أن خلُص الى حقيقة فصام الأرادة الأنسانية وتشظيها الدائم، الذي لايمكن أتقاءه الا برحمة من الله، ولأن سبل الأرتقاء بأتجاه الحضرة الالهية وديمومتها لا يأتي الا بمجاهدة النفس وبكسر دفة الوثنية وقيود الرغبة التي تعشش في جزئيات العالم والتخلص من العلو والفساد في الأرض (6).

   وحيث أستطاع أفلاطون أن يفجر الأدراك وهو في قمة سموه فأن أوغسطين عمل على تشظيته من أساسه. وهنا يحيلنا بيير تيفينا الى مفهوم تشظي اللغة. ذلك أن كتب الوحي ما درجت على أعتماد صور المحسوسات الا لأن رحمة الله أرادت أن تسع كل شيء، فالوحي عبارة عن تفجر وأنبثاق للغة حيث تضرب الأمثال حفاظاً على المسافة الفاصلة ما بين الأنسان والحضرة الالهية، ولأن هذه الصور تجعل الأدراك العقلاني أكثر مطاوعة لجدل التناسق- اللاتناسق الذي يحكم عالم المادة، ولأن هذه الصور ستعبّر عن مفارقة الالهي للكوني لأن الله يدرك الأبصار ويختار منظومة شديدة التعقيد من فعل الأيحاء ولأن جميع ما يحيطنا من أشياء هي أجزاء من الرسالة (7).

 ***

    الى جانب تشظي اللغة تفرض ديانة الوحي على الفلسفة تشظياً من نوع آخر، هو ذلك الذي يطال الديالكتيك. فلقد أعتقد ديالكتيكيو القرن الحادي عشر أن بضاعتهم مكتفية بذاتها وأن بالأمكان الحديث والتفكير على وفق قواعد البيان والمنطق حصراً ودونما حاجة الى الوحي، فيما وجد القديس أنسليم في حججه الأنطولوجية أن ما من أبن أدم بقادر على التفكير بشكل محايد، وبأن الديالكتيك لا يتمتع بصفات مطلقة. أما دون سكوت فقد جعل من أرادة الله قاعدة أي نظام وبما يعني تفكيك خلود الكينونة ونظامها الذاتي المستقل (8). ولعل آخر هذه التشظيات هي تلك التي طالت جلاء البداهة على يد ديكارت: فأذا كان الرب خالقاً حراً يفعل بحقائق الأشياء مايريد،فهو قادرٌ أذا على أن يخدعني وبما يخفي عني حقائق ويمنع عني كرم الهداية. ومن هنا فأن ديكارت يوجب على الأدراك الأنساني أن يجد طريقة بأتقاء الله، ولذا فقد قال مقولته الشهيرة: "أن الملحد غير قادر على أن يصبح مهندساً فذاً" (9) من كل ما تقدم يمكن القول أن مستقبل الفلسفة سيبقى أنساني الطابع ومحكوماً بالحجج الأنطولوجية التي تحيل الوعي الى سؤالٍ مطول عن حقيقة ديمومة باحثة مثلما يقول أبن عربي عن "الله الذي يظهر في الأيمان القلبي وهو الله الذي يتجلى للقلوب فتعرفه" (10).

 

ب- هوى العلماء والبحث عن المعنى

في العام 1962 ظهر في ميونخ كتاب كارل ياسبرز الأيمان الفلسفي قبالة الوحي (11)، الذي أراد من خلال فصوله أن يبين أن الأيمان الفلسفي قادر على الدخول في حوار مطول مع ديانة التوحيد وكذلك الأنظمة العلمية الحديثة. ولكن هل حقاً يمكن إيجاد حقل موحد يجمع العلماء والفلاسفة واللاهوتيين ؟ يعتقد ياسبرز بمثل هذا الأمر شريطة التعامل مع متعدد الأفكار وتناقضاتها على أنه أمرٌ لا مفر منه، وأن لا يمكن بحال سبك أنماط التفكير الأنساني، على تنوعه، في قالب من عقلانية ضيقة، بل يجب أعتماد صيغة تحاورٍ دؤوب يتحول الى تعقل جامع لأتجاهات العقول دون أي طموح للأنخراط في نظام شمولي، فالشمولية تسير نحو حتفها حين تدرك أستحالة أدراك أجابة قاطعة ونهائية على صفوف التساؤلات التي يطرحها الكائن البشري، أذ كيف يتسنى الحديث بصيغ مرتبطة بهذا العالم المعاش وبخطاب مستل الأجزاء من هذا العالم عن ما هو مجاوز ومفارق ومتسام ؟ ترى هل حقاً يمكن الأعتقاد بوجود  هذا المجاوز وبأنه يتحدث لنا دون وحي أم أنه لابد أن يتحدث لنا بصيغة وحي قاطعة ؟ أن محاولة للأجابة عن مثل هذه التساؤلات تتطلب الأقرار، بحسب ياسبرز- أبتداءٌ- بأن العلوم الحديثة أنما تعد قوانين ما تيسر لنا من معرفة بالطبيعة هي عماد منظومة النقد critique الذي ينفي بشكل حاد التوجه الديني في التفسير، وعلى أعتبار أن مثل هذا النمط من التفسير أنما يحيل العقل الى أجواء أسطورية والى عماءٍ فكري. بيد أن علماء محدثين من أمثال رايمون رويير (في البيولوجيا وعلم الأجنة) وديفيد بوهم (فيزياء الكون) رفضوا رفضاً قاطعاً مثل هذا التوجه حيال الدين وأصروا على أخراج ثنائية العلم والدين من هذا المأزق لقدرة الخطابين على تحدي بعضهما البعض، بما يعني تكافؤ الحجج. وسنرى في البحث اللاحق كيف يعتمد منهج رايمون رويير على نوع من التصادم الولود مابين الأيمان بالله والمفاهيم العلمية المعاصرة من دون أن يبقي للعلم مايجعله مناهضاً أزلياً للتدين. ولذا توجب، بحسب رويير، بناء معمارٍ تأليهي شديد الحيوية يقدم للأنسان المعاصر بديلاً عن برودة الثقافة الحديثة، التي ورثها عن العقلانية الكلاسية(12).

   ولكن كيف تسنى لعالم بيولوجيا مثل رويير أن يجعل التوافق مابين العلم والدين أمراً معقولاً ؟ لم يكن شغف رويير منصباً   الا على أخضاع مايتلقاه من معارف علمية الى نمط حاد من التأويل لأنه كان يخشى الأنتماء لأي نظام فكري. فهو يعتقد أن في الرموز وأنظمة ترميز الأشياء قدرة على توحيد سياقات التفكير على تبعثرها. وهنا يذكرنا الأمر بأفكار ياسبرز عن مفهوم التشفير الذي تتعشق بموجبه الأشياء في كوننا لتنتظم بعد ذلك في عناقيد وأشكال مرئية (13).

على أن رايمون رويير لا يحبذ القفز من دائرة العلوم الى الفلسفة، فهو يفضل أستنطاق التجارب والمقولات العلمية ثم أحالتها الى مايلمسه من أنظمة ترميز جامعة. وهو مدفوع لمثل هذا السياق من المنهج لأشادته الدائمة بأنتصارات العلم الحديث ولثقته في أن البحث العلمي قادرٌ على أكتشاف الحقائق وبناء المعرفة الضرورية لأي كشف لاحق. ويعتقد رويير جازماً بأن للعلم قدرة فذة على وصف ماهو موجود، ولأنه حركة معرفية أستطاعت تدشين تفسير أو قراءة متقدمة لكلية ماهو موجود ومرئي ويتبقى على مثل هذه القراءة ربط هذا المرئي بما هو أبعد منه أفقاً. ولأن الحقيقة النظرية هي ليست الا جزءاً مستقلاً من حقيقة الكائن فأن قوانين علومنا لابد أن تجد لها مسارب أتصال مع مصدر هداية أشد سطوعاً. ومن هنا فأن هذه المسارب علمية كانت أم فلسفية أم لاهوتية لايمكنها التقاطع النهائي لدرجة أن ينفي بعضها البعض الآخر نفياً نهائياً. لا بل أن هنالك نقاط أشتباك تجعل من الحقيقة العلمية والميتافيزيقية والأخلاقية في باقة معرفية واحدة . ومن هنا فأن الأنظمة الفكرية المتباعدة ليست بالضرورة في حالة أنقطاع عن بعضها البعض. وهكذا سيبدو لنا نمط تفكير رايمون رويير في تعارض مع غاستون باشلار، مثلاً، والذي يقول بتضاد الحقيقة العلمية مع الحقيقة الشعرية وهو تعارض لطالما أدام ثنائية بغيضة.

  

 الهوامش:
.........................

1- أنظر بهذا الخصوص: مقالة THEVENAZ Pierre ,"Assurance de la philosophie et inquietude de la foi" in Revue de theologie et de philosophie n.11 Lausanne, 1955, pp. 121-136.

2- ينظر بهذا الخصوص كل من أفلوطين و أكهارت على سبيل المثال للحصر.

3- Ibid.

4- صدر الدين محمد الشيرازي: الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة. الجزء الخامس, الناشر طليعة النور, ذي القعدة 1425 , قم, صفحة 162.

5- ينظر بهذا الخصوص: C.-A.  van Peursen, "Philosophie et theologie" , in Revue de theologie et de philosophie, op. cit. pp. 106-110.

6- أنظر بهذا الخصوص إتين جلسون : روح الفلسفة في العصر الوسيط, عرض وتعليق دكتور إمام عبد الفتاح إمام. مكتبة سعيد رأفت القاهرة 1972 الصفحات 43-65 .

7- Pieere THEVENAZ , op. cit.

8- أنظر بهذا الخصوص: دكتور عبد الرحمن بدوي, فلسفة العصور الوسطى. دار القلم بيروت –لبنان 1979 الصفحات 65-78 و173-180 .

9- GREISCH Jean , Ontologie et temporalite , ed. PUF. Paris, 1974, p. 145-147.

10- أنظر بهذا الخصوص: J. – L. VIEILLARD – BARON , Bergson , la duree et la nature, ed. PUF. , Paris, 2004, pp. 22-23.

11- أنظر بهذا الخصوص:Jean – Pierre LEYVRAZ , "Karl Jaspers : La foi philosophique devant la revelation" in Revue de theologie et de philosophie, n. XCV11e Annee, 1964 -1 , p. 25.

12- أنظر الفصل الأول من هذا الكتاب وبالأخص المقالة المخصصة لـ رايمون رويير و فلسفة البنى المتطورة.

13- Jean – Pierre LEYVRAZ. Op. cit.