الحضارية «دراسات فلسفية»

 السبت: 21/03/2009

 

السلطة، الديمقراطية، المجتمع المدني

من منظور

أرسطو ، جون لوك ، مونتسكيو

 

عدي حسن مزعل
(خاص للمعهد)


مقدمة:

   لا شك في أن الديمقراطية كفكرة برزت في فترة تاريخية معينة لم تكن نتيجة ترف فكري، بقدر ما كانت نتيجة لأوضاع وظروف عاشتها بعض المجتمعات في فترات تاريخية قديمة (كما في الحالة اليونانية) حالة التأسيس الاول لمفهوم الديمقراطية، وحديثة (كما في الحالة الاوربية) التي عمل بعض فلاسفتها على استعادة افكار التجربة الاولى للديمقراطية اليونانية. أن اهم ما يميز تلك الأوضاع التي أدت إلى بروز مفهوم الديمقراطية، هو احتكارالسلطة أما من قبل فرد واحد (ملك) او من قبل فئة معينة كـ (طبقة النبلاء). وهو احتكار آل الى تردي الاوضاع وممارسة الظلم والتعسف تجاه المجتمع. ولاغرابة في ان تؤول اوضاع المجتمع (كل مجتمع) الى هكذا حال، مادام ليس هناك سلطة ثانية تحد من سلطة الفرد الواحد أومن سلطة الفئة الغنية.

    ومن هنا، من طبيعة ممارسة السلطة وما آلت إليه الأوضاع في ظل هكذا ممارسة نشأت الحاجة الى ايجاد صيغة تحد من التفرد في اتخاذ القرار. تمثلت هذه الصيغة في  حل الأشكال الحاصل بين السلطة والمجتمع بين نزوات واهواء الحاكم وبين حاجة ومتطلبات المجتمع بين التفرد في السلطة وبين المشاركة الفعلية من قبل المجتمع بين من يؤسس لمفهوم خليفة الله في الارض أو الحاكم الشرعي أو الدولة أنا (لويس السادس عشر) وبين من يعمل على اقتلاع هذا المفهوم من جذوره وبيان مدى زيفه وتهافته.

    الصفة الأولى والثانية لطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع هي الصفة الأساسية التي سادت في الفترة اليونانية القديمة، والتي عمل بعض الفلاسفة (نقول بعض الفلاسفة لأن ليس كل فلاسفة اليونان دعاة ديمقراطية كما هو الحال مع سقراط وافلاطون الذين عرفوا بنقدهم للديمقراطية) والسياسيين اليونان على اعادة ترتيبها بشكل تكون فيه العلاقة بعيدة عن التفرد في الحكم. ولا مخرج لهذه العلاقة سوى التأسيس لنمط جديد من انماط ادارة السلطة. نمط يعتمد على المشاركة الفعلية للشعب او الجمهور. وتلك هي الديمقراطية اول صيغة للحكم شهدته اليونان وشهده تاريخ البشرية.

أولاً: ديمقراطية أثينا مرحلة التأسيس

     تعد مدينة أثينا، واحدة من ابرز المدن اليونانية، في القرن الخامس ق.م. ففي الفترة الواقعة ما بين القرن الثامن والخامس ق.م، شهدت هذه المدينة الواقعة في شبه جزيرة اتكا المعروفة بجوها النظيف ومناخها المعتدل[1] بروز تجمعات صغيرة متلاحمة في مابينها، كانت خاضعة لنمط من انماط السلطة القائم على اساس تراتبية هرمية يكون على راسها ملك او زعيم قبيلة. الا ان هذا النمط في الحكم لم يدم طويلاً، وذلك نظراً لصعود حكام اتصفوا بالاستبداد والهيمنة، كما اتصفوا بتمثيل مصالح الفئات الغنية المالكة للأرض والمسيطرة على اعمال التجارة. وهذا الوضع لم يدم طويلاً ايضاً بسبب الضغط الذي تعرضت له الفئات المالكة للارض والمال من  قبل الفقراء[2]، ضغط وصل الى ذروته في بداية القرن السادس ق.م، ونتج عنه فيما بعد اصلاح الاوضاع الاقتصادية عن طريق قانون (رفع الاعباء) الذي تم بموجبه الغاء كل الديون المترتبة على المزارعين، وتم بموجبه ايضاً تحرير المزارعين من العبودية[3]، وبعبارة اكثر ايجازاً تم وفق هذا القانون اعادة النظر في القوانين القديمة التي كانت موضوعة في الأصل لصالح الأغنياء فقط بقوانين اخرى تطبق على جميع الطبقات (اغنياء ام فقراء)، ومن دون اي تمييز بينهم.

   هذه التغيرات التي حصلت في بنية المجتمع الأثيني كانت نتيجة للحراك الاقتصادي والصراع الاجتماعي الذي شهدتها هذه المدينة، والذي ادى فيما بعد إلى تقديم جملة من التنازلات للحفاظ على توازن القوة بين الطبقات[4]. ذلك ان التنازلات التي حصلت بفعل الضغط على الطبقات المالكة لراس المال جعل اثينا تجتاز مرحلة هامة من التطور، عرفت خلالها اصلاحات كبيرة ادت في نهاية الامر الى تطوير البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بشكل وصلت فيه اثينا الى درجة متطورة من الازدهار السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي كان له الاثر البالغ في خلق اجواء فكرية مناسبة للأابداعات التي قدمها الأثينيون في الفعل الحضاري اليوناني.

    ولا غرابة في ان تصبح اثينا مدينة مزدهرة وفاعلة بالنسبة الى بقية المدن، فالتطور على المستوى الاقتصادي والاجتماعي لابد ان يفرز تطورات اخرى، ولابد ان ينتج اشكال مغايرة من النظم السياسية والطبقات الاجتماعية للنظم التي كانت سائدة سابقاً. اي أن البنية السائدة هنا هي بنية مغايرة تماماً للبنية السابقة. ومن الطبيعي لهكذا حراك ان يزدهرمستوى اخر لا يقل أهمية عن المستوى الاقتصادي والسياسي. هذا المستوى هو ( الفكر). ففي القرن الخامس ق.م وبعده برزت لأول مرة في تاريخ اثينا  مدارس فلسفية، كما برزت شخصيات فلسفية مهمة تتناول بالدرس والتحليل مختلف الظواهر والمفاهيم (العالم، المجتمع، العقل، النفس، الله ، اللغة، السياسة، الاخلاق، الخطابة،...الخ).

    كل هذا الحراك والتطور على مختلف المستويات كان بحاجة الى نظام او قوانين تضبط المجتمع على مختلف قطاعته. فمن الناحية السياسية لابد من وضع نظام يضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم بين الفرد والسلطة ، خصوصاً بعد صعود طبقات اجتماعية جديدة اصبح لها دور في الحياة السياسية.

    لا بل أن هذه الطبقات تعدت هذا المستوى الى مستوى اكثر حضوراً في المجتمع تمثل في ان اصبحت " ركناً مركزياً من اركان الدفاع عن الجماعة "[5]. وما ينطبق على الناحية السياسية ينطبق ايضاً على الناحية الاقتصادية.

     وبفعل هذه التطورات والتغيرات تم التأسيس لنظام جديد مغاير للنظام القديم . لقد اسهم في بناء هذا النظام بعض السياسيين الأثينيين امثال صولون (640-550 ق.م) اذ عمل هذا الاخير على تدشين جملة من الاصلأحات من ضمنها قانون رفع الأعباء الذي تحدثنا عنه سابقاً، بالاضافة الى اقامة دستور مبني على أساس أربع ركائز، هي:

1-  مجلس شيوخ يتكون من تسعة حكام يتم اختيارهم عن طريق القرعة من بين الأسماء المختارة داخل كل قبيلة. ويتمتع أفراد هذا المجلس بالسلطات العليا كسلطة الحاكم الأول وسلطة الملك الإسمية وسلطة آمر الحرب وسلطة المشرعين الستة.

2-  مجلس شورى مكون من أربعمئة عضو مختص في مناقشة التشريعات التي تعرض على الجمعية العامة . وهذا المجلس ياتي في المرتبة الثانية بعد مجلس الشيوخ.

3- جمعية عامة يتم اختيار افرادها كل سنة . مهمتها محاسبة اي موظف عن سلوكه في الوظيفة، كما لها الحق ايضاً في حرمان اي شخص من حق عضوية مجلس الشيوخ.

4-  هيئة حكام مكونة من ستة الاف محلف يتم اختيارهم بالقرعة. ومن هذه الهيئة تتالف المحاكم على اختلاف انواعها، والتي تعمل على الفصل في الدعاوى والمنازعات حتى تلك المتعلقة بالدستور[6].

شهدت اثينا بعد حكم صولون العديد من التطوارت في نظام الحكم كان اهمها تلك التي عمل (بيركليس) " زعيم الديمقراطية الأثينية "[7] في القرن الخامس ق.م على تدشينها داخل المجتمع الاثيني.اتصفت سياسة هذا الاخير بالحكمة والاعتدال لدرجة ان اثينا بلغت في عهده " اعلى درجات التقدم في ممارسة الديمقراطية والإبداع الأدبي والفني والشعري والفكري"[8]. يتضح هذا التقدم في الممارسة السياسية لدى الشعب الاثيني في خطاب لبيركليس يصف فيه طبيعة الديمقراطية التي كانت سائدة في اثينا، ويمكن اختصار أهم مضامين هذا الخطاب في:

1- تمكن النظام السياسي في اثينا من خلق أنموذجه الديمقراطي الخاص بعيداً عن تقليد اي نموذج سياسي للحكم مجاور لأثينا.

2- الدستور القائم في اثينا يحمل اسم الديمقراطية، ما دامت السلطة القائمة بأيدي الشعب كله لا بين أيدي أقلية ما. (وهذا هو جوهر الديمقراطية الاثينية) -العبارة من عندنا-.

3- جميع المواطنين متساويين امام القانون لا فرق بين شخص واخر في تولي منصب أو تحمل مسؤولية عامة. فالمهم في هذا الشخص ليس انتسابه الى طبقة معينة بقدر ما يهم امتلاكه القدرة والقابلية على ادارة الشأن العام وتحمل المسوؤلية.

4- المواطنون في اثينا احرار ومتسامحون وملتزمون بالقانون في حياتهم. فالقانون يحظى بالطاعة والاحترم، كما يحظى الذين يتسلمون مواقع في السلطة.

5- في النظام الأثيني كل فرد يهتم بشوؤن الدولة، لا بشؤونه الخاصة فقط. وهذه الصفة واحدة من ابرز خصوصيات المواطن الأثيني. ذلك ان المواطن الذي يعزف عن الأهتمام بالشان السياسي مواطن ليس له أي عمل بالمطلق في المجتمع الأثيني.

  6ـ يتصف المواطن الأثيني بروح المبادرة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالتخطيط والسياسة، ويتصف ايضاً بإخضاع هذه القرارات للنقاش واشباعها بحثاً ونقاشاً للكشف عما قد ينتج عن هذه القرارات من خسائر أو أرباح[9].

    يمثل خطاب بيركليس الذي عملنا على أيجاز أهم مضامينه، وثيقة مهمة عن طبيعة الحياة السياسية في تلك الفترة. تلك الحياة التي لم تدم طويلاً بفعل عدة عوامل منها ما هو دخلي كما تمثل ذلك في طبيعة جهاز الحكم الذي غلب عليه طابع التقسيم المؤسساتي غير المركزي، وهو ما أدى الى ازدياد الصعوبات في ادارة الاقتصاد لدولة تمتلك تجارة واسعة[10]. يضاف الى هذا العامل عامل خارجي تمثل في صعود امبراطوريات جديدة عملت على السيطرة على مدن اليونان، وهذا ماقام به الاسكندر المقدوني الذي سقطت اثينا الديمقراطية على يديه سنة 334 ق.م.  وهو سقوط لم يدم طويلاً. ففي عام 214 ق.م تمكن الرومان من الاستيلاء على مدن اليونان بأكملها وضمها إلى إمبراطوريتهم الرومانية[11] لتنتهي بذلك أول ديمقراطية " استثنائية في تاريخ الديمقراطية فكرا ًوممارسة "[12].

 ثانياً: أرسطو والحكومة المختلطة

      لا خلاف بين معظم المهتمين بالفكر السياسي، على ان ارسطو طاليس (384-322 ق.م) المولود في ستاغيرا، احدى المستعمرات الاغريقية على الشاطى اليوناني، هو واحد من ابرز الفلاسفة اليونان استقطاباً للاهتمام والدرس، وذلك نظراً للاهمية التي جسدها كتابه (السياسة) ذلك الكتاب الذي كان نتاج الخبرة السياسية لشعب باكمله، خبرة استطاع العقل الارسطي استلهامها وصبها بشكل مكثف في نظرية[13] سياسية كان لها الأثر الكبيرفي الفلسفة السياسية التي كانت سائدة في اوروبا قبل انطلاق المجتمع المدني[14] في هذه القارة من العالم.

     ترجع أهمية أرسطو في حقل الفلسفة السياسية الى طبيعة خطابه حول الدولة والمجتمع. فالخطاب الارسطي من هذه الناحية هو خطاب علمي وصفي واقعي، يقع بخلاف خطاب استاذه افلاطون (427-347 ق.م). فالأخير كتب في السياسة وفي المجتمع، ولكن من خلال تصور مثالي عن المجتمع وعن السلطة. في حين ان ارسطو كان بعيد عن النزعة المثالية، وعن كل ماله علاقة بالتخيلات والاحلام، وذلك لما اتصف به من براعة في البحث في " أعماق الانسان والمجتمع والسياسة، فكان بذلك أول عالم سياسي وواضع أسس علم السياسة "[15]. والفرق بين الاثنين اي بين افلاطون وارسطو هو فرق بين من يريد الوصول الى الحقيقة الكلية من خلال عالم السماء وبين من يريد الوصول الى الحقيقة عن طريق العالم المادي الأرضي[16]. وهذا هو جوهر الفرق بين طريقتين في التفكير الاولى تعٌرف بالمثالية فيما تعرف الثانية بالواقعية. لهذا قيل ان الناس اما افلاطونيين او ارسطيين نسبة الى طريقة التفكيرالتي يتبعونها من اجل الوصول الى الحقيقة.

      في حديثه عن الدولة وكيفية نشاتها  يرى ارسطو ان النواة الاولى للدولة هي الاسرة التي تنشا من خلال الرجل والمراة اللذين لا يستطيعان البقاء منفردين، لان الطبيعة تفرض عليهما الاجتماع لغرض التناسل. ومن اجتماع الاثنين ينشا البيت، ومن اجتماع عدة بيوت لغايات معينة تنشا القرية. ومن اجتماع عدة قرى، تنشا الدولة التي تعمل على تامين الاكتفاء الذاتي للمجتمع، فضلاًعن تحقيق السعادة[17].غير ان الأجتماع الاول (اي اجتماع الرجل والمراة) ليس هو الشكل الاول المسئول عن بقاء الانسان والمفروض من قبل الطبيعة، بل ان الانسان بطبعه كائن اجتماعي، بحاجة الى العيش مع بقية الناس، وذلك لأجل تامين الحاجات الضرورية للبقاء على قيد الحياة[18]. لهذا يعُرف ارسطو الدولة التي تتشكل من خلال هذه المراحل التي تمر بها المجتمعات البشرية بأنها "شراكة بين جماعة بشرية منظمة ومكونة من أفراد وأسر ومؤسسات مختلفة"[19] تهدف الى "تأمين الاكتفاء الذاتي والعيش الرغيد واعطاء كل ذي حق حقه وتوزيع الرئاسات حسب كفاية الأفراد "[20].

     في حديثه عن العلاقة بين الدولة والمجتمع لم يميز ارسطو بين المجتمع والدولة، فهما واحد. وعدم التمييز بين هذين البعدين هو اساس الانتماء الى المدينة/الدولة. وهو في الوقت ذاته اساس الديمقراطية المباشرة. غير ان هذا لايعني ان ارسطو لم يميز بين دولة /المدينة وبين البيت /المنزل[21] نظراً للحاجة الى اعادة تحديد العلاقة بين المواطن والدولة، وهي حاجة ناجمة عن حالة الانفصال الوظيفي بين الدولة والمنزل، فالبيت واحد، وحدة عضوية مجسدة لرب الاسرة لها ارادة واحدة ومصلحة واحدة، وليس فيه تعددية اراء، في حين ان الدولة تمتاز بالكثرة[22] لأنها ليست فرداً واحداً، ولا هي جمع بين افراد متساوين. وانما الدولة جامع لأفراد مختلفين، لهذا يعترف ارسطو بحق الاختلاف والتعددية، على خلاف استاذه افلاطون، الذي كان يرى في الدولة وحدة واحدة وليس كثرة[23].

  المدينة/ الدولة بنظر ارسطو هي" أشمل رابطة انسانية لانها تحوي جميع الغايات الانسانية. فالمدينة ...هي الثمرة الناضجة والمكتملة للتطور الاخلاقي الانساني"[24]. والمدينة ايضاً هي نمط حياة يفيض بكل مافي الانسان من قيم وفضائل ،ما كانتا لتحصلان لو لا اشتراكهم في حياة المدينة[25]. ولهذا كانت المدينة/الدولة بالنسبة الى ارسطو" ميدان يمكن التعبير فيه عن قابلية البشر على الحياة الأخلاقية المتحققة عبر التشاور والعمل المشترك "[26].

  اما بالنسبة إلى اشكال انظمة الجكم. فقد انطلق ارسطو من ابحاث ودراسات معمقة لمائة وخمسين نظام حكم مختلف. مقدماً بعد هذه الابحاث والدراسات تمييزاً لأانظمة الجكم مبني على الانطلاق اولاً من (العدد) الذي تتكون منه السلطة العليا في الدولة، وثانياً من (هدف) هذه السلطة، فيما اذا كانت تهدف الى المصلحة العامة او الخاصة .

  وانطلاقاً من معيار العدد وهدف النظام المرتبط به، ذهب ارسطو الى ان هناك ثلاثة اشكال من انظمة (الحكم الصالحة) التي يكون هدفها الصالح العام، وهي :

1- النظام الملكي (حكم الفرد الواحد) .

2- النظام الارستقراطي(حكم الاقلية) .

3- النظام الديمقراطي(حكم الشعب) .

      وفي حال انحراف هذه الاشكال الثلاثة للحكم ، بسبب النزوع الى تحقيق المصلحة الخاصة دون العامة، فأنها ستنتهي الى ظهور ثلاثة أشكال اخرى من الحكم تعمل بطريقة تقع بخلاف طريقة انظمة الحكم السابقة. وهي :

1-  حكم النظام الدكتاتوري. ويهدف الى تحقيق مصلحة الفرد الواحد، دون مصلحة المحكومين.

2-  حكم الاقلية. ويهدف الى تحقيق مصلحة الاغنياء قليلي العدد.

3-  حكم الشعب. ويهدف الى تحقيق صالح الفقراء. ويمتاز بتسلط الجمهور كثير العدد[27].

   من بين اشكال الحكم الستة هذه يفضل ارسطو نظاماً مغايراً للنظام الذي كان يفضله افلاطون، اي النظام القائم على حكم نخبة من ذوي المعرفة (المقصود بهم الفلاسفة). وهو ما يعني نقده للديمقراطية لما تنطوي عليه من ضعف وتساهل[28] يؤدي الى صعود فئات غير متعلمة الى السلطة. ولاغرابة في ان يقف افلاطون هكذا موقف من ديمقراطية اثينا، تلك الديمقراطية التي اسهمت في اعدام استاذه سقراط (469-399 ق.م)، فضلاًعن اعدام الكثير من اقاربه ممن كانوا ينتمون الى الطبقات الغنية والحاكمة.

   من هنا، فضلاَ عن أسباب كان أهمها تردي الوضع في اثينا بسبب الحروب والاظطرابات الداخلية ياتي موقف افلاطون النقدي من ديمقراطية اثينا التي جعلت المواطنون في المجتمع متساويين فيما بينهم ، في حين ان الافراد بنظر افلاطون مختلفين فيما بينهم. فالفرد يجب ان يبقى في حدود الجماعة او الطبقة التي ينتمي اليها، لان خروج الفرد عن المهنة او الحرفة التي يمارسها انما يؤدي الى الاخلال بالتوازن داخل بنية المجتمع، وبالتالي الاخلال بمبدأ العدالة[29] أو النظام العادل الذي يصفه افلاطون بأنه :" النظام البديع الذي ينبغي بمقتضاه لمن ولد ليكون حذاء ان يقتصرعلى صناعة الأحذية ولمن ولد ليكون نجاراً أن يقتصر على النجارة وبالمثل في بقية الصناعات "[30].

     هذا المعنى للديمقراطية او لشكل النظام السياسي الذي يفضله افلاطون، يقع بخلاف المعنى الذي يذهب اليه ارسطو حول شكل النظام السياسي الذي يبتغيه او يرى فيه افضل انواع الانظمة السياسية، وهو النظام الذي يقوم على أساس" المزج بين عناصر حكم الأقلية والشعبي، أي المزج بين الغنى والحرية. اذ ان النقطة الجوهرية في حكم الأقلية هي الغنى، في حين ان النقطة الجوهرية في الحكم الشعبي هي الحرية "[31]. والسبب وراء هذا الاختيار يكمن في" الوصول الى نقطة توازن بين عنصري الغنى والحرية، بشكل يبدو فيه الحكم كأنه حكم الشعب وحكم اقلية معاَ "[32]. وهذا ما يجسده قول ارسطو صراحة ، أذ يذهب الى انه " لا بد للسياسة الجيدة... من أن تظهر بمظهر الحكم الشعبي وحكم الأقلية معاَ، وان تكون لا هذا ولا ذاك "[33]. اي ان لايكون الحكم شعبي ديمقراطي خالي من وجود الأقلية الغنية، وان لايكون حكم الأقلية خالي من وجود الشعبي الديمقراطي الطالب للحرية.

     يعود هذا الاختيار للنظام السياسي الذي يعمل على دمج فئتين من فئات الشعب الى الفهم الذي قدمه ارسطو حول السبب الذي يقف وراء الثورات والانقلابات. أهم هذه الأسباب يعود الى" الأخلال بمبدأ المساواة"[34]. في حين أن أساس أي نظام سياسي يريد لنفسه ان يبقى هو" نمط العدل والمساواة الذي يستهدف"[35]. وفي حالة وجود نظام سياسي  يعمل بخلاف هذا المبدأ، فأن الثورة أو الانقلاب أمر يحصل بين فترة وأخرى.

     قدم أرسطو تحليلاً لمفهوم المساواة أراد منه تبيان عدم فهم مختلف الأنظمة مبدأ المساوة فهماَ صحيحاَ، فضلاً عن عدم تمييزهم بين المساواة النسبية والمساواة المطلقة. يقول ارسطو: في" مختلف الأنظمة، يقوم التعارض والنزاع بسبب التناقض في التمييز ما بين النسبي والمطلق. ففي الحكم الشعبي (الديمقراطي)... يتساوى الناس في أمر واحد هو الحرية، غير أن الناس من العامة، يعتقدون، بأنهم نظراء في كل شي وعلى الدرجة ذاتها من الكفاءة. وكذلك الحال في الحكم الأقلي حيث يزعم أصحابه بأنهم متفاوتون على وجه الاطلاق عن غيرهم، في حين أنهم يكونون متفاوتين في أمر واحد"[36] وهو الثروة التي تجعلهم يعتبرون أنفسهم متفوقين في كل شي. اي ان الفكرة الرئيسية في الديمقراطية هي أن المتساوين في اي مجال هم متساوون أطلاقاَ. في حين أن الفكرة الرئيسية في الأوليجاركية تقوم على اساس أن عدم التساوي في مجال واحد معناه عدم التساوي في كل المجالات.

      والفكرتان وأن تضمنتا قسطاَ من الحق الا ان كلتاهما " مخطئة على وجه الاطلاق. ولهذه العلة، عندما لا يشترك كل فريق في السياسة، اشتراكاَ يلائم أوهامه وظنونه، يثورعلى الفريق الاخر"[37]. وهذا هو السبب وراء قيام الثورات والانقلابات التي تحتاج لتفاديها نظام سياسي يعمل على الجمع بين الفئتين، كما ويعتمد على وجود " طبقة وسطى كبيرة تقوم بتنفيذ سياسة الاعتدال التي تؤمن النظام وكل الظروف الملائمة للأمن والأستقرار وعدم التعرض للصعاب والثورات "[38]. لهذا كانت الطبقة الوسطى بنظر ارسطو ذات اهمية كبيرة في المجتمع فهي" ميزان الاعتدال في الدولة، واي انحراف عنه ينشئ احتمالات عدم الاستقرار وحكم الطغيان "[39]. والحل الافضل ايضاَ لتجنب هكذا مأزق هو الديمقراطية التي أثبتت " أنها أكثر استقراراَ وأقل تعرضاَ للثورة من الاوليجاركية "[40]. نظراً لقابلية النظام الديمقراطي على استيعاب طبقات المجتمع على اختلافها، وتمثيلها بما لا يؤدي إلى الثورة.

ثالثاً: جون لوك ونقد مفهوم السلطة المطلقة

     إذا كانت القيمة الفكرية للفلسفة السياسية التي أنتجها ارسطو، لا زالت مثار اهتمام معظم المعنيين بالفكر السياسي، فضلاً عن كونها (وهذا هو الاهم) قد بقيت في أطار الحقل النظري، من دون ان تجد تطبيقاً لها على ارض الواقع، فأن القيمة الفكرية للفلسفة السياسية التي أنتجها لوك (1632-1704) تأتي من جهة كونها أول فلسفة سياسية ستشق طريقها الى التطبيق على أرض الواقع.

    ولد لوك في انكلترا، وعاش خلال فترة حكم ملوك آل ستيورت، اي الفترة التي شهدت صراعاً حاداً ما بين البرلمان والسلطة الملكية ممثلة بشخص شارل الثاني، الذي كان لوك من مؤيديه، الا ان هذا التأييد للملك لم يدم طويلاّ بفعل ممارسات السلطة الملكية التي دفعت لوك الى توجيه نقد صارم لفكرة الحق الالهي التي يستند اليها ملوك آل ستيورت، وهو نقد نتج عنه قطع علاقته والى الأبد بأسرة آل ستيورت[41]،  فضلاً عن تأييده لثورة 1688، التي أسهمت في فرض" قيوداً دستورية معينة على سلطة الملك "[42].

      تجسدت فلسفة لوك السياسية في كتابه الشهير(مقالتان في الحكم المدني) الذي اصدره عام 1690. وفي هذا الكتاب ضمن لوك مجمل أراءه السياسية عن شكل السلطة الذي يبتغيه، ذلك الشكل الذي يتضح من خلال نقده لواحد من أبراز دعاة السلطة المطلقة، هو السير روبرت فيلمر(1588-1653) صاحب كتاب الحكم الأبوي، والمدافع  الأبرزعن حق الملوك المقدس في السلطة، أو حق الملوك الطبيعي بالحكم[43] المستمد من الحق الذي منحه الله لأدم وللاباء على أبناهم[44]. انطلاقاً من وجود حقوقاً لبعض الناس على البعض الأخر، ناتجة عن تفوقهم الممنوح من القدرة الألهية[45]، كما هو الحال مع أسرة آل ستيورت في حكمها لانكلترا، ذلك الحكم الذي يترتب عليه عدم جواز التعرض لهذا الحق. وبالتالي ما على المجتمع أمام هكذا رؤية توظف الشأن القدسي سوى الخضوع لهذا الحكم المدعوم بفكرة الحق الألهي. اذ لا اعتراض أو نقد وانما خضوع وتسليم لمشيئة الحاكم.    

       هذا الدفاع من قبل فيلمرعن الحق الألهي للملوك، انتقده لوك، عاملاً من خلال هذا النقد على نزع الأساس المقدس لهكذا أفكاراستند اليها " التاج البريطاني في تثبيت سلطته المطلقة "[46]، متبعاً في نقده هذا رؤية عقلانية في معالجة هذا النوع من القضايا الأجتماعية والسياسية.

   تمثل هذا النقد الساعي الى تعرية وبيان تهافت هكذا خطاب في عدة نواحي، منها :

1-   أن سلطة الأب على الابناء ليست سلطة مطلقة، لأن هذه السلطة تنتهي بعد انتهاء حاجة الأبناء لها عندما يكبرون ويصبحون بوعيهم قادرين على تحمل مسؤولياتهم.

2-  أن العلاقة بين الملك ورعاياه لا تشبه العلاقة بين الأب وأبنائه.

3-  من الصعب تعقب الانتقال المباشر للسلطة الأبوية من آدم الى شارل الثاني[47].

    لم يقتصر نقد لوك على فيلمر فقط، بل طال هذا النقد فيلسوف اخر،(يصعب الحديث عن فلسفة لوك السياسية من دون المرور بمؤلف كتاب الليفياثان*) يصنف داخل حقل الفكر السياسي بوصفه " أول فلاسفة الفكر السياسي الحديث "[48]. هذا الفيلسوف هو توماس هوبز(1588- 1679).

     يلتقي هوبز مع فيلمر في نقطة واحدة هي وجوب وجود سلطة مطلقة. فالملك أو صاحب السيادة كما يصفه هوبز " يجب أن يكون قادراً على التصرف ازاء الأفراد مباشرة في القضايا المهمة كلها "[49]. ويجب ان يكون سلطانه " غير محدود... اذ لا سلطان لغيره الا باذنه "[50]. فالحاكم هو صاحب الحق بإصدار القوانين لأن من صفات السيادة المطلقة للحاكم هي القدرة "على إصدار القانون ونقضه. فالسيد المطلق هو صاحب السلطة التشريعية ولا يمكن إصدار قانون أو تنفيذه إلا برضاه الكامل "[51].

    غير أن هذا التلاقي في الأفكار يقابله اختلاف حول مصدر السلطة المطلقة التي دعا لها فيلمر. فهوبز(وهنا تكمن أهمية نظرته الى السلطة التي جاءت مخالفة للكثيرمن اسلافه ممن نظروا للسلطة) رفض ان  يكون مصدر السلطة المطلقة هو نظرية الحق الألهي التي لاتتفق " برأيه مع العقل والمنطق "[52]. ذاهباً على أساس عدم الاتفاق هذا الى " أنتاج نظرية عن الدولة من دون اكتراث بالتقاليد، والوحي، والحق الإلهي للملوك "[53]. فالدولة من وجهة نظر هوبز لاتقوم على أساس الحق الإلهي، وانما هي كائن صناعي خلقه الإنسان بإرادته، أي  أنها من  صنع البشر[54] تحديداً لا من صنع جهة اخرى مفارقة للعالم البشري.

      لا يكتمل الحديث عن هوبز ما لم نتطرق الى رؤيته للإنسان في حالة الطبيعة (المرحلة السابقة لمرحلة نشوء الدولة أو المجتمع المدني). على نقيض المقولة الشهيرة لأرسطو(الانسان كائن إجتماعي بطبعه)، يرى هوبز أن الإنسان ذو طبيعة لا اجتماعية. فهو كائن يتسم بالأنانية، وتتحكم فيه غرائز وشهوات كالبحث عن السلطة، المال، القوة، هذه الغرائز والميول الطبيعية هي التي تتحكم بالإنسان وتدفعه الى تحقيق تلك المتطلبات في حالة الطبيعة، التي يعيش فيها الإنسان بغير سلطة تنظم سلوكه وتفرض القوانين، مما يجعل من طبيعة هذه المرحلة عبارة عن صراع او حالة حرب دائمة يشنها كل انسان ضد كل انسان.[55] وفي هكذا حالة يصبح الإنسان حسب مقولة هوبز الشهيرة (ذئب على اخيه الأنسان). وهذا ما لا يتفق مع أي شكل للحضارة، لأن الحياة، هنا، حياة يمارس فيها كل فرد حريته دون ظوابط أو قواعد. بشكل ينتج عنه أنعدام الصناعة، والزراعة، والعلم، والاأدب، فضلاً عن المجتمع نفسه. فحياة الإنسان في هكذا حالة لابد لها أن تكون موحشة، وكريهة، وقصيرة [56]، ما دام الإنسان في حالة الطبيعة، حالة الفوضى والإقتتال " لا يشبع من السلطة، ولايشبع من المال أبداً، وهو دائم البحث عن المزيد "[57].

     ولكن حالة الطبيعة هذه لن تدوم طويلاً، لأن الإنسان سيدرك ضرورة تجاوز هكذا مرحلة نحو مرحلة أخرى، يتم فيها الإلتزام بالقواعد أو القوانين، بوصفها أمراً ضرورياً، ينتج عنه تجنب الأخطار الناتجة عن حالة الفوضى، وذلك من أجل تأمين شروط قدر أكبر من الراحة[58]، شرط حصولها هو التأسيس لمجتمع ما بعد مرحلة الطبيعة، أي المجتمع السياسي الذي لا يقوم " إلا على أساس عقد اختياري بين الأفراد "[59]، يتجسد في تنازل" الأفراد... طوعاً عن حقوقهم في حكم الذات لسلطة قوية موحدة مخولة بالتصرف نيابة عنهم"[60]، بحيث ينتج عن هذا العقد تحويل المجتمع من حالة الطبيعة الى حالة المجتمع السياسي أو المدني، أو من مجتمع الفوضى والصراع الى مجتمع السلم والقانون، حيث السلطة هي الجهة الوحيدة المخولة ادارة الشأن العام من خلال إحكام قبضتها على جميع مفاصل الحياة للحفاظ على المجتمع من كل ما قد يؤدي الى العودة الى حالة الطبيعة حالة حرب الكل ضد الكل.

     المهم في رؤية هوبز لشكل السلطة هو تأكيده على أن السيادة يجب أن تكون مطلقة للحاكم وغير قابلة للتجزئة. حتى انه لم يميز بين أشكال الحكم الثلاثة : الملكية (التي يفضلها)، الارستقراطية، الديمقراطية، الا على أساس (السيادة). فالمهم لديه هو أن تكون السيادة مطلقة، وليست منقوصة.  ذلك لأن سيادة الحاكم إما أن يكون معترفاً بها وتوجد دولة أو لا يكون معترفاً بها وتوجد فوضى[61]. أي انه ليس هناك ثمة خيار ثالث بين السلطة المطلقة والسلطة غير المطلقة ذات السيادة الجزئية، فالسلطة الأولى ذات مردود ايجابي  للمجتمع، في حين أن السلطة الثانية ذات مردود سلبي، لأنها تؤول لا محالة إلى الفوضى نتيجة توزع مراكز السيادة.

     ومثال هوبز على ذلك هو الحرب الأهلية التي حصلت في انكلترا، والتي جاءت بسبب عدم احتفاظ الملك بالسيادة الكاملة، وبموافقته على قانون عدم حل البرلمان، الأمر الذي أتاح للبرلمان أن يصبح قوة مستقلة الى جانبه. وبذلك يكون قد أصبح للبلاد سيدان. وهو ما ادى الى فقدان معنى السيادة. لأن تجزئة السيادة تعني تحطيمها[62]. وهذا مايرفضه هوبز رفضاً كاملاً.

    موقف هوبز هذا الداعي الى سلطة مطلقة لا سلطة مجزئة ضعيفة فاقدة للسيادة، لا يفسره سوى الفترة  التي عاشها، والتي كان لها أثر كبير في توجهاته الفكرية السياسية. فقد شهدت أوروبا في القرن السابع عشر العديد من الثورات والحروب، كما شهدت انكلترا (موطن هوبز) حرباً أهلية، دامت سبع سنوات، بين تيار الملك وتيار البرلمان بقيادة كروميل حول أحقية من يجب أن يمنح سلطة اكبر الملك أم البرلمان. انتهت هذه الحرب بانتصار تيار البرلمان وإعدام الملك شارل الأول بقطع راسه على المقصلة عام 1649 واعلان الجمهورية[63]

     هذه الرؤية الجديدة التي دشنها هوبز داخل حقل الفكر السياسي، والتي جاءت مغايرة في مفاهيمها (للسلطة) كما تمثل ذلك في القول ان منشأها انساني وليس الهي، و(للانسان) كما تمثل ذلك في القول انه ذو طبيعة لا اجتماعية، تعرضت للنقد من قبل لوك. من دون أن يعني ذلك أن هذا النقد مقتصرعلى هذه المفاهيم فقط.

    من جهة حالة المجتمع في مرحلة الطبيعة، يرى لوك أن هذه المرحلة تتسم باالحرية والمساوة الكاملة، وكما ذهب هوبز الى ذلك، الا ان هذه المرحلة لا تؤدي الى حالة حرب الكل ضد الكل كما صورها  هوبز. والسبب في ذلك هو أن العقل الطبيعي يعلم الناس أنه لا ينبغي لأي فرد أن يلحق ضرراً بغيره، لا بحريته ولا بحياته ولا في ملكيته طالما انهم جميعاً متساوون ومستقلون [64].

    وفي بحثه عن أسباب نشوء السلطة التي دفعت المجتمع للانتقال من حالة الطبيعة الى حالة المجتمع المدني، يذهب لوك الى أن الناس في حالة الطبيعة (حالة السلام والحرية والمساوة ) يبقون دائماً عرضة لبعض المساوئ التي يمكن أن تتفاقم وتهدد مصالحهم العامة. ذلك أن من سمات حالة الطبيعة السلبية هي أن كل فرد هو السيد والقاضي في معالجة قضاياه الخاصة. ولما كان الحال كذلك فمن المحتمل ألا يراعي هذا الفرد (العدل)، فينحاز لمصلحته أو يعاقب بدافع الهوى والانتقام [65]. وهذا ما يجعل من المصالح الشخصية الظاهرة الأبرز في حالة الطبيعة. فهي سبب من أسباب أستشراء الحقد، والعدوانية، فـ " الأفراد الخاصين لايستطيعون أن يديروا منازعاتهم بأنفسهم، لأنه لا يتوقع من الناس أن يفصلوا في أمورهم بنزاهة، لذلك صار قيام سلطة عامة وقانون عام ملزم أمرين ضروريين "[66]، من أجل تجاوز ظاهرة فقدان القانون العام، نحو بناء القانون الملزم لكل الأفراد اطاعته، الأمر الذي ينتج عنه، بناء المجتمع وفق قوانين تطبق على الجميع، وتحمي مصالح الأفراد في الحياة.

    ذلك أن حالة الطبيعة مليئة بالعيوب التي تنحصر في عدم توفر وسائل تنظيمية لعلاقات الأفراد فيما بينهم مثل :

1-  القوانين الموضوعة والموافق عليها برضى الأفراد جميعهم.

2-  القضاة الغير منحازين في مايخص حسم الخلافات بين الأفراد طبقاً لنصوص القوانين  الموضوعة.

3-  سلطة تنفيذية قادرة على تأمين تنفيذ الأحكام الصادرة عن القضاة[67].

     تتصف هذه الوسائل التنظيمية، بقدرتها على حماية المصالح الخاصة للأفراد والمصالح العامة للمجتمع. ففي حال أدخلت هذه الوسائل بـ (رضى الأفراد مشتركين) لتنضيم علاقاتهم في حالة الطبيعة يكون قد تم التغيير، أي الأنتقال من حالة الطبيعة الى حالة المجتمع المدني. هذا الأنتقال لا يمكن أن يحصل من دون وجود قوانين أو وسائل تنظيمية للمجتمع، ولا يمكن أن يحصل ايضاً من دون رضى الأفراد وقبولهم الخضوع [68] لهذا النمط الجديد من انماط ادارة المجتمع.

     هذا من جهة حالة الطبيعة التي نجد فيها لوك بقدر ما يقترب من هوبز بقدر ما يبتعد عنه. فهو من جهة يتفق مع هوبزعلى ان حالة الطبيعة حالة مساواة وحرية، ولكنه يختلف عنه في وصف هذه الحالة على انها حالة حرب الكل ضد الكل. ويتفق مع هوبز على أن الانتقال من حالة الطبيعة الى حالة المجتمع المدني تم بفعل الحاجة الى القوانين التي تسهم في تنظيم المجتمع، ولكنه يختلف معه حول شكل السلطة المنبثقة عن تلك الحاجة.

     الاختلاف الثاني هو الأهم في حديثنا عن مفهوم لوك للسلطة. بينا سابقاً في حديثنا عن مفهوم هوبز للسلطة كيف أنه يدعو إلى سلطة مطلقة لا سلطة مجزئة أو ضعيفة. بخلاف هذا المفهوم يدشن لوك مفهوم جديد للسلطة، سيكون له اثره البالغ في حقل الفكر السياسي، سواء كان ذلك الأثر على مستوى النظرية او على مستوى التطبيق.

    يرى لوك أن سلطة الحاكم " يجب أن تكون مشروطة بالثقة التي يمنحها الأفراد للحاكم مقابل تأمين الخير والأمن لهم. فبالنسبة للوك الحكومة بما فيها الملك والبرلمان مسؤولة أمام الشعب، كما أن سلطتها مقيدة بالتزام قواعد الأخلاق والتقاليد الدستورية "[69]. وهذا يعني ان لوك  يطمح في حديثه عن السلطة الى الوصول الى حكومة مهمتها خدمة المصلحة العامة للمجتمع. انطلاقاً من المسؤلية الملقاة على عاتقها. فالحكومة المدنية " ليست سوى وكيلة على الواجبات الملقاة على عاتقها في سبيل الصالح العام ورفاهية المجتمع "[70]. معنى ذلك أن السلطة في نظر لوك ليست سوى وديعة من قبل الشعب للحكومة تستخدمها في سبيل الخير العام. لهذا كان المبدا الرئيسي في فلسفته السياسية هو " ارساء الحكم على الموافقة "[71]. بوصفها المبدا الرئيسي لكل حكومة تريد لنفسها ان تكون شرعية امام الشعب. فـ لوك " بقدر ماكان ... يؤمن بأن الحكومة ضرورة لابد منها لخدمة المصلحة العامة، فقد كان يؤمن بأن هذه الحكومة تستمد حقوقاً من الشعب لايمكن أن تنتزع منها طالما هي حائزة على ثقته "[72]. المرهونة بتأدية واجباتها وفق القانون أو وفق العقد الاجتماعي الذي تم إبرامه بين السلطة والمجتمع. وفي حال " انتهك الحاكم شروط العقد بينه وبين المجتمع "[73]، أي انتهك الحفاظ على المصلحة العامة، " يصبح من حق الشعب سحب ثقته وبالتالي وديعته. ويكون بذلك يستعيد سيادته الأولية ليستودعها من يراه أهلاً لها من جديد "[74].

     مثال لوك على ذلك هو ما حصل في انكلترا حيث أن سلطة الملك أفضت الى " احلال الارادة الكيفية محل القانون، الحيلولة دون اجتماع البرلمان في موعده المقرر، خيانة البلاد لمصلحة امير اجنبي، وارتأى لوك ان مثل هذه الاعمال غير المشروعة تعيد الشعب الى حالة الطبيعة ويصبح من حقه ممارسة حقه الطبيعي في العصيان "[75]، ومقاومة الحاكم أذا ما عمل بخلاف المصلحة العامة للمجتمع.

    بهذا الشكل يكون لوك قد أنتصرفي فلسفته السياسية للمجتمع. مبرراً حق الأفراد في الخروج عن طاعة الحاكم. في حال مارس الحاكم سلطته بشكل يضر بالمصلحة العامة للمجتمع. الذي عمل لوك على تقوية سلطته مقابل سلطة الدولة. وتلك هي الثنائية التي عمل لوك ( ومعظم فلاسفة السياسة الذين سيأتون بعده عليها ). أي ثنائية السلطة والمجتمع. ذلك انه كلما " ازداد المجتمع المدني قوة تحققت له الحرية الكافية ليكون مجتمعاً مدنياً حقيقياً ". في حين " أنه كلما ازدادت الدولة ومؤسساتها السلطوية قوة وجبروتاً ضعف المجتمع المدني "[76]. والمعنى الأخير هو ما لم تكن فلسفة لوك السياسية منتصرة له كما هو الحال مع هوبز.

  وبناءً على ما تقدم من عرض، لما أتسمت به فلسفة لوك السياسية، من نزعة نقدية، سمتها الهدم المتبوع بالبناء، سنوجز ها هنا جملة من الاختلافات ما بين رؤية هوبز ولوك للانسان والسلطة.

 

                 هوبز

لوك

1. الانسان في حالة الطبيعة يعيش حالة حرب الكل ضد الكل.

1. الانسان في حالة الطبيعة يعيش حالة حرية ومساوة كاملتين.

2.الانسان كائن عدواني يحب التسلط والنفوذ.

2.الانسان كائن اجتماعي عاقل مساواً في الجوهر لأخيه الانسان.

3. السلطة يجب أن تكون مطلقة،فاالحاكم هو مصدر التشريع، وهو من يتكفل تأمين شروط الحياة الاجتماعية والسياسية.

3. السلطة يجب أن تكون مشروطة بالثقة التي يمنحها الافراد للحاكم. وفي حال خرقت السلطة العقد الاجتماعي يحق للشعب الثورة. لأن السلطة ماهي الا جهة مخولة بحماية حقوق الأفراد في الحياة والحرية والملكية.

4. عدم وجود سلطة قوية مطلقة هو رأس الفوضى والاضطراب.

4. وجود سلطة مطلقة تحد من الحرية هو أسوأ الشرور.

 وإذا كان هوبز قد مهد للفلاسفة الذين سيأتون بعده بفكرتين أساسيتين " الأولى وهي أبراز فكرة المصلحة الشخصية للأفراد بوصفها الدافع المحرك للنشاط الانساني. والثانية هي انماء سلطة القانون "[77]، فإن هذا التمهيد، لا يعفي من القول بحق هوبز: أنه يظهر مقارنة بـ لوك " داعية الى نظام توتاليتاري من دون حدود "[78]. في حين أن فلسفة لوك السياسية، وان لم تتسم بالعمق الفلسفي وسعة الأفق، الا انها عبرت " بشكل نظري عن مشاعر الناس في كل مكان بوجوب لجم السلطة المطلقة "[79]. لدرجة أن هذه الفلسفة تركت أثراً بالغا ودائما على الوعي السياسي في اوروبا الغربية واميركا، وذلك لما قدمته من " أسس وقواعد لمفهوم الديمقراطية الليبرالية، التي ظهرت على أساسه اعلانات حقوق الانسان خلال الثورتين .... الأميركية والثورة الفرنسية "[80]

   وهذا ما جعل لوك (مرة ثانية) مقارنة بهوبز أكثر تاثيراً " في عالم السياسة العملية "[81]. ذلك التأثير الذي كنا قد اشرنا اليه في المقدمة. والذي يرجع الى اسهامه  في تدشين أحد أكثر مبادى الليبرالية الأوربية الحديثة محورية، مبدأ أن "الحكم موجود لحماية حقوق وحريات الموطنين... ومبدأ أن على الحكم... أن يبقى مقيداً ومنضبطاً... لضمان الحد الأقصى الممكن من حرية كل مواطن "[82]. لهذا تم اعتباره " رائداً مهد لقيام تقليد قوي وصدور تشريعات تضمن حق المواطن في التعبير العلني عن رأيه في القضايا السياسية والانضمام الى الجمعيات العامة "[83].

   وهذا هو جوهر الاختلاف بين الخطابين: خطاب هوبز المحصور في زمان ومكان معينين. لانه خطاب ميزته الرئيسية انه لم يكن يتطلع الى المستقبل، مستقبل المجتمع في نشدان الحرية والمساواة في الحقوق السياسية بوصفها حق طبيعي للانسان وليست منحة من احد. وخطاب لوك المفتوح والقابل للتمثل في كل زمان ومكان. لانه خطاب ميزته الرئيسية انه تحدث عما في داخل كل إنسان يتطلع الى المستقبل وينشد تجسيد كل المفاهيم التي تصب في صالح المجتمع . من هنا أهمية فلسفة لوك السياسية.  

 رابعاً: مونتسكيو وفصل السلطات

   أسهمت الفلسفة السياسية التي دشنها لوك في ترك تأثير بالغ الأهمية على انكلترا خاصة وعلى القارة الاوربية عامة، فضلاً عن تأثيرها على معظم فلاسفة القرن الثامن عشر، إذ يندر وجود فيلسوف كتب في السياسة عامة، وفي  حقوق وحريات المواطنين خاصة، من دون أن يحضر لوك في كتابته صراحة أو ضمنا. من هؤلاء الفلاسفة الذين كان للوك تاثيراً في فلسفتهم السياسية هو البارون دي مونتسكيو (1689ــ 1755).

   ينتمي مونتسكيو الى عائلة غنية من طبقة النبلاء البرلمانية. درس العلوم في أكاديمية بوردو، المدينة التي أصبح رئيساً لبرلمانها لما يقارب العشر سنوات. بعد تخليه عن منصبه قام  برحلة طويلة أستغرقت ثلاثة أعوام زار خلالها العديد من البلدان، كالنمسا، وايطاليا، والمجر، وسويسرا، فضلاً عن انكلترا التي ترك نظامها السياسي اثراً بالغاً في فلسفته.

    في رحلته هذه أهتم مونتسكيو بدراسة أشكال الحكم المختلفة للبلدان، كما اهتم بدراسة تأثير البيئة او المناخ على عادات وتقاليد الشعوب. نشر العديد من المؤلفات منها : (رسائل فارسية) 1721،(أسباب عظمة الرومان وسقوطهم) 1734،(روح القوانين) 1748 كتابه الشهير الذي استغرق تأليفه أكثر من سبعة عشر عاماً. وفي هذا الكتاب لم يتطرق كما في كتبه السابقة الى حالة الطبيعة والعقد الاجتماعي، وانما اهتم بنقطتين رئيسيتين :

 الأولى: تدور حول نظرية اجتماعية للقانون والحكم حيث ربط القوانين البشرية بواقع الناس وثقافتهم ومناخ بلادهم.

الثانية: تدور حول رفض الاستبداد وإعلاء شأن الحرية السياسية وضرورة فصل السلطات[84].

     بالنسبة إلى النقطة الأولى كان اهتمام مونتسكيو منصباً على دراسة وتفسير طبيعة الأنظمة السياسية ومؤسساتها الاجتماعية القائمة لدى مختلف الامم. ومن خلال سفره الى العديد من البلدان واطلاعه على قوانينها ونظمها السياسية، فضلاً عن دراسته تاريخ فرنسا وتاريخ العالم توصل الى الروح الحقيقية للقوانين، اي الروح التي تكمن في " الظروف الخاصة بكل بلد والتي منها تستمد القوانين روحها، هذه الظروف أو البيئات قد تكون ثقافية أو سياسية أو دينية أو جغرافية أو مناخية أو هي معاً "[85]. فالمجتمعات من وجهة نظر مونتسكيو" لا يمكن أن تتكون وتظهر بصورتها العفوية أو الاعتباطية. بالعكس فان تكونها وظهورها يخضع لقوانين ثابتة لا تتغير. ذلك أن تاريخ أي أمة من الأمم لا يعكس الا حالة من حالات تأثير هذه القوانين الثابتة عليها "[86].     

    تتمثل هذه القوانين الثابتة التي تلعب دوراً كبيراً في تحديد طبيعة القوانين وأشكال الحكم والعقلية القومية والتقاليد والفنون في عدة عوامل منها ما هو مناخي، مثال ذلك أن سكان المناطق الباردة يتميزون بالقوة والرجولة في حين أن سكان المناطق الحارة ضعفاء البنية وجبناء، ومنها ما هو ارضي اي له علاقة بطبيعة الارض، مثال ذلك ان سكان المناطق الزراعية يتميزون بالخضوع والتبعية في حين أن عقلية التطلع والحرية تسود في المناطق التي لا تمارس الزراعة.

   يضاف إلى هذه العوامل عوامل اخرى تشترك بتحديد الروح العامة لأمة ما. هذه العوامل هي العوامل الاجتماعية السائدة في مجتمع معين كالدين، أحداث الماضي، العادات، التقاليد، آداب السلوك. التي تسهم الى جانب العوامل الطبيعية، وبنوع من الاتساق في تكوين الروح العامة للأمة التي هي روح القوانين[87].  من دون ان يعني ذلك أن مونتسكيو يقول بوجود نظام شمولي من القوانين الطبيعية الملائمة لكل ظرف ومكان. ما دامت شروط وظروف حياة الأمم تختلف وتتباين وفقاً لطابعها الخاص بها. لهذا كان التنوع في القوانين واشكال الحكم  من مجتمع الى اخر امراً طبيعياً، لدرجة انه " من قبيل الصدفة الكبيرة جداً ان توافق قوانين امة ما، أمة اخرى "[88] 

   هذا بالنسبة إلى النقطة المحورية الاولى في فلسفة مونتسكيو السياسية. اما بالنسبة الى النقطة الثانية فهي محورموضوعنا. حال مونتسكيو في فلسفته السياسية لا يختلف عن حال معظم الفلاسفة السياسيين من الذين كانت فلسفتهم السياسية متأثرة الى حد كبير بواقعهم كما هو الحال مع هوبز ولوك.  

  شهدت أوروبا في القرن الثامن حدثاً بارزاً، تمثل في ظهور طبقة جديدة هي (الطبقة البرجوازية). نمت هذه الطبقة المتكونة من خليط من الموظفين والمنتجين والتقنين والمثقفين، بفعل التطور الصناعي والتجاري، الذي عم أوروبا. فالتجارة عنصر الثروة، والثروة عامل الحرية، وظهور الطبقة البرجوازية على حساب الطبقة الإقطاعية والارستقراطية، أدى الى مطالبتها بالسلطة أو المشاركة فيها، ذلك أن التوزيع الجديد للثروة أدى الى توزيع جديد للحكم[89].

  أسهم بروز الطبقة البرجوازية في حصول صراع بين ملوك فرنسا والأرستقراطية. ففي الوقت الذي كان فيه الملوك يدعمون الطبقة البرجوازية، كان الأرستقراطيون يصارعون من أجل الحفاظ على امتيازاتهم المهددة [90]، من قبل الملوك، وتحديداً لويس الرابع عشر الذي أتسم حكمه بالتسلط والاستبداد، المتمثل في أنزال الضرر البليغ بأسس النظام الملكي وركائزه، القائمة على الحكم المحلي والبرلمانات وعلى سلطة النبلاء وامتيازاتهم[91]. لهذا كان هذا الشكل من أشكال السلطة بنظر مونتسكيو " أسوا وأخطر أشكال الحكم، فلا الاخلاق ولا المناخات تستطيع أن تقف في وجه ممارسته الإستبدادية "[92]. وذلك لأن سلطة الملك الذي يحكم بدون قانون ستؤول الى الاستبداد والى الفراغ " بين صاحب السيادة والمحكومين. إذ إن صاحب السيادة يدمر التنظيمات الوسيطة ليبقى واحداً أوحد يحكم بالحديد والنار، ويستعبد الأفراد، ويحولهم إلى عبيد يخدمون نزواته "[93]. لذلك كان أفضل تعريف للاستبداد بحسب مونتسكيو هو " أنه ملكية بلا تنظيمات وسيطة للأرستقراطية "[94].  

  ولتجاوز هكذا حكم عمل مونتسكيو الذي تشكل فكرة التنظيمات الوسيطة حضوراً مهماً في فلسفته السياسية على ايجاد صيغة تؤدي الى الوصول الى شكل من أشكال السلطة يؤمن التوازن داخل المجتمع ويحفظ حقوق الطبقات الثلاثة: ( الملك، العامة، الارستقراطية).

  في حديثنا السابق عن ارسطو رأينا كيف أن هذا الأخير يرى أن أفضل شكل للحكم أذا ما اريد له ان يستمر دون ثورات أو انقلابات لابد له أن يستوعب الطبقة الوسطى أو الشعب. هذا المفهوم الارسطي لشكل السلطة الصالحة تم توظيفه من قبل مونتسكيو، لدرجة أنه اصبح ركناً محورياً لمجمل تعاليمه. اذ " لابد للدولة من أن تنظم تمثيل مصالح جماعات قوية مختلفة، أي عليها أن تكون دولة مختلطة قائمة على الموازنة بين أوضاع الملك، الأرستقراطية والشعب "[95]. لهذا كانت الطبقة الارستقراطية " عنصراً جوهرياً في عملية الصيانة الفعالة لنوع من التوازن بين النظام الملكي والشعب، الميالين، كليهما، إذا ما تركا وشانهما إلى الاستبداد "[96].     

  يقول مونتسكيو مبيناً أهمية دور طبقة النبلاء في ظل وجود ملك، ومبيناً أهمية دور وجود الملك في ظل وجود طبقة النبلاء: " فإن لم يكن هناك ملك، فلن تكون هنالك طبقة نبلاء. وإن لم تكن هنالك طبقة نبلاء، فلن يكون هنالك ملك، وانما سيكون هنالك طاغية مستبد ". ويقول ايضاً ناقداً صفة الاستبداد في حال وجدت في الملك: " تضيع الملكية وتهلك عندما يستدعي العاهل، الذي ينيط كل شيء بشخصه، الدولة لعاصمته، والعاصمة إلى بلاطه والبلاط إلى شخصه "[97].

    ينتصر مونتسكيو للحكم الملكي الذي يحكم وفق قوانين أساسية وثابتة تشكل حائلاً أمام الميل للسلطة الاستبدادية. ولكي يكون هناك تقييد للملك بهذه للقوانين يتطلب وجود سلطات وسيطة تمر سلطة الملك من خلالها. ففي حال عدم وجود هذه السلطات المتمثلة بسلطة طبقة النبلاء وسلطة رجال الدين وسلطة المدن، لا يبقى سوى الإرادة الكيفية للملك وحده[98].

    أهم جانب في فلسفة مونتسكيو السياسية هو حديثه عن الحرية السياسية وقوله بضرورة فصل السلطات لضمان هذه الحرية. أستلهم مونتسكيو آراءه في هذا المجال من النظام الملكي الدستوري القائم في إنكلترا. التي أخذت تطبق فلسفة لوك السياسية. فالنظام الإنجليزي من وجهة نظر مونتسكيو هو" أفضل الأنظمة التي احترمت فيها الحريات السياسية لأن هذا النظام، أخذ بمبدأ فصل السلطات "[99]. هذه السلطات هي :

1-   السلطة التشريعية : مهمتها تشريع القوانين المنظمة لعلاقات الأفراد في المجتمع.

2-  السلطة التنفيذية : مهمتها تنفيذ القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية والمتعلقة بحفظ الأمن في الداخل وحماية البلاد من الاعتداءات الخارجية.... الخ.

3-  السلطة القضائية : مهمتها تنفيذ كل القضايا التي ينظمها القانون المدني مثل الفصل في الخصومات، وفرض العقوبات على كل من يخالف نصوص القوانين[100].

    أراد مونتسكيو من حديثه عن السلطات الثلاث وضرورة فصلها البرهنة على أن هذه السلطات في حال جمعت في هيئة واحدة، فإن هذا الجمع يترتب عليه الكثير من المخاطر. يقول مونتسكيو: " كل شيء يضيع إذا مارس الرجل نفسه أو هيئة الأعيان أو الأشراف أو الشعب نفسه هذه السلطات الثلاث : سلطة وضع القوانين وسلطة تنفيذ الأوامر العامة وسلطة القضاء في الجرائم وفي خصومات الأفراد "[101].

   ولكي يوجد ضمان لأكبر قدر من الحرية لا بد من توزيع السلطات على هيئات مختلفة تعمل الواحدة منها على الحد من سلطة الأخرى وعدم طغيانها. وحتى لا تتمكن هيئة من الهيئات الثلاث من إساءة السلطة وجب أن " توقف السلطة السلطة"[102]

 

الهوامش :
...........................

[1] عبد الحي، عمر: الفكر السياسي في العصور القديمة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، ط2، 2006، ص 48.

[2] هيلد، ديفيد: نماذج الديمقراطية، ترجمة فاضل جتكر، معهد الدراسات الإستراتيجية، بغداد- بيروت، ط1، 2006، ص28،27.

[3] عبدالحي، عمر: الفكر السياسي في العصور القديمة، ص 52.

[4] هيلد، ديفيد: نماذج الديمقراطية، ص28.

[5] هيلد، ديفيد: نماذج الديمقراطية، ص29.

[6] عبدالحي، عمر: الفكر السياسي في العصور القديمة، ص 52، 53، 54.

[7] المصدر نفسه، ص 82.

[8] المصدر نفسه، ص 60.

[9] هيلد، ديفيد: نماذج الديمقراطية، ص 32، 33، 34.

[10] المصدر نفسه، ص 67.

[11] عبدالحي، عمر: الفكر السياسي في العصور القديمة، ص 56، 71.

[12] هيلد، ديفيد: نماذج الديمقراطية، ص67.

[13] كرانستون، موريس: أعلام الفكر السياسي، دار النهار للنشر، بيروت، ط3، 1991، ص 24.

[14] بشارة، عزمي: المجتمع المدني - دراسة نقدية - مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط2، 2000، ص 38، 39.

[15] عبدالحي، عمر: الفكر السياسي في العصور القديمة، ص202.

[16] المصدر نفسه، ص207.

[17] المصدر نفسه، ص 228،227.

[18] المصدر نفسه، ص 228.

[19] عبد الحي، عمر: الفكر السياسي في العصور القديمة، ص227.

[20] المصدر نفسه، ص228 .

[21] بشارة، عزمي: المجتمع المدني - دراسة نقدية - ص39.

[22] المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[23] المصدر نفسه،  ص40.

[24] ناظم ، حسن - صالح، علي حاكم: المجتمع المدني - تاريخ نقدي - معهد الدراسات الإستراتيجية، بيروت- بغداد - أربيل، ط1، 2007، ص 8.

[25] كرانستون، موريس: أعلام الفكر السياسي، مصدر سبق ذكره، ص 26، 27.

[26] ناظم، حسن - صالح، علي حاكم: المجتمع المدني- تاريخ نقدي - ص 9.

[27] عبد الحي، عمر: الفكر السياسي في العصور القديمة، ص 233، 234.

[28] ناظم، حسن - صالح،علي حاكم: المجتمع المدني- تاريخ نقدي - ص 8.

[29] ناظم، حيدر: الأسس الفلسفية للمجتمع المدني في الفكر الغربي المعاصر، رسالة ماجستير مقدمة الى جامعة المستنصرية، 2007، ص 20.

[30] نقلا عن المصدر السابق، الصفحة نفسها.

[31] عبدالحي، عمر: الفكر السياسي في العصور القديمة، ص 241.

[32] المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[33] المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[34] المصدر نفسه، ص 238.

[35] كرانستون، موريس: أعلام الفكر السياسي، ص 30.

[36] عبدالحي، عمر: الفكر السياسي في العصور القديمة، ص 238.

[37] المصدر نفسه، ص 239.

[38] المصدر نفسه، ص 244.

[39] المصدر نفسه، ص 245.

[40] كرانستون، موريس: أعلام الفكر السياسي، ص 30.

[41] محفوظ، مهدي: اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، ط2،1994، ص89،88.

[42] هيلد، ديفيد: نماذج الديمقراطية، ص143.

[43] اهرنبرغ، جون: المجتمع المدني - التاريخ النقدي للفكرة- ترجمة علي حاكم - حسن ناظم، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2008، ص170.

[44] محفوظ ، مهدي: اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث، ص90.

[45] كرانستون، موريس: أعلام الفكر السياسي ، ص64.

[46] ناظم، حسن - صالح، علي حاكم: المجتمع المدني - تاريخ نقدي - ص22.

[47] محفوظ، مهدي: اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث، ص90.

* مفردة عبرية مستقاة من الكتاب المقدس (التوراه) لها عدة معاني، منها وحش بحري عظيم له القدرة على قهرجميع الوحوش والسيطرة على كل الحيوانات في مملكته. ومعنى آخر هو (التنين). أستخدم هوبز هذه المفردة عنواناً لكتابه الصادر عام 1651 للإشارة الى شكل السلطة الذي يطمح اليه في انكلترا، والمتمثل في دولة قوية قادرة على القضاء على كل أنواع الفوضى والإضطراب والحروب الأهلية.

[48] المصدر نفسه، ص77.

[49] أهرنبرغ، جون: المجتمع المدني -التاريخ النقدي للفكرة- ص 157.

[50] محفوظ ،مهدي: اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث، ص 83.

[51] المصدر نفسه، ص84.

[52] المصدر نفسه، ص76.

[53] أهرنبرغ، جون: المجتمع المدني -التاريخ النقدي للفكرة- ص 160.

[54] بشارة، عزمي: المجتمع المدني دراسة نقدية، ص 77.

[55] هيلد، ديفيد: نماذج الديمقراطية، ص 139.

[56] محفوظ، مهدي: اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث، ص 79.

[57] ناظم ،حسن - صالح، علي حاكم: المجتمع المدني - تاريخ نقدي -  ص 20.

[58] هيلد، ديفد: نماذج الديمقراطية ، 139.

[59] محفوظ، مهدي: اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث ، ص 82.                     

[60] هيلد، ديفد: نماذج الديمقراطية، ص 140. هذا هو مفهوم العقد الاجتماعي .

[61] محفوظ ،مهدي: اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث، ص86،85،83.

[62] كرانستون، موريس: اعلام الفكر السياسي ، ص49.

[63] محفوظ، مهدي: اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث، ص74.

[64] المصدرنفسه، ص91.

[65] المصدرنفسه،ص92،91.

[66] ناظم ،حسن - صالح، علي حاكم: المجتمع المدني - تاريخ نقدي -  ص23.

[67] محفوظ ، مهدي : اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث،92

[68] المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[69] المصدرنفسه، ص91. ينظر ايضاً، هيلد، ديفيد: نماذج الديمقراطية، ص147.

[70] محفوظ ، مهدي: اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث،ص98.

[71] كرانستون، موريس: اعلام الفكر السياسي، ص65.

[72] محفوظ ، مهدي: اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث، ص91.

[73]  كرانستون، موريس: اعلام الفكر السياسي، ص63.

[74] محفوظ، مهدي: اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث، ص98.

[75] كرانستون، موريس: اعلام الفكر السياسي، ص63.

[76] ناظم ،حسن - صالح، علي حاكم: المجتمع المدني - تاريخ نقدي ـ ص23.

[77] محفوظ، مهدي : اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث، ص87.

[78] كرانستون، موريس : اعلام الفكر السياسي، ص55.

[79] المصدر نفسه، ص58.

[80] محفوظ، مهدي : اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث، ص99.

[81] هيلد، ديفد: نماذج الديمقراطية، ص148.

[82] المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[83] كرانستون، موريس : اعلام الفكر السياسي، ص67.

[84] ابراش، ابراهيم: تاريخ الفكر السياسي، دار السلام، الرباط، ط1،1999، ص263،262.

[85] المصدر نفسه، 264.

[86] محفوظ، مهدي: اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث، ص107.

[87] المصدر نفسه، ص109،108.

[88] ابراش، ابراهيم: تاريخ الفكر السياسي، ص 264.

[89] ابراش، ابراهيم: تاريخ الفكر السياسي، ص261،262.

[90] ناظم، حسن - صالح، علي حاكم: المجتمع المدني  تاريخ نقدي، ص39،38.

[91] محفوظ ، مهدي: اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث، ص 111. المقصود بالاخلاق العامل الاجتماعي. أما المناخ فهو العامل الطبيعي. وكلا العاملين لدى مونتسكيو لهما تأثير في تشكيل نوع السلطة باستثناء السلطة الاستبدادية التي لا تخضع لهذين العاملين.

[92] المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[93] ناظم، حسن - صالح، علي حاكم: المجتمع المدني  تاريخ نقدي، ص39.

[94] المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[95] هيلد، ديفيد: نماذج الديمقراطية، ص153.

[96] المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[97] محفوظ ، مهدي: اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث، ص111.

[98] المصدر نفسه، ص110.

[99] ابراش، ابراهيم: تاريخ الفكر السياسي، ص 267.

[100] محفوظ ، مهدي: اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث، ص112.

[101] ابراش، ابراهيم: تاريخ الفكر السياسي، ص268.

[102] محفوظ، مهدي: اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث، ص113.

 

 

     

مصادر البحث:

.............................. 

1.    ابراش، ابراهيم : تاريخ الفكر السياسي، دار السلام، الرباط، ط1، 1999 .

2.  اهرنبرغ، جون: المجتمع المدني - التاريخ النقدي للفكرة - ترجمة علي حاكم صالح - حسن ناظم، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2008.

3.    بشارة، عزمي: المجتمع المدني- دراسة نقدية - مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2008، ط2، 2000.

4.  عبد الحي، عمر: الفكر السياسي في العصور القديمة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، ط2، 2006.

5.    كرانستون، موريس: أعلام الفكر السياسي، دار النهار للنشر، بيروت، ط3، 1991.

6. محفوظ،، مهدي: اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث، المؤسسة الجامعية للدراسات           والنشر، بيروت، ط2،1994.

7. ناظم، حسن - صالح، علي حاكم: المجتمع المدني- تاريخ نقدي - معهد الدراسات الإستراتيجية، بيروت- بغداد - أربيل، ط1، 2007.

 8. ناظم، حيدر: الأسس الفلسفية للمجتمع المدني في الفكر الغربي المعاصر، رسالة ماجستير مقدمة الى جامعة المستنصرية، 2007.

 9. هيلد، ديفيد: نماذج الديمقراطية، ترجمة فاضل جتكر، معهد الدراسات الإستراتيجية، بغداد-بيروت، ط1، 2006.