الحضارية «دراسات فلسفية»

 الثلاثاء: 03/03/2009

  نهـايـــة الأزمـــان

 الدكتور عباس حمزة جبر(*)
(خاص للمعهد)

 

   لا يمكن لفكرة نهاية العالم الا أن تتسلط على الأرواح البشرية, وتغدو حاكماً يشكل إبداعات الإنسان, ذلك المخلوق الوحيد الذي يرسم تصوراً للأبدية, وتترك هذه الفكرة أثرها البيّن على كل فتحٍ يُنجزه الإنسان, أو هي حدُ كلِ إنجازٍ. وضمن سياق كهذا فإن علم الآخرويات أو ما اصطلحنا على تسميته بالمصائرية Eschalologie, باعتباره دراسة لتأثير الأزمان ومآل الأشياء سيندرج, ضمن الحاضر الروحي لديانة الوحي تحديداً, في سلسلة من الاستدلالات التي تعتمد أولاً وقبل كل شيء مفهوماً خطياً لمسيرة الزمان واكتمالاً جماعياً للتاريخ.

   ولقد جرت العادة في الديانات التوحيدية الثلاث على فهم البعد المطلق واللاارتجاعي للديمومة مع أن صيرورة العالم الراهن ترتبط بالفضاء الفكري لهذه الديانات بفكرة خلقه من العدم Ex Nihilo وهذا يعني أن للوجود صيرورات أخرى غير صيرورة عالمنا الراهن. وهنا سنكون بأزاء رؤية مطلقة للتاريخ باعتباره تتالي منتظم من احداث قابلة للتفسير اعتباراً من مصبها النهائي, لذا فقد غدا هذا التاريخ خاضعاً للتوقع بصيغته المستقبلية, وعلينا أن لا ننسى التشديد على أصالة الموقف التوحيدي وقدرته الفذة على استقراء مآل العالم اعتباراً من حادثة كونية افتتاحية وفريدة من نوعها, وهذا حتى قبل أن يجري الحديث عن الانفجارالعظيم وتوسع الكون وديمومته.

   يقول باتريك لوبييه في كتابه المصائرية Eschatologie : "إن الطابع اللاارتجاعي لمفهوم التاريخ الخطي lineaire يمكن أن يمنح الفكر الإنساني بنية فريدة من نوعها. إذ سيبدو كل شيء جديداً في ظاهره, ويتجه دوماً نحو نهاية محددة ترتدي هي الأخرى أهمية حاسمة في بناء العقل الإنساني وتنظيمه. وسواء أكانت هذه النهاية سعيدة أم كتب على صاحبها الشقاء, فإنها صارت ترتبط قبل كل شيء بماهية ذلك الفعل الإنساني" (1).

   من هنا سنرى بوضوح كيف أن الرؤية الخطية لمسيرة الزمان, ووفق مقياس معين, ستستجيب الى ذلك التحدي الذي تمثله مشكلة ماهية الزمان باعتبار أن هذا الأخير صار خاضعاً لمراقبة العقل. يقول هنري بيرغسون في مقالة شهيرة له عن الديمومة والمكان بأننا "إذا ما راقبنا أنفسنا عن كثب، فقد نستطيع أن نلتقط, في أعماق ذواتنا, وضمن ذلك المجال الذي نسميه "ديمومتنا الداخلية" ديمومة أخرى تستند اجزاؤها واحداً على الآخر بانتظام يوحي باستمرارية تدفق هذه الأجزاء, أو إن هذه الديمومة هي الاستمرارية بعينها, إنها ديمومة نوعية الطابع أكثر من كونها كمية. ذلك بأن الأجزاء الداخلة في تركيبها، وبما أنها متغايرة نسبة الى بعضها البعض، فانها ستختلط في نظرنا بما ندعوه بفيض الحياة الداخلية" (2) .

   ما بين هذا التعريف السيكولوجي للديمومة وذلك الجزء الحسابي الذي درج عليه الناس في تصورهم لها خضع مفهوم الزمان الى ثالوثين من المفاهيم يحوي أولهما: التزامن-التتابع-الديمومة فيما يحيلنا الثالوث الآخر الى مفاهيم الحاضر والماضي والمستقبل. ففي الأولى من هذين الثالوثين سيبدو التزامن كما لو أنه نفي للتتابع, الأمر الذي يجعل من الممكن اقتصار النظام الزماني على كونه كتلة ذات خط واحد قابل للقياس، ومن هنا ولد الزمن الفيزياوي الذي يمتلك نفس صفات بنية المكان في الهندسة الأقليدية، ذلك المكان الذي جرى افتراض كونه بلا حدود، ولكي يمكن تبعاً لذلك تصور اللانهائية الكونية.

   أما مع حالة الثالوث الآخر (الماضي- الحاضر – المستقبل) فإن تقسيم الزمن الى ثلاث مراحل متباينة سيفرض بقوة فكرة السهم المنطلق والمتجه دوما نحو آفاق جديدة لم يتسن لأحد ارتيادها من قبل, وهي آفاق توحي لنا بتعدد خواتيم الأشياء وتباينها، وتخلق في اعماقنا رفضاً متجذراً لأي عودة الى الماضي, ما يولد إرادة تبغي على الدوام القبض على كينونة فضلى. وسيتجاوز مثل هذا التصور لكُنْهِ الزمان أي مقاربة ميكانيكية لفكرة السببية, التي يمكن أن تعين على إدراك الحياة على أنها عود أزلي ذلك، واعتباراً من مبدأ السببية ذاته يمكن استخلاص أن الأسباب نفسها ستؤدي الى النتائج نفسها (نيتشه). إن الاعتقاد بضرورة قدوم مستقبل تظهر فيه كينونة أفضل أما أن يأتي من قناعة عميقة بأن ذات الأفعال قد لا تنجح على الدوام بالإتيان بذات النتائج لأنها ستصطدم بامتداد يشي بضرورة تغيّر الظروف، أو أن الأمر يتعلق بوجود قوة خارقة مهيمنه لها كبرياءُ قدرتها على توجيه مصير الأشياء. وبمقابل مثل هذا التصور وعلى النقيض منه وإذا ما تمكنا من استخلال طريقة مبتكرة للتنبؤ بالمستقبل اعتماداً على فكرة التتابع اللامتناهي للحظات الزمن فان التزامن سيؤدي بنا الى رؤية دورية للتاريخ، ذلك بأن فكرة العود الأبدي التي ولدت عند قدماء الهنود وأخذ بها نيتشه كحجر أساس في محاصرته لفكرة اللوغوس، نريد أن نقول إن هذه الفكرة يمكن أن تفسر أيضاً على أنها رجاءٌ وجودي بأن يحيى الإنسان أحداث تاريخه ضمن أبدية لا انقطاع لها (3) .

   وفي هذا السياق يصف لنا عالم الأديان مرسيا ألياد ذلك النوع من الرجاء بالقول:

   "إن الأسطورة والطقوس القديمة كانت ترتبط على الدوام بالرجاء, وبفكرة الزمن المقدس واللذين يفيضان الى توالد ذكريات وحنين طاغ (لفردوس) أرضي أو هو نوع من الأبدية المعاشة، التي يعتقد البعض من الأقوام إمكانية الولوج الى أعماقها" (4) .

   وأيا كان عليه الحال, فلا المفهوم الدوري للتاريخ ولا المقاربة الخطية للزمان يمكن إرجاعهما الى منظومة عقائدية محددة، فيما يتسنى القول ودون غضاضة، أن خطية الزمان تبدو واضحة المعالم في ديانة التوحيد حيث التجسد القيامي والقدرة القيومية التي ستخضع لها نهاية الكون, وكذلك من غزارة العناصر المصائرية في الكتب المقدسة, وبغض النظر عن تباين التفاسير من فرقة الى أخرى, وهذا يعني أن الإيمان الناشئ عن اعتناق ديانة الوحي يبقى مفعماً على الدوام برجاءٍ آخروي ويغذيه انتظارٌ وجودي للتجسد الإلهي المباشر. ووفق هذا المنوال فإن مستقبلاً بهيجاً سيكون بانتظار المخلَصين بعد عودة شاملة للأموات أثر ما سوف تتعرض له بنى كوننا الحالي من اهتزاز عميق وجذري يطيح بانتظامه المعهود. إن بعث الموتى سيرتبط إذاً بنشأة أخرى واثر كارثة عظمى, وبما يُفقد الكون انتظامه الدوري التتابعي ويسوقه نحو نقطة اللاعودة ، ولكي تدرك الأشياء, حسنها وشرها, اكتمال تشكلها وتندرج في بداية جديدة. من هنا ولدت فكرة الخلاص التاريخي ومبدئها الروحي.

وإذا ما كان بالإمكان أن نجد في المبدأ الروحي عماداً لا بد منه للحياة الجماعية للبشر، فإن الإيمان بهذا المبدأ سيسوق الوعي الجمعي وينبهه الى الأسباب الأولى لنشوئه وكذلك لمصيره ولكي يتسنى للإنسان الاعتقاد بديمومة الأشياء وتخليص الوجود من فرضية العدم، وسيساعد العامل الديني على جعل العقل الإنساني مستعداً لتقبل أكثر المتغيرات تناقضاً ثم الدفع بها لكي تتجاذب وتتبلور في حقل موحِد يسمح لهذا العقل من ثمّ بالانفتاح على غياهب الزمان. ولقد أفضت مثل هذه الترسيمة العقلية, منذ ولادة المصائرية التوحيدية, الى خلق نوع مميز من التجاذب مابين عالمين: أحدهما حاضر وآخر مضمر involue ومتجانس في حين لايعني التعارض القائم بينهما شيئاً بأزاء فرادة تجاذبهما وقدرة هذا التجاذب على أخصاب وأتراع المخيال الأنساني, وسيكون هذا العالم الآخر, عالم المكان الآخر المغاير الذي يمكن الولوج اليه بعد الموت, إذ يفضي برزخه الى الحيوان الحقيقي, وبما يجعل حياتنا هذه متصاغرة قياساً بما سيأتي بعدها.

لا يمكن, والحال هذه نفي ما في مثل هذه الرؤية من عناصر ذات جذور طبيعية تدفع الجماعة البشرية الى استباق اكتمال التاريخ. يقول فابيو ميرليني في مقالة له عن "نهاية التاريخ" إن "الوجود سيسبق التاريخ في اللحظة التي يبدأ بها الوعي بالانقياد الى اتجاه محدد وحركة دؤوبة" (5) وهذا يعني أننا، ومنذ اللحظة التي نعتبر بها الزمن على أنه ليس بذلك التتابع الحسابي اللاإنساني وبأنه صادر من مصدر مطلق ويسير باتجاه محدد, فسنجده وقد أضحى قادراً على أن يمنحنا قيمة مجاوزة لتاريخنا الشخصي. مثلما ينطبق الأمر على كلا التطورين البايولوجي والأخلاقي للإنسان.

   وإذا ما اعتبرنا ذواتنا على أنها نفسانية تخضع للتبدل والتغير باتجاه تطوري, فإن الوعي بالزمن المتقادم سيحمّل الإنسان تكليفاً بمهمة تتجاوز بيئته الضيقة وتجعله قبالة وجود ما انفكت دائرته عن الاتساع. وبهذا فإن ذواتنا ستغدو مرتهنة بكسبها واكتسابها وهي ثنائية تشكل, لا غرو، عصب الذكاء الأنساني وتدفع بالعقل الى استلهام ما يتجاوز قدراته.

   تلك هي حقيقة الديمومة العضوية ببعدها الكوني والآخروي, وقد كان يحلو لبيرغسون وطائفة من الذين جاؤوا بعده التأمل في كنهها والتفكر التفلسفي في معناها، إذ بدت لهم ذات بعد أساسي يشمل كل الموجودات ماظهر منها وما بطن تلك التي أبدع جمالها واكتمال هوياتها سحر التفرد وهي سائرة صوب اندماجها في النسيج الكوني Weltstoff الذي ربما ما نزال ضمن بداية أطواره البيولوجية وأولى طبقاته الروحية الصاعدة.

   وبعيداً عن سبق الروح للمادة أو العكس فإن استقراء سياقات التطور العضوي التي لم تقتصر على كوكب الأرض سيقودنا الى تلمس وجود ميكانيزمات متداخلة مابين كلا التطورين العضوي والروحي وهي تلك التي تدلنا الى حقيقة أن التطور العضوي ما كان له أدراك ما وصل اليه لولا أندماج السياقين منذ لحظة ظهور النفس الواحدة (الخلية الواحدة ذات الأنقسام الذاتي). إذ يبدو الأمر كما لو أنه يتعلق بــ "تواطؤ" حدث مابينهما وتعاضد تكافلي جاء نتيجة تداخل "الواسع" مع المتناهي على إيقاعات من المصادفات والعوارض والحرية في الأختيار, وبما جعل بالأمكان خلق أجهزة عضوية كالعين قادرة على رفد التجمع العصبوني " الجملة العصبية" بما لايحصى من المعلومات عن المحيط الأقرب, وعن ذلك الذي لاينفك عن الأتساع. من هنا يحق لنا تصور ظهور الأنسان على أنه ضرورة تكليف لأكمال وتغذية سياقات التطور وتوسيع نقاط أشتباكها ضمن خطة خلق شاملة.

   وإذ لا يقتصر حوار العلم والدين على قضية غائية الخلق فإنه يتعدى صوب مصير الوجود. ففي علم الكون الحديث Cosmologie يتم تقديم نهاية العالم على وفق سيناريوهات يغلب عليها الطابع الكارثي حيث ينتهي أمر الفضاء Espace الى تحلل موجوداته وتحوله الى مسرح فوضى عارمة. يقول عالم الفيزياء الكونية ستيفان ويمبرغ في كتابه "الدقائق الثلاث الأولى للكون" إن اتساع الفضاء الناجم عن تباعد المجرات قد لا يعطينا صورة واضحة عن الكيفية التي سيؤول اليها الكون وذلك لتعدد احتمالات وجهات سير عالمنا الراهن. وهذا يدلنا, وعلى الرغم من براعة الصياغات الرياضية، على أن مصير كوننا سيبقى رهناً بالغيب. ومع هذا فإن هنالك احتمالين يطغيان على تفكير العلماء: أولهما القائل بالموت الحراري والثاني الذي يرجح العودة الى الأصول الفوضوية التي سبق وولد من رحمها كوننا الراهن في حركة انقباض تتلو مرحلة تباعد المجرات, لتعاود هذه الاصطدام مع بعضها في ضجة كبرى جديدة ولمن سيبقى من سلالة الإنسان في هذا الكون الذي سيبلغ الــ (80) مليار سنه من عمره, فإن السماء ستتحول الى ما يشبه وردة كالدهان (rouge comme le cuirteint ) نتيجة حيد النجوم نحو درجة الأحمر من المطياف.

   هناك, ستكدر النجوم وسيشعر أولئك الأحفاد بانقلاب طبائع الأشياء (6).من هنا نفهم بيسر أن الصورة الكارثية لنهاية العالم التي يقدمها لنا العلم الحديث ليست بعيدة ولا هي نافية لما جاء في الكتب السماوية. غير أن علينا أن نعترف صراحة بأن من المستحيل وضمن إمكانياتنا المعرفية الراهنة تقديم سيناريو علموي رصين لمستقبل الإنسانية, ذلك لأن معطيات البيولوجيا الحديثة تبدو شديدة التشاؤم حيال هذا الموضوع, لاشيء بحسبها يمنع من انطفاء جذوة الحياة على الأرض, إذ يمكن لحركة القارات أو التغيرات المناخية المرتبطة بمحور الأرض أن تقود تطور الأحياء صوب تراجع بيولوجي قد ينتهي بكارثة.

   وبأزاء هذا التلاقي والأختراق في نقاط الحوار مابين الدين والعلم والفلسفة يكون لزاماً علينا البحث عن فحوى مفاتح الترميز التي تحدثنا عنها في مقالة سابقة. فصورة الكون التي تترك بصماتها بعمق في بنية الوعي الإنساني وتتجذر على هيأة خلايا من الأفكار ستبعث الحرارة في القدرة على الحدس, الذي سيستلهم تبعاً لذلك عظمة الكينونة وقدرتها على المطاولة رغم أندراجها في تصاريف الديمومة. ولقد سبق لطاقة الحدس الإنساني intuition أن سبقت عصر العلوم الحديثة في تصور حقيقة الوجود كما هو حال الفلاسفة الأغريق الذين جاؤوا قبل سقراط. صحيح أن الكثير من رؤى نهاية الأزمان قد لاتتطابق مع ما جاء به العلم الحديث من تصورات مدعمة رياضياً, الا أن عتمة هذه التصورات ماقبل العلمية, وتعدد التوقعات يجعل الحدس الإنساني أشد تمسكاً برفض العدمية كمآل يمكن أن يواجه الحياة أثر حادث كوني عارض بحيث يحيل ملايين السنين من التطور الخلاق  الى مجرد عبث لامعنى له. ولهذا فلا مناص من الأقرار بأن الإنسان نتاج أنضاج وذروة ما أفضت اليه ديمومة الوجود. وهذا يعني ببساطة أن الحياة ما تزال في أطوار نضجها البيولوجي وعلى أعتاب تفجر روحي قد لايقل أهمية في تاريخ الخلق, عن عصر الأنفجار التخليقي العظيم الذي نشر على الأرض أصنافاً مضاعفة من الأنواع الحية أثناء العصر الكمبري (قبل 500 مليون سنة) .

   ومابين حيد المطياف نحو الضوء الأحمر الذي سيعلن عن قرب أنكماش الكون, وتصاعد أقنوم الحياة ونضجها الأنطولوجي, فإن أهم ما يؤرق الفلاسفة في مسيرة الإنسان تحديداً, هو ذلك الأستعار في الصرعات مابين الجماعات البشرية قبيل أنضاج المسيرة الصاعدة للحياة والإنسانية. إذ أن لون الدم الذي يرمز الى تجدد الحياة وللموت أيضاً, هو أول الأطياف الضوئية التي تدركها قطعة حديد وهي تتعرض للتسخين. فاللون الأحمر الملكي مثلما يصفه هيجل, هو لون الوعي بالذات التي تريد السيادة وبسط النفوذ وهو لون سيبقى سائداً مادامت هنالك مادة سمراء بلون الحديد. وهذا يعني ترميزاً أن الأحمر يثير الأنتباه الى قضية محاولة الشر للتسيد والأستئثار بسواد الدنيا. أو ليس الأسود هو ذلك اللون الملعون الذي يرمز الى الخسران الأقصى والسقوط في هاوية الكبت اللانهائي.

   دعونا نتتبع قطعة الحديد هذه وهي تخضع الى تسخين متزايد, فما بين ساعة الفصل بين حمرتها وأزرقاق لونها أيذاناً بتهيؤ ذراتها للتفكك والأنتشار والأشعاع سنجد أن عتمة وصلابة المادة وسوادها لابد وأن يهبطا الى أسفل سافلين في حين سيرتفع الى عليين فعل فعال. وهنالك... حين يرتفع الضغط الروحي وحرارته إزاء كل ماهو واقعي وملموس وبطاقة الأرواح المتطلعة الى المروق سراعاً صوب أرحب الآفاق... على أعتاب تلك الأزمان ستقتسم الحياة حركتان متضادتان: أحداهما متمثلة بأفعال الذين يرومون مواصلة الرحلة بالحق والى الحق مثلمل يقول صدر المتألهين الشيرازي, أما الحركة الأخرى فمدادها أفعال  من لم يبلغوا مراتب النضج الروحي فأنبروا يثيرون مكامن الشر مثل طائفة عاصية أستهوتها الرغبات فعُميت عليها القدرة الكلية المحيطة بكل شيء.

..............................
(*) أستاذ مساعد -قسم الفلسفة –كلية الآداب-جامعة واسط باحث في مركز الفلسفة المثالية الألمانية-جامعة بواتييه-فرنسا

 

الهوامش:
..............................

1- ينظر بهذا الخصوص كتاب LAUBIER  Patrck de ,  L,Eschatologie ,  ed. PUF. , Paris 1998 , p. 16.

2- أنظر Henri BERGSON ,  "Duree et espace" in ,  Magazine litteraire , n. 386 , Avril , annee 2000 ,  p. 50.

3- FINK Eugen , La philosophie de Nietzsche , ed. Minuit , Paris 1965.

4- ELIADE Mircea , Traite d,histoire des religions , ed. Payat , Paris 1949 , 342.

5- ينظر في مقالة الأستاذ Fabio MERLINI , "Fin de l,hisoir et naturalization de l,histoire" in Apres la fin de l,histoire , ed. Virn , Paris 1998. p.p. 25-69.

6- أنظر كتاب العالم الفيزياوي S. WEINBERG , Les trios premieres minutes de l,univers , ed. Du Seuil ,  Paris 1978 , p. 176.