الحضارية «دراسات فلسفية»

 السبت: 28/02/2009

  جدل المعنى والكينونة

بحث في الاتجاهات الحديثة في التأويل

 الدكتور عباس حمزة جبر(*)
(خاص للمعهد)

   تدل لفظة التأويل hermeneutique ، في أغلب اللغات الأوربية على ذلك النوع من الدراسات التي تعنى بمشكلات وأساليب تفسير ونقد النصوص قديمها وحديثها، وحيث يمكن أن تواجه القارئ صعوبات في الفهم وتتبع منافذ المعاني الدفينة. مثلما عنى التأويل بالأحاطة بمقولات الفن ونصوص الميثولوجيا وتفسير الأحلام والنصوص الدينية. ويهدف التأويل. والحالة هذه, الى تجاوز النقد البسيط الى تشكيل نظرية عامة عن الألهام (1).

   ورغم أن فن وبراعة التأويل قديمة قدم اللغة فإن المفكرين المحدثين جعلوا من أتقان وأبداع أساليبه وسيلة لتقديم أكثر النصوص تأثيراً في بناء العقل الحديث. ويرجع الى أرسطو الأهتمام بأستخلاص كشف جديد من معنى معطى قبلاً, وبأتجاه يجعل فعل التأويل صالحاً لبناء مقدمات فلسفية جديدة.

   ومع أن المنطق اليوناني كان يقوم على تشابك البراهين، فأن حركته التأويلية صارت تحليلية ومتجهة نحو أزاحة أي جنوح للمعنى ورفض الأشارة المجازية.

   ويأتي تأزم جهود التأويل في العصر الحديث وما أنجر اليه المفسرون, من سعة وتراكم مستمر في المعاني من حقيقة أن الأنسان, في عصرنا الراهن، وجد نفسه على أعتاب تطور معرفي هائل ضاعت في لجه نوازع البحث المباشر عن الحقيقة، مثلما قال بول فاليري في مقالته عن (أزمة الحضارة) (2). حقاً،... فقد أورث تطور العلوم أنسان عصرنا نزعة فردية ومشاعر أغتراب بأزاء تشابك المعاني وصعوبات الأتصال الروحي.

   ومع هذا فقد ظل جهد التأويل منصباً على الذهاب الى ماهو أبعد مما هو معطى، وصوب حقائق أخر عن ماهو كائن والى ممكنات هذه الكينونة. والتأويل وفق تعريف مثل هذا يربط الوسط المُدَرك والماثل للعيان باوساط أخرى تحاول ملكة الحدس أستجلاء كنهها وأرتباطها مع ماهو مدرك سلفاً. والتأويل بكلمة أدق يربط المعلوم بما هو مستور، وماهو منظور بما هو غائب. وبهذا فالتأويل وإن عرف عنه رديفاً لأي أطلاع على خبايا اللاهوت الأ أنه يحمّل, عبر فنون الترميز وفك شفرة الرموز الموجودة قيمة أعلى من تلك التي دأب العقل على أضفائها عليه.

   ولقد سبق لهيدغر أن أقترح ربط الشعر بالفلسفة في مناسبة حديثه عن هلدرلن، حيث أصبح الشاعر بفضل التاويل كاشفاً لكُنه الماهية بأسلوب عرفاني من الأتصال بالموجودات وتدبر الجمال فيها. والشاعر ينفذ هنا لا الى حضرة الهة متموضعة في الهاهنا بل الى وسط حقيقي لايكف عن التسامي. وعليه تتطابق، والحالة هذه، رسالتا الترميز الشعري والجهد الفلسفي بعد هدم أسوار وأزالة ردم مابينهما بمعاول دهشة الأنفعال وما تحمله وتتحمله من ألم جواني عميق Pathos ،وهو المٌ يساعد على الأقلاع بعيداً عن ركام طائفة واسعة من المعارف المتداولة، التي تحجب عنا فعالية منهج البحث في حقيقة الجوهر من كل ظاهرة والأتجاه صوب أدراك متأنٍ للوغوس بأدوات اللغة (3).

   هذا ما أراده منهج التاويل الحديث حين وصف هلدرلن الأشتغال بقرض الشعر على أنه "أكثر المشاغل براءة". وبهذا فان أداة هذا الشغل هي اللغة المتسامية التي تتيح حقاً للشاعر تحسس "سناء الظهور" (4). ولم يكن أغلب الشعراء في عصر هلدرلن وما بعده بغافلين عن هذه الحقيقة ذلك أن اللغة هي "أشد المقتنيات خطراً" حين تستخدم كشهادة على حقيقة الوجود وأنتماء الأنسان اليه بأعتباره، أي الأنسان، وريثاً بذاكرته لما سبق ومدركاً بتأويله لما أُغلق من مفاتح الأشياء. أن اللغة التي تتطابق عقلياً مع فوران الأشياء قادرة على خلق المجال المنكشف مثلما يمكن مع خمود جذوتها ضياع الوجود، ولذا فلا بد للغة أن تخضع لحذق من يقتنيها وليصرفها في مقاصده بأعتبارها تاريخاً ضامناً لآستمرارية العالم وصيرورته وتطوره.

 

أ-ولادة التأويل الحديث

   ولد التأويل الحديث مع أجتراح فيللهم ديلتي 1911-1833 Dilthy على وجه الخصوص ومن بعده أدموند هوسرل منهجاً يقوم على تعدد وتقاطع معاني الأشياء. وعلى وجود تتابع تاريخي لأشكال التفسير وأنماطه أضافة الى صعوبة تجاوز صراع المعاني في النصوص القديمة (5).

   وتأتي أهمية ديلتي من شدة تأثيره على من جاء بعده من مفكرين أمثال هيدغر في الفلسفة، وماكس فيبر وجورج سيمل في علم الأجتماع، وعلى مينيك في التاريخ وغندولن في النقد. وفي مقدمته المعنونة (دراسة العلوم الأنسانية) 1883 بحث ديلتي عن الموقع الخاص الذي يجب أن يتمتع به أي أسلوب في البحث، وبحسبه فإن العلوم الأنسانية، وعلى النقيض من العلوم الطبيعية، لايمكنها أن تقدم لنا فهماً متكاملاً للقضايا التي تطرحها مالم تعتمد على مفهوم الحدس والأستبصار العميق. وبأدخال مفهوم الحدس على أسلوب مثل هذه الدراسات فأن ديلتي أراد أن يقول بأن أي خطاب, لكي يكون منفتحاً على الفهم العام, يشترط فيه أن يكشف عن أدوات أبداعه وأن يدع المبدع يعيش تجربة جوانية عميقة وبخاصة حين يكون الحدس رديفاً لمعارف رصينة وقدرة على أستجلاء المتن. ولهذا ركز ديلتي على مفهومي الزمن والديمومة بأعتبارهما قواعد الفكرة, ولأن الحياة في نظره تحمل الفكر في رحمها منذ الأزل. لقد أراد ديلتي أن يقول بأن أي تجربة معاشة للمعنى أنما ترتبط بالتناسق الذي تحفل به أي حياة من الحيوات (6).

   أما أدموند هوسرل فقد أصر على العودة الى حقيقة الأشياء والذهاب اليها مباشرة عبر عمليات التجريد العقلاني والتي دونها يصبح أي بحث فينومنولوجي ضرباً من العبث. وفي نظر هوسرل فأن العلوم الحديثة، وما جلبته من قدرة فائقة على قراءة الواقع من حيث هو كذلك، تمثل الموقف الملائم لآحتواء أي خصوصية تتمتع بها الظواهر. وأذا كان صحيحاً أن البحث الفينومنولوجي يتجاوز الماهية لكي يتركز على بوادر كينونة الأشياء, فأن النقد سينصب على تطور المعنى عبر تاريخ اللغة. ومثلما أشار اليه ديلتي من قبله, فإن هوسرل ركز جهده لأستجلاء كنه التواتر التاريخي للتفسيرات وما يترتب على أختلاف صفحات تفسير قضية بعينها من صعوبات تمثلها صراعات المعاني (7).

   أما هانس غورغ غادامير، الذي كان تلميذاً لهيدغر وزميلاً لياسبرز في جامعة هايدلبيرغ، فقد ألح على البعد التأويلي بأعتباره موقفاً متشدداً من فرادة المعاني وجامعاً لأساليب الأستقصاء ومجاوزاً لها. ويعتقد غادامير بأن "الفهم" يمكن أن يجد تعريفه بأعتباره طريقة من طرائق الوجود أكثر من كونة أسلوباً خاصاً في بناء العلاقات مع العالم. ومن هنا كان نقد غادامير لهيمنة الخبراء وبخاصة أولئك العاملين في حقل العلوم البحته والذين يجزمون بقدرتهم على معرفة الأشياء, في حين ينقصهم الوعي في أحيان كثيرة لدرجة أنهم يصبحون في مهب الريح حين أشتداد أوار العلاقات بين الأشياء في أذهانهم. وهنا يمكن للتأويل أن يعمل على أعطاء تفسير مفعم لأشد العلاقات تعقيداً ويشير الى البحث العلمي والى حدود قدرته على الألمام بمتسع الحقائق في سياق ديمومة الفكر. وفي كتابه (غوته والفلسفة) الذي صدر في العام 1947 ومن بعده كتابه الشهير (الحقيقة والأسلوب) 1960 طور غادامير خلاصته القائلة بوجوب الوقوف بوجه الأساليب العلمية الجافة في التحليل النفسي أضافة الى معارضته للأغراق في الأسلوبية عند هيدجر، وعليه فإن غاداميرا يدعونا الى الأخذ بخيار نهائي مابين الحقيقة وهيمنة أساليب البحث عنها. وهو بهذا يقيم تعارضاً بناءً ما بين قوة الحقيقة حين تتدفق مع أشراق الفهم وما بين الأسلوب والتقنيات البحثية المعتمدة. من هنا ندرك بأن عملية الفهم لا تُعدُ أسلوباً قادراً على تكملة نواقص أي أسلوبية في البحث. ويبحث غادامير والحالة هذه عما يسميه تربية الذائقة وثقافة البحث الجمالي. ثم أنه يعمل على مجاورة فهم الدلالة اللغوية مع الفهم التاريخي والجمالي لتلك اللغة. ولهذا فأن اللغة لم تعد فقط ذلك الأقليم المعرفي الثالث الذي يتوسط أقليمي التاريخانية والفن، بل هي حقل كوني تشيع في أوساطه خبرات المعنى (8). وفي ضوء هذا السيل من الدراسات التأويلية وأخرى كثيرة لامجال للحديث عنها في هذه العجالة من المقال، تشكل لدى الباحث الحداثي يقين ثابت بكون المعنى، تماماً كما هو الحال مع المبنى، عبارة عن حزمة علائق معلوماتية تتموضع أمام الذهن وتشكله ويشكلها بأعتبارها دلالات متعددة الأتجاهات ومتغيرة على الدوام  وبما يجعل البحث فيها مجاوزاً للماهية في تموضعها الزماني, في حين يؤدي هذا التجاوز دوراً هائلاً في فرادة الأشياء وأكتسابها لهويتها. وأذا كان حقاً على الباحث أن يتجاوز ظاهرياً وبشكل صحيح أي بعد ماهوي للأشياء فهو يقامر على أمكانية تحديد أشراط الكينونة. ومن هنا نفهم لماذا أنصب التأويل عند هوسرل على نقد أي تطور للمعنى يقوم على الغاء نقطة الأنطلاق. ذلك هو حال أثنين من كبار علماء الظاهراتية هما إيمانويل ليفيناس E, Levinas وبول ريكور P, Ricoeur. وقد أنصبت أبحاث ليفيناس على أستجلاء كنه الآخر وذهبت لتبيان الطبيعة الحقيقية للعلاقة القائمة معه، وكأن هذه العلاقة هي صلب التجربة الممكنة لأي معنى. أن الأنفتاح على الآخر يعني مواجهة تنوع الوجود وأستخلاص تسامي العلاقة التي تربط الأنا بالآخر حتى وأن كان هذا الاخر سبباً في تجريد الأنا من خصوصيتها. وبهذا فأن حضور الاخر يعد عملاً مثيراً لتيار تعبيري يغمر الوعي ويدفعه الى نور العالم. أن ديالكتيك توالد المعاني في العلاقة ما بين الأنا والاخر سيفضي حتماً الى تجسد مفهوم الكلية والجوهر بعيداً عن أي تمظهر خالص للأشياء. فهنالك لدى ليفيناس تجاوز للظاهري بالقدرة على أحتواء الظاهرة وبفعل التعالي المعرفي (9).

   وأذا ما كان أتجاه ليفيناس قد ذهب في تأويلاته أنطلاقاً من الوجود الى الفكر ومن التسامي الى الألوهية، فأن بول ريكور حرص على الأنطلاق من تحليل جوهر الأرادة ليصل الى نظرية تفسير الكينونة ودون أدنى توقف في محطات الخطيئة أو التسامي. فريكور يقوم أبتداءً بتعليق أي أحكام قائمة على الدوغمائية. وهو أسلوب يسمح للباحث بالقبض على ميكانيزمات الأبداع الترميزي. أن أجراء عملية عزل للأرادة وتنقيتها من شوائب الدوغمائية سيعطي الأدراك قابليته على النفاذ الى جوهر الظواهر وتجاوز أي موديل أحادي للمعنى يهدف الى الفصل ما بين الروح والجسد. من هنا فإن مقاربة الأشياء التي تحيط بالأرادة الحرة سيجعل من الممكن التقاط ما في الأشياء من بعد رمزي ومعنىً كامناً فيها. ويقع على عاتق الفلاسفة الربط بين مختلف سلاسل المعاني. وهكذا فإن معاني الشر والنجاسه والخطيئة ستلتف مع نمط آخر من سلاسل النقاء والخير والرحمة  تماماً مثلما تلتف ذؤابات الكروموسومات في عمليات الأنقسام الخلوي (10).

   وبهذا يسلم ريكور دون غضاضة بأن رؤية الكينونة تعني أن الوجود برمته عبارة عن عُقد متراصة من العلاقات التي تدفع الى تفسير هذه الكينونة وتأويل وجودها شريطة التخلص مما في الرموز من وهم فرضته أساليب التحليل النفسي وما جاءت به من أقحام. ويسلّم ريكور بمفهوم تعدد المعاني للمفردة الواحدة وللرمز الديني حيث يرى فيهما الأصل الأول الذي ينبجس منه الوعي وأنطولوجيته. ولقد لخص بول ريكور مثل هذا الزحام الدلالي بأزاء تعدد صور المعنى بقوله: "ليس هنالك من قانون ثابت يقيد عمل تفسير نص بعينه بل هنالك نظريات منفصلة الأسس ومتعارضة تعوم على بحر من التيارات الدلالية" (11) وبهذا فقد وجد القائمون على عمليات التأويل أنفسهم بإزاء هدف محدد قوامه تجاوز التقاطع التأويلي.

 

ب- الأسطورة والحقيقة

   حين يتعلق أمر البحث بنص من النصوص فإن الباحث الحداثي يبدو غير معني بالتقاط فكرة جوهرية أو توكيد شمولي أو بُعد ميتافيزيقي بقدر ما نجده مخلصاً لما هو واقعي من إشارات. فالباحث من هذا النمط معني بتحديد درجة أصالة المواقف وبالعودة الى جذورها مهما بعدت، حتى وأن أقر ضمناً بأن الأمر يتعلق بمياه جوفية أسطورية, وهذا يعني أن البحث سيصبح منصباً على أنطقة مختلفة من المعاني وعلى تعدد مساربها ومقاصدها وبما يؤكد بأن للكائن الأنساني طرائق شتى في التعبير حتى وأن تعلق الأمر بأساطير كثيفة الرموز. ومن هنا يأتي الأشكال الفكري أزاء نصٍ صار معنياً بتناص intertextualite شبه أكيد مابين الأسطورة والحقيقة حتى في أكثر النصوص تجريداً وعلموية.

   وأذ يبدو البعد الأسطوري غامض المعالم فإن المفكر المتمييز يمكنه الخوض وعبور مكونات النص جاذفاً بين ضفاف الحقيقة والخرافة, ولا غضاضة من الأعتراف بأن الأسطورة عبارة عن بنيان منظم ذو أسباب عميقة الوجود، أي أنه تصور يجذب القلب والعقل، قادر على عبور مجاهل الديمومة الزمانية، وينضح فكراً بما يتجاوز الفكر ذاته. ذلك بأن بنيان الأسطورة يجهد في أجتذاب كل ما هو عصيٌّ على الذوبان في الديمومة الزمانية وينتزع من المؤقت شيئاً يبقى, ولكن الأسطورة وبالعكس من ذلك  تعد باعثاً أصيلاً على تجدد الفكر. ولقد ركز علماء الأجناس كثيراً على دينامية التعارض الكلاسية والقائم ما بين التمثيل الأسطوري للمعاني وبين ما ينخرط في نطاق الفكر المنطقي. وكما بدا التوظيف الأسطوري خيالياً ومبدعاً للرموز, ظل التوظيف المنطقي قصدياً في نزعته ويعتمد على التركيب في تميزه وتوحيده لمكونات حقل الوعي،وبهذا فأن التوظيف الأسطوري ظل الوحيد القادر على بناء التصور الشمولي للعالم وبقي عامراً بالمعاني الدفينة.

 

ج-من الأسطورة الى الرمز

   لكي يمكن تجنب أي أنقطاع مابين صور الفكر ومادته من المعاني المختلفة, توجب أعطاء تفسير جديد للأسطورة بأعتبارها "تعبيراً معقداً ومتنوع المخارج لما يقوم به الأنسان وهو حيال البحث عن معنى عالمه وعن وجوده" مثلما يقول مرسيا إلياد (12)، ومن هنا تُفّهم الأسطورة بأعتبارها نصاً تقليدياً يحكي قصصاً عن أحداث وقعت في قعر الزمان وتسربلت بصنوف مختلفة من المعاني بهدف تنظيم النشاط الطقوسي وتوجيه أساليب التفكير بالعالم وبالنفس. وبهذا تصعب الأحاطة الكاملة بما تفيض به الأسطورة من رموز وجوهر ما تقدمه من تقديس مثلما يقول بول ريكور. وهذا يعني ضمناً عدم جواز ربط الأسطورة ببدائية الأنسنة لوجود تداخل مابين أنتاج الأسطورة وصيرورة التاريخ حتى ولادة عصر العلوم الحديثة، الذي لايخلو بحال من أنماط أبداعية أسطورية. وبما يعني أستحالة أقتلاع جذور الأسطورة والنشاط الأسطوري حتى من النشاط الرياضي الذي يقوم أساساً على تناسق لمتسع من الرموز. غير أن الأنقلاب الكبير الذي حدث في هذا المضمار هو ذلك المعني بتجاوز الجمود الأسطوري والأتجاه صوب المعاني المؤتلفة في صياغتها للأسطورة. ولا يفسر البحث عن كنه الرمز الأ ذلك الأندفاع صوب المعاني الكامنة خلف الأشياء. ومن هنا فإن أقدم الأساطير يمكن أن تحتفظ في عصرنا هذا ببريقها مثلما يمكن لمفردات أكثر اللغات فقراً وبدائية أن تساعد الباحث على التقاط خيوط تجارب دفينة. وهكذا  ولد الولع بآثرية archeologie النص، وما يمكن لهذا الولع بالقديم والغامض من المعاني من أخراج الرمز من قوقعته الأسطورية بغية الأحاطة بطرائق الترميز الأصلية وما تحمله من رسائل. فالرمز شديد القدرة على شحذ القوى الفكرية. لا بل أن الكثير من المفكرين يجدون اليوم أنفسهم وهم إزاء حقيقة تجاور الرموز مع مقولات الفكر وكأنها من أصل واحد.

   ومن هنا يجب الأقرار بأن على علم التأويل الحديث أن يبقى مخلصاً الى المعطيات البدائية التي تجلت معها الأسطورة. وهو معني أكثر من ذي قبل بأستلهام لحظة الأنبهار الأولى حتى بعد ضياع عذرية التفكير البدائي.

 

د- أبعاد التأويل:التفسير وآفاق الخطاب

   يمكن تتبع آثار ثلاثة مواقف متباينة في مواجهة مهمة التأويل أولها الموقف الأثاري الذي يركز الأنتباه على الرمز البدائي الطبيعي وعلى ما في الأسطورة من شاعرية وأصالة, لذا فإن هذا الموقف معني بالعودة الى ينابيع اللغة بحيث يسهل تصور البعد الأركيولوجي (الأثاري) للتعبير وما ينجم عنه من ذاكرة ثرة كما هو الحال عند التعامل مع خطيئة آدم وهبوطه الى الأرض في النص التوراتي. فالباحث معني هنا بالقوى الأيمائية للكلمات وهو يقبل أقصى ما يحمل الرمز من غموض.

   أما الموقف الثاني فهو المعني بأثارة الأنتباه الى ما في أعادة فحص النص من فهم متجدد يضطر معه الباحث الى متابعة أتجاهات الرموز وتتابعها وكيف يمكنها أنتاج براعم مفهومية جديدة. آخذاً بنظر الأعتبار تطور اللغة وكيف تقذف هذه على الدوام، تماماً مثل البركان, صهارة متجددة من الأشارات تسمح بتقولب الخطابات المختلفة المرتبطة بمعاني غائرة في أعماق اللاوعي الجمعي. أما الموقف الثالث فتميزه ذاتية نزعته، ويقوم على التقاط التجربة الأسطورية الأصيلة ومقابلة هذه التجربة مع ما نملك اليوم من مواقف روحانية بحيث يتم التطابق بين كلا النوعين من التجارب. وقد تزعم هذا الأتجاه بولثمان في كتابه (العهد الجديد والأسطورة) حيث يركز الكاتب على ما هو متوفر من محايثة مابين واقعة الخروج من الجنة في حالة آدم ومظاهر الأستلاب التي يتعرض لها الأنسان الحديث (13).

 

هـ- دائرة التأويل: التعالي والوحي

   وسواء أكانت تجارب التأويل مأخوذة بفعل الأنبهار وبكارة الفكر أم نافية لهما, فإنها تتجنب عادة الخوض في غمار الفلسفة البحتة فيما لاتمتنع عن المغامرة في مجال اللاهوت أو على أقل تقدير عند تخوم الفلسفة في لقائها مع علم الأديان، فهي تحاول أن تتمثل طريقاً يجمع ما بين الأثنين.

   ولو أننا أخذنا جانب المشكلة كما يطرحها الفيلسوف فسنجد أن هذا الأخير يميل الى أعتماد التسامي كأفق ممتثل لمنهجه وهو يحاول بمعونة الرموز، فهم ما يمكن أن يطرحه الألهام والوحي الديني. أن الفيلسوف الذي يغامر في دائرة اللاهوت لايملك, وهو بصدد برنامجه التأويلي الا التسليم بوجود مركز كوني ناشط أو أن للفكر حراكاً يمثله حضور الروح ويتجاوز قدرة اللغة على أستخلاص كنه الموحى به. تلك هي دارة التأويل القصوى منذ اللحظة التي يغادر فيها الباحث أساطير الأولين صوب ديانة الوحي. ومع شدة رفض بعض الفلاسفة لما في هذا العلم من غرابة وعدم أتساق ظاهر فإن غريزة التفكير لاتجد بداً من أتخاذ موقف أصيل والا فإن عليها مغادرة هذا النوع من البحوث.

   وبغض النظر عن طبيعة الموقف الذي يتخذ في هذا المنحى فإن الباحث لايملك الا بناء تصور فلسفي منفتح على معطيات اللاهوت وبأنتظار تجلي لحظات تفسير نفاحية apologtique قد توفرها الكشوف المعرفية اللاحقة التي تعزز من صدقية الموحى به أو أن تكون تصديقاً له.

   وفي حالة غالبية الفلاسفة المحدثين ناهيك عن رهط آخر من الأولين فإن الحذر من الوقوع في شباك المثال القبلي archetype لموضوعة الوحي لايغني عن جاذبية التصور الكلي الذي يقدمه الفهم الديني للأشياء. ذلك أن لغة الكتب المقدسة ليست أسطورية تماماً وهي قادرة على النفاذ بشكل أعجازي الى أكثر القضايا المعاصرة بعداً عن دائرة اللاهوت، ولاسيما بعد أن أبعدت القضية الفلسفية التي تتعلق بمفاهيم التدين عن سجنها الكهنوتي بفضل أعمال مفكرين كبار من أمثال غراتري وسيميل وبولثمان وحتى بيرغسون. وعليه فإن التأويل الحديث صار مدعواً لأتخاذ موقف صريح من حقيقة التعالي الذي يحكم بلغة العلوم البحتة صيرورة الفكر وتطور المادة, ما يستدعي، ولاشك، ضرورة التسلح بنمط حاد من القدرة التأويلية وبما يسمح بإعادة تفسير أكثر النظريات العلمية بعداً عن اللاهوت مثل التطورية والفيزياء الحديثة.

   من هنا نفهم بأن عالم الفكر الحديث، وبفضل ما أنجز في حقل المعارف المختلفة، لم يعد عالماً مغلقاً وخاصةً بعد أن تمكنت الفلسفة من كسر طوق اللامتناهي. لقد دفعت طائفة عريضة من المفكرين المهتمين بالتأويل من أمثال ليفيناس وريكور وميشيل هنري وجان أيف لاكوست، الى خلق لحظة معرفية جامعة لفحوى النص وتأثيراته المتباينة وتاريخية تناصه ومستقبل هذا التناص. من هنا صار من المتعذر أدراك أبعاد نص بعينه دون وجود أنتماء مشترك يجمع مابين جهة التأليف والمتلقي والقائم على التأويل ولكي يمكن أيجاد طريق وسط ما بين حق النقد والقدرة على الأستشفاف.

   كما ركز مثل هؤلاء على ضرورة أذابة العقد الدوغمائية لمقولات النص دون أهمال بعدها التقديسي محافظين بذلك على مفهوم دائرة التأويل التي يمكن العمل على جعلها أكثر سعة حين تبقى الفاهمة قادرة على الألمام بكل ثنايا النص وربطها بأبعاد التأويل ولغة العصر وبعد أستدعاء كل ضرورات التعاطف والتمثل. لقد أراد بول ريكور، على سبيل المثال أحالة الجهد الظاهرياتي الى شكل من أشكال التأويل البحث بعد أن نجح، ومنذ العام 1965 في ترقيع براعم المشكلة التأويلية في باطن الأسلوب الظاهرياتي وبعد أن أوصى بالكف عن جعل المثالية هي المنهج السائد. وهي خطوة أنقذت التيار الظاهرياتي في فرنسا من الأندثار تحت تأثير طغيان البنيوية. لقد فتح ريكور قنوات رائعة مابين الظاهرياتية التأويلية والفلسفة التحليلية وصولاً لما سماه بلحظة"التسليم الأنطولوجي". وبهذا أتجه الفرنسيون من كبار الأدباء والفلاسفة، مع مطلع الثمانينات المنصرمة الى رسم خطوط جديدة للتأويل تقوم على أستخلاص المعنى البحت للظاهرة بعد ملاحقتها عبر كل تاريخ صيرورتها. وفي كتابه (الأختزال والعطاء) 1989 عمل جان-جاك ماريون على أعادة تعريف مفهوم التجربة التأويلية تحضير الأعادة الأعتراف بظاهرة الوحي.

   أما مارك ريشير فقد عمل من جانبه على البحث عن كل ما هو مبهم في البنية الرمزية في تلك الحزم من الدوافع الأنسانية التي يحفل بها التاريخ، وبهذا فإن ريشير وزملائه يريدون أستجلاء كنه أكثر الأشياء خصوصية فيما أسموه "بالأنا البدائي" في أتصاله بظواهر الواقع (14).

 

..............................
(*) أستاذ مساعد -قسم الفلسفة –كلية الآداب-جامعة واسط باحث في مركز الفلسفة المثالية الألمانية-جامعة بواتييه-فرنسا

 

الهوامش:
.....................

1- أنظر حول هذا التعريف مقالة DUPUY Bernard , Hermeneutique , in Encyclopaedia Universalis , Dictionnaire de la Philosophie , ed. Albin Michel , Paris 2000 , p. 704.

2- VALERY Paul , Oeuvres 1 , ed. Bibliotheque de la pleiade , NRF. , P. 988.

3- أنظر بهذا الخصوص كتاب: مارتن هيدجر, في الفلسفة والشعر, ترجمة وتقديم الدكتور عثمان أمين, الدار القومية للطباعة والنشر, الطبعة الأولى القاهرة 1963 أنظر الصفحات 16-17-18-19و22.

4- المصدر نفسه.

5- أنظر Bernard DUPUY , op. cit. , p.p. 705-707.

6- أنظر بهذا الخصوص كتاب DURAND G. , L, Imagination symbolique , ed. PUF. , Paris 1956.

7- HUSSERL E. , Idees directrices pour une phenomenologie , ed. Gallimard ,  Paris 1950 , p.p. 60-84.

8- أنظر كتاب غادمير: GADAMER G. H. , Verite et methode , trad. E. Sacre et P. Ricoeur. , ed. Seuil , Paris 1976.  

وأنظر كذلك LE MONDE 1. PHILOSOPHIES , ed. Le Monde Paris 1984 , p. 231.

9- أنظر بهذا الخصوص LEVINAS E. , Totalite et infini ,  ed. Martinus Nijhoff, 1971, p.p. 137-190.

وأنظر لنفس الكاتب La Mort et le Temps ,  ed. L,Herne Paris 1991.

10- أنظر كتب RICOEUR Paul , Soi-meme comme un autre , ed. , du Seuil , Paris 1990.

و Temps et recit , ed. Du Seuil , Paris 1983.

11- Ibid.

12-ELIADE Mercia , Le Sacre et le Profane , ed. Gallimard , Paris 1965 , p.p. 60-69.

13- أنظر كتاب العالِم اللاهوتي BULTMANN  R. , L, Interpretation du Nouveau Testament , ed. Aubier , Paris 1955.

14- أنظر بهذا الخصوص كتاب البروفيسور MARION Jean-Luc , Etant donne , ed. , PUF. , Paris 1998.

و كتابه الآخر De surcroit , ed. , PUF. , Paris 2001.

وأنظر كتاب : RICHIR  Marc , Phenomenologie en esquisses , ed. J. Millon, Grenoble , 2000.