البنيوية .. مراجعة في المنهج والرؤية
د. سعيد عبد الهادي(*)

إذا كان تحديد ( بياجيه )،
للبنيوية ([1])
امتلك من الشيوع ما جعله الأقرب للانطلاق منه، لكننا نرى أن
الوقوف عند سوسير ، وما قدمه في محاضراته، يجب أن يكون ركيزة
أساسية سابقة لكل تحديد . وذلك لسببين ؛ الأول ، يتمثل في انه
قدم الأنموذج اللساني بكل آلياته ولم يتم مع البنيويين
اللاحقين إدخال تعديل أساسي على هذا الأنموذج وإنما تم العمل
على تطوير هذا الأنموذج ، أي ثبات البنية (النظام) وتطور
المفاهيم ، والسبب الثاني منهجي يرتبط بضرورة وعي لحظة التأسيس
([2]).
إذ أن سوسير ، وفي اللحظة
التي حاول فيها تخطي الدرس التاريخي الفيلولوجي في النظر إلى
اللغة ، أي في لحظة رفض النظر إلى اللغة بوصفها ركاما من
الكلمات التي تجتمع بالتدريج عبر الزمن لتكون إشارة دقيقة عن
واقع خارجي سابق عليها ([3])
، استطاع أن يقعد (النظام –البنية-) بتحديده لمجال اللسانيات
،وفصله عن مجمل العلوم الموازية ، التي شغلت علماء اللغة ،
وانشغلت بتفسيرها (اللغة) .ولم تكن فكرة المحايثة إلا وليدا
طبيعيا لتحديد المجال.
حـد (سوسير) اللغـة بكـونها
نظاما "يعتمد كليا عـلى التقابل بين وحداته الملموسة " ([4])
وهذه الوحدات الملموسة هي الإشارات،وهو يقول "الإشارات
والعلاقات بينها هي موضوع دراسة (علم اللسان)"([5])
، ثم يقول "وسواء أخذنا المدلول ، أو الدال ، فان اللغة لا
تملك أفكاراً ولا أصواتاً لها وجود قبل النظام " ([6])،
وهكذا يتجلى بوضوح إن ما سماه بـ(النظام ) هو عينه الذي سيتخذ
(البنية ) تسمية مع البنيويين اللاحقين ، وهو يقول : بأن
اللسان "نظام من العناصر المعتمد بعضها على بعض ، تنتج قيمة كل
عنصر من وجود العناصر الأخرى في وقت واحد"([7])
.
وتحديد (النظام ) عنده لا يتم
عن طريق جمع العناصر المكونة له ، وإنما يتم عن طريق البدء
بتحليل الكل (مرحلة أولى) ، توصل إلى تحديد عناصره_ الكل_
(مرحلة ثانية) ، وهكذا يتم تحديد النظام([8])،
وجملة هذه الأقوال تقودنا بتحديد مكوناتها ، إلى معرفة آليات
المنهج البنيوي ، فمن التحديد الأول نقف عند الوحدات الملموسة
(الإشارات) ، ولقد قدم تصورا متجاوزا لما سبقه في تحديده
لطبيعة الإشارة اللغوية (العلامة ) ، إذ ساد فيما سبق النظر
إلى العلاقة بين الدال والمدلول ، على إن الدال طبيعي خارجي ،
أما المدلول فهو ذاتي نفسي ، أما سوسير فرفض الفصل بينهما ،
ولم ينظر للمدلولات بوصفها ثابتة ، بل رأى أنها "تصورات
متغيرة وطارئة، تختلف من حالة من حالات اللغة إلى أخرى ، ولما
لم يكن هناك سبب ملح يجعل أحد التصورات الذهنية أولى من غيره ،
بأن يلحق بدال بعينه ، لم يكن هناك – لذلك – خاصية ملازمة
ينبغي للتصور الذهني الاحتفاظ بها من اجل أن يعد مدلولا لهذا
الدال "([9])،
وبهذا فإن سوسير أشرك المدلول في جملة إشكالات الدال" النظام
اللغوي هو سلسلة مـن الفروق الصوتية تـرتبط بسلسلة مـن الفروق
في الأفـكار …ومع إن المدلول والدال كليهما تفاضلي وسلبي إذا
نظرنا إليهما بصورة منفصلة ، فارتباطهما حقيقة إيجابية"([10]).
وهكذا نرى أن (البنية ) النظام ( تعتمد ) يتألف من الإشارات
والعلاقات ، وإذا كانت العلاقات تمثل جملة الروابط بين
الإشارات ، فان الإشارة (العلامة) هي " الحقيقة الجوهرية للغة
" ([11]) ،
وهــي " المفهوم الــذي سيوضح مفهوم اللسان وطبيعته توضيحا
نهائيا " ([12])
يحدد (العلامة -الدليل-الإشارة ) بالقول،بان الإشارة اللغوية
"هي كيان ثنائي،كيان يتألف من الربط بين عنصرين([13])
الفكرة (المدلول)، والصورة الصوتية (الدال)،وللإشارة صفتان
جوهريتان عند سوسير هما ؛ الاعتباطية ، ويوضحها بالقول " إن
العلاقة بين الدال والمدلول اعتباطية " ([14])
، ثم يقول موضحاً مفهوم الاعتباطية "اعني بالاعتباطية أنها لا
ترتبط بدافع ، أي إنها اعتباطية لأنها ليس لها صلة طبيعية
بالمدلول " ([15])،
أما الصفة الثانية (الطبيعة الخطية للدال ) ، يوضحها بالقول "
لما كان الدال شيئاً مسموعاً (يعتمد على السمع) ، فهو يظهر
إلى الوجود في حيز زمني ، ويستمد منه هاتين الصفتين ؛ (أ) يمثل
فترة زمنية ، (ب) تقاس هذه الفترة ببعد واحد فقط : فهو على
هيأة خط " ([16])
إذا كان الكلام السابق يتعلق بطبيعة العنصر الذاتية ، فانه في
فصل لاحق يتحدث عن علاقة العناصر فيما بينها داخل النظام
اللغوي عبر محوري الإيحاء والتركيب ، فيقول: "إن العلاقات
ألسنتاكمية هي علاقات حاضرة يعتمد على عنصرين أو اكثر يقعان في
سلسلة حقيقية فعالة . أما العلاقات الإيحائية فهي تربط بين
العناصر بصورة غيابية، سلسة ممكنة تعتمد على الذاكرة " ([17]).
وهذه العلاقات تبنى على مفهوم
أساسي عند سوسير ، وهو مفهوم القيمة ، الذي يوضحه بقوله إن
اللسان "نظام من العناصر المعتمد بعضها على بعض ، تنتج قيمة كل
عنصر من وجود العناصر الأخرى في وقت واحد " ([18])،
و يسحب هذا المفهوم على مجمل مكونات اللغة ([19])
كما انه يؤسس عليه في طبيعة العلاقات " إن ما نجده ( في اللغة
)… ليس أفكاراً محددة سلفاً ، بل قيما تستمد وجودها من النظام
. وإذا قيل إن هذه القيم تطابق الأفكار فالمقصود إن الأفكار
إنما هي تفاضلية Differential يحدد معناها ليس بمداها الإيجابي
، بل يحدد سلبياً عن طريق علاقاتها بغيرها من العناصر في ذلك
النظام " ([20])وهكذا
نرى أن ليس هناك قيمة ثابتة أو جوهرية لأية وحدة لغوية ، بل إن
العلاقة بين الوحدات ( الاختلاف ، التضايف ، التمايز ) ، هي
التي تحدد قيمة الوحدة المنفردة ، وهذا ما يؤكد سلبيتها ، ثم
يميز سوسير بين القيمة والدلالة ([21])
، والقيمة كما يرى (كوديل ) ترتبط بالكلام ، أي بـ( لعبة
الأطراف المحققة في الكلام)، أما الدلالة فترتبط باللسان ، أي
بـ( لعبة الأطراف المحتملة في اللسان)([22]).
إذا كنا في كل ما سبق من قول
لم نتوقف إلا عند النظام اللغوي ذاته ، فأننا سنحاول هنا أن
نسلط الضوء على ثنائيتين أساسيتين عند (سوسير ) حددا هذا
النظام بحصر مجاله الخاص ؛ الأولى هي ثنائية ( اللسان / الكلام
)، والثانية هي ثنائية ( المحور الزماني / المحور التزمني ).
يميز سوسير بين اللسان langue
وبين اللغة language ، بكون اللسان نتاجا اجتماعيا لـ(ملكة )
اللغة لذا يأتي الفصل بين اللسان والكلام فصلاً بين ما هو
اجتماعي وما هو فردي ، بين ما هو جوهري وما هو عرضي ، يقول
سوسير : " اللسان ليس وظيفة الفرد بل هو نتاج يهضمه الفرد
بصورة سلبية ، ولا يحتاج إلى تأمل سابق … أما الكلام فعلى
العكس من ذلك فعل فردي وهو عقلي مقصود " ([23])
، ثم يحدد اللسان langue بكونه متجانساً وبأنه " نظام من
الإشارات جوهره الوحيد الربط بين المعاني والصور الصوتية ،
وكلا طرفي الإشارة سايكولوجي ([24])
" وهكذا نرى أن اللسان langue لغة بلا كلام ، يقول بروندال :
" اللسان langue كيان تجريدي محض ومعيار أعلى من الأفراد ،
ومجموعة من النماذج الأساسية التي يحققها الكلام بصفة تتنوع
بشكل لانهائي " ([25])
والنتيجة المنطقية لهذا ، انه لا يمكننا تصور لسان بدون كلام
ولا كلام خارج اللسان ، لذا يرى (بارت) أن " من البديهي إلا
يستمد أي واحد منهما تعريفه الكامل إلا من السيرورة الجدلية
التي توحد بينهما معا " ([26])
، ولهذا التميز اثر كبير في جملة العلوم الإنسانية التي حاولت
الإفادة من ( علم العلامات ) ، لكون دراسة النظام تؤدي إلى "
بناء النماذج التي تمثل الصيغ ، وإلى علاقتها بعضها ببعض ،
وإمكانات التأليف بينها ؛ في حين ان دراسة السلوك الفعلي او
الأحداث الفعلية قد تؤدي إلى بناء النماذج الإحصائية التي تمثل
احتمالات قيام تآلفات بعينها في ظل ظروف متغيرة " ([27])
، أي انه تمييز بين بنية وحادثة ، كما أوضح ريكور)([28])،
بين متغير وثابت ،وهذا يقودنا إلى الحديث عن الثنائية الآتية ،
وهي ثنائية (ألسنكروني –التزامني - / الدايكروني – التعاقبي
-) ، يقول ( كلر ) " من بين كل التفرقات التي أقامها سوسير ،
كانت هذه التفرقة اقلها وضوحاً في الفهم وأقلها ضفراً بالبحث
من قبل خلفائه " ([29])
، وربما أجلى ما قدمه (سوسير) حول العلاقة بين هاتين
الثنائيتين ، هو مثله عن رقعة الشطرنج ، فحالة ترتيب قطع
الشطرنج تشبه حالة تزامن اللغة ، والقطعة تأخذ قيمتها من
تقابلها ، والانتقال من حالة توازن إلى أخرى يأتي بفعل تحريك
قطعة واحدة فقط. وهذه الحركة تمثل بدقة حالة التعاقب ([30]).
من جملة هذه الثنائيات ،
والتأكيد على التعارضات برزت المنهجية البنبوية ، في الدرس
اللغوي والأدبي مع محاولة تأسيس علم العلامات ، ثم انتقل الدرس
إلى الأنثروبولوجيا مع ليفي شتراوس لكي يبدأ ما نستطيع تسميته
بمرحلة سيادة العلامة ، فطالما منح الشيء معنى في ظل حضارة ما
اصبح يتدرج في علم العلامات ، وخضع بالتالي لشروط المنهجية
البنيوية في اللسانيات المرحّلة إلى هذا العلم الأعم ، الذي هو
علم العلامات ، يقول كولر : " إن ما يسمى الآن ( بنيوية ) قد
ظهر عندما رأى علماء الأنثروبولوجيا ، ونقاد الأدب وآخرون
غيرهم أن مثل الألسنية يمكن أن يعينهم على تسويغ ما حاولوا هم
أن يصنعوا في حقولهم المعرفية الخاصة، كذلك فأنهم عندما شرعوا
في اتخاذ الألسنية أنموذجاً ، أدركوا انهـم في الحقيقة يطورون
السيميولوجيا التي كان سوسير قد طرحها منذ زمن بعيد "([31])
ولكن ما نراه في تحويل
الأنموذج الألسني أن مقولة التعارضات اتخذت مع مدرسة براغ
والبنيوية الفرنسية طابعاً انطلوجيا ([32]).
فيرى (بارت) عندما يتحدث عن ( ليفي شتراوس ) أن " العقل قد
يبني أزواجا من الحدود المتناقضة من صنف ( موسوم / غير موسوم )
، ولكن مادة هذه الأضداد قد لا تكون قارة ، وقد تكون قيمتها
غير أنثروبولوجية بالطبع : إذ بإمكان مجتمع ما معارضة الأسود
بالأبيض ، وبإمكان مجتمع آخر معارضة الأسود الداكن بالأسود
اللامع … وقد أكمل ر.ياكوبسن خطاطة التعارض الثنائي ( أ / ب )
بإضافته حدين مشتقين ، أحدهما محايد ( لا " أ " و لا " ب " )
والثاني مختلط ( "أ " و"ب" في أن معاً ) " ([33])،
وهذا القول نستطيع أن ندعمه بقوانين التأسيس عند جاكوبسن ،
والثنائية المحورية ( الطبيعة / الثقافة ) عند ليفي شتراوس :
فقوانين التأسيس كونية ومتأصلة
، تتوفر قوانين التأسيس على الشكل المنطقي لقوانين التضمن
والتساوق والتضاد ([34])
– أما ليفي شتراوس فيقول : " إننا … لا نرى الأشياء كما هي أو
كما نفترض أنها كذلك ، بل ننظر إليها انطلاقا من عملية ترميز
(codage) حقيقية تتم على مستوى الدماغ … وتعمل عملية الترميز
هذه عن طريق أزواج من التعارضات : بين الثبات والحركة ، اللون
وغياب اللون ، الوجهة الأفقية أو الوجهة العمودية أو الوجهة
المائلة"([35) .
وضمن هذا المنظور سارت
دلائلية غريماس ، إذ رأى أن التقابل الضدي يمثل جوهر المعرفة
الإنسانية وبدونه تبدو لنا الأشياء غير منسجمة وعشوائية ، وبذا
لا يمكن لها أن تدرك ، أي أن التقابل الضدي عند غريماس هو الذي
يمنح التجربة الإنسانية والعالم شكلاً ([36])،
لهذا بنيت مخططاته على فكرتي الضد والنقيض ، (اسود : ابيض ::
غير اسود : غير ابيض ، ويمثل لـه بالمربع السيميوطيقي
.
فإذا كان التضاد متجذرا في
العقل الإنساني ، فان السلب ( النفي ، والنقض ) فكرة مكملة
لفكرة التضاد على وفق هذا – البنية العميقة –يبني غريماس (
أنموذج المجالات الحدثية ) ، وهي تتألف من ثلاث مجموعات من
المتضادات يتولد منها الفواعل :الفاعل / المفعول ، المرسل /
المستقبل ،المساعد / المعارض .
وهكذا نستطيع أن نتحدث عن عمق
الرابط الذي يجمع بين غريماس وبين ليفي شتراوس ، من حيث الأساس
(الوجودي) للنظرية ، فلو تأملنا تحليل ليفي شتراوس لأسطورة
أوديب لوجدناه يقوم على أربع قضايا ترتبط كل قضيتين فيه
بعلاقة تقابل ؛ الإفراط في علاقة الدم ، والتفريط بها
والتقابل الثاني بين النفي والتأكيد (تأكيد الأصل الأرضي
ونفيه) أ : ب :: ج : د
ويخلص ليفي شتراوس من تحليله
للأسطورة إلى أن " الإفراط في تقدير علاقة الدم يشبه من جهة
نسبته إلى التفريط في هذه العلاقة ، محاولة الهرب من الأصل
الأرضي من جهة نسبتها إلى استحالة ذلك الهروب " ([37])
، ونستطيع أن نجد الرابط بين عملي غريماس وليفي شتراوس من خلال
رصد طبيعة هذه الأربع (سيمات) المتقابلة ، إذ أن الأولين
نقيضان والآخرين ضدان .هذا التأكيد على الثنائيات الضدية عند
البنيوبين ربما اصبح سمة مائزة ، وليس مجرد آلية تحليلية
تستخدم لمعرفة بنية النظام المدروس .
نستطيع أن نرصد المتغيرات
الرئيسة التي حكمت هذا المنهج والتي انبثقت بفعل اثر ثقافة
المجال المتينى عبر اتجاهين تشكلا بوصفهما تطوراً تاريخياً –
خيطياً – وفي الحقيقة إن الاختلاف بينهما من حيث البعد الفلسفي
للمنهج ، يجعلنا نتحدث عنهما بوصفهما اتجاهين ، وليس اتجاهاً
واحداً ، وهما ؛ مدرسة براغ والبنيوية الفرنسية ([38]).
هذا الفصل نستطيع أن نقيمه
على وفق الأساس الابستيمولوجي المتحكم في كلا المدرستين ، إذ
أن المدرسة الأولى لم تهمش دور الذات تماما ، كما فعلت الأخرى
لهذا جاء وصف الأخرى بأنها " كانطية دون ذات متعالية"([39])
وهذه المقولة تحتاج إلى شيء من التوقف عندها ، لأنها ترتبط
بـ(اللاوعي البنيوي)، وهو مختلف تماماً عنه عند (فرويد ومدرسة
التحليل النفسي ) ، إذ أن اللاوعي عند البنيويين " يكف عن
كونه المخبأ الفائق الوصف للخصوصيات الفردية ، ومستودع
التاريخ الفريد الذي يجعل من كل واحد منا كائنا فريداً لا
يستبدل " ([40])
، ليتحول إلى ذلك المكان الغفل الذي يخبئ ويؤدي القوانين التي
تشكله . وهذا ما تقدم لنا عنه كل عملية لغوية بشرية الأنموذج
المثالي فكما أن بنية اللغة تظل مجهولة من قبل الشخص الذي
يتكلمها ، فان كل نتاج بشري وكل مؤسسة اجتماعية " تفترض وظائف
عقلية تمارس فعلها وأثرها في مستوى اللاوعي " وبالتالي فهي
خارجية تحديداً على وعي الذات ([41])
وهكذا يتضح أن اللاوعي هنا معرفيً وليس سايكولوجياً ، ومن هنا
شبه بالكانطية أي فرض شكل على المحتوى " إن هذه الأشكال التي
تطبقها الروح الليفي شتراوسية بشكل ضروري على الأشياء ، هي
أيضاً إكراهية وحتمية ، مثلها في ذلك مثل مقولات الإدراك
الكانطية . وهي شمولية مثلها : فهي لا تاريخية من جهة ( أي
تتجاوز التاريخ ) – وهي قديمة وحديثه –كما إنها لا ثقافية من
جهة أخرى ( أي لا تنتمي إلى ثقافة ما دون غيرها وإنما تشمل
جميع الثقافات ) – البدائية منها والحضارية …وهي أيضاً بمعنى
من المعاني فارغة مثل فراغ الأشكال الأسبقية للحس (السابقة على
التجربة ) " ([42])
وتعضد هذه الآراء ما ذهب أليه
ليفي شتراوس نفسه ، يقول : " اللاوعي دائما فارغ ، أو لنقل
بشكل أدق انه غريب على الصور كغربة المعدة على الأغذية التي
تجتازها ، انه عبارة عن عضو لوظيفة شديدة الخصوصية ، وبالتـالي
فهو يقـوم بفـرض قوانين بنيوية ، تستنفد حقيقته وتقلصها إلى
مجـرد عناصـر هلامية آتيـة مـن مـكان آخـر .كالغرائز
والانفعالات والتصورات والذكريات " ([43])
وهذه الأقوال يؤكدها ما ذهب إليه (ريكور) بقوله : " إن
القوانين اللغوية تدل على مستوى لا شعوري ، وهو بهذا المعنى
ليس من مستوى الفكر أو التاريخ ؛ هذا اللاشعوري ليس الذي يقول
به فرويد ، لا شعور إندفاعة الحياة والرغبة في قدرته على إنشاء
الرموز ، بل هو بالأحرى لا شعور كانطي ، لا شعور من مستوى
المقولات وتآلفها ، انه نظام متناه أو تناهي النظام ، ولكن من
حيث انه يجهل ذاته ، وأقول لا شعور كانطي بالنظر فقط إلى
تنظيمه ، إذ أننا حقاً بصدد منظومة من مستوى المقولات من دون
إحالة إلى ذات مفكرة ، ولذا فان البنيوية من جهة ما هي فلسفة
تنشئ نوعا من المعقولية مختلفاً ، اختلافاً جذريا عـن
المعقولية الفكرية والمثالية والفينومينولوجية ([44])
هذه المعقولية
الفينومينولوجية هي التي مازت الاتجاه الأول ، فضلاً عن تأكيده
على محوري (الزماني/ التزامني ) كليهما ، يرى (جاكبسون ) انه "
يجب استبدال أنموذج سوسير عن اللسان بوصفه نسقاً سكونياً،
بتصور دينامي لشفرة متنوعة و (قابل للتحويل ) ، أي لشفرة قادرة
على التكيف مع مختلف وظائف اللغة ومع شروط الزمان والمكان
المتغيرة " ([45])
، هذا فضلاً عن أن موت الإنسان لم يعرفه بنيويو براغ ، وعد في
المدرسة الفرنسية عاملاً حاسما في التمييز ، وفي كسر المسار
التاريخي الخطي الذي رسم للبنيوية، فنحن إن كنا لا نستطيع أن
ننفي الأثر والتأثر فإننا نستطيع أن نحدد تمايزاً أساسياً –
فارقاً – بين المدرستين إذ إن بنيوية (براغ ) وجاكوبسن بصورة
خاصة، تبدو عندهم الذات " تحت شكل ثلاثي باعتبارها ملاحظا هو
نفسه جزء من ملاحظته : إذ تظهر 1- بصفتها منتجا ومحصلا بين
ذاتي . 2_ لا واعي . 3- للرسالة اللغوية . وعوضا أن تتبدى
بنيوية ياكوبسن بوصفها " كانطية " أي فلسفة تسعى إلى الأشكال
والقوانين الكلية والقبلية دون ذات متعالية ، فأنها تتكشف
بوصفها كانطية ذات مفهوم للذات متمايز اكثر . فقد تم توسيع
الذات بأبعاد بين الذاتية واللاشعور .وموت الذات ليس شعار
ياكوبسن ، بل تقترب منه اكثر صيغه (لاكان ) عن انحراف الذات عن
المركز" ([46])
، وتذهب هولنشتاين إلى أن الذات عند جاكوبسن ذات هوسيرليه "ومن
ثم فاطروحتنا هي أن بنيوية باكوبسن يمكن اعتبارها بصفتها نزعة
هوسيرلية فيما يخص مسألة الإرجاع إلى الذات" ([47])
، هذه الأقوال فضلاً عما تحدث به جاكوبسون نفسه عن اثر هوسيرل
عليه. تمكننا القول إن هناك فارقاً جوهريأً في كل من
الأنموذجين الأصليين المشكلين لكلا البنبويتين ، وهذا الكلام
ينسحب بدوره على بقية أعضاء حلقة براغ وعلى رأسهم موكاروفسكي
اذ يقول : "إن العلاقات المتبادلة بين جميع عناصر العمل الشعري
، سواء كانت محققه أم غير محققه ، هي التي تخلق بنيته ، وهذه
البنية دينامية تحتوي على كل من نزعات التقارب والتباعد ، وهي
ظاهرة فنية لا يمكن تناولها بصورة جزئية ، لأنه لا قيمة لأي
عنصر من عناصرها إلا في علاقته بالكل "([48])
وهذه الدينامية في بنيوية براغ لا نرى أي اهتمام بها في ما
قدمه الفرنسيون .
فضلاً عن الدينامية فإن
موكاروفسكي يؤكد أن من الواضح "أن قيمة الأجزاء الخاصة لا
تتوقف على معايير قبلية مسبقة ، بل تحددها علاقتها بالكل . وما
يحدد قيمة العمل بكامله هو، إذاً ، مدى قدرته على تحقيق
المبدأ البنيوي الذي يشكل أساساً له ، وبعبارة أخرى فان البنية
، هي دافع ظاهراتي وليس تجريبياً، فهي ليست العمل ذاته ، بل
مجموعة العلاقات الوظيفية المتموضعة في وعي جمع من الجموع (
جيل ، وسط ، الخ ) "([49])
، وهذا القول يؤكد لنا سيادة الرؤية الظاهراتية على نتاج حلقة
براغ ، في الوقت الذي لا نجد للظاهراتية هذا التأثير عند
البنيويين الفرنسيين ، بل كان لماركس ، أو فرويد ، أو هيدجر
اثر اكبر عليهم .
الهوامش
...............................
([1]) يعرفها بياجيه بأنها " نسق من التحولات ينطوي
على قوانين ، فيقي ذاته ويحافظ عليها ويغتني من داخل
عملية تحولاته نفسها، من دون أن يفضي به ذلك إلى
الخروج عن حدوده الذاتية ، أو إلى الاستعانة بعناصر
خارجة عنه . وبكلمة تشتمل هذه البنية على الخصائص
الثلاث الآتية :- الكلية ، التحولات ، والتدبير (
الضبط ) الذاتي " بياجيه ، البنيوية ، ترجمة عارف
منيمنة وبشير اوبري ، منشورات عويدات ، بيروت ، ط3 ،
1982 ، ص8. اعتمدنا هنا على ترجمة حسن قبيسي في مقاله
( في البنيوية والمنهج البنيوي ) ، مجلة الباحث ،
باريس ، العدد الثالث ، ألسنة الأولى ، 1978، ص143.
([2]) لا خلاف حول ارتباط البنيوية بسوسير ، ولقد
كان للبنيويين اللاحقين دور كبير في تطوير جملة
المفاهيم التي شكلت المحور الأساسي في محاضراته كمفهوم
العلامة ، والمحور الإيحائي والمحور التركيبي ، ومحوري
التزامن والتزمن .
([3]) ينظر : دي سوسير (فرديناند) ، علم اللغة
العام ، ترجمة يوئيل يوسف عزيز ، مـراجعة مـالك
المطلبي ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، ط1 ،
1985 ص 84.
([4]) المصدر نفسه ، ص126 . ويقول سوسير أيضاً "
الإشارات والعلاقات بينها هي موضوع علم اللغة " ،
المصدر نفسه ، ص122.
([5]) المصدر نفسه ، ص122.
([6]) المصدر نفسه ، ص139.
([7]) المصدر نفسه ، ص134.
([8]) ينظر : المصدر نفسه ، ص132-134.
([9])كلر (جونثان) ، فرديناند دي سوسير ،ترجمة، عز
الدين إسماعيل، المكتبة الأكاديمية ، القاهرة ، ط1،
2000، ص16.
([10]) دي سوسير ، المصدر السابق ، ص139.
([11]) كلر ، المصدر السابق ، ص72.
([12])مبارك (حنون) ، مدخل للسانيات سوسير ،دار
توبقال ،( الدار البيضاء ، ط1 ، 1987م)، ص41.
([13]) دي سوسير ، المصدر السابق ، ص84.
([14]) المصدر نفسه ، ص86-87. وهو يرى أن علم
الإشارات سيكون اهتمامه الأول " منصباً على جميع
الأنظمة التي ترتكز على اعتباطية الإشارة … إن
الإشارات الاعتباطية افضل من غيرها في التعبير عن
الهدف الأسمى لعملية التعبير بالإشارات " ، المصدر
نفسه ، ص87. ويرى أيضاً إن " عمل اللغة بأكمله يعتمد
عليه (الطبيعة الخطية للدال ) وعلى هذا التقسيم ( دال
/ مدلول ) قدم الكثير من التعديل واهم ما قدم في هذا
المجال ما قدمه هلمسليف ، ينظر : بارت مبادئ في علم
الأدلة ، ترجمة محمد البكري ، دار الشؤون الثقافية
العامة ، بغداد ، ط2 ، 1986، ص66-67.وينظر: جاكوبسن ،
ست محاضرات في الصوت والمعنى ، ص144،
([15]) المصدر نفسه ، ص88.
([16]) المصدر نفسه ، ص89.
([17]) المصدر نفسه ، ص143. ولمعرفة ما قدم من
تطوير حول هذين المحورين ، ينظر : بارت ، المصدر
السابق ، ص91-131. إذ يستعرض ما قدمه جاكوبسن وهلمسليف
ومارتينيه .
([18]) المصدر نفسه ، ص134.
([19]) ينظر : المصدر نفسه ، ص135.
([20]) المصدر نفسه ، ص136 . يرى سوسير " أن النظام
اللغوي هو سلسلة من الفروق الصوتية ترتبط بسلسلة من
الفروق في الأفكار " المصدر نفسه ، ص139 .
([21]) ينظر : المصدر نفسه ، ص133 . ويقول في ص
134-135 : " محتوى الكلمة يحدد فقط الأشياء التي تقع
خارجها ، ولما كانت الكلمة جزءا من نظام ، فهي لا تملك
الدلالة حسب ، بل لها أيضاً قيمة ، فالقيمة والدلالة
شيئان مختلفان".
([22]) ينظر : مبارك ، المصدر السابق ، ص 106 .
وفق هذا يرى هلمسليف " أن الشكل هو الذي يشكل القيمة
والثابت ، والمادة هي التي تحتوي على المتغيرات " ،
المصدر نفسه ، ص101.
([23]) دي سوسير ، المصدر السابق، ص32 .
([25]) بارت (رولان) ، مبادئ في علم الأدلة ، ص36.
([26]) المصدر نفسه ، ص36. وينظر ما قدمه هلمسلف من
إعادة توزيع لهذه الثنائية عبر ثلاثة مستويات (
الخطاطة ، المعيار ، الاستعمال) فضلاً عما قدمه من بحث
عن علاقة ( اللسان / الكلام بـ/ الشفرة / الرسالة
ويقول فيه إن أعراف الشفرة ظاهرة وصريحة ، أما أعراف
اللسان فهي ضمنية . ينظر : المصدر نفسه ، ص39 ؛ وينظر
: هولنشتاين ، رومان ياكبسن والبنيوية الظاهراتية ،
ترجمة عبد الجليل الازدي ، مطبعة النجاح ، الدار
البيضاء ، ط1 ، 1999، ص125، حول اراء جاكوبسن عن
المسألة نفسها .
([27]) كلر ، المصدر السابق ، ص89.
([28]) ينظر : ريكور(بول) ، البنية ، اللفظة ،
الحادثة ، ضمن كتاب اوزياس ، البنيوية ، ترجمة ابراهيم
مخول ، وزارة الثقافة والإرشاد القومي ، دمشق ، ط1 ،
1972، ص 303.
([29]) كلر ، المصدر السابق ، ص150.
([30]) ينظر : دي سوسير ، المصدر السابق ، ص106 .
حدد سوسير الخط الافقي لمحور التزامن والخط العمودي
لمحور التعاقب ، أما جاكوبسن والبراغيون فقد فعلوا
العكس ، وترى هولنشتاين أن ذلك جرى بهدف ربطهما مع
المحور النظمي والمحور الاستبدالي ، وقد أتخذ
البراغيون موشوراً بدلاً عن شبكة سوسير.
([31]) كلر ، المصدر السابق ، ص161.
([32]) ينظر : المصدر نفسه ، ص153. إذ يقول " إن
جاكوبسن وآخرين غيره زعموا أن استخدام التعارضات
الثنائية لوصف البنية لا يعد مجرد أداة منهجية بل
تدبراً لطبيعة اللغة نفسها " .
([33]) بارت ، علم الاجتماع والمنطق الاجتماعي ،
ترجمة مصطفى كمال ، مجلة بيت الحكمة المغربية ، عدد 4
، ألسنة الأولى ، 1987، ص117.
([34]) ينظر : هولنشتاين ، المصدر السابق ، ص35.
وقوانين التأسيس هي ؛ حين توجد أ توجد ب كذلك حين توجد
أ تكون ب وج ود ممكنة ، حين توجد أ تنقض ب ، حين تنقض
أ تنقض ب كذلك .
([35]) لقاء مع ليفي شتراوس ،أجراه ريمون بيللور ،
ترجمة مصطفى المسناوي ومصطفى كمال ، مجلة بيت الحكمة
المغربية ، عدد 4 ، 1987، ص8.
([36]) ينظر ، إبراهيم (سيد) ، نظرية الرواية ، دار
قباء ، القاهرة ، 1998، وقد اعتمدنا في عرضنا لأراء
غريماس على ما أورده هذا المؤلف .
([37]) إبراهيم ، المصدر السابق ، ص34-35 ؛ وينظر :
ليفي شتراوس ، الأناسة البنيانية ، ترجمة حسن قبيسي ،
المركز الثقافي العربي ، بيروت ، ط1 ، 1995 ، ص237.
([38]) استبعدنا مدرسة كوبنهاكن على الرغم من شيوع
الفصل بينها وبين مدرسة براغ ، لكون الأولى شكلية ،
والثانية وظيفية ، لأن تأثير مدرسة كوبنهاكن كان في
اللغة اكثر منه في النظرية النقدية .
([39])اوزياس(جان ماري) ، البنيوية ، ص235.
([40])هنيدي (مارك) ، مشكلة الأخلاق في بنيوية كلود
ليفي شتراوس ، ترجمة فريق الترجمة في المجلة ، مجلة
العرب والفكر العالمي ، عدد 9 ، 1989، ص32.
([41]) هنيدي ، المصدر السابق ، ص32.
([42]) هنيدي ، المصد السابق ، ص32، ويقول ليفي
شتراوس " يكف اللاوعي عن كونه موئلاً عنيداً للخصائص
الفردية ومستودعاً لتاريخٍ فريد قائم برأسه مما يجعل
من كل منا كائناً لايحل محله أحد . فيقتصر عندئذ على
نقطة نستعملها للدلالة على وظيفة بعينها : الوظيفة
الرمزية ، وهي وظيفة مختصة بالإنسان وحده ، ولا شك ،
لكنها تمارس لدى جميع البشر وفقاً لقوانين واحدة ،
وتعتبر في الواقع كناية عن مجمل هذه القوانين " .
الاناسة البنيانية ، ص222.
([43]) ينظر : الدواي ( عبد الرزاق)، موت الإنسان
في الخطاب الفلسفي المعاصر ، دار الطليعة ، ط1 1992،
ص90 . إذ يقول : " إن اللاشعور المقولي في
الانثربولوجية البنيوية لا يحيل إلى أية ذات مفكرة أو
واعية ، لأنه … أشكال من الفاعلية تعتبر شروطاً للحياة
العقلية لجميع البشر وفي جميع الأزمنة " .
([44]) ريكور ، المصدر السابق ، ص230 ، يقول " يبدو
لي أن الفلسفة البنيوية مقضي عليها بالتذبذب بين عدد
من الفلسفات التي مازالت في خطوطها الأولى ، إذ تخالها
أحياناً كانتيه بدون ذات متعالية ، بل صورية مطلقة
تؤسس العلاقة المتضايفة بين الطبيعة والثقافة .
والباعث لهذه الفلسفة هو ازدواجية النماذج الحقيقية في
الكثرة المشخصة إذ تحد الواحد على مستوى الطبيعة وهو
أنموذج كثرة الأنواع ، بينا تحد الآخر على مستوى
الثقافة وتوفره لنا كثرة الوظائف " ، المصدر نفسه ،
253.
([45]) هولنشتاين ، المصدر السابق ، ص125.
([46]) المصدر نفسه ، ص44-45.
([47]) المصدر نفسه ، ص45.وينظر: جاكوبسن ، آفاق
لسانية، ترجمة حسن ناظم، مجلة نقد، كلية التربية في
الجامعة المستنصرية، عدد/1، سنة/2000،ص244.
([48])جاكسون (ليونارد) ، بؤس البنيوية ، ترجمة
ثائر ديب ، منشورات وزارة الثقافة ، دمشق ، ط1 2001،
ص110.
([49]) المصدر نفسه ، ص120.