نحو تأسيس علم بأصول العقل
د. نجاح كاظم(*)
ترجمة فالح حسن
ثمة ضرورة ملحة للسماح
للعقل ليأخذ مكانته الحقة بين علوم المسلمين وأنشطتهم
وحيواتهم.
لم يفرد للعقل، في المستوى
التاريخي، وبالتحديد في العصور الوسطى، سوى دور محدود في حياة
المسلمين، ما خلا حقبة المعتزلة، وحقبة قصيرة من عصر "النهضة
الإسلامية"، كما يقول بذلك بعض الباحثين المسلمين المعاصرين11.
وهذا الحال يسير بخلاف ما كان في صدر الإسلام، حيث كان للعقل
والتفكّر مكانة رفيعة في حياة المجتمع الإسلامي. بيد ان
"النقل" هيمن شيئا فشيئا، بوصفه وسيلة بحث، على علوم المسلمين،
بتوالي السنين حتى جاء القرن الحادي والعشرين، فصار "النقل"
الآن يتحكم بنحو مطلق بحياة المجتمعات المسلمة، بمظاهرها كلها،
أينما وجدت في عالمنا هذا. يرى بعض المسلمين، وغالبيتهم من
أتباع التيار السلفي، عدم جواز تعديل حرف واحد من التراث
الإسلامي بأي حال من الأحوال، وهو ما يعني أن حياة المسلمين
وأعمالهم ستبقى محكومة كليا بفكرة النقل عن السلف. ويعتقد
السلفيون أن أئمتهم السابقين، مثل ابن تيمية ومحمد بن عبد
الوهاب، كانوا في مرتبة تلي الألوهية، لذا فإن آراءهم تصلح لكل
زمان ومكان، ومن ثم فإنهم يجدون لديهم الإجابات كلها عن كل ما
يستجد من قضايا. والسؤال الذي ينبثق عن المنطق هنا: هل يستوي
كلام البشر مع كلام رب البشر؟
إنا، نحن المسلمين، نؤمن
بكلام الله تعالى، الذي تنزّل في الذكر الحكيم على سيد الخلق
محمد صلى الله عليه وآله وسلم، نصا مقدسا، كما نؤمن بأن ما
نُقل موثقا عن المصطفى عليه الصلاة والسلام، هو أيضا نص مقدس
واجب التصديق. إلاّ أن كلام البشر يحمل ختم التاريخ، بمعنى أنه
يُقال ويُناقش ويُطبق في مرحلة زمنية بعينها، وتؤثر فيه ظروف
تلك المرحلة التاريخية بعينها. والأمر الواضح هو أن سياق الحقب
التاريخية السالفة، الاجتماعي والسياسي والتاريخي، يختلف عن
سياق عالمنا اليوم وبوجوهه المختلفة كلها أيضا.وهنا ينبجس سؤال
آخر عما إذا كان منحى السلفيين في التفكير، وهم الذين تستحوذ
عليهم فكرة العودة للماضي، تمثل الجناح المتشدد الوحيد في
العالم الإسلامي، وعما إذا كان هذا المنحى لا أساس له، أو أنه
في واقع الأمر تعبير عن توجه عام.الإجابة، كما أرى بدوري، هي
وجود تماثل كبير بين الإسلام الرسمي أو التقليدي، وفكر
السلفيين في ما يتعلق بتغليب "النقل" على إعمال "العقل". ففضلا
عن أن الاثنين يستندان إلى نظرة مولعة بالماضي، كما يتجسد
بحنين (نوستالجيا) جارف إلى عصر غابر.والنتيجة، كما تتبدى
اليوم، هي أن بأيدينا "ثقافة موروثة" تحظى بالسبق حتى على النص
القرآني. إن ثقافة التراث هذه هي التي تولد الخلاف الذي يؤدي
إلى انقسام المسلمين وصراعهم مع بعضهم البعض. فقد وفر الخطاب
الفقهي وثقافة التراث ذريعة كبيرة لقتل شركاء لنا في الإنسانية
سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين، على أسس طائفية وعقائدية
مزعومة. وهكذا، يتكرر الجهل والتحريف نفسهما في التاريخ
الإسلامي. إن إحاطة أعمال فقهاء مسلمين من عهود غابرة بهالة
الحقيقة المطلقة، أثبت أنه نهج شديد القمع للسلطة الفكرية
والأخلاقية. فقد مهد السبيل أمام عملية تقليد أو محاكاة جمعية
من جانب المسلمين غير القادرين على التفكير الحر، أو العصري،
أو حتى محاولة تغيير واقعهم، لأنهم يهابون إعمال العقل. وأجد
أن طريقة الحياة، حيث يغيب العقل والاستدلال، أبعد ما تكون عن
مقاصد القرآن الكريم الأصلية.
2. النظرة القرآنية: النص
والعقل
يتخذ القرآن منهجا وسطا
ومتوازنا بين الماضي والحاضر والمستقبل. فاستدعاؤه الماضي يرمي
إلى حث العقل البشري على التعلم من عِبَر التاريخ. فعلى مدى
اثنين وعشرين عاما من بعثة المصطفى، تنزل عليه الوحي بقصص
أنبياء مَضوْا، كي يستقي منها مبادئ وعِبَر لمهمته التاريخية.
إذ لم تكن غاية تلك القصص تعزيز القيم الإلهية من حق وعدل
وحسب، بل وفوق ذلك الإفادة مما مرَّت به أمم أخرى لبناء ما
يمكن وصفه بـ"تراكم الخبرة والمعرفة". ففي حالات معينة، كانت
تلك المعرفة تطبق في ظروف تناسبها. أما في ظروف أخرى، لا
تتلاءم مع سياق التجربة، فكانت تلك المعرفة تُنحى جانبا، ليبدأ
البحث والنظر في وسائل أو حلول أخرى لتطبيقها. الأمر الذي
يكتسب أهمية كبرى هنا هو وجوب استعمال العقل في التخطيط
والإعداد للمستقبل. فالنبي الأعظم لم يكن يعمل لحاضره فحسب، بل
وللمستقبل الآتي. وقد أشار إلى مَنْ يتبعه في المستقبل بوصف
"إخواني" (وفي هذا السياق، أخواتي)، على خلاف أتباعه الذين
عاصروه، الذين دُعوا بـ(الصحابة). الحق أن الإسلام ثورة
اجتماعية أتت بنظام جديد يستشرف المستقبل من واقع فهم الماضي
واستخدام الحاضر لوصله بالمستقبل. لقد تغير المجتمع الإسلامي
بنحو سريع منذ ظهور هذا الدين الحنيف في أيامه الأولى، وأرسى
قواعد مجتمع شديد الديناميكية والنشاط. وأثبتت هذه السياسة
صواب فكرة تغير ظروف الحاضر وإسقاطها على المستقبل، وأكدت أن
الحاضر والمستقبل لا يقلان شأنا عن الماضي. وأرست هذه السياسة
طقوسا دينية بنحو جعلها وثيقة الصلة بحياة الناس اليومية.
وبهذا يتحقق التوازن بين العرف والعدل الاجتماعيين، وتنشط
حيوية المجتمع بكل ما فيها من تطبيقات بعيدة المدى في هذين
الصعيدين. إن مفهوم المثالية النافع، كما يشير إليه القرآن
الكريم، إنما يتحرى أبرز الأمثلة كمعيار ينبغي على أفراد
المجتمع السعي إلى ممارسته. ويستلزم تحقيق هذا الهدف النظر إلى
المستقبل وتكوين الرؤية الضرورية لحتفيز حركة المجتمع
وتفعيلها. أضف إلى أن تطبيق هذه السياسة يعزز من العلاقة بين
العقل والنص، ويوازن بين الطبيعة الدقيقة لكليهما، أي التوازن
بين المطلق والنسبي، بين المصدر والسبيل إليه، والرؤية الشاملة
من جهة، والتركيز على تفاصيل معينة، من جهة أخرى.يدعو القرآن
بوضوح إلى هذا المنهج في مواضع شتى، إذ كثيرا ما ترد آيات
"أفلا تتفكرون"، و "أفلا تعقلون". ويشير القرآن الكريم إلى أن
"التفكر" هو المرحلة الأولى من "التفكير" في أمر ما. أما
"التعقل" فهو مرحلة أكثر تقدما يُوظف فيها العقل للوصول إلى
معقولية وصواب ذلك الأمر، عبر نوع من التحليل العميق. ويستخدم
القرآن أداة النقل لتحليل الماضي، واستنباط مبادئ وقواعد ينتفع
منها بنو البشر ويتعلموا منها، بينما يستخدم أداة العقل للنظر
إلى المستقبل والإفادة مما جرى تعلمه من دروس وعبر. إن جوهر
القرآن ويوم القيامة إنما هما توجهان نحو المستقبل. فالقرآن
الكريم يشير بوضوح إلى أن المستقبل هو المُولّد الحقيقي للنشاط
الإنساني في كل منحى من مناحي الحياة.سورة يوسف، على سبيل
المثال، تروي قصة النبي يوسف عليه السلام، الذي أنقذ تخطيطه
المستقبلي، مصر من أزمة اقتصادية مدمرة. مثال آخر تورده سورة
الروم (الآيات 1ـ4): "الم. غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من
بعدهم غليهم سيغلبون. في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد
ويومئذ يفرح المؤمنون."يروي القرآن هنا للجماعة المسلمة في
مكة، التي أساءها هزيمة الروم المسيحيين على أيدي الفرس
المجوس، أن الرومان سيهزمون أعداءهم من الفرس في سنوات معدودة،
عليه فالمستقبل يحمل، للمسلمين المؤمنين، أخبارا طيبة.والحال
هذه، تتطلب المرحلة الراهنة تفاعل الحاضر والمستقبل وأن يكمل
كل منهما الآخر.
هناك ما يزيد عن300 آية
قرآنية تدعو الناس للتفكر، والتعقل، وتذكّر الحقيقة أو
اختبارها، وتجاوز الزيف على أسس عقلية. ثم أن أول آية نزلت
كانت "اقرأ"، أي قراءة متصلة بتفكير يستدعي إعمال العقل.
و"الحكيم" (وما تعنيه من حض على التفكير) من أسماء الله سبحانه
وتعالى، يشير إلى أهمية أن يكون العقل قطب عقيدة المسلمين.
3. التاريخ والعقل
يبدو من خلال دراسة
التاريخ الإسلامي أن النقل، كأداة، لعب دورا مركزيا في حياة
المسلمين، ما خلا حقبة قصيرة جدا في صدر الإسلام، وحقبة
"المعتزلة"، وبعض من سني القرون الوسطى، التي شهدت بروز فقهاء
مفكرون من مثل ابن رشد الأندلسي وابن باجه، وابن خلدون وابن
مسكويه وغيرهم. وفي الحقبة القصيرة، التي سادت فيها شخصية
"المعتزلة" بحماية الخليفة العباسي، المأمون (م 318)، انتعش
المنهج العقلي ـ المحكوم بمعايير عصره ـ فأثمر أفكارا مجددة.
إلا أن "المعتزلة" نزعوا إلى فرض أفكارهم ومنهجهم على المجتمع،
فأضروا كثيرا. فلا لقاء بين العقل والقسر. زد على ذلك، أن منهج
المعتزلة صار أيديولوجيا، أكثر منه ثقافة، بفرضه على المجتمع.
وأدت محاولات فرض الرأي هذه، إلى معارضة ظهرت بمستواها الذي
تجسد إبان حكم الخليفة العباسي المتوكل (247هـ/ 847م). لقد
تعزز النقل، في تلك الحقبة، كوسيلة معرفية. ومذاك بدأ في لعب
دور مهيمن في حياة المسلمين حتى يومنا هذا. وردا على المعتزلة،
أمر أحمد بن حنبل الناس بألا يدققوا في هذه الأمور أو يناقشوها
على أساس أنها مثيرة للجدل، والجدل في رأيه نوع من الزندقة.
وهكذا أذعن الناس تماما للفقهاء، وقلدوهم تماما.
عند استيعاب الحضارة
الإسلامية، للعلوم والمعرفة، بخاصة خلال حكم الخليفة العباسي
المأمون، الذي ترجمت فيه "دار الحكمة" كمّا كبيرا من مؤلفات
أمم أخرى، ظهرت أيضا علامات انحطاط الأمة الإسلامية. وبدأ
الانهيار في مطلع القرن الخامس الهجري، كما يبدو واضحا في كتاب
الشيخ عبد القادر الجيلاني، "الاعتقاد"، الذي يركز بنحو رئيس
على شؤون العقيدة. وبنهاية ذلك القرن، كان أبو حامد الغزالي
منهمكا في شن حملة على الفلاسفة، كما وصفهم في كتابه الشهير
(تهافت الفلاسفة). لكن من الأهمية بمكان الانتباه إلى أن على
الرغم من رفض الغزالي للفلسفة، إلاّ أنه أيد الاستخدام المعقول
للمنطق ومبادئه، ناظرا إليه وسيلة تفكير تثير الإعجاب.من جهة،
رفض تلميذ الغزالي، أبو بكر ابن العربي، جميع الأدبيات الرائعة
للجاحظ والمسعودي وغيرهم. فمثلت تلك التطورات إرهاصات مرحلة
رفض البدعة، التي شجع فيها ابن العربي المسلمين على ازدراء
الجديد والتجديد، ناعتا أصحابهما بالمخادعين المبتدعين. لكنه،
من جهة أخرى، طالب المسلمين بمقاطعة "أهل جهالة بحرمات الدين"
الذين لا هم لهم سوى "تسهيل المعاصي على الناس”2. هكذا عُدَّ
أي شيء لا يوافق رؤى أو آراء "العلماء" بدعة، كما يقول بذلك
الإمام الشاطبي في كتابه "الاعتصام". ويوضح الشاطبي
قائلا:"العقل غير مستقل البتة، ولا يبني على غير اصل متقدم
بإطلاق، ولا يمكن اصل مسلم... إلا من طريق الوحي"3
ويقول أيضا "العقل الذي
لا يسرح في مجال النزر إلا بقدر ما يسرحه النقل"4، و "ينبني
على أصل متقدم ومسلم بإطلاق من طريق الوحي"5. وبحسب بعض علماء
القرون الوسطى، فإن البدعة هي "الاختراع على غير مثال سبق" هي
إما "ضلال مبين" إنْ كانت غير موجودة، وإما كفر بالشريعة
والشارع" إنْ كانت عن قصد6.
لكن البدعة مشتقة، لغويا،
من الإبداع. ففي القرآن الكريم "بديع السموات والأرض"
(الأنعام، الآية101)، أي "خالق"، أو "موجد" السماوات والأرض.
تلا عصر رفض البدعة، حقبة التشهير بالمتصوفة بوصفهم كفارا.
وكان رأس الحربة في هذه الحملة الإمام ابن الجوزي، أخلص أتباع
ابن تيمية. وندد ابن الجوزي، في كتابه الشهير "تلبيس إبليس"،
بالمتصوفة واصفا إياهم "بالكفار المجرمين"، ومتهمهم بالترويج
لممارسات محظورة. في هذه الحقبة، هيمنت أفكار ابن تيمية
فولَّدت حالة من الركود الثقافي. فلم تشهد هذه المرحلة من
الحضارة الإسلامية ظهور إلا القليل جداً من المؤلفات والأعمال
الثقافية النقدية. وبوصفه منشئ الفكر السلفي في مطلع القرن
الثامن الهجري، رفض ابن تيمية الفلسفة والمنطق، على اعتبار
أنهما شوها الإسلام ولوثاه وخرجا به عن مقاصده. وسار السيوطي
على خُطى أستاذه ابن تيمية، فاشتُهر برفضه المطلق للمنطق،
وألغى، بدوره، علم الكلام (علم أصول الدين أو العقيدة). ومن
أبرز عباراته، التي راجت في ما بعد "من تمنطق فقد تزندق."وجاء
أبو إسحاق المالكي في غرناطة بالأندلس (م 790 هـ)، وابن رجب
الحنبلي (م 795 هـ)، ليعززا هذا التوجه في تسفيه الحاضر بوصفه
معيبا وتمجيد الماضي7.
ووضع ابن رجب الحنبلي
كتابه "فضل علم السلف على علم الخلف"، ليؤكد فيه أفكار الشاطبي
في كتابه "موافقات"، التي تشدد على أن علوم الدين أهم بكثير من
علوم الدنيا8. كما رأى أن علوم الدين ليست بعمق وأصالة
المعرفة، التي تؤخذ عن علماء السلف9. وخلص أبو إسحاق المالكي
إلى نتيجة مماثلة مفادها أن العلم النافع محدود بما وِرِثَ عن
أئمة السلف. وما هذه الأعمال إلا مثالا جليا عن مدى غلبة هذه
الثقافة على الأمة، حتى أن اثنين من "العلماء"، في مكانين
مختلفين، وفي بيئة ومن ثقافة ومذهب، متباينة، يكرسان ثقافة
النقل ويسفهان حرية إعمال العقل.
يتناقض هذا المنهج، بنحو
حاد، مع ما ساد في عصر النبوة والخلفاء الراشدين. فالتشجيع على
اكتساب المعرفة، بخاصة المعرفة العلمية، لم يقتصر على العلوم
الدينية والشرعية، كما يريد لنا "الفقهاء" أن نعتقد. بل كان
هناك اكتساب للمعرفة الأرضية والعلوم الأخرى ذات الصلة بحركة
الإنسان على هذا الكوكب. وتتجلى أهمية هذا المنهج في الحديث
المنسوب للنبي الكريم "اطلبوا العلم ولو كان في الصين". لم يكن
في تلك الحقبة علماء أو أئمة مسلمون في الصين ليستقي منهم
المسلمون علوم الدين، بل المقصود هو أن المصطفى (ص) يحث
المسلمين على التعلم من غير المسلمين ما يمكن أن يفيدوا به في
حياتهم ويطوعونه للحياة في المجتمعات المسلمة.إن الانحطاط
التام في تفكير الأمة، وهيمنة ثقافة النقل على منهج العقل، أدى
إلى غياب العقل في البحث عن حلول للأسئلة والقضايا التي
نواجهها في حياتنا المعاصرة، وإرغام الناس على القبول حصرا بما
نُقِلَ من الماضي الغابر. وكان من نتيجة هذا التغير الملفت أن
انقطعت كل صلة بين العقل والدين. واقتصر المجهود العقلي الآن
على القراءة الحرفية لظاهر النص فقط. بينما عُزل العقل نفسه
تماما عن الدين الذي عمل "العلماء" على صيانته باحتكارهم
"العلم الصحيح" ومن ثم كانت لهم ميزة التفكير نيابة عن باقي
المجتمع10.
بهذا غُلقَ باب الاجتهاد.
وسادت في عموم المجتمع الإسلامي عقلية القبول الحرفي بتأويل
ظاهر النصوص والالتزام بتطبيقها. وطُبق هذا المنهج، على وجه
الخصوص، لمواجهة استخدام القياس في تحليل المواقف والقضايا
المعاصرة ومقارنتها بمثيلاتها من أحداث الماضي.
وهنا مكمن الصعوبة:
فالمشكل الحالي ربما يكون هو ذاته الذي ظهر في الماضي، لكن
الظروف في الحالتين بلا ريب- اختلفت تماما.لقد أدى ذلك كله،
عبر العصور، إلى تكوّن العقلية الفقهية وتآكل العقلية
الفلسفية. فقد بُوّبت ـ وإلى الأبد ـ الآيات القرآنية التي
تشير إلى قدرة العقل لعب دور وسط بين الدنيا والدين، والمقدس
والدنيوي، والماضي والمستقبل، وأخيرا بين النص والواقع. كما أن
الاستحواذ التام للنص (بخاصة أعمال السلف) على العقل المسلم،
غذّى فكرة أن جميع الحقائق موجودة بالفعل في النص. وبالتالي
فإن الواقع بات منفصلا عن النص وعليه يجب أن تتوقف عملية
التفكير على اعتبار أنها تمت فعلا.إن القرآن الكريم يحث في
الآية الثالثة من سورة العصر على التواصي بالحق، إذ يقول عزّ
من قائل "الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا
بالصبر"، أي البحث عن الحقيقة والحصول عليها. ويبرز هذا مدى
الحاجة إلى التفكير والجدل والإقناع. كما أن الذكر الحكيم يحث
المؤمنين على اختبار الحقيقة وتلمسها في غير موضع، وليس السعي
إليها فقط واكتشافها واستنتاجها، بل وابتكارها.هكذا بدأ
الانفصال الكارثي بين العقل والشريعة، أي بين العقل والحياة.
لقد تباعد الدين عن الثقافة (بمعناها العام الشامل) فسهل
السبيل لتقوقع الإسلام وانعزاله، إذ أصبح يُمارس كطقوس دفاعية
للوقاية من الأخطار وبالتحديد خطر التطرف. وباختزاله في هذه
الصورة فإن المتعصبين الدينيين صنفوا أنفسهم في مواجهة الآخر،
أيا كان هذا الآخر مسلما أم غير مسلم، كما كانوا قساة على
الذات لدى انتقادهم ما تتخيله من معاص11. زد على ذلك، إن عدم
الاستقرار السياسي على نحو خطير في بلدان المشرق الإسلامي فاقم
من الاضمحلال الثقافي والفكري في المجتمع المسلم. فخلال
القرنين الخامس والسادس الهجريين، بسط السلاجقة هيمنتهم على
هذه المنطقة، وهم الذين شنوا حربا ضروسا على البويهيين وخلفوا
كثيرا من الخراب والدمار. ثم هاجم المغول والتتار العالم
الإسلامي، وأحالوا بغداد في العام 1258م إلى تراب ودمروا مركز
إشعاع ثقافي لامع. ثم تلا هذا الدمار الحملة الصليبية الأولى،
وأخيرا وجه الأتراك العثمانيون الضربة القاضية لحضارة اتسمت
دوما بهيمنة أداة النقل عليها.لقد أدت هذه الحوادث التاريخية
إلى النتائج الآتية:
1. اختلال التوازن الدقيق
الذي وضعه القرآن الكريم بين النص والعقل، ما أدى إلى تشويه
صار هو الأساس أو المعتاد في ما بعد.
2. اكتسب العلم الديني،
الذي أنتجته العقول البشرية، مكانة مقدسة وعدّه البعض بمستوى
إلزام نصوص القرآن الكريم.
3. توسعت مفاهيم مثل
البدعة والجبر والقضاء والقدر وما كانت تتركه من آثار في حياة
المسلمين وعقولهم إلى أبعد بكثير من حدودها الأصلية. وأدى فرض
هذا النهج إلى حرمان الإنسان من مزاولة إرادته الحرة وقدرته
على التقدم وطرق آفاق جديدة. والأهم من ذلك هو أن هذا النهج
منع الناس من ممارسة ملكاتهم العقلية لتطوير علوم واكتساب
معارف وتجارب جديدة.
نتيجة لذلك كان التركيز
على المعرفة القديمة التي أبدعها الإنسان ما أدى إلى انعدام أي
تطور لمعارف جديدة واستخدام الأفكار التي لم تسهم في نشر
المعرفة المكتسبة وميلاد المعرفة المنبثقة. وكان هذا هو الوضع
تماما إبان عصر فلاسفة كبار مثل ابن رشد والكندي والفارابي
وكثيرين آخرين. وبرغم بزوغ أفكار ومعارف جديدة، فإن الافتقار
إلى نظام معرفي متكامل وعدم وجود طبقة اجتماعية مهنية لدعم هذا
النظام كان يعني أن هؤلاء الفلاسفة كانوا غير قادرين على وضع
أساس تطور مستقبلي.كان للتحول التكنولوجي الهائل في الربع
الأخير من القرن العشرين، على سبيل المثال، أثر واضح في مستوى
المعرفة ومكنها من أن تؤدي وظيفتين11: الأولى هي البحث
والتطوير لإنتاج المعرفة المنبثقة وإيجاد علاقة واضحة بين علم
الجينات الوراثية، على سبيل المثال، وتكنولوجيا علم الضبط
(Cybernetics) ، أما الوظيفة الثانية فهي المساهمة في نشر
المعرفة المكتسبة12.
3. نتائج إجمالية:
لقد أدت ثقافة "البيات
الشتوي" أو السبات العقلي هذه إلى النتائج الآتية:
ـ تشكيل المستقبل على وفق
مجريات الماضي بسد الطريق أمام استشراف آفاق جديدة أو ظهور
مجالات أو نظم معرفية محدثة.
ـ إضفاء نوع من القداسة
على الماضي والحنين له، ومن ثم تجريد كلمة "تحد" من أي معنى أو
قيمة عملية. فالماضي (أي علماء السلف) يصبح هو المرجعية
المطلقة الوحيدة للمستقبل من طريق تكريس التقليد.
ـ تفضيل العرف والتقاليد
على القيم. فالقيم مطلقة تتجاوز حدود الزمان والمكان بينما
التقاليد محدودة بالزمان وبالمجتمع الذي تسود فيه. وقد أدت هذه
النزعة إلى فرض المنطق العقائدي وغلبته على القيم الأصيلة
للإسلام، أو بالأحرى هيمنة أبعاد معينة شديدة الصرامة في تطبيق
الشريعة على الجانب العملي للعقيدة الإسلامية.
ـ والأكثر أهمية هو غياب
الجهد العقلي والافتقار للمبادرة. وقد أوجدت هذه العقلية رؤية
بين المذاهب الإسلامية مفادها أن الفلسفة والمنطق والعلوم
الأخرى المبنية على العقل إنما تحط من شأن العقيدة وتنال من
اليقين. وحيث إن العقل يمثل الإنسان ووجوده، فإن رفض العقل
يعنى رفض الإنسان وعلومه الاجتماعية والعقلية. وقد أورثت هذه
النظرة افتقارا إلى الثقة في دور الإنسان كخليفة لله على الأرض
برغم تبيان القرآن الواضح لهذا الدور. إن قصور الثقة في أوامر
الله سبحانه وتعالى إنما يخل بالعلاقة الفريدة بين الخالق
والمخلوق التي عرض لها الذكر الحكيم.
فالإشارة القرآنية إلى
النص والإنسان إنما تعني النص والعقل، حيث يمثل النص هنا كلام
العلي القدير بينما يمثل العقل البشري السياق الذي ينطبق فيه
هذا النص.
ـ وأخيرا، فإنه يُنظر
للتاريخ بوصفه في أفضل الأحوال انحطاطا ـ وفي أسوئها تباطؤا ـ
إلى حد التوقف في أعين السلفيين. فليس هناك من علامة على تقدم
يقر به الإسلام في تأكيده النزعات المستقبلية. والمسألة ليست
قاطرة تمضي بالإنسان قدما في رحلته عبر الزمن. بمعنى آخر، صار
الأمر أقرب إلى حركة رأسية في ناقل حركة ارتدادي. إن النظر إلى
الماضي ومحاكاة أعمال السلف استلزم بالضرورة تغييب العقل،
والمساهمة الفردية في المجتمع وهو ما يعني شل قدرة العقل على
التفكير والناس على المبادرة. كما أن هذا المنهج يعرقل استحداث
بنية أفقية عامة في العالم الإسلامي في القرن الحادي والعشرين
نتيجة التغيرات في العلاقات الكونية والتقدم الملموس في مجال
الاتصالات السلكية واللاسلكية.
4. العنف والعقل:
لا يمكن للأفكار البالية
أن تصمد أمام الأفكار الجديدة الفعالة. ومن ثم فإن استخدام
القوة وبخاصة العنف للدفاع عن الأفكار البالية يعني أن هذه
الأفكار لا يمكن أن تصمد بذاتها.
فثقافة العنف هذه تؤدي
لتراجع التفكير الخلاق، إذ حتى لو ظهر هذا النوع من الفكر
الإبداعي فإنه سرعان ما يُهمش أو يُقمع بشدة: التطرف يولد من
رحم الإهمال العقلي والثقافي. ومن العوامل المسؤولة عن
الافتقار لرؤية إبداعية، التي تؤدي بدورها إلى تغذية التطرف:
الفكر السلفي، والمؤسسات الإسلامية التقليدية وما تدعو له من
أفكار، والافتقار لثقافة "إنسانية" وغياب الحرية.
ويُعبر العاملان الأولان
عن الوضع الراهن بتطبيق الشريعة في أكثر أشكالها تسييسا وبعدا
عن الواقع. والمعضلة هنا هي أن الشريعة بشكلها المعاصر تصطبغ
بتفكير ومواقف السلفيين التي هي "فكر اليوم" لأنها تمثل الإطار
الفكري والثقافي إضافة إلى أنها تتداخل مع النسخة المجازة من
الشريعة التي طُبقت في العصور الوسطى. فكلمة "سلف" مشتقة عن
كلمة "سالف"، أي "سابق" أو "غابر". والسلفية هي الحقبة السابقة
على الحقبة الحالية، والسلفي هو شخص من عصر سالف أو ماض. لكن
معناها من الناحية العملية، كما يقول محمد بن عبد الوهاب "الأب
الروحي" للفكر السلفي، هو تنقية الإسلام من البدع والخرافات
والعودة به إلى نبعه الصافي الأول على يد الصحابة والتابعين13.
وفي رأي السلفيين فإن تنقية الإسلام لا تستلزم أكثر من مجرد
العودة إلى الماضي لاستقاء الأسانيد والأدلة التي تؤيد فكرهم.
ويعتقد السلفيون اليوم بوجوب تكرار الأمس، وهكذا سيكون الغد
مثل اليوم. إن مثل هذه النظرة تجرد المجتمع المسلم من
إنسانيته، إذ تُبطل استغلال طاقته العقلية بنحو كامل. فضلا عن
لي عنق السياق الاجتماعي ليوافق النص الموروث مما يجعل الناس
أسرى الماضي (أو حبيسي النص) لا صلة لهم بالحاضر، ولا إرادة
لديهم لتشكيل المستقبل.لقد نشأت السلفية كفكر، كما ذكرنا آنفا،
في القرن الثالث عشر الميلادي على يد ابن تيمية (1263-1328م).
ثم طورها محمد ابن عبد الوهاب (1703-1791م) وفرضها بالقوة في
القرن الثامن عشر الميلادي. وهذا يعني أن محمد بن عبد الوهاب
جاء بعد زمن طويل من ظهور ابن قيم الجوزية (1292-1350م) الذي
نقح أعمال شيخه ابن تيمية. لكن محمد بن عبد الوهاب مضى في
تطرفه إلى أبعد من ذلك وتبنى أفكارا جديدة نعتت مخالفيه في
الرأي بالمشركين. وفي رأيه أن أولئك "الكفار والملحدين" لا بد
من إبادتهم. ولم تكن حياة هؤلاء بالنسبة له ذات أدنى قيمة
وتُستحل ثرواتهم وتُستباح نساؤهم فتُسبى أو تُقتل. ولم يصمد
هذا الفكر قرنين من الزمان حتى يومنا هذا فحسب، بل بدأ يأخذ
أبعادا دولية. فالمتطرفون الآن ينتشرون في أصقاع المعمورة
بقاراتها الخمس ولا يهددون غير المسلمين فحسب بل نسيج الأمة
الإسلامية ذاتها الذي تمزقه الصراعات الطائفية التي يبذر
بذورها السلفيون الجدد14. أضف إلى ذلك، إن السلفيين الجدد لا
يؤمنون بالحوار والجدل العقلي، أو حتى حركة التاريخ. وقد وقفت
على مدى صدقية ذلك شخصيا من واقع تجربة ذاتية عندما حاولت ـ
بلا طائل ـ مناقشة أحدهم في دفاعه المستميت عن محمد بن عبد
الوهاب وأعماله التي تحض على القتل، والتي أرى أنها تتعارض
تماما مع جاء به القرآن الكريم. لكن الرجل الذي يرى أن جميع ما
نادى به محمد بن عبد الوهاب كان صوابا نجح في أن يستفزني بطرحه
السؤال: هل نزل القرآن على محمد بن عبد الله صلى الله عليه
وسلم، أم على محمد بن عبد الوهاب؟!
إن النزعة المتزايدة نحو
التكفير في الفكر السلفي، إنما تعود- بجانب عوامل أخرى- إلى
الافتقار إلى وجود أفكار إسلامية معاصرة، وسيادة ثقافة لا تحض
على البحث والتدبر العقلي من جهة، وتروج للفتاوى التكفيرية من
جهة أخرى. وعلى الرغم من أن الفتوى كأداة شرعية وقانونية إنما
هي ذات نفع وفائدة، إلا أن المؤسسات الدينية التقليدية أسرفت
في إصدارها وأساءت استغلالها للحيلولة دون بزوغ أفكار جديدة
اعتُبرت خطرا على الأمة وضد معتقداتها.يمكن للمرء أن يجادل في
هذا السياق بأن فتاوى بن لادن والزرقاوي وغيرهم باستحلال دماء
البعض من المسلمين وغير المسلمين لم تأت من فراغ. ومثال ذلك
عندما نشر الأزهر بيانه الشهير في الصحف بمصر في العام 2004
واتهم فيه العلماء والباحثين المشاركين في مؤتمر "الإسلام
والإصلاح" الذي انعقد بمركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية في
القاهرة بأنهم "خارجون عن الإسلام"، ومن ثم فهم على حافة
التكفير. ووضع هذا الإعلان أرواح هؤلاء الناس في خطر، إذ إن كل
من يؤمن بمكانة الأزهر الدينية سيعتبر أن من واجبه الديني أن
يهاجم هؤلاء الناس بل وربما يقتلهم. لقد أصدر شيخ الأزهر هذا
البيان لصحفيين لأنه رأى أن الأوراق البحثية والدراسات التي
قُدمت في المؤتمر، وإن كانت جميعا تؤيد الإيمان بالإسلام
وبقدسية القرآن، فإن محتواها خرج عن عرف وتقاليد مؤسسة الأزهر
الشريف15. وهنا أنا لا أقصد الأزهر على وجه الخصوص، إنما أورده
مثالا لأبرهن على أن معظم المؤسسات الدينية الإسلامية ستوظف
التكفير أو التحريم كأداة لقمع أي أفكار معارضة.
وهنا يبرز سؤال مرة أخرى:
ما الفرق بين هذا النوع من التفكير الذي يصم دعاة أي أفكار
جديدة بأنهم "خارجون عن الدين"، وبين فكر أسامة بن لادن
وأتباعه؟ الفارق، إن وُجد، ضئيل جدا. فقد وصم الأزهر الشيخ علي
عبد الرازق في مطلع القرن العشرين بالخيانة لتأليفه كتابا دعا
فيه إلى فصل الدين عن الدولة. ووُصف بالزندقة، وفُصل من
الأزهر. إن ثقافة التحريم والتكفير وما أدت إليه من قتل فرج
فودة في مطلع التسعينيات ومحاولة اغتيال الأديب الراحل نجيب
محفوظ، والحكم بالتفريق بين نصر حامد أبو زيد وزوجته ومن ثم
حمله على الفرار إلى الخارج، إنما هي مجرد نماذج عن تطبيق هذا
النهج التكفيري. أين دور الاختيار الذي منحه القرآن الكريم
للإنسان؟ كيف يكون الناس أحرارا في اختيار معتقداتهم في هذا
العالم ـ ومن ثم يُساءلون عن هذه الاعتقادات يوم القيامة
ويواجهون عواقب اختيارهم ـ إذا كانوا سيُقتلون بأيدي نفر
نصّبوا أنفسهم حُكاما بأمر الله؟ إن الأفراد الذين طبقوا هذه
الفتاوى لابد أنهم يؤمنون بقدراتهم ويتخيلون أنهم يجلسون على
"عرش الله" عز وجل ويقررون من يحيا ومن يموت على ظهر هذا
الكوكب! ماذا يعني يوم القيامة، إذاً، إذا كان للناس أن
يُرغموا على الاعتقاد بما لا يؤمنون وألا يُعطوا الاختيار أو
حرية تقرير ما يعتقدون به أو يؤمنون، على الرغم من أن القرآن
يشير إلى العقوبة التي سيلقونها في الآخرة؟إن ثقافة التكفير
والتحريم لا تمنع بزوغ أفكار جديدة وحسب، ومن ثم تعزز الركود
الثقافي، بل إنها فوق ذلك تذكي العنف والعنف المضاد وإثارة
التوتر الذي يؤدي إلى الاقتتال الطائفي والخراب والدمار في
المجتمع الإسلامي.
وما حال شُح الأفكار
الجديدة وغياب الجدل والمحاججة والتفسير الإنساني للأشياء
وافتقار المؤسسات الدينية التقليدية إلى نظم تعليم عصري، إلاّ
طريق يؤدي إلى ترسيخ ثقافة التحريم والتكفير هذه. على الرغم من
المحاولات الدءوبة والمخلصة من جانب بعض المؤسسات الدينية
التقليدية للدعوة إلى التعايش مع الآخر، فإن تفسير تلك
المؤسسات وأدواتها الفكرية ليست من العمق بما يكفي لابتكار
أفكار وممارسات أو آليات جديدة يمكن أن تكرس ثقافة التسامح مع
الآخر وتظل تحافظ على النظام الاجتماعي. وبناء على ذلك فإن
الإصلاح الديني والإحياء الثقافي والعقلي وإتّباع منهج اللاعنف
هي ضرورات لازمة لإرساء أسس إصلاح اجتماعي واقتصادي وسياسي.
فقد حالت البنية القديمة وطريقة تنظيم هذه المؤسسات ومنهجية
تفكيرها دون تطوير أدوات معاصرة أو ظهور أدوات ومصطلحات جديدة،
الأمر الذي أدى إلى تعزيز إسلام العصور الوسطى. مثال ذلك
استخدام القياس كأداة. كما لم يكن هناك أي تطوير لأداة
الإجماع، كمثال ثان، التي استمر استخدامها بالطريقة والأسلوب
والمنهج القديم ذاته التي كانت تُستخدم فيه في العصور الوسطى.
ويبدو جليا أن أداة من هذا النوع يمكن أن تكون مفيدة من بعض
الوجوه دون أخرى. حيث إن طبيعة هذه الأداة تعني أن استخدامها
يستوجب توافقا ثقافيا، فإنها أدت إلى منع ثقافة الاختلاف
الثقافي الذي يثمر أفكارا جديدة وطرق آفاق لم تُطرق من قبل.
وحتى في المذاهب الفقهية التي تستخدم العقل لاستنباط أدلة
فقهية، فإن الإجماع كأداة عمل قد اقتصر على ما فعله الأقدمون
بمعنى أنه استُخدم للوصول إلى أدلة فقهية وشرعية جديدة.السبب
الثالث للتطرف والعنف هو غياب البُعد الإنساني في الفكر
والدراسات الدينية الإسلامية. ويرجع ذلك أساسا إلى الجمود في
فهم النص (كما قرأه وفسره فقهاء العصور الوسطى)، ما حال دور
ظهور الدور الإنساني وقوة العقل في قراءة حديثة ومعاصرة للنص
وما تعنيه من تشكيل للمعرفة وظهور آليات وأفكار العملية.
المعرفة نسبية، ويستمر
تطورها بتطور الجنس البشري ومعها يكون الناس قادرين على العمل
وإحداث التغيير الإيجابي. يقول سبحانه وتعالى في مُحكم
التنزيل: "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه"
(الانشقاق الآية 6) لا يمكن للفكر أن يضمحل أو للأفكار أن
تتلاشى ما لم تحل محلها أفكار جديدة، كما لا يمكن فرض هذه
الأفكار على الآخرين. إن فكرة أن المعتقدات الإسلامية يمكن
فرضها بالقوة لأنها من عند الله تعالى، ليست إلا اختلاقا من
جانب مسلمين لا يفتقرون إلى فهم حركة التاريخ الجدلية فحسب،
وإنما فقدوا الثقة بالإسلام ذاته. لكننا من جهة أخرى نؤمن أن
الإسلام هو الدين الخاتم الكامل لأنه من عند الله كما جاء في
القرآن الكريم في الآية التاسعة من سورة الأنبياء: "إنا نحن
نزلنا الذكر وإنا له لحافظون". وإذا كانت الحال كذلك، لماذا
هذا القلق على مستقبل الإسلام وفقدان الثقة بالنفس لدى التعامل
مع الآخرين للحد الذي نفرض فيه الأفكار والمعتقدات الإسلامية
بالقوة؟يرفض السلفيون والفقهاء التقليديون التأويل متعدد
الأبعاد للنص، ومن ثم اختراع فكرة "ثوابت الأمة" التي لا هي
إسلامية ولا قرآنية. لسنا هنا بصدد الحديث عن الثوابت
الإسلامية أو القرآنية التي نؤمن بها جميعا كمسلمين،
كالشهادتين وقدسية القرآن وغير ذلك، إنما نشير إلى ثوابت، أو
بالأحرى، أقوال العلماء السابقين التي صارت جزءا من الثوابت
القرآنية والسنّة، التي لا يُسمح للعلماء المحدثين بمسّها أو
تعديلها.هذه ثوابت من صنع البشر ستؤدي تلقائيا عبر الزمن ـ إذا
ما فُرضت بالقوة ـ إلى منع الإبداع وغياب الدور البشري في
إدارة المجتمع فضلا عن العنف الذي لا معنى له. إن الإبداع حالة
إنسانية تتجلى فيها قدرة العقل الذي وهبه الله للإنسان لإدارة
شؤونه على الأرض. ويعني التقليد الجماعي غياب دور الفرد. إن
الإبداع والابتكار يعززان التفاعل بين العقل والواقع. إن
الواقع يُفرز مشكلات تنجم عن تشابك العلاقات الاجتماعية
والثقافية بين بني البشر والتي يستجيب لها العقل محاولا إيجاد
الحلول، والعكس صحيح كذلك. لكن مناصري الإبداع (العقل) هم على
مسار تصادمي مع دعاة التقليد (كأداة لنقل المعرفة). ونتيجة
لذلك يختل التوازن مما يؤدي إلى التطرف بشكل أو بآخر وبروز
مصطلحات من أمثال "الغزو الثقافي". فالحوار هنا ممنوع ومن ثم
يصبح لمنطق العنف اليد العليا.
يمكن للجهد البشري وما
يثمره من نتائج عقلية أن يمكننا من التحرك قدما وتوسيع آفاق
الواقع. لسنا هنا نطالب المسلمين بأن يرفضوا أية إشارة للماضي،
ولكن تجنب فرض جوانب معينة من الماضي على الحياة المعاصرة. لا
ندعو هنا لرفض الماضي أو نفي إنجازاته، وإنما لوضعه في إطاره
الصحيح. لا يمكن لإنسان أو أمة ما من الأمم أن تعيش بلا ماض
لكن ليس من المنطقي أيضا وضع العربة أمام الحصان. فإذا ما
فعلنا ذلك فإننا بصدد محاولة متواضعة للهرب من الواقع الحالي،
والرجوع للماضي. ويعني هذا أننا نتخلى عن مسؤوليتنا الطبيعية
تجاه الأجيال القادمة. وكما يقول المثل الصيني الشهير "لم نرث
الأرض من آبائنا، وإنما اقترضناها من أطفالنا."أما السبب
الرابع للتطرف فهو الافتقار لبيئة تتوافر فيها الحرية وهو ما
سنناقشه فيما يأتي.
5. الحرية والعقل
المعرفة نسبية، ويستمر
تطورها مع تطور وتقدم الوضع البشري. ففي بيئة من الحرية
والتدفق المستمر للأفكار يمكن للإنسان أن يعمل ويسهم في تغير
المجتمع تغيرا إيجابيا. بمعنى آخر يمكن للإنسان أن يسهم في
توسيع آفاق الواقع. إن العقل ينضج عندما يتفاعل الإنسان مع
آخرين في إطار جهد جماعي وفي بيئة يمكن فيها لمن يبدعون
الأفكار أن يتفاعلوا بحرية وبأن تصل منجزاتهم وإسهاماتهم مرحلة
النضج. وهذه هي أهمية المجتمع الذي يكون فيه الوعي جماعيا.لكن
القرآن يشير أيضا إلى البعد الفردي للنشاط الإنساني وذلك في
العديد من الآيات التي يخاطب فيها رب العزة سبحانه وتعالى بني
البشر بصيغة "يا أيها الإنسان". ويشير هذا بوضوح إلى مفهوم
الفردية والاستقلالية الذي يؤدي إلى تطور الوعي الفردي. ومن ثم
فإن المهم ليس تنمية وتطوير الوعي الجمعي وحسب، بل الوعي
الفردي أيضا، من أجل تشكيل موقف أخلاقي في الحياة. وهذا هو
الضمان للحقيقة والحرية، بل يصبح، بالتحديد، حصنا من العنف
ويؤدي إلى استخدام العقل في حوار نشط وبنّاء يصل به إلى
غاياته، ويعزز بالتالي من مفهوم الحرية ويفرض ضرورتها.لكن
الحرية تعني أيضا المسؤولية، لأن البديل من ذلك هو الفوضى. إن
العقل هو الذي يحدد مستوى المسؤولية وحجمها اللازم لوجود
الحرية. وقد حدد القرآن الكريم مسؤوليات الإنسان ومهامه في قول
الله سبحانه وتعالى في الآية الرابعة والعشرين من سورة الصافات
"وقفوهم إنهم مسؤولون"، وفي استخلاف الله للإنسان في الأرض
يقول عزّ من قائل في الآية الثلاثين من سورة البقرة "وإذ قال
ربك إني جاعل في الأرض خليفة". أنعم الله على الإنسان بالعقل
كي يحكم على المواقف ويفسرها، ومن ثم تكون أمامه مساحة أكبر
لحرية الحركة والمناورة. وتنطوي هذه الهبة الإلهية للإنسان على
المسؤولية، التي تستلزم بدورها وجود الحرية. فغياب المسؤولية
يترافق مع الافتقار إلى الحرية. فهل كان العبد، يوماً ما،
مسؤولا؟ هذا بالضبط ما تشير إليه سورة الصافات في مسؤولية
الإنسان عن أفعاله التي يتحمل المسؤولية كاملة عنها يوم
الحساب. فإذا رفضنا فكرة استخلاف الله للإنسان في الأرض، فإننا
ننفي حرية الاختيار التي منحها للبشر رب البشر سبحانه وتعالى.
إذا رفضنا وجود حرية الاختيار فكيف نعتبر البشر مسؤولين عن
أفعالهم؟ العقل يوفر المجال، أو المساحة الذهنية، فيما توفر
الحرية المساحة المادية. وحيثما وُجدت الحرية، يمكن للمساحة
العقلية أو الذهنية أن تستخدم المساحة المادية وتتفاعل معها.
أي أن النشاط العقلي ينعكس في الحيز المادي ويوفر الشروط
اللازمة لتعبئة المجتمع وتوجيهه. بمعنى آخر، الديناميكية تمثل
الحرية والتوجيه، تماما كما يمثل الجمود الركود والعشوائية
والتخبط. هنا ينشط الإبداع وما ينبثق عنه من تفكير، بمعنى أن
الناس يصيرون أحرارا في الاجتماع والنقاش وتحليل الأفكار،
وتبادل المعلومات ونشر آرائهم ونتائج أبحاثهم، ومن ثم اتخاذ
قرارات دونما خوف من قمع سواء على أيدي حكومات أو مؤسسات
دينية. إن الإقناع المبني على العقل أقوى وأعمق بكثير من القسر
العاطفي أو المادي. إن التحدي الثقافي والعقلي، وليس المواجهة
المادية، هو الذي يعزز ويدعم ثقافة التفاعل بين العقل
والحرية.إذا ما أُتيحت للعقل بيئة من الحرية فبوسع الإنسان
إدراك جوانب الحقيقة ووجوهها كلها، أو غالبيتها. فتعريف
"الحقيقة" أحد أصعب ما واجهته الفلسفة وما زالت. إذ يُنظر
إليها ويجري إدراكها بطرق مختلفة. وتعطي هذه الاختلافات
للحقيقة سمتها متعددة الوجوه. والقدرة على استخدام العقل في
بيئة من الحرية بحثا عن الحقيقة تمكن الإنسان من لوصول إلى فهم
كامل لمعنى هذه الحقيقة أو الإحاطة وجوهها. والقدرات العقلية
هي التي توجد ديناميكية التفكير وتنشطه، ومن ثم إدراك
الـ"حقيقة" والإحاطة بها. إن الأفكار العتيقة الجامدة وما
يترتب عليها من ممارسات بشرية في أي مجتمع أشبه بحجر عثرة أو
معوق أو نقاط تصادم للتدفق الحر للأفكار الجديدة في بيئة عملية
قابلة للتوسع والامتداد. هذه الأفكار الجديدة لازمة لعمل العقل
بكفاءة واستخدامه قدراته وطاقاته جميعها في توسيع الواقع
العملي.بالمقابل، يسهم الوسط المنغلق بنحو أساس في إبطاء عملية
الحراك الذهني ويسد منافذ التغير التي لا غنى عنها لتوسيع
الآفاق.
الديناميكية، بوصفها نتيجة
الحراك والتوجيه، تقود إلى التغير(إيجابا أو سلبا)، مفهوما
وتطبيقا، تظل هي جوهر الحياة. إن بيئة تخلو من الأفكار الجديدة
ولا يقوم فيها العقل بدوره، وتفتقر للنشاط اللازم لحركة
المجتمع إنما هي بيئة قسرية، تصير حاضنة لاستخدام العنف وفرض
الرأي، في إساءة استخدام واضحة للسلطة. لكن إذا كان التاريخ قد
علّمنا شيئا، فهو انعدام قدرة الإنسان على السيطرة على السلطة.
فالسلطة تتحكم بالإنسان. ولا يمكن له أن ينقي السلطة أو يطهرها
أو حتى يحددها، بل العكس، لا يمكن لبني البشر أن يغيروا السلطة
أو يفسدوها بل السلطة هي التي تغير البشر وتفسدهم. لكن لا يمكن
للبشر كذلك أن يرتقوا إلى مستويات لم يطرقوها من قبل من دون
استخدام السلطة. وهذه هي نقطة ضعف الإنسان. إن غياب الحرية
يمهد السبيل أمام توحد بين السلطة والعقل كما نرى في كثير من
أرجاء عالمنا الإسلامي مثل التوحد بين السلطة وبين الندم على
الخروج منها أو ضميرها الفعلي، بين الدولة وبوصلتها الأخلاقية،
بين السياسة والثقافة. والنتيجة هي اضطهاد الإنسان واستعباده
أخيه الإنسان. وهذا ما يحدث الآن في عالمنا الإسلامي. وكما حدث
في الماضي في التزاوج بين الكنيسة والدولة وفي الماضي السحيق
بين الإله أو الدين وبين السلطة، كما في ممالك بابل والفراعنة.
ولا سبيل للتغلب على هذا الضعف البشري سوى بالمزاوجة بين
الحرية والعقل في إطار من الشفافية وتطبيق القيم والتوجهات
الأخلاقية والثقافية. يحثنا القرآن الكريم على "وجادلهم بالتي
هي أحسن"، أي حوار في مقابل عنف. وبمجرد ترسخ هذا النهج غير
العنيف، تنتفي الرغبة بممارسة القوة أو العنف. وعندما يتعرض
القرآن الكريم لوجوه الخيار المتعددة، فإنه يذكر ضمن ما يذكر
العقل والمسؤولية. فالحرية الإنسانية تمكن البشر من اختيار
الطريقة التي سيتصرفون بها ومن ثم تحدد مصيرهم. والعقل هو الذي
يعطي معنى المسؤولية في هذه الأفعال التي تحدد مصير الإنسان.لا
يمكن للإنسان الفكاك من إسار الجمود الفكري أو الإيديولوجي وأن
يرنو نحو آفاق جديدة إلا بتوفير إطار من الحرية في المجتمع
وإعمال دور العقل فيه. ومن شأن هذا المناخ من الحرية
والاستقلالية أن يتيح إمكانية تقويم ذاتي والبحث عن إجابات
جديدة للأسئلة القديمة. كما أن هذا المناخ سيثير أسئلة جديدة
ويسعى لإيجاد إجابات لها، وذلك يعني التمكن من التعامل مع
تحديات ثقافية مستجدة على الدوام. يُديم استخدام الاستدلال
والمنطق مسيرة التطور العقلي والثقافي، التي لن تُحار كثيرا
أمام العقبات التقليدية. ثم أن استخدام القدرات الذهنية
والملكات العقلية يعبر عن إنسانية الإنسان واستقلاليته. فالعقل
هو الذي يوفر عوامل القوة للحوار، وهو سمة إنسانية لا يمكن
إضافتها إلى الإبداع إلا في بيئة يتحرك فيها الإنسان بحرية.
والمزاوجة بين هذه العوامل جميعها ستمكن الإنسان من الانتفاع
بالقدرات الحسية، كما يشير القرآن الكريم في الآية السادسة
والثلاثين من سورة الإسراء: "إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك
كان عنه مسؤولا". بمعنى آخر، إن السياق الحسي يسهم في بناء
المفاهيم العقلية والاجتماعية والثقافية التي تمكن الإنسان من
فهم جديد للنص.ولا ضمانة من الركود العقلي والجمود الثقافي
وخمود روح المبادرة إلاّ بإعمال العقل والمنطق.
6. أصول العقل
إن الصراع قديم في العالم
الإسلامي بين المطالبين بتحرير العقل وبين الداعين إلى هيمنة
النقل. لقد كان، دائما، صراعا غير متكافئ، وتمكن من يحبذون
التقليد ومن يدعون إلى تكريس ثقافة النقل من حسم هذا الصراع
لمصلحتهم في العصور الوسطى. لقد كان ظهور علم "أصول الفقه"
خطوة ضرورية وخلاقة من جانب علماء السلف لتفسير أعمال الأقدمين
ونقل تراثهم ليتسنى لهم فهم الأمور المستحدثة من وجهة نظر
الشريعة الإسلامية السمحاء. لكن الحدود التي وُضعت والقيود
التي فُرضت في العصور الوسطى على تفسير النصوص، وجمود منهجية
البحث وأدواته انطلقت جميعها من إهمال استخدام العقل. وحتى
يومنا هذا لم يتمكن العلماء المسلمون من وضع علم مواز لأصول
الفقه يكرس ثوابت العقل البشري يمكن نسميه بعلم “أصول العقل”.
لقد أصبح الفقه مركز الحضارة الإسلامية، ودُفع العقل في معظم
الأحيان- إلى الهامش. وصار الفقه جامدا لأن تفسيراته ودراسات
علمائه كانت في معظمها منفصلة عن الواقع وخارجه عن سياقه
ومبنية تماما على نقل علم الأقدمين. لقد تأسس الفقه، كعلم
وممارسة عملية، على فهم وتفسير رجعيين للنصوص، وكان هناك غياب
للرابطة العضوية بين العقل والواقع أو العقل والنص أو الإنسان
وبيئته. .ويوجد اليوم عقل مسلم جامد تشكّل على وفق أداة
النقل في القرون الوسطى.
بالمقابل، أصبح العقل
الديكارتي الغربي، مع مرور الوقت، عقلاً مجرداً ورياضياً خال
من أي تصور أو تخيّل ممكن كما هو ثابت لدى الفلاسفة الجدد.
لقد ألغت التطورات السريعة
للتكنولوجيا المتقدمة، سهلة الاستعمال، الحالة الآنية للجهد
والتفكير ودعت إلى متخصصين ذوي مهارات محددة يمكن لهم أن
يتعاملوا مع المشكلات في أثناء حدوثها. وهذا أدى إلى نتاجات
مجهزة ومصنعة (وإرشادات كاملة الأوصاف) تدعو إلى تقليل الجهد
في التفكير والتحليل أو سرعة التعامل مع الاثنين في هذا
المضمار16، فضلا عن وجود أنماط عملية عميقة نوعاً ما، وقوالب
تكنولوجية للتفكير والتحليل على وفق قواعد وخطوات مبرمجة يعمل
على ضوئها عقل الإنسان في كثير من الأحيان عند التعامل مع
مشاكل التقنيات الحديثة أو العطل في الأجهزة المتطورة
والضرورية لعمل آليات المجتمع الحديث.
الأمر الآخر، إن الصورة في
عصر الميديا المتعددة(Multimedia) أصبحت تشكل أهمية بالقدر
نفسه، إن لم تكن أكبر من الكلمة، أي النظر للأمور مع حاجة
قليلة للتصور أو التخير عن التأمل والتفكير المصاحب لعملية
القراءة. وهذا ما ولّد في العالم المتطور عقولاً "مصنعة" ذات
أنماط أو أدوات جاهزة للتفكير1717.
على الرغم من أهمية ما
تقدم في التصنيع والأنماط الجاهزة للتفكير، فان ما هو مفقود
عملية "التفكير الموضوعي والعميق" للعمل بعمق خارج القوالب
المبرمجة والأطر الرتيبة للعقل. بمعنى آخر إرساء أسس أولية
لعملية تفكير جديدة، إضافة إلى أطر وصيغ ضرورية للمقاربة
الجديدة. وهذه هي القواعد المهمة لعلم "أصول العقل" التي يتم
على ضوئها تدريب الطلاب للخروج من الأدوات أو الترتيبات
المبرمجة للتفكير لاستيعاب المحتويات والغور استطلاعاً في
استخدام السعة الهائلة لعقل الإنسان.
على سبيل المثال:
ـ طريقة صياغة السؤال.
ـ طريقة المقاربة
للوصول إلى الجواب الصحيح.
ـ ما هي القواعد التي
تتحكم في جعل مناظرة تقوم على تبادل الأفكار وتفاعل الخبرات
وليس حوار الطرشان الذي لا يفضي إلى شيء.
ـ نظرة جديدة أو مقاربة
متغيرة للغة ودورها في عملية التفكير أو صياغتها للعقل.
وغير ذلك من الطرق الجديدة
في تنشيط عملية التفكير والمواظبة.
يستدعي العقل والتفكر
دائماً تغيرا في الحدود النهائية. فالعقل الديناميكي المتطور
المتنامي يتمكن من تقويم ذاته عند وصول النهايات المحددة. وهذا
يتم من خلال تعميق الخبرات عبر الأداة الأساسية، التفكير،
للوصول إلى فهم جديد.
إن الملكات العقلية تمكن
الإنسان من معرفة نفسه ومعرفة الآخرين. والوعي هو تلك السمة
العقلية والوظيفة الضرورية لاستخلاص النتائج المبنى على
المعرفة السابقة والخبرة الحالية أو العكس. أما الوعي العقلي،
الذي يتطور ، فإنه ينبع من العقل ليكشف ما يحويه هذا العقل وما
يحيط به. إن هذه لملكات العقلية تعمّق معنى الإدراك وتعطي
للمفاهيم بُعدا آخر. كما أن لدى العقل القدرة على تحليل وفهم
المفاهيم مثل المنطق الذي لا يجب قصره على الجانب الرسمي
المهتم فقط بالشكليات دون الجوهر18. وأخيرا فإن لدى العقل
القدرة على أن يقوم بدور الوسيط، إذ إنه قادر على أن يرى
الطريقة التي يتم بها استقبال الماضي والحاضر ومن ثم طرح
الأسئلة بطريقة منطقية على أساس السبب والنتيجة.
. وأعتقد أن الأسس الجديدة
لعلم “أصول العقل” يجب أن تشمل ما يأتي:
ـ فهم التركيب البيولوجي
للدماغ.
ـ دراسة علوم العقل
كالفلسفة والمنطق وبالتأكيد الحساب والرياضيات.
ـ مواكبة أحدث نظريات
تعريف العقل وما يتألف منه ومتابعة البحث في هذا المجال.
ـ تأكيد تلازم العلم
والتكنولوجيا اللذين إذا ما قُرنا بالعوامل السابقة يمكن أن
تتولد عنهما معارف جديدة ويجري تنقيح المعرفة المكتسبة.
ـ الحاجة إلى دراسة الزمن
كمفهوم وكم، وأهمية ذلك كعامل في تحديد السياق العقلي.
ـ دراسة اللغة ودورها
المهم في عملية التفكير.
ـ دراسة علوم الفلك
والكونيات للوصول إلى أحدث منظور للكون.
ـ دراسة المستقبل ومحاولة
رسم سيناريوهات محتملة متعددة.
اتجاهات المستقبل
إن غياب رؤية للمستقبل
لهو أزمة حقيقية يمر بها العقل في المجتمع الإسلامي. إن
المستقبل يبدأ من الحاضر كما أن الحاضر يرتبط الماضي. واتجاهات
المستقبل هي ببساطة تجميع لسيناريوهات يتم تخيّلها وربما
تحقيقها. إن السفر نحو المستقبل يبدأ بالحاضر ومن المعرفة التي
تصلنا من الماضي. إن أفعالنا الحالية هي التي تحدد مستقبلنا،
بالطريقة ذاتها التي كان فيها حاضرنا مستقبلا لمن سبقونا.
فالحاضر هو نتيجة تراكمية لتجارب الماضي. فعلى سبيل المثال
تُورث الأرض بما عليها من تغييرات، وتتغير الطبيعة ومحتوى
السياق بكلمة الله في قرآنه. يمكننا إذن وضع أسس المستقبل كما
نراه الآن مستعينين في ذلك بخبراتنا التراكمية وتجاربنا،
لتلافي الممارسات التي أدت إلى الوضع المزري الذي نحياه حاليا.
إن اتجاهات المستقبل يجب أن تكون من المكونات الرئيسة لعلم
أصول العقل.
ــــــــــــــ
المراجع والهوامش:
1. إبراهيم الحيدر "الإسلام والحداثة"، مقالات الجمعة، 12
كانون الثاني/ يناير 2007، منشورات المنبر الدولي للحوار
الإسلامي، لندن.
2. جورج طرابيشي "من النهضة إلى الردّة: تمزقات الثقافة
العربية في عصر العولمة" (طبعة بيروت دار الساقي 2000 ص89.)
3. المصدر السابق نفسه.
4. الشاطبي-"الموافقات"-دار إحياء الكتاب العربي، القاهرة،
مصر، ج 1 ص ـ ص 35-65 (من دون تاريخ)
5. الاعتصام-تحقيق محمد رشيد رضا، مكتبة الرياض الجديدة،
الرياض المملكة العربية السعودية، ج 1 ص ـ ص 74-76 (من دون
تاريخ)
6. جورج طرابيشي "من النهضة إلى الردّة: تمزقات الثقافة
العربية في عصر العولمة"، بيروت، دار الساقي2000، ص89.
7. جابر عصفور "نزعة تقديس الماضي"، جريدة العربي العدد565
(ديسمبر2005).
8.المصدر السابق نفسه.
9. المصدر السابق نفسه.
10. نجاح كاظم "بين النص والتاريخ": إعادة ترسيخ الرابط
الثقافي" مطبوعات إسلام21 21العدد 38 (2005).
11. المصدر السابق نفسه.
12. المصدر السابق نفسه.
13. سعيد الشهابي "تدمير التراث المعماري الإسلامي في
السعودية: دعوة للإفاقة. مقالات الجمعة (19أيار /مايو 2006)
مطبوعات المنبر الدولي للحوار الإسلامي-لندن.
14. المصدر السابق نفسه.
15. “الإسلام والإصلاح” ورشة عمل عُقدت في مركز ابن خلدون
للدراسات الإنمائية بمصر 55-6 تشرين الأول/ أكتوبر 2004: نشرة
صحفية: الوطن السعودية العدد 1471 (9 أكتوبر 2004)-الأسبوع
المصرية-القاهرة (10 اكتوبر2004) ومواقع إنترنت كثيرة.
16. نجاح كاظم، التعليم والبحث العلمي، المركز الثقافي العربي
بيروت/ الدار البيضاء،2005، ص58.
17. المصدر السابق نفسه، ص59.
18. يحيى محمد "جدلية الخطاب والواقع" جريدة الزمان العدد 895
(20 نيسان أبريل 2001) ص 13.
ــــــــ
(*) أستاذ جامعي، والمدير التنفيذي للمنبر الدولي
للحوار الإسلامي - لندن