د.
عباس حمزة(*)
أ- ديفيد يوهم : النظام المنضوي – المتطور
عمل ديفيد يوهم
حتى وفاته في العام 1992 أستاذاً للفيزياء في كلية بيركبيك في
جامعة لندن وكان يعد بحق واحداً من كبار منظري العلوم في
زمننا، مثلما جرى أطلاق اسمه على بعض القوانين الفيزوياية التي
صيغت حديثاً مثل " انتشارية يوهم للبلازما" وظاهرة
يوهم–
أهرانوف " ، ومع أنه عمل خصوصاً في مجال فيزياء الكم والنسبية
فإنه كان مولعاً أشد الولع بالسمات الممتدة للمادة وبتطبيقاتها
الفلسفية، وقد أثارت كتبه ومداخلاته اهتماماً كبيراً لما قدمته
من حلول لمعضلة انبثاق الواقع، أو على صعيد الإشكالات الفلسفية
التي أثارها يوهم حول علاقة الفكر بالمادة.
وبوصقه فيزياوياً
وفيلسوفاً فإن ديفيد يوهم استطاع أن يضع يده على نقطة تمفصل
هائلة في فهم الإنسان لطبيعة الكون كما شرح بإسهاب مفهومه عن
ما يسمى بالحركة الكلية Holomouvement والنظام المنظوي
L,order (1) وهما مفهومان صاغهما يوهم كبدائل لما تقول به
نظرية الجزيئات الأولية التي بنيت بحسبها مفاهيم الفيزياء
السائدة ومنذ وفاته عام 1992 والأوساط الفكرية في أوربا وفيما
وراء الأطلسي مهتمة بما تركه يوهم من أثر قد لا يمحي بسهولة في
التراث العلمي والفلسفي للقرن العشرين.
ألف يوهم في
حياته عشرات الكتب وأسهم في أكثر المؤتمرات العلمية شهرة مثل
مؤتمر قرطبة حول العلم والوعي العام 1980 (2). ويحلو له ، في
كل مرة, الحديث عن مفهوم "الامتلاء" كما لو أن الأمر يعني أن
الوجود عبارة عن عمل فني مهول الجمال في صيرورة متواصلة من
تناسق بديع يضم جميع مكوناته، وقد تحول هذا المفهوم لديه الى
إلهام " ميتافيزيقي" وانقلب الإمتلاء المنظور الذي لا مجال
لنكرانه الى سياق عصيّ على أي قياس. وبالمقابل وبعد ردح من
التفكير المعمق صارت نظرة يوهم الى الوجود قادرة على اعطاء
موديل محدد للكون لكنها بقيت تعاني من تناقض داخلي عميق يحاول
تلامذته وعلى رأسهم باسيل هيلي، حالياً إعادة وضع النظرية
رياضياً.
وفي كتابه "
الكون الممتلئ " (3) يحدد يوهم معالم طريقه في عالم
الأبستيمولوجيا بالذهاب لما هو معاكس للتيار الفكري السائد في
الفيزياء ويخامر يوهم الشك في أن أفكار الفيزياء غير قادرة على
الصمود بإزاء صفوف الحقائق الجديدة التي تولد من رحم العلوم
الأخرى بحيث صار فهم الإنسان للوجود مجزما ومبتسرا وكأن أي جزء
في الكون يحظي بمعرفة عما يحيطه في دنياه من أجزاء أخر .
ها نحن قبالة
صنمية البنى وبراعة التفكيك ، غير أن مهارات علمية مثل هذه لن
تؤدي بحسب يوهم إلا الى المزيد من الافتراق ما بين الإنسان
والطبيعة ، ومن هنا فإنه يعمل على ربط المتشابهات في عوالم
الهويات المتناقضة في مجموع من الأواصر تسمح باستشراف ما أسماه
بالنظام المنظوي – المتظور Ordre implicite للكون والوعي .
ويطرح يوهم على
مستوى الفيزيقا كل أركان الواقع مثل حالات الانفصال والديمومة
العضوية ، وبأن الجزيئات الذرية ليست إلا انعكاساً لواقع متعدد
الأبعاد ولذا يصعب حقاً وضع اليد على بساطة تكوينها وعلى ما
تفرضه في النهاية من واقع شديد التعقيد .
ولقد انبرى يوهم
وزملاؤه لجمع التناقضات النسبية وفيزياء الكم بهدف إحداث
مقاربة عما أسموه بنظرية الحقل الموحد والذي تأتلف بحسبه
الديمومات مثلما يمكن الربط بين صنوف مظاهر الوعي كاللغة
والأسطورة بتطور الكون ، ذلك بأن النظام يمكنه تقديم إجابات عن
هندسة ومعمار كل الظواهر ، ومع أن يوهم يصر على أن هذا النظام
يبقى عصياً على التعريف وغير قابل للقياس لأن لا أحد يمكنه
البت بعدم تعرض ثوابت الفيزياء مثل سرعة الضوء وثابت بلانك ...
وغيرها لتأثيرات التطور الشامل للوجود ما يعني أن إدراك أي
نظام يعني الانتقال الى آفاق نظام آخر أكثر شمولية قد يسمح
بولادة رياضيات متناهية التطور مقارنة ً بما نملك اليوم من
أدوات قياس ، ويؤكد يوهم على وجود قيم رياضية غير منظورة ستسمح
عند اكتشافها بإدراك يتجاوز الثنائيات التي تلف معرفتنا
الفيزياوية ومن دون أدنى تردد يرفض يوهم تسميات مثل " الجزيء"
particule و" المنظومة" systeme والتي يؤدي التمسك الوثني
ببناها ، وعدّها أساساً تقوم عليه كل معارفنا عن الكون الى
تشظية وعزل النظريات العلمية بعضها عن البعض الآخر في حين يصل
بالعقل الإنساني الى استشفاف كنه النظام المنطوي الذي تتدفق من
لدنه سيول المعلومات ، ويشرح يوهم مغزى مثل هذا الأسلوب في
القراءة العلمية بتأكيده على أن المنظمات أياً كانت درجة
تعقيدها ، من الذرة الى النجم هي عبارة عن تروس أو أجزاء تترجم
في نشاطها وحركتها إلى خضوع وامتثال لقوانين أشد تعقيداً من
حيث قابلية الإنسان الرياضية ولكنها في الحقيقة عبارة عن سنن
تتمثل باللطف والقدرة الفائقة على طي أبعاد الزمان والمكان
وهذا ما أثبتته ظاهرة بوز – إنشتاين في تفسيرها لعلاقة
الجزيئات وترابط أواصرها المعلوماتية رغم تناقض ما ينم عن هذه
الظاهرة مع ثوابت الفيزياء . وفي مجال الديناميكا الحرارية
يؤكد يوهم على أن المنظومات المختلفة تميل مثلما هو معروف صوب
أكبر قدر من التوازن الحراري غير أن هذا التوازن لا بد من أن
يسير في دروب من الفوضى والاضطراب الظاهرين لكنهما يتيحان من
جانب آخر لمعمار منظومة يعينها الأئتلاف مع منظومة أشد اتساعاً
وهذا ما يظهر جلياً في قصة تشكل الكون بفعل الانفجار العظيم
الذي لم يلبث أن نشر ذات قوانينه التي تشكلت بحسبها الذرات من
فوضى البلازما الجزيئية الأولى الى مكونات الحياة ، على سببيل
المثال ، من أثناء عصر الانفجار التخليقي العظيم الذي مرّ على
الأرض في أثناء ما يعرف بالعصر الكمبري حين خدمت ذات الفوضى
شجرة الحياة لبناء أنظمة حية أكثر تطوراً.
ويذكرنا يوهم في
هذا السياق بأفكار الفلاسفة الإغريق من ممثل بارمنيدس وزينون
الأيلي وما تحدثوا عنه في باب امتلاء الكون.
وأخيراً يمكن
القول بأن نظرية يوهم في النظام المنظوي إنما تشرح ببلاغة
علمية من نوع جديد التكافل ما بين المصادفة والضرورة في قصة
ولادة الأشياء واختفاءها ، إذ يمكن إدراك أن ما يعد مجرد
مصادفة وينتمي الى الفوضى هو في الواقع تعبير عن نظام متسق
يخضع لمنطق رياضي عال (4)
فالحركة
البروانية التي خضعت لها الجزيئات والغبار الذي تشكلت منه
أرضنا ليست في هذه الحالة إلا صفحة واحدة من معادلة شديدة
التعقيد تحول المصادفة العمياء والفوضى الظاهرة الى مصادفة
مقادة وفوضى إيجابية ولقد أراد يوهم في مواضع ومناسبات عليمة
متعددة أن يجعل الوعي خاضعاً للنظام الظاهري للأشياء وأن يحيل
كل هذه المكونات الى نظام أكثر عمقاً وأشد غوراً أو هو نظام
أعلى أو عرش يفرض على البنى أن تستقي معلوماتها من وسطه
المتعالي على الدوام.
ب- نظرية الاحتمالات
الصدفة صفة لحركة
الأشياء التي لا يستطيع العقل الإنساني التنبؤ بها مسبقاً ،
ويقال إنها المسؤولة عن كل حركة في هذا الكون الذي لا حدّ له.
ما نعرفه عن
الصدفة والمصادفة يدعونا للاعتراف بحقيقة ضعف معلوماتنا حول
القوانين التي تحكم حركة الأشياء ، فلكوننا الراهن تاريخ معقد
، وقد تطور بفعل تداخل عدد هائل جداً من العناصر ، وتأثيرات لا
يمكن إحصاؤها لهذه العناصر التي تكونه.ومن هنايطرح السؤال نفسه
الذي دوخ الإنسانية منذ فجر وجودها نفسه : هل هذا التطور مقاد
بقوة الصدفة ، أو له مصير محتوم ومقدر سلفاً ؟
تشعبات هذا
السؤال الخطير ومحاولات الإجابة المتعددة والمتناقضة عنه جعلت
الصدفة في حرز مكين لا يمكن لأحد الاقتراب منه ، وكأنها متاهة
تهلك العقول قبل أن تدرك معانيها.
ففي لعبة كرات
(اللوتو) الشائعة في أوروبا الغربية ، تبدو الصدفة وكأنها سياق
أعمى قادر على تحويل مراهن غير معروف الى مليونير محظوظ ، فكيف
لا نستطيع التنبؤ بنتائج هذه اللعبة ، علماً أن قوانين نيوتن
تتحكم بدقة متناهية في حركة هذه الكرات ، فلو أتيح لأحد
الفيزيائين معرفة الظروف الابتدائية لهذه الكرات ، من حجم ووزن
وطريقة إسقاطها في الصندوق وهندسة الصندوق وسرعة دورانه ودوران
الكرات ، لاستطاع هذا الفيزيائي – نظرياً على الاقل – توقع
الأرقام الرابحة ، الا أن مثل هذه القدرة على التوقع تبدو –
عملياً – مستحيلة تماماً ، إذ يكفي لاختلاف متناه في الصغر في
منظومة الظروف الابتدائية لمكونات اللعبة أن يغير سير جميع
معادلات الفيزيائي الذي يريد فك هذا اللغز ، فالقانون الذي
يحكم كرات اللوتو يستجيب لقواعد حتمية ، لكنها معقدة تعقيداً
يفوق قدرة الإنسان وعقله على حلها .
لقد بين
الفيزيائي البريطاني ميكائيل بيري منذ حوالي عشرين سنة أنه لو
قدر لأحد أن يوقف جاذبية ألكترون واحد موجود في قلب الشمس
لفترة قصيرة جداً ، فإنه سيحدث تغييرات كبيرة على الأرض لمدة
أسبوعين على الأقل ، ومع ذلك فإن خبراء الأرصاد الجوية لا
يستطيعون الجزم الكامل بحقيقة تقلبات الطقس لمدة أسبوعين في
جميع أنحاء الكرة الأرضية ليس بسبب استحالة هذا التوقع ، ولكن
لأن علماء الأرصاد غير قادرين على هذا الأمر ، ولا يملكون
بإزائه سلاحاً ، وفي الاتجاه نفسه يتعذر على علماء الفيزياء
الكونية معرفة أسلوب دوران كواكب المجموعة الشمسية ومصيرها
خلال المئة مليون سنة القادمة . ولأننا منزوون في سجن قدراتنا
المحدودة ، وأن هذه القدرات الحسية والفكرية والحسابية تظل
أضعف من إدراك الأنظمة الشاملة التي يتألف منها الكون، فإننا
محكومون دوماً بما نجهله من قوانين ومضطرون لعدّ أيٍّ من هذه
القوانين المجهولة محض صدفة واتفاق ، فمسيرة ريشة في مهب الريح
مثلها مثل حركة موجة البحر ، كلتاهما محكومتان بمجموعة الظروف
الجوية والبحرية المحيطة بهما ، بيد أننا سنظل غير قادرين على
التنبؤ بالمكان الذي ستحط فيه هذه الريشة ، أو بزبد البحر خلال
ثانية أو ساعة أو أسبوع ، وهكذا يصير عالم الفيزياء مثله مثل
الإنسان العادي كلاهما لا يستطيعان الإبصار وسط هذا الحشد
الهائل من الأسباب والقوانين والحركات ، وكأن بيننا وبين
معرفتها الحقة برزخاً لامجال لاجتيازه .
فهل نستسلم
لحكايات الفأل والتطير ؟ أم نبحر في عالم الصدفة لسبر أغوار
قوانينها ؟
في القرن السابع
عشر طلب أحد النبلاء في فرنسا من عالم الرياضيات والفيلسوف
بليز باسكال أن يبحث له عن قواعد تسمح له بالتفوق على خصومه في
لعبة النرد ، فراح العالم الفرنسي يبحث في الموضوع ليضع بذلك
أول مفاهيم نظرية الاحتمالات ، فوجد أن النرد لا يتصرف كما
يحلو له ، ولكمه محكوم بقوانين معينة تتيح لمن يدركها أن يقترب
من التوقع الدقيق ، فطريقة وقوة رمي النرد تساعدان في تحديد
الرقم الذي سيقف عليه ، وهكذا راح النبيل يرصد احتمالات النرد
من خلال رميه آلاف المرات.
وفي القرن الثامن
عشر دخلت نظرية الاحتمالات المجال الاقتصادي فأتاحت لشركات
التأمين أرباحاً ما كان لها أن تحلم بها .
وفي عام 1859
دخلت نظرية الاحتمالات مجال الفيزياء ، فتمكن الأسكتلندي كليرك
ماكسيول بفضلها من الحصول على نتائج باهرة ، مستفيداً من
النظرية الجزيئية التي رأت أن المادة مكونة من ذرات مؤتلفة في
نسيج جزيئي ، وذلك عندما راح يوصف ديناميكية الغازات في مختلف
الظروف الحرارية . فوجد أن تعريض أي مادة مثل الهواء الى
ارتفاع في درجة الحرارة يؤدي الى تحرك ما لا يقل عن ثلاثة
ملايين مليار من الجزيئات في المليمتر المكعب الواحد ، وإنه
ليس بإمكان أحد أن يحسب مكان وحركة وسرعة جميع هذه الجزيئات ،
فالأمر يحتاج الى مليارات المليارات من المعادلات للوصول الى
استنتاج دقيق ، وهكذا اقتنع بأنه ليس من المستحيل فقط إدراك
هذا الهدف ، ولكنه من غير المفيد الاهتمام بهذا الحشد الهائل
من مسارات الجزيئات المجهرية.
وكان اهتمام
ماكسويل منصباً في الفكرة الضغط الغازي ، أي في دائرة
الديناميكا الحرارية على المستويات الكبرى وفيما يتعلق بالطاقة
الحركية للغازات ودرجات حرارتها وشدة تصادم الجزيئات بالمحيط .
وهكذا انطلق ماكسويل من فرضية أن حركة جزيئات كتلة غازية
صدفوية الطابع ، بمعنى أن سرعات الجزيئات هنا تعد مستقلة عن
بعضها بعضاً ، وبناء على هذه الفرضية طيق قوانين الاحتمالات
على الكتلة الغازية فوصل الى توقعات ممتازة شجعته على تطبيقها
على عدد من العناصر التي تحمل حركتها طابعاً أحتمالياً لدرجة
تصل الى اللانهائية . وهكذا تمكن من حساب حجم وضغط وحرارة
الغاز بشكل قريب من الدقة الرياضية ، وعلى أنّ الصدفة القاعدة
الرياضية لحساباته.
وبعد مرور ثلاثة
عشر عاماً على هذا الإنجاز استطاع العالم النمساوي لودفيغ
بولتزمان تأسيس مبادئ الميكانيك الإحصائي الذي حل محل ميكانيكا
نيوتن ، حين أخذ الظواهر على أنها مجموعة كثيرة العدد ،
مستفيداً من فرضية ماكسويل في التوصل الى فهم للحركة البروانية
التي وضعها لأول مرة عام 1827 العالم الأسكتلندي روبيرت براون
حين لاحظ أن حركة ذرة لقاح معلقة في الهواء تبدو فوضوية ولا
يمكن التنبؤ بها نتيجة اصطدام هذه الذرة بجزيئات الهواء التي
تخضع بدورها الى مبدأ صدفوي في حركتها.
وبهذا اسهم مفهوم
الحركة البروانية خلال القرن العشرين في إلقاء الضوء على طرق
تقلبات الأسهم في البورصة وعلى قياس حركات أحد السكارى وهو
يترنح في الشارع ، وهكذا سمح ماكسويل للصدفة ان تغزو عالم
الفيزياء ، فساعدت على فهم أفضل للعالم الذي نعيش فيه وعلى
إدراك مغزى تقلبات ظواهره.
وهاهي الصدفة
تتربع على عرش مفاهيم العلم الحديث عندما انطلق من إنكلترا في
عام 1859 تيار علمي جديد أدخل الصدفة الى علم الأحياء ، فبعد
مراقبة استمرت زهاء ثلاثة عقود خرج عالم الأحياء تشارلز داروين
بنظريته في (أصل الأنواع) إذ وضع الصدفة في قلب نظريته التي
تعرضت الى ذلك التنوع الإحيائي الهائل ، على أنها المنطق
السائد في عامل الأحياء المتجهة من الأبسط شكلاً الى الأكثر
تعقيداً ، فالفرد في نظر داروين والذي ينتمي الى نفس النوع من
الأحياء إنما يحمل قابلية على التغيرات الوراثية تخضع أول ما
تخضع لمفهوم الاحتمال ، وكأن الأمر يتعلق برقبة اطول او منقار
اكثر دقة أو لون جلد مغاوير ، أي إن أي تعديل ورائي ، بحسب
داروين ، يندرج ضمن قانون صدفوي لا تؤثر فيه إلا ضرورات
التكيف والارتقاء ، بعد ذلك أوضح تلامذة داروين الكيفية التي
تعمل بها قوانين الصدفة في الانتخاب الطبيعي للأنواع الحية ،
وأكدت مدرستهم ( الدارونية الجديدة ) أن هذه الصدفة تنبثق عند
تشكل الحمض النووي (Dna) حامل الصفات الوراثية للفرد.
ولسوف تظهر هذه
التحولات في صفحة الحمض النووي ، حيث توجد الموروثات ، إثر
عملية التكاثر ، وبطريقة احتمالية ، أو نتيجة حصول خطأ ما في
تزاوج الكروموسومات ، أو إثر حادث بيولوجي من شأنه أن يغير
جذرياً شكل الكائن الحي ، فالتزاوج الجنسي لكروموسومات الذكر
أو الأنثى يخلط وفق مبدأ الاحتمال جميع الجينات الخاصة
بالوالدين ، التي يمكن لها أن تورث ما لا يقل عن 70 ألف مليار
من التوليفات الممكنة التي لا يظهر منها الى الوجود الا توليفة
واحدة هي تلك التي يحملها الكائن الجديد.
ولأن الخلايا
الحية تتعرض الى ضغوطات بيئية (أوكسجين ، غذاء ، طاقة ، ضغط
جوي ، جاذبية ، حرارة) فإنها تتصرف دوماً بأشكال مختلفة ، مما
يعطيها هوية مفردة مغايير للخلايا الأخر ، لدرجة أننا لا
نستطيع أن نجد خليتين متشابهتين ، حتى إذا انتمتا الى نسج واحد
. ولكن كيف أمكن للصدفة أن تخلق مثل تلك البنى المنظمة التي
نجدها في أشكال الخلق المختلفة التي تحيط بها؟
لو أن أحداً أجرى
التجربة الآتية على عدد كبير من المكعبات التي يحمل كل واحد
منها سطحاً ممغنطاً وقام بنثرها بشكل عشوائي فإنّ احتمال أن
تأتلف هذه المكعبات على شكل بيت يظل أقل بكثير من نسبة واحدة
الى مليون ، وهكذا يدل جسم الإنسان وجمال تناسقه ، أو روعة
شجرة الأكاسيا على أن أمر الحياة معقد الى درجة تفوق قدرة
الصدفة على إنتاج هذه الظاهرة البديعة.
ولا شك في أن
الصدفة خاضعة لقوانين رياضية لا يمكن للعقل الإنساني إدراك
ملكوتها بسهولة.
فالصدفة – أو هذا
الملكوت الرياضي العميق – تبدو وكأنها الأستراتيجية الأكثر
نجاعة لإنجاح مسيرة أجزاء الكون بكل تنوعها ، فما نشاهده على
أنه ضجيج أو تصادم صدفوي أو حركة غير منتظمة أو غليان فوضوي
يسمح في الحقيقة بظهور أكثر الأنظمة تناسقاً ، فللصدفة دور
تماماً مثل ذلك الباحث عن الذهب الذي يقوم بتحريك منخله ليلتقط
من بين التراب والحصى قطعة ذهب صغيرة.
وعليه فالصدفة هي
باحة الحرية التي لولاها لما أمكن لحيمن واحد من بين الملايين
الحيامن تخصيب بويضة الأنثى ، وعلى هذا فإنها ليست العدو الأول
للعقلانية ، اللهم إلا إذا كانت العقلانية محدودة المعلومات
ومنزوية في كهفها الخانق الذي يحرمها من ثراء الوجود.
ــــــــــ
(*) قسم الفلسفة/جامعة واسط
الهوامش:
....................................
1-Bohm David ,’’L,ordre involue-evolue de l,univers rt de la
conscience’’, in science et conscience,
ed.stock,paris,1980,p.99ets.
2-
Ibid.
3-
أنظر بهذا الخصوص :Bohm David, La plenitude de l,univers, ed.
Le Rocher, paris, 1987 , p. 21.
4-
لمزيد من المعلومات أنظر :D.Bohm et f.peat, La Conscience de
I,univers, ed. Le Rocher, paris, 1962