|
|
|
 |
الحضارية
«دراسات فلسفية» |
|
الاثنين:
08/12/2008
لويس لافيل
أو
فلسفة الحضور الخالد
د.
عباس حمزة(*)
1- منهج الذاتية المتعالية
ليس هنالك من مهمة شاقة، تواجه الفيلسوف أكبر من محاولة
استخلاص تجربة الحاضر المحض من براثن الذاكرة استعداداً لإعادة
اكتشاف العالم والبحث عن قيمة متجددة. أن الحاضر الإنساني مبني
أساساً على تجارب الماضي. إذ أن هذا الماضي هو«عبارة عن بون أو
مدة تفصل الإدراك عن الذاكرة»(1). غير أن هنالك من المفكرين من
يسعى، عبر نظامه الفلسفي، إلى دمج تلك التجارب برمتها في لحظة
الحاضر بغية استخلاص حقيقة الوجود. تلك كانت فحوى محاولة
فريدريك نيتشه وهو يتلمس طريقه في متاهة الزمان لأجل القبض على
كنه العود الأزلي(2). كما أن توكيد اسبينوزا من قبله، والقائل
بأننا نحس ونجرب، عبر كل دقائق حياتنا خلودنا الأصيل، سيواجه
على الدوام عقبات هائلة لمجرد الاعتقاد بإمكانية القبض على
فكرة البقاء الدائم الذي تطمح اليه وتحاول استشفافه والاقتراب
من ملكوته كل نفس إنسانية.
والحق أن تجارب البحث عن هذا النوع من البقاء ما تبرح أن تجد
لها مصباً مثيراً للخيبة ومؤسفاً أشد الأسف في محيط الفراغ
الهائل والذي هو للعدم أقرب والناجم عن السقوط في هوة المتعدد
اللانهائي وتتبُّع ديالكتيك كل شيء في وجودٍ يبدو ظاهراً أن
فيزيائة تقوم على قانون الحركة وحتمية الاندثار.
ولا يتعلق البحث في خلود الحاضر وديمومته بتجربة شخصية عابرة
وسطحية لفرد ما، مهما قيل عن عقلانية هذه التجربة، فالأمر لا
يتأتى من معرفة استقرائية تتخذ من الظواهر ديناً لها بقدر ما
يعني الذهاب الى المصدر المبدع لهذه الظواهر. وهنالك من
المفكرين من أمثال لويس لافيل وفرديناند الكييه، وغيرهم كثيرون
من يرى أن أمر الخلود ينم عن ضرورة عقلية وتجربة تجترحها
السريرة الإنسانية واكتشاف روحي ينأى بنفسه عن التجارب العينية
أو الاستقراء المجرد.
ينتمي لويس لافيل 1883-1951 الى خط فكري روحي أسس لأكثر
التجارب الوجودية الفرنسية عمقاً، وهو أستاذ للفلسفة تتلمذ على
أفكار هنري بيرغسون وليون برنشفيك وأدوارد لوروا حيث حل في
العام 1941 محل هذا الأخير في كرسي الفلسفة في الكوليج دو
فرانس. كما يعد لافيل من أغنى الفلاسفة الفرنسيين في القرن
العشرين نتاجاً ومنه رباعيته الشهيرة «ديالكتيك الحاضر
الأبدي».
وبأزدياد الولع، مع نهاية القرن العشرين، بالمدارس الفكرية
الروحية، وعقب أنقشاع غمائم الوجودية السارترية والبنيوية،
شهدت الأوساط الجامعية الفرنسية اهتماماً متزايداً بتراث لافيل
خاصةً بعد أن أثمر تأثيره بظهور فلاسفة كبار تتلمذوا على يديه
ونهلوا من فكره مثل بول ريكور وغابرييل مارسيل وجان لوي
كريتيان وميشيل آدم. وعليه فقد أخذ الفيلسوف الفرنسي فييار
بارون(3). على عاتقه وبالتعاون مع طائفة من أساتذة الفلسفة
أحياء أفكار لافيل وطرحها مجدداً بغية أعادة فحص معمارها في
حلقات نقاشية مستمرة.
وتعد مفاهيم لافيل مثل «الحضور» و «الفعل» و «الحدس
الميتافيزيقي» و «المشاركة» عناوين تحدٍ للتيارات التي هيمنت
على الفكر الفرنسي حتى بداية الثمانينات من القرن المنصرم، إذ
بدت هذه المفاهيم ذاتها، أبان النصف الأول من القرن العشرين
وكأنها أفكار خارج المواسم. على أن النهضة الروحية التي تفرض
نفسها على الفلسفة الفرنسية اليوم سرعان ما اتخذت من تراث
لافيل في الفكر والأخلاق منطلقاً لاعادة صياغة واغناء ذات
المفاهيم التي سبق لمبدعها أن أشبعها تفكيراً.
ويعاضد لافيل كلاً من هنري بيرغسون وليون برنشفيك في أفكارهما
عن هيمنة الروح على المادة باعتبار أن هذه الروح هي جوهر حركة
خلاقة وغنية وذات ديمومة خالدة. يقول برنشفيك بهذا الصدد «أن
الوعي ليس مجرد وعاء تتجمع فيه حالات النفس في لحظة ما، بل هو
الوحدة التي تحتضن في طياتها كل تلك الحالات المتعاقبة منذ فجر
الظهور. فالوعي، والكلام لبرنشفيك يتموضع باجمعه في لحظة
الحاضر. غير أنه ومع كل لحظة زمانية تمر عليه يعمد الى لم شعث
حياته الداخلية وهو قادر على أستعادتها انى شاء»(4).
لقد عارض لافيل وبقوة أفكار هاملان الذي يرى بأن الكائن L,etre
هو ليس غير نتاج تركيبي synthetique منبثق في دوامة الزمان عبر
نشاطه الفكري. أذ يرى لافيل أن علينا، وبدل أطلاق حكم مسبق
كهذا، التفكر وبعمق في حقيقة وتجربة الكينونة والكائن والتي
ستدلنا على أن مابين الوجود والكائن علاقة أعمق من مجرد تركيب
وحدات مبعثرة، مثلما أن هذه التجربة هي أصل كل فكر وكل فلسفة.
وفي سعيها لتجاوز واقعها وعزلتها عن الوجود المنضوي المتخفي
وراء جمهرة الظواهر «تضع الأنا الأنسانية كل الوجود موضع
التساؤل أبتغاء بناء أثر متميز يوحي لها بأمكانية الخلود .
وبهذا فأن الزمان والتوالي الظاهر لأجزائه هو شرط نجاح هذا
المسلك وهو الفترة الضرورية لتحقيق المشاركة»(5).
ولأدراك طبيعة تفكير لافيل علينا أن نسجل هنا وقبل كل شيء أن
فلسفته تأخذ بمنهج الديالكتيك التحليلي في تصديها للقضايا
الكبرى في الفلسفة مثلما أعتمد فيلسوفنا فكرة «الكائن الكلي»
كخط أساسي جرى وفقه تصميم معمار المنظومة الفلسفية الخاصة به،
أذ وبفضل هذا الكائن الكلي المنبثق دوماً في حضور خالد، يمكن
لجميع السرائر أن تظهر للوجود بأعتبارها قوى روحية تمتطي
مكونات ملكوتها الممتد دون نهاية ظاهرة والذي يبقى ميدان فعلها
المستمر. أن الكائن عند لافيل ليس هو السكون المكتمل الذي قال
به بارمنيدس. فسريرة المخلوق البشري ودواخله المتقلبة دوماً
عبارة عن فعل مطرد ينحو صوب أنجاز شيء ما بمشاركته للوجود
بأسره. ويقول لافيل بهذا الصدد «أننا لم نُمنح الوجود الا من
أجل فتح بوابة الجوهر»(6). وبناءاً على ذلك فالقيمة تصبح سابقة
في وجودها وهو أمر يقع بالضد تماماً من مقولات الوجودية
السارترية. وتعضيداً لموقفه الراديكالي إزاء معادلة (الوجود=
القيمة) يؤكد لافيل على حقيقة «أن الحياة الروحية تبدأ فقط من
تلك اللحظة التي ندرك معها أن الواقع هو نتاج الفكر بدلالة أن
أفكارنا هي التي تنتج أفعالنا التي تشتبك مع الواقع»(7). ولا
غضاضة في القول أن هنالك على الدوام حوار يربط بين العالم
والمخلوق البشري وهنالك تناغم فيما بينهما، تناغم يجمع في وحدة
الحاضر كلاً من المخلوق والعالم الذي يعيش فيه. ليست أذاً
هنالك من مقولات تفصل مابين العالم والمخلوق. ولاغرو، فالتجربة
الأنسانية، أياً كان ضربها لايمكنها أن تهتك سر الرتق الذي
يحتوي جمهرة المتعدد ويسير بها للألتحام في حضرة الوحدة، أذ أن
هذا الرتق مجبول على أن يتفتّق عبر كل لحظة من لحظات الزمان في
حضور لاينقطع. وحتى لحظة ولادة الكون التي أتفق العلماء على
تسميتها بالضجة الكبرى «big bang» نقول أن هذا الأنفجار الأول
لم يحدث لينتهي في لحظة واحدة بل هو في أستمرارية تخليق
للأشياء مستمر ودائم ، فهنالك وبعد مرور مايقرب من ثلاثة
مليارات سنة على ولادة كوننا هذا، حدث على الأرض ومازال يحدث
أنفجار حيوي كبير يمثله العصر الكمبري (قبل 500 مليون سنة من
الآن) عندما بدأت المخلوقات الأولى الحصول على أجهزة نظر تطورت
فيما بعد الى العين بصيغتها البيولوجية المعاصرة. وهذا يعني أن
الأدراك السطحي وحده والتجربة العابرة وحدها لايفسران لنا كيف
تكتمل الهويات عبر لحظات متتابعة وحيث يندمج الزمان في ملكوت
كل شيء. وعند هذا المستوى من الأدراك لفعل التكوين يمكن أن
نفهم كيف يكتمل الوعي بتوجهه الذاتي الى حقل توحيدي مطلق يجمع
بين المتناقضات لدرجة يمكن معها دمج الزمان بالمكان وبصيرورة
التخليق. فهذا الحقل المطلق الذي هو حاضر أبدي وقيوم على كل
شيء هو مصدر هذا الوعي. بيد أن الوعي الأنساني لايمكنه على
الدوام تكوين فكرة واضحة عن هذا الحقل ... فهو أي هذا الحقل
غائر في نسيج العالم وفي جمهرة لاتعد أشيائها تلك التي تشكل
سدى ولحمة Welstoff الحاضر الدائب. ويمكن للغمامة التي تحول
بين الوعي وبين حقيقة حقله أن تنجلي شيئاً فشيئاً ما أن يغذ
العقل سيره نحو الأكتمال. ذلك أن هاجس الأكتمال ضرورة من
ضرورات تطور الحقل الكوني مثلما هو ضرورة من ضرورات الوعي أو
هو مطلب الروح الأول وسنرى ذلك بعد قليل. وفي سياق هذا
الديالكتيك الرابط مابين الوعي الأنساني والحضور الدائم للوجود
تتبدى ثلاث أمكانيات:- فأما أن أعتقد بأن الأنا التي هي جوهر
هويتي ستبقى خالدة رغم مرور الأشياء بي وزوالها في غياهب
الزمان، أو أن هذا الحضور الدائم عبارة عن كينونة مغايرة
لكينونتي، آثرنا ترجمة المفهوم البيولوجي differenciation
«بالتخليق» أعتماداً على التعبير القرآني (مضغة مخلقّة وغير
مخلقّة). أذ أن الأختلاف الذي يشير اليه المفهوم البيولوجي
أنما يعني حصول تمايز في كتلة مادة ما، وهي في المادة الحية
تعني تحول الخلايا الجذعية الجنينية الى خلايا متخصصة ذات خلقة
مغايرة وظييفياً للوسط الذي نشأت فيه. وبتعميم فكرة التخليق
على الوجود برمته، نجد أن الأنتقال من الحالة البلازمية
uniforme لمادة الكون الأولى الى ظهور البنى الأولية للمادة
(كواركات، الكترونات...) يعني أيضاً تخليقاً يكاد يمر بما يشبه
سياقات التطور الجنيني.
بمعنى أنه نشأة أخرى غير هذه التي أعيشها في أيامي هذه وأنا
غارق في جب الزمان. أو أن أعتقد، أخيراً بأني راحل لامحالة وأن
الوسط الكوني الذي أنتمي اليه سيبقى من بعد أختفائي وموتي. ها
نحن قبالة لحظة اللايقين الكبرى التي تحدث عنها بيرغسون وهو
يستعرض مفهومه للديمومة La Duree ،والتي تنم دلالتها اللغوية
ليس فقط عن تغيير ما... بل وعن البقاء أيضاً. أذ أن الموضوع
sujet ... أي موضوع معرض للتجدد لأنه لفافة ذاكرة... بمعنى أنه
يحتفظ بماضيه في قلب حاضره. وحين يستغرق الوعي في تأمله لكنه
الوجود سيتجاوز، وفي لحظة ذهول وافتتان ذلك التفريق الموهوم
بين لحظة وأخرى من لحظات نشأة الأشياء وتطورها.
وتأتي أهمية منهج الذاتية المتعالية الذي أعتمده لافيل من
قدرته على أستخدام فكرة التعالي رغم كل ما أعتراها من وهن
أثناء تطور الفلسفة الأوربية. يرى فرديناند الكييه في كتابه
«الشوق للأبدية»(8) أن الذات المتعالية ليست بالموضوعية
التجريبية، كما أنها ليست بشخصية منغلقة على هويتها الزمانية
وهي تتصور أن الروح هي لب ما هو واقعي وموضوعي من الأشياء
لأنها أي الروح تؤلف بين قوانين الطبيعة كما أن الوعي يتجه
نحوها بأعتبارها عقل كلي ومن هنا جاءت مقولة هيغل «كل ماهو
عقلي فهو واقعي وكل ما هو واقعي فهو عقلي». وآية ذلك أن
السرائر الأنسانية تتجه دوماً نحو فكرة الخلود في سعي دؤوب
لتجاوز أي تعلق وثني بالزمان العابر. ويخامر لافيل الشك في ما
سبق لكانط أن طرحه عن مخارجة الأبدية لكل ماهو معطى زمانياً أذ
أن هذه المخارجة exteriorite لابد وأن تصم أي توالي للزمان على
أنه لاعقلاني. وسيغدو هذا التوالي محروماً من حضور الروح ومن
فيضها. ومن هنا فأن لافيل ينحو منحى ديكارت في أعتماده لمفهوم
الخلق الدائم بدل المخارجة الكانطية ففي نظر كانط لايملك الرب
المفارق لكل قدراتي والمتعالي تعالياً غريباً عني الا أن يفرض
الزمن لحظة بعد لحظة... وهي اللحظات التي يحتمل الأنسان وزرها
وينوء به. في حين يرى لافيل أن الواقع غني بالوان مبهجة وهو ذو
نكهة فريدة ونادرة وإيقاع يطرب على الدوام الأنا حتى حين تعمد
الى الأغتراب والأنطواء على نفسها بعيداً عنه. وهذا الواقع
الذي يستعصي تشبيهه عبارة عن حاضر معطاء، كريم لايمكن لأي كرم
أنساني أن يجاريه فهو كرم يعطي تلك الملايين من النجوم من أجل
أن يصبح نظام أحداها قادراً على أستقبال الحياة كما هو الحال
مع نظامنا الشمسي وهو ذات كرم الأرزاق الذي يغذي دودة في باطن
حجر بقلب جبل أو بقايا نور يرفد طحلباً في أعماق الأرض
السحيقة. فلا غرابة أذاً في تأكيد لافيل على أن الكيفية
qualite ليست بخاصية شاذة على الوجود.
ويؤكد بيرغسون وهو يجذف بمركبه الفلسفي بعيداً عن لغة
الميكانيك والحساب الآني للأشياء أن «حالات الوعي في ذاتيتها
العميقه لا علاقة لها بمفهوم الكمية، فهي عبارة عن كيفيات
qualities وهي تختلط مع بعضها لدرجة يصعب علينا التفريق بين
تعددها ووحدتها، كما قد يستحيل على المتتبع أن يتولى فحصها دون
المجازفة بتجريد هذه الحالات من طبيعتها الحقيقية»(9). وما
يقال عن هذه الحالات ينطبق على طبيعة الوعي الأنساني بالزمان،
فهذا الوعي عبارة عن ديمومة وهو ليس بأية حال ساعة لقياس توالي
الثواني والدقائق والساعات، وان كنا نستطيع أن نقوم بهذه
المهمة ظاهراً. أننا نعيش زماناً خاصاً بنا، زمان أنساني خالص.
فالذكاء التجريبي discursive ذلك الذي أعلن عن أنتصاراته
المتوالية في العلوم الطبيعية ونجح في مقاربة حقيقة الأشياء
الخارجة عن الذات، تلك القابعة في الهاهناك... في المكان، نقول
أن هذا الذكاء بولعه بالتجريب قد لايمكنه الولوج الى ملكوت
الديمومة الذاتية، ذلك الملكوت الذي تستشعره وتتذوق نسغه الروح
الأنسانية، فالروح الحقيقية هي ليست تلك التي يصبح أمرها فرطا
لأنها حبيسة أهتماماتها اليومية ومأخوذة بنوازعها المادية
والأجتماعية ولاهي حبيسة اللغة المحكية التي تلوك كل الأفواه
مفرداتها. أن الروح الخالصة المخلصَة هي التي تدرك ديمومتها
الكادحة صوب الروح Esprit ، وتلك لعمري ديمومة لايمكن للكلمات
أن تصف زخرفها الداخلي. أنها ميدان الحرية الجوانية الذي
تتلاطم فيه أمواج الحدوس والمخيال والحاكمة... وعليه فأن
الأنجاز الحر هو سياق يتطور بأرتضاع معمار الأنا من فيض الحضور
الخالد ودون أن يكون لحادثة واحدة... زمانية... أن تغير من
معالم هذا الميدان كأن تلغي هذه الحرية أوتشوهها. فالفعل الحر
ينبثق من الأنا الدؤوب التي تمتلك هوية أصيلة هي مسؤولة عنها
مسؤولية خالدة وأذ لا تشابه بين كائن وآخر اللهم الا ذلك
التشابه الغامض الذي يربط مابين سمات لوحة فنية ومبدع تلك
اللوحة. وهكذا، واذا ما أردنا أن نتعرف عن كثب على حقيقة
مايجري في سريرتنا الداخلية علينا الأقلاع عن التفكر النفعي
الذي يرهن المشاعر بتقلبات الأشياء الخارجة عنا مثلما يتوجب
الركون الى الحدس الجامع وأعتماده كأدراك صاعق للماهية. هنا
سنجد أنفسنا وسط الديمومة الحقيقية وفي كنف الحاضر الأبدي الذي
يشكل الأشياء من نشأة الى أخرى، في حين تبقى سماته الروحية
والمتواصلة والمتغايرة وسننه الخالدة عصية على لغة الحياة
اليومية تلك التي تغرق الذات في غياهب هاديس.
ويبدو البحث في طبيعة الزمان الحقيقي أذاً مُدخلاً لأستشفاف
حقيقة الحاضر بأعتباره ديمومة الوجود، ولكنه ، على أية حال ليس
بالمدخل الوحيد ذلك بأن فكرة الخلق المتواصل وجريان الأسباب
وتتابع نتائجها وتدفق الهويات المتباينة أنما يؤكد لنا أن
مُدخلاً آخر بات يمكن معه الكشف عن حقيقة هذا الحاضر السرمدي
والذي نسميه الوجود. وهذا المُدخل هو ليس غير السمات
الأنبثاقية التي تدل ملاحظتها ورصدها، في كل مرة، على سرمدية
الحاضر على مستويات المادة والحياة والروح، ومن خلال فهم متعمق
لحقيقة التطور المتصاعد للبنى... نقول بأن الوجود ليس نهراً
لايمكن السباحة في مياهه مرتين، بل هو ملكوت دائم. أما بزوغ
الظواهر وأختفائها في دارة الزمان فليس الا بعداً واحد من
أبعاد لاحصر لها يتسم بها هذا الحضور.«ولايمكن تصور الزمان
خارج علاقته بالسرمدية... لأن بين الزمان والسرمدية أمتزاجاً
وتكافلاً symbiose . وكما أن الزمان لايوجد الا بالسرمدية
الحاضرة فيه، فكذلك السرمدية لاتوجد الا بالزمان الذي هو
فعاليتها الخلاقة. لكن لايكفي أن نعتبر السرمدية ينبوعاً
والزمان جدولاً قادم منه بل علينا أن نقول أن الأنا يستمد من
السرمدية مستقبله بأفعاله السابقة واللاحقة»(10).
2- الحضور الأبدي
لا يتطلب أستشعار حضور الوجود أمناً أو يقيناً إذ أن الأحساس
به هو اليقين الذي مابعده يقين . ودون بذل جهود مضنية في البحث
والتأمل في حقيقة هذا الحضور... نقول أن الشعور به ليس ناجم عن
أستراتيجية تفكر أو قصدية هدف، أنه حقيقة الحياة بإزاء وجودها،
وهو الوجود المباشر المحض والبسيط. فأن أشم عطر العالم فذلك
لأني أدرك أن الوجود هو الحق الذي لايحتمل التشكيك، غير أن
المخلوق البشري مايلبث أن يحيله الى لعب ولهوٍ. وهذا الحضور
ليس غير تلقائية تهطل مباشرةً على الوعي الأنساني لتجعله ينخرط
في سلسلة أحداث متواصلة. وبهذا فالوجود حضور يفرض نفسه على
النفس ويعيدها دوماً للأنغماس في ملكوته. وتبقى النفس جزءاً من
هذا الملكوت وهي كلمته وآيته... أذ لا رطانة في التعبير مابين
الأثنين. يقول لافيل بهذا الصدد «وبما أن ليس هنالك من وجود
الا وهو في طور الأكتمال فيجب البحث في باطن كل كينونة عن لحظة
مقدم الحياة فيها. فللكينونة طبيعة لايمكن للخالقين أبتداعها
مهما بلغت بهم حيل التفنن .أذ أن في الكينونة قوةُ غامضةُ
تدفعها لأرتياد آفاق العالم. ذلك هو الفعل الأصيل الذي به
يكتمل معمار الخلق»(11). والنفس بإزاء هذا الحضور الذي يبزغ في
كل لحظة، تدرك بعمق أن الوجود أمتلاء وتجدد مادام «الشعور
الأكثر ثباتاً في النفوس، والأعمق غوراً فيها هو ذلك التجدد
الدائم للواقع المعاش الذي يعطي لما حولنا من الأشياء شبابها
وأعتيادنا عليها وهي تنبعث أمامنا في كل يوم»(12). لامجال
للعدم في وجود يُفهم على هذه الصورة.ففي كل لحظة، في لحظة
الحاضر هذه التي تأخذ بُعداً أبدياً عبر الترابط العميق بين كل
الموجودات ، نقول أن هنالك على الدوام فعل أصيل، فعل أولي...
هو فجر لأفعال أخرى قادمة، وهذا الفعل الذي يتحتم صدوره في كل
لحظة عن أي موجود هو بحد ذاته مساهمة... بل هو عطاء لأنه فعل
جديد مهما ظهر عليه من سمات التكرار. فالذات الأنسانية غير
طيّعة لمحبس أي شمولية ذلك أنها عرضة لفيض الروح وهذا الفيض هو
الذي يخلق لها ممراً أجبارياً يجعلها في رواح ومجيء مابين
خصوصيتها والوجود الذي يحطيها. هذا هو المعنى العميق للأمتثال
representation: يقول ليفيناس بهذا الصدد أن التمثل هو ليس جلب
حقيقة ماضية الى صورة تنتمي الى الحاضر، بل هي أن نأتي بكل ما
يبدو مستقلاً عن الأنسان وأدماجه في آنية التفكير(13) ولعل في
النتائج التي تستخلص من زمر الأفعال المتداخلة ما ينبأنا بتدفق
سمات جديدة للأشياء التي تتمايز بهوياتها المختلفة، المتناغمة،
المتنافرة، المتحدة والمنحلة... وحتى الأنحلال الذي يبدو وكأنه
يؤشر لأندثار مؤسف ماهو الا ذوبان وأعادة بناء، مثل أنحلال
الورقة الساقطة على الأرض والتي ستغذي شجرة أخرى أو كأنفجار
النجوم «السوبرنوفا» التي يعني تفتت أجزائها في الفضاء السديمي
أعطاء فرصة خلاقة لظهور العناصر الثقيلة التي تبنى من لبناتها
الحياة. أو ليست الذرات التي تأتلف في جسدي هذا قادمة من رماد
النجوم القديمة؟ وأكاد أقول أن لا فساد في الطبيعة، مع هذا
الحضور الخالد الا ذلك الذي تقترفه الأيدي البشرية. وتبدو
الأنا المتفكرة على يقين من وجود واقع مضاف الى واقع وجودها،
لأنها ومنذ فجر وعيها وجدت نفسها محكوم عليها بالأنطواء على
ذاتها، متناسيةً أنها يجب أن تخضع لا الى أنطوائها فقط على
أهمية هذا الأنطواء لتكوين الهويات المتمايزة بل الى ذلك
الديالكتيك المبدع مابين الأنطواء على الذات والأنضواء في نظام
شامل. ومع هذا فلا شيء يمنع التضايف بين وجود الأنا ووجود
العالم. أذ أن الأنا تدرك بعمق أن الحضور الخالد مهيمن على
وجودها وهو وسطها وأقليمها الحيوي مهما بلغ بها التمرد من
رعونة. وأن ثبات هذا الأدراك وديمومته يتأتى من حقيقة أنبثاق
دائم للفعل الأولي في كل لحظة تمر على الذات الأنسانية، وهذا
الفعل هو مخرجها نحو آفاق العالم مثلما يقول أمانوئيل ليفيناس
«وأذ كانت الأنانية حادثةً حتمية تمر بها كل الذوات فأن فيها
بذور دوافع تمزيق شرنقة الكلية التي تحيط بالأنا من كل
مكان»(14 ) وبهذا فأن الأنا بأعتبارها روحاً مدركة وحرية أنجاز
تجري على الدوام تجارب ومحاولات لتوكيد أعتلائها على تيار
الزمان ذلك لأن لحظات هذا الزمان الجارف ستبقى خاضعة «لفكر
وتفكر الروح»(15) مثلما يقول فرديناند الكييه.
إن إعمال الفكر وما يتفنن به من نحت تصور واضح للزمن يحمل في
أعماقة جرثومة تمرد الأنا على الصيرورة، ذلك أن رفض الزمن
الحسابي ذي الطابع الميكانيكي والقابل للقياس بالآلة والمقياس
أنما هو مطلب أصيل، بل هو فعل أولي مؤسس تفرضه الروح الأنسانية
التي تبتغي الذهاب الى ما وراء الأبتداء والأنتهاء وتريد الكشف
عن المعنى الكامن contexte وراء ظهور وأختفاء الأشياء.
وبفعلها الأولي والأصيل والمتجدد على الدوام والعصي على براثن
العادة والرتابة تنحو الذات الأنسانية منحى الهيمنة على رحيق
وعصارة الديمومة وهي في تأملاتها تريد أن تتمثل تمثلاً عميقاً
حقيقة كل أبتداء وكل أنتهاء أذ أن لها نزوعاً قديماً للتمرد
على ماهو ميت ولا حياة فيه ورفض باتٌ للعدم. وهو تمرد يتمثل في
نشوزها عن طاعة الزمن وأنقلابها على سلطانه، فالزمن هو السرطان
الذي يزهر في الجسد مثلما يقول أندريه مالرو. وهنا يتحفنا لويس
لافيل بواحدة من أجمل مقاطع مؤلفاته حين يقول «أننا نحاول
القبض, عبر تناغم مشاعرنا مع لحن العالم على بعض من السمات
الجوهرية لحركة الروح، فهنالك وقبل كل شيء ذلك التجدد
اللامنقطع للحياة، الحاضرة دوماً والجديدة أبداً وهي التي تصهر
في باطنها كل صنوف المتعدد. ثم يولد الوعي الأنساني عبر ذلك
الدفق الهائل للروح ويبقى يرتضع منه ويحيى فيه وكأنه أي هذا
الوعي هو جذوة الحركة الكلية وجوهر الديمومة التي تجعلنا نتلمس
في أنفسنا أرتقاء ذواتنا عن ماضيها. ذلك أن الماضي الذي يختزنه
حاضر خالد دؤوب يتجه دوماً نحو مستقبل أيامه حبلى بما لايمكن
التكهن بحصوله»(16).
ويمكن القول أن الأنسان مأخوذ بفكرة الأبتداء وكيفية حصول
الأحداث عبر تيار الزمان أكثر من أهتزاز مشاعره إزاء دراما
الأنتهاء ذلك لأن الأبتداء يترك على الدوام صدمةً لايمكن
لأثرها أن يمحى بسهولة. صحيح أن الفقدان والخسارة لهما تأثير
مأساوي على النفس الأنسانية الا أن تعلق هذه النفس بالأمتلاك
وغنى الوجود يبقى أكثر أصآلةً في دائرة الشعور من الخسران.
وحيث أن من المستحيل على العقل أن يتصور شيئاً ما لم يكن
موجوداً، فأنه لايقر بوجود حقيقي لكل ما يمكن أن يتوقف عن
الوجود. وعلى هذا المنوال وحين نجبر أنفسنا على التفكير في أصل
الوجود، أصل هذا الملكوت الذي نعيش فيه سيقودنا تفكيرنا الى
نتيجتين لا ثالثة لهما فأما ان نقول بخلود هذا الوجود وأبديته
أو أنه مخلوق متأتٍ من واقع سابق عليه ويحتويه مثلما تحتوي حبة
القمح كل السنابل المقبلة. ولذا فليس غريباً أن لا تجد الأفكار
القائلة بحدود عدمية تحد بداية ونهاية كوننا أذناً صاغية حتى
عند رهط المفكرين الأكثر ألحاداً. ومن جهة أخرى فأننا نتيقن
على الدوام، ومع كل مرة نحلّق فيها عبر هذه الأجواء
الميتافيزيقية أن لا جواباً قاطعاً على تساؤلاتنا حول أصل
الوجود، غير أننا قد لا نجانب الصواب أذا ما أقررنا بجهلنا،
وهو الجهل الذي لايعدم أمكانية العثور على جواب ما ،ذلك أن
للعقل الأنساني مطلباً أنطولوجياً أصيلاً لايمكن أنتزاعه من
الصدور أبداً، وهو الذي يدفعنا الى جمع شتات المتعدد في فكرة
واحدة. ذلك هو الفعل الأنساني الأولي.يرى بيرغسون أن مطلب
العقل الأنساني يفسر حقيقة الديمومة الجوانية والتي هي أصل كل
سريرة، وهي صورة متحركة لما هو دائم مثلما هي عودة وعودة أخرى
منتظمة أو فوضوية، رتيبة أو أيقاعية يتفاعل بها العقل الأنساني
مع حركات الكون . ولا غرو... فقد عرف العقل ومنذ البدء كيف
يستق فكرة أساسيةً عن العالم هي بكل بساطة فكرة «دوام وجود شيء
ما على الدوام».
المصادر:
ــــــــــ
(*) قسم الفلسفة/جامعة واسط
1-LAVELLE,''Louis'':Du temps et d,eternite,Aubier,1945.
2-أنظر بهذا الخصوص بحثنا الموسوم «العود الأزلي عند فريدريك
نيتشه» مجلة آفاق عربية العدد الثامن آب 1990. وأنظر كذلك
«هكذا تكلم زارادشت» الجزء الثالث.
3-VIEILLARD-BARON''Jean-Louis''et PANERO''Alain:Autour de
Louis Lavelle,PARIS,L,harmattan,2006.
4-BRUNSCHVICG''Leon'':Introduction a la vie de
l,esprit,Paris,Alcan ,1920.
5-Du temps et d,eternite,p.434.
6-Ibid.
7-LAVELLE,La conscience de soi,Les Belles Lettres,PUF.
,1954.
8-ALQUIE''Ferdinand'' ,Le desir
d,eternite,6°,edition,Paris,PUF.1999.
9-BERGSON''Henri'',Essai sur les donnees immediates de la
conscience,PUF.,2001.
10-Du temps et d;eternite,op.cit.,p.434.
11 et 12-LAVELLE''Louis'' ,Henri Bergson,in La philosophie
francaise entre les deux guerres,1942.
13-LEVINAS ''Emmanuel'',Totalite et Infini ,Ed. Kluwer
Academic 1971 ,p.133.
14-Ibid. p.190.
15-ALQUIE,OP.CIT.P.68.
16-LAVELLE ,H. BERGSON.op.cit.
|
|
|