الحضارية «دراسات فلسفية»

السبت: 29/11/2008

 

الثورات العلمية والثورات السياسية
من منظور فلسفة العلم

م. م. كريم موسى(*)
(خاص للمعهد)

المقدمة
للثورات السياسية متغيراتها (أسبابها, مناهجها، نتائجها) وأيضا للثورات العلمية متغيراتها الخاصة بها, ولكن ما يمكن ان يقال كحد أدنى, ان ما يجمع شملهما ويوحد مقصدهما هو مبدأ ((التغير)) change, ولعل هذا المبدأ الموحد بينهما ستنبثق منه متشابهات أخر تتناظران بها على صعيد الأسباب والمنهج على اقل تقدير.
نحن أمام مفهومين احدهما يتعلق بتغير وجهة نظر الإنسان تجاه الموجودات وظواهرها وكل ما يتعلق بمباحث العلم, هذا ما يتمثل بالثورة العلمية, فمادة البحث والتغير هنا في اتجاه الطبيعة وظواهرها والقوانين المستخلصة منها والفاعل هنا الإنسان, والثاني يتعلق بتغير وجهة نظر الإنسان تجاه أحوال الإنسان ذاته, حريته, حقوقه, نظام حكمه, طبيعة مجتمعه, وغير ذلك من المتعلقات السياسية والمتمثل بالثورة السياسية, فالفاعل هنا ومادة البحث والتغير شيء واحد تتجه في اتجاه الإنسان وأحواله، لذا نجد أنّ الإنسان هو رابط آخر بين الثورتين على مستوى الفعل، اذ هو الفاعل المؤثر في كلتا الثورتين السياسية والعلمية.
وبناءا على ان «التغير» يمثل المقولة الأولى في هيكلية مفهوم الثورة، فما كانت الثورة العلمية أو السياسية على وفق مفهوم منظريها ترميم وإصلاح النظريات أو الأحوال السابقة ولكن تغير كامل وجذري ينال حتى أطرنا العقلية والعالم ككل، لذا ما كان بوسع مؤسسي العالم الحديث ان يفعلوا، على وفق ما يرى ذلك المؤرخ والمفكر الفرنسي المعاصر ألكسندر كواريه(**)، ليس انتقاد او الدخول في نزاع مع نظريات خاطئة، وتصحيحها او استبدالها بأخريات أكثر جودة، ولكن وجب عليهم ان يفعلوا شيئا مختلفا كليا، أن يهدوا العالم بأكمله ويستبدلوه بواحد آخر، ان يعيدوا تشكيل الإطار العقلي ذاته، وان يعيدوا صياغة وتجديد مفاهيمه ليطوروا اقترابا جديدا من الوجود ومفهوما جديدا عن المعرفة ومفهوما جديدا عن العلم(1).
وإذا كانت الثورة العلمية تنقدح بهدوء وصمت، وبخضم نشاط فكري جبار، فإنها لا تحمل شهودها لحظة حدوثها، إذ تحتاج زمنا لا بأس فيه لتكتمل هذه الشهود، في حين نرى الثورة السياسية لا تحتاج مثل هذا الفكر البشري الجبار بقدر ما تحتاج الدعم الجماهيري الواسع لها وعادة ما تصحبها أحداث مجلجلة من العنف لحظة اندلاعها تكون بمثابة الشاهد الحاضر لهذه اللحظة الثورية، ورغم ذلك لم يكن هذا الشاهد هو الشاهد الكافي الذي يثبت ان ثورة سياسية قد حدثت، «فكثيرا من أصوات الرعد دوت ولم تنجب مطرا».
على هذا الأساس فإن الثورة السياسية ما يربطها بزميلتها الثورة العلمية، أن شهود التحقق من ان ثورة علمية او سياسية حصلت، تكون بحاجة الى زمن يتكشف فيه الرقي الاجتماعي الذي أحدثته في المجتمع والذي سيصاحبه تقدم مادي يتبلور في مختبره التجريبي المتمثل في المجال الاقتصادي والتجاري والزراعي، مثلما هو الحال مع الثورة العلمية الذي ستثبت شهودها أنها أحدثت رقياً علمياً يصاحبه تقدم ملحوظ في ميدان الخدمة العملية للمجتمع الإنساني ككل.
ان هذه التماثلات والروابط بين الثورتين السياسية والعلمية ستكون الموضوع الرئيسي في هذا البحث ولكن من وجهة نظر فلسفة العلم، وستكون البداية مع مبحث «اصطلاحي» عن مصطلح الثورة وتراوحه ما بين المفهوم السياسي والعلمي.
ـ مصطلح «الثورة» بين المفهوم العلمي والسياسي
في محاولة من القاموس الفلسفي للأحياء وضع تعريف لعلم «الأحياء» biology أجرى مناقشة مفادها ان الترميز في المنطق الرياضي يستطيع ان يعطينا تعريفا دقيقا لكل المتغيرات التي تحل محل هذه الرموز الرياضية وهذا لا خلاف عليه من ناحية جودة ودقة التعريف، ولكن في الحياة اليومية وفي بعض العلوم مثل علم الأحياء هذه الدقة تفقد أهميتها، إذ ليس صحيحا في هذه المجالات ان لا وجود لإمكانية وضع سياق لغوي يتم به تعريفها ما لم تكن كل مفرداتها قد حددت على شاكلة ترميز المنطق الرياضي، فإن تم التحديد بهذا الشكل المنطقي لم يعد هناك علم للأحياء(2).
بهذا المدخل يحاول الباحث ومؤرخ العلم المعاصر برنارد كوهين Bernard Cohen (1914-2003 )(***) في كتابه «الثورة في العلم» Revolution in Science أن يناقش تعريف الثورة العلمية، فهو في مثاله السابق يريد أن يقول إن حياة العلوم life of science تختلف عن العلوم بدقتها ورصانتها في محتواها الرياضي ومنطقها الميكانيكي ونظرياتها المترابطة والمتسقة، وإذا كان هيكل هذه العلوم بني في الأساس على هذه الدقة من التعاريف الداخلة في سياقه، فإن الكثير من مفردات حياة هذه العلوم لا تحتمل هذه الدقة بل مختلفة عنها كثيرا.
من هذه المفردات التي اتخذت استخداما مزدوجا، كما يرى برنارد كوهين، مصطلح «الثورة» أو «الدورة» Revolution الذي اتخذ «أولا، قبولا عاما كمصطلح تقني في العلوم البحتة واستخدم طويلا ولحد الآن في معنى مختلف كلي عن ذلك المعنى الذي يفيد التحول المفاجيء والشديد، ف 'Revolution'(3) تعني العودة مرة أخرى، وان تسير في تعاقب موجي كما هي الحال في تعاقب فصول السنة او كما المد والجزر في موجات البحر»(4).
من هذا المعنى، أن كلمة 'Revolution' قد اتخذت في العلوم البحتة معنى الاتساق التام في التغير، إذ يكون فيها نهاية التغير بمثابة بداية لنسق التغير مرة أخرى وهو المعنى المتأصل في الذهن من دوران الكواكب المتعاقب في مداراتها(5)، أي مصدر المصطلح منحدر من علم الفلك.
لكننا حينما نترك معنى المصطلح في العلوم البحتة ونتحول الى معنى المصطلح ذاته في حياة العلوم نجد الأمر مختلفا كليا، وسنجد ان هذا المصطلح سيفقد مزاجه العلمي ويتحول الى مزاج الثورة السياسية ويترحل بهدوء الى أدبيات العلوم السياسية، إذ ان تعبير مثل («الثورة العلمية» او «الثورة في العلم» لا يحمل مثل هذا الإحساس بالاتصال او الدوام، بل يفضي معناه الى القطع في الاستمرارية وتأسيس نسق جديد وقد تخلى عن كل جذوره مع الماضي، والثورة العلمية هي فكرة تعبر بحدة عن شق عميق بين ذلك الماضي القديم المألوف وهذا الجديد المختلف)(6).
يجب ان نلاحظ ان هذه الكلمةRevolution ذاتها محمّلة بمعنيين مختلفيين في ذهن الناطق باللغة الإنكليزية، فهذه الكلمة ذاتها بتركيبتها الإملائية واللفظية قد تطور معناها من الدورة الى الثورة، وليس الحال كما هو في اللغة العربية، على سبيل المثال، فإن وجدناrevolution في الكتب العلمية البحتة وخصوصا الفيزيائية منها نترجمها «دورة»، وان وجدناها في الأدبيات السياسية او الاجتماعية نترجمها «ثورة» فلا مشكلة في اللغة العربية لأنها تمتلك مصطلحين مختلفين تماما في اللفظ وفي المعنى ولم يتطور هذا المصطلح من معنى الى آخر.
عندئذ أصبح من واجب مؤرخي العلم والمؤرخين بصورة عامة ان يجيبوا عن السبب الذي يقف وراء حقيقة التطور الذي لحق بهذا المصطلح، من مصطلح يحمل الانسيابية والتغير الذي يعود ثانية الى أصله وقد اختصت به قواميس العلوم البحتة، الى مصطلح يحمل الثورة والتغير الحاد الذي يقطع هذه العودة الى الماضي بحيث دخل الى قواميس الفكر السياسي والاجتماعي من أوسع باب ومن ثم يعود ثانية الدخول الى مصطلحات حياة العلوم الطبيعية ولكن بثوبه الجديد الراديكالي بموازاة مع ذلك المصطلح العلمي البحت.
من الطبيعي ستختلف الإجابة عن هذا السؤال لدى مختلف المؤرخين والمتخصصين في علم المصطلحات، ولكن ما يبدو اقرب الى الصحة ذلك الرأي الذي طرحه برنارد كوهين ذاته الذي رأى ان الذي يقف وراء هذا التطور في مصطلح revolution منشأه أولئك العلماء والمفكرون الذين ساهموا في قيام النهضة الحديثة ومنذ بداية عصرها حينما قالوا نحن - وكذلك سمّاهم معاصروهم - من دعاة إعادة بعث حضارة ومعرفة الماضي الإغريقي القديم، أي هي دعوة الى إعادة دورة المعرفة بالعودة الى الماضي revolt against past، وبهذا اصطبغ مصطلح الدورة الذي أساسه من علم الفلك البحت بمفهوم يخص حياة العلوم والمعرفة بصورة عامة في أعادة دورة النشوء والتطور العلمي والمعرفي بصورة عامة في عصر النهضة الى عصر الازدهار في الماضي الإغريقي(7)، و لا سيما اذا ما حللنا المصطلح revolution الى أصله نراه متكوناً بالأصل من بادئة Re- وتفيد الإعادة والانبعاث وكلمة evolution وتعني النشوء والتطور وقد حذف أحد حرفي e للزيادة عن الحاجة فهو بالأصل Re-evolution .
ولكن بما ان إنجازات النهضة العلمية في العصر الحديث كانت إنجازات كبيرة ولاسيما في المجال العلمي وقد تخطت حتى إنجازات ذلك الماضي القديم، وفي نفس الوقت هي بمنزلة أحداث انقلابية اصطبغت بالقطيعة مع ما تضمنه الماضي القريب لها المتمثل في العصور الوسطى وطامحة الى مستقبل جديد يتجاوز بلا عودة هذه المرحلة، فقد استعير هذا المصطلح في الأدبيات السياسية ولاسيما للتعبير عن إحداث الثورة البريطانية عام 1688 التي يحلو للإنكليز تسميتها «الثورة المجيدة» Glory Revolution، حينها توقف العمل بهذا المصطلح للدلالة عن الدورة في هذا المجال السياسي، وأصبح يدل على الطموح نحو مستقبل أفضل تيمنا بما دعت له إحداث الثورة العلمية في العصر الحديث.
بعد ذلك يعود المصطلحrevolution ويدخل في مجال العلوم مع بداية القرن الثامن عشر في معناه الثوري تماشيا مع معناه السياسي، لذلك يرى برنارد كوهين من ذلك الحين وإلى حدّ الآن أنه يظهر العلماء مبتكراتهم وإنجازاتهم كأعمال ثورية في مجالاتهم الخاصة مع ان كوبرنيكوس او نيوتن لم يدع أي منهما انه أحدث ثورة علمية في مجاله لان مصطلح revolution لم يدخل بعد في مجال العلوم معبرا عن المعنى الثوري إذ لا زال هذا المعنى من حصة الأدبيات السياسية والاجتماعية حصرا، ولكن مع بداية القرن الثامن عشر وتحديدا بعد ان أعلن فونتونيلFontenelle (****)(1657 - 1757)  ان ثورة حدثت في علم الرياضيات وتحديدا في حساب التفاضل والتكامل الذي ابتكره نيوتن مناصفة مع لايبنتز، حينئذ عدّ إنجاز نيوتن في الفيزياء هو الآخر بمنزلة ثورة في الفيزياء وبعد مدّة ليست بالقصيرة أعلن عالم الكهرباء الإنكليزي روبرت سيمر(Robert symmer (1707 - 1763 انه أحدث ثورة في علم الكهرباء.
ـ مفهوم الثورة في فلسفة توماس كُون(*****).
على الرغم من أن مؤلف توماس كُون الذائع الصيت «بنية الثورات العلمية» TheStructure Of Scientific Revolutions قد كرس لمفهوم الثورات العلمية، إلا ان كُون عالج التوازي والتماثل ما بين الثورتين العلمية والسياسية في هذا الكتاب وتحديدا في الفصل التاسع منه.
إن كون لم يطرح موضوع التوازي بين الثورات العلمية والثورات السياسية بسطحية التناول التاريخي، ولكن ذهب إلى أعماق الموضوع، ولأجل ان نصل الى قلب الهدف الذي يرمي له هذا البحث في الكشف عن روابط ومتوازيات الثورات العلمية مع الثورات السياسية وتحديد الملامح الإنسانية المشتركة فيما بينهما يجب ان نتوقف عند السؤال الذي سأله وأجاب عنه توماس كون حينما تساءل عن دواعي تسميتنا تغير النماذج الإرشادية او النظريات التي تقود وتسود مرحلة العلم النموذجي بالثورات مع الفارق الكبير بين التطورات السياسية والتطورات العلمية وما هي أطر التقابل بينهما التي تبرر لنا هذه الكناية بحيث نعثر على مفهوم الثورة في الحالتين(8).
يتصدر إجابة كون عن هذا السؤال ذلك التقابل الجلي ما بين الثورة العلمية والثورة السياسية, ذلك التقابل الذي يتعلق بالسبب الأصيل لقيام الثورة، علميه كانت ام سياسية، وهو الحس المشترك المتنامي في شريحة معينة من المجتمع تنتمي باختصاصها إلى اختصاص الثورة التي ستقوم, ففي الثورة السياسية يكون هناك سبب أصيل لقيامها وهو الإحساس المتنامي ولاسيما في شريحة معينه من المجتمع السياسي political community, ينم هذا الإحساس عن ان المؤسسات السياسية او النظام السياسي القائم قد توقف بشكل جلي عن مواجهة او التصدي للمشاكل الناجمة من البيئة السياسية والاجتماعية التي كانت هذه المؤسسات السياسية قد صنعتها بشكل من الأشكال(9), وهذا ما يحصل فعلا في انبثاق الثورة العلمية, فإن هناك شريحة اقليّه داخل المجتمع العلمي - الذي يناظر في الحالة السابقة المجتمع السياسي - يبدأ يتنامى عندها ذلك الإحساس بان النموذج او النمط الإرشادي السائد - الذي يناظر في الحالة السابقة النظام السياسي القائم - بدأ يتوقف بشكل واضح عن أداء مهمته في الكشف عن سمات الطبيعة كما تصورها هذا النموذج وتبنى ومهد لهذا التصور, بكلام آخر ان النموذج السائد بدا عاجزا من مواجهة مشاكل انبثقت من تصوره الخاص به عن الطبيعة، أي هي مشاكل من صميم اختصاصه وهو المسؤول الاول في معالجتها.
ان أهمية هذا التناظر ما بين الثورة السياسية والثورة العلمية تكمن في أن هناك تطورات حصلت في الشأن السياسي او الشأن العلمي افرز مشاكل problems وان هذه المشاكل قد ارتقت من درجة المعضلات puzzles الى درجة الشواذ anomalies, فالمعضلات او الألغاز في الإطار العلمي مصدرها النموذج الإرشادي paradigm الذي يقود المجتمع العلمي وهو الذي يثري بها هذا المجتمع ليختبر قدرة العلماء بالتمكن من حل تلك المعضلات(10), ونشاط حل المعضلات puzzles –solving activity ليس دليلا على تعثر النموذج السائد ولكن على العكس دلالة على خصوبته وقدرته على الإنتاج, فلحل المعضلات ايجابية مزدوجة الوظيفة, واحدة منها أنها تبقى مصدر تحدٍّ لاختبار قدرات أعضاء المجتمع العلمي واستثارة قابلياتهم في حلها والتغلب عليها ومن ناحية أخرى ان في حل المعضلة اضافه جديدة في مسيرة التقدم العلمي وإنجاز جديد يضيفه العلماء لهذه المسيرة في هذه المرحلة التراكمية, مرحلة العلم السوي الذي يسوده النموذج او النمط الإرشادي.
على هذا الاساس ان المعضلات التى يرفدها النموذج القائم للعلماء هي ليست مستعصية الحل وانما هي تتحرك ضمن روح النموذج ونظرياته المعتمدة فلا يشعر العلماء في التعامل معها بأي اغتراب عن نموذجهم المتبع, انها تشبه الغاز رقعة الكلمات المتقاطعه او رقعة الشطرنج المبنية على قواعد اللعبه ذاتها, فألغاز الرقعة فيها معطيات من الرقعة ذاتها, على سبيل المثال عدد الحروف الذي يتكون منه اللغز في الكلمات المتقاطعة أو هناك حروف معلومه من اللغز منحته الرقعة ذاتها, فنموذج ماكس بلانك لطبيعة الضوء الذي وصفه على شكل سيل متقطع من الكمات quantums, حتما سيفضي الى حل لغز ظاهرة الانبعاث الضوئي light emission تلك الظاهرة التي يلاحظ فيها انبعاث الالكترونات بسرع مختلفة من أي سطح مادي حينما يضاء بألوان مختلفة, فجاء الحل على يد اينشتين مستلهما نموذج بلانك في ان الكترونات السطح ستمتص كمات الضوء فتزداد طاقتها وتنطلق من السطح وبسرع مختلفة لاختلاف تردد الضوء باختلاف ألوانه(11), حفزت هذه المعضلة علماء المرحلة في نموذج بلانك الضوئي وامتحنت قدراتهم _ نال من اجلها اينشتين جائزة نوبل - وفي نفس الوقت في حل هذه المعضله اضيف حجر جديد الى هيكل صرح التقدم العلمي.
ينتهي بنا القول ان المشاكل من نوع المعضلات puzzles ليست معرقل لسيادة النموذج او انها ستمهد للاطاحه بهذا النموذج وانما تعزز التيقن به وتدعمه, فهي لا تنتمي الى ممهدات الثورة العلمية, ولكن الذي يمهد للثوره العلمية تلك المشاكل من نوع الشذوذ anomaly التي ساهم النموذج وحسب مفاهيمه المسلم بها من احيائها، ومن خضم بيئته نشأت وانبثقت من دون ان يستطيع مواجهتها او التوصل الى حلها, هذه المشاكل التي تثير الازمه crisis داخل المجتمع العلمي وتكون نذير لقيام الثورة العلمية.
فالنظريه الموجيه للضوء التي تقول ان الضوء يسير على شكل امواج هي النموذج الذي قاد المجتمع العلمي سنين طويله ولكي يكتمل هيكل هذا النموذج لا بدّ من أن يأتي بفكرة الاثير ذلك الوسط المادي الشفاف الذي يملأ كل الوجود الكوني وإلا كيف تنطلق امواج الضوء من المسافات الكونيه الشاسعه وتصل الينا والامواج لا تسير إلا من خلال وسط مادي, ففكرة الاثير انطلقت من داخل رحم النموذج او هي العكاز الذي استند عليه, ثم جاءت تجربة مايكلسون - مورلي عام 1905 واثبتت أن لا وجود لهذا الوسط السحري المسمى الاثير(12) فسقط العكاز وترنح النموذج ودخل المجتمع العلمي في ازمه crisis معلنةً ان الثورة العلمية على الابواب, عدم وجود الاثير هو من نوع المشاكل التي نطلق عليها شذوذ anomaly التي تنتمي الى عالم الثورات العلمية.
كذلك الحال مع الثورة السياسية, فإن المؤسسة السياسية القائمة تناظر النموذج الارشادي السائد - في مجال العمل العلمي - في مواجهتها المستمرة للمشاكل التي هي من مستوى الألغاز، ولكن هذه المشاكل من هذا المستوى لا تشكل عائقا للعملية السياسية ولا اخفاقا للنموذج السياسي السائد، ولكنها مشاكل نامية من صميم مفهوم العمل السياسي المتشكل من شبكة من الانشطة الانسانية المعقدة، وان هذه المشاكل التي هي من نوع الألغاز هي امتحان مستمر ومتواصل لقدرة النموذج السياسي على تخطي مشاكله التي لا ينفك من مواجهتها، وان الحلول الموضوعة من المؤسسة السياسية لمثل هذا النوع من المشاكل ودرجة عقلانية وفاعلية هذه الحلول هي مقياس ومؤشر لمدى خصوبة هذا النموذج السياسي وقدرته على التكيف مع ما يستجد من مشاكل هي من لب مفهوم الحياة الاجتماعية التي ينتمي اليها العمل السياسي ونموذجه السائد، فلا تشرق شمس على يوم جديد إلا ومشاكله معه وقد تكون حلول الامس هي مشاكل اليوم.
ان النظام السياسي الذي لا يتعرض لمثل تلك الألغاز، كما أطلق عليها توماس كُون، هو إما نظام يحكم بالحديد والنار وإما هو مقطوع عن المجتمع الدولي الخارجي او هو في عزلة عن جماهيره، فمن الصحيح ان كل هذه الظروف ستخفف عن النظام او النموذج السياسي القائم من مواجهة المشاكل من نوع ألغاز الحياة السياسية المشروعة، ولكنها هذه الأحوال ذاتها ستنقلنا إلي مستوى أعلى من التعقيد، مستوى المشاكل الشاذة التي حلولها تنتمي الى «عالم الثورات»، فغالبا ما يكون الممهد لهذه الثورات، أن المؤسسة السياسية القائمة لم تستطع مواجهة مشاكل من نوع الشواذ، التي هي صنعتها وساهمت بوجودها مدخلةً المجتمع السياسي في ازمه تمهد لقيام الثورة, فالحكم الملكي الفرنسي، على سبيل المثال، هو الذي بنى سجن الباستيل bastille prison كجزء من الحصن في شرق باريس ويكون معتقل للخارجين(13) عن القانون، وشيئا فشيئا اصبح في القرن الثامن عشر المعتقل الاول في فرنسا واوربا عموما يقذف فيه كل من يعارض او يمتعض من النظام السائد, يلقى القبض على المعارضين السياسيين بمختلف المستويات بموجب المرسوم letters-de-cachet (14) وهو اعلى مرسوم ملكي وبدون محاكمه او مرافعه يدخلون الباستيل الى امدٍٍ غير مسمى, وبحق استحق هذا السجن ان يكون رمزاً للطغيان الملكي royal tyranny في عموم اوربا, ولكن مع مرور الزمن اصبح هذا السجن يشكل مشكله شاذه لا تستطيع العائله المالكه حلها او مواجهتها فليس من صالحهم هدمه والغائه واخراج المعتقلين, لكثرة عدد المعتقلين من جهه, ولكون المعتقلين من الشريحه السياسية المعارضه التي ستضيف هم الى الهموم الكثيره التي تعاني منها العائله المالكه من جهة اخرى, ولا إبقاء هذا السجن وسمعته السيئه هو لصالح الوضع السياسي المتأزم, فشبح الاستبداد الذي يرمز له هذا السجن كان يلاحق عائلة ال(بوربون) ويتكلم عنه عموم المجتمع الاوربي، هذا الشذوذ الذي ليس له حل هو من ممهدات الثورة الفرنسيه وليس الممهد الاول ولا ننسى ان هذا الشذوذ هو من صنع النظام السياسي السائد, فهو الذي سار على النهج السياسي القائم على زج الآلاف من السياسيين والمثقفين في هذا السجن أملاً في التخلص من خطرهم وإبقاء النظام قويا وإبعاد الخطر عنه, لكن المبالغه في هذا النهج ولدت متغيراً جديداً لم يحسب له حساب النظام السياسي القائم المتمثل بالملكيه الفرنسيه وهو ان هذا السجن اصبح مشعلاً يغلي صدر الشعب في خارج السجن وهذا هو المأزق في الحاله الشاذه غير القابلة للحل, وجود المعارضين السياسيين في داخل السجن لأبعاد الخطر هو ذاته زيادة الخطر في الخارج, فليس غريبا ان يكون الهجوم على سجن الباستيل وتحطيمه هو من اهم احداث الثورة الفرنسيه الأمر الذي دعى الفرنسيين الى يومنا هذا الاحتفال في ذكرى هذا اليوم في 14 تموز من كل سنه(15).
فتوماس كون وضع لنا توازياً بين الثورة السياسية والثورة العلمية في مسببات الثورة وحصر تنامي الاحساس الاول للمسبب في شريحه معينه وليس في كل المجتمع العلمي او السياسي, فإنه يخطو خطوة أخرى في المناظرة بينهما ولكن هذه المرة على صعيد الهدف, يرى كون أنه مثلما تهدف الثورة العلمية الى تغيير النموذج السائد القديم الذي يعمل بموجبه المجتمع العلمي وتكون الخطوه الاولى في توقيف هذا النموذج عن العمل ومنع الاخذ به كمرشد للبحث العلمي, فإن الثورة السياسية ايضا تهدف الى تغيير النظام السياسي القائم عن طريق استبعاده وتوقيفه عن العمل وسحب الشرعية عنه أولا(16).
ان توقف النموذج السابق عن عمله القيادي في الخطوه الاولى للثوره العلمية, سيدخل المجتمع العلمي في ضياع ومتاهة بسبب هذه الخطوه، ويبقى المجتمع العلمي تحت تأثير الازمه ولا يخضع لقيادة اي نموذج من النماذج المتاحه, لأن الازمه التي اضعفت النموذج السابق واطاحت به, تبقى تمارس نفس الدور في اضعاف باقي النماذج واستبعاد الثقه بها من المجتمع العلمي, فبعد سقوط فكرة الاثير عام 1905 قد يكون الرجوع إلى نظرية بطليموس القائلة بسكون الأرض أحب إلى نفوس كثير من الفيزيائيين من القول بأن الامواج الضوئيه والكهرومغناطيسيه يمكن وجودها من غير وسط تتموج به(17), بطبيعة الحال هم ليسوا جادين في الرجوع إلى نظرية بطليموس ولكن هذا القول يمثل عمق خيبة الامل التي يعيشها المجتمع العلمي تحت تأثير الأزمه التي اطاحت بنموذج الاثير وعدم ثقتهم بأي شيء متاح.
الحال ذاتها يراها كون في بداية الثورة السياسية, المجتمع بعد توقف النظام السياسي القديم عن العمل وفقدانه شرعيته, لا يخضع هذا المجتمع لأي مؤسسه او سلطه سياسيه على الإطلاق(18), وان الكثير من افراده يبتعدون عن الحياة السياسية والعمل ضمن مقتضيات المجتمع المدني السياسي, لذلك تراهم يتصرفون وفق سلوك غريب جدا لم يألفه المجتمع السياسي.
لم يقف التماثل بين الثورتين العلمية والسياسية عند هذا الحد, وإنما يرى كون في الثورتين بعد تفاقم الازمه وبعد ان اخذت أبعادا عميقة تخص المجتمعين العلمي والسياسي, أن شريحة من المجتمع تأخذ على عاتقها التصميم على ايجاد خيار صلب يعيد بناء مؤسسات المجتمع السياسي او العلمي وبصياغه هيكليه جديده.
عند هذه اللحظه التاريخيه من كلتا الثورتين العلمية والسياسية سينقسم المجتمع السياسي الى احزاب وكتل سياسيه, وكل حزب يطرح رأيه بقوه لأيجاد مخرج للأزمه, وأحد هذه الكتل تسعى بشكل حثيث لإبقاء النظام السابق, كذلك في حالة الثورة العلمية فإن المجتمع العلمي سينقسم الى عدة شرائح كل شريحه تقترح وتدافع عن نموذج جديد يقوم بدور القياده والارشاد للمرحله المقبله من مرحلة العلم النموذجي, في حين أن أحد الشرائح تدافع عن إبقاء النموذج القديم في دوره الارشادي للمرحله القادمه, الأمر الذي يدفع الثورة سياسيه كانت ام علميه الى مرحلة الاستقطاب العلمي او السياسي, الذي يكون على اشده بين النماذج العلمية المتنافسه او بين الكتل السياسية المتنازعه على قيادة المجتمع, غالبا ما يفشل الحسم النهائي عن طريق الحل السياسي بين الكتل المتنافسه سياسيا فيما بينها عن طريق حلّ توفيقي, كذلك الحال يحصل مع النماذج العلمية المتنافسه فلا يمكن ان يحسم الأمر بواسطة ممارسة ذات طبيعه توافقيه إذ يتم التوصل إلى النموذج الإرشادي الجديد من بين مجموعة النماذج المتنافسة، فيؤخذ من كل نموذج جزءا منه.
واخيرا لتكتمل الصوره النهائيه للثوره لا بد من أن تلجأ الكتل السياسية المتنافسه او النماذج العلمية المتباريه الى وسيلة الاقناع الكمي في جمهور المجتمع السياسي او اعضاء المجتمع العلمي, وان احراز الكم الاكبر سيكون الأمر الحاسم لتولي نظام سياسي ما دفة الحكم او سيادة نموذج ما في قيادة المجتمع العلمي وبحوثه في المرحله الجديده.
هذا مختصر لما وصفه توماس كون للموازاة ما بين الثورة العلمية والثورة السياسية, وعلى الرغم من ذلك فإن الوصف في حاجه إلى أمثله وتوضيحات كثيرة, وكذلك ان نموذج الثورة السياسية الذي طرحه ونهجها وتطوراتها لا تمثل النموذج الذي تنطوي تحته كل التجارب الثوريه السياسية.
واكمالا لهذا الموضوع، ولأنّ كون لم يوضح نقاط الاختلاف الجوهرية بين الثورات العلمية والثورات السياسية إذ ركز على ما يطمح تبيانه من نقاط التوازي، فإننا نجد عند برنارد كوهين ما يستحق الانتباه على اهم نقطة خلاف ما بين الثورات العلمية والثورات السياسية، فهو يرى ان الثورة السياسية لا تجد ضرورة لان تكون هناك ثورة سياسية اخرى جديدة تزعزع اسس الثورة السياسية التي حدثت في مجتمع ما، الا ان هذا الأمر غير وارد في العلم، فالعلم دائما ما يقودنا الى توقع المزيد من الثورات المستمرة بدون نهاية ولا يوجد هدف نهائي يحاول العلم ان ينجزه، لهذا تكون الثورة العلمية الناجحة نبراسا وتمهيدا للثورات التي تاتي في المستقبل(19).
في حين أنّ للثورة السياسية برنامجاً محدداً ونهائياً تأمل من الثوريين السياسيين ان يحققوه على اكمل وجه، وان هذا الهدف للثورة السياسية يتوافق مع تعريف الثورة السياسية ذاته والذي يختلف عن تعريف الثورة العلمية، اذ ان الثورة السياسية - والكلام لكوهين - هي نوع من التغير الذي يحدث فجأة وبطريقة راديكالية وغالبا ما تتم هذه الثورة عن طريق العنف والقوة ويأخذ شكلا دراميا إذ ان الملاحظين يدركون ان هناك ثورة قد حدثت بالفعل(20).
الخاتمة
لما كانت الروابط بهذا المستوى من القوه بين الثورات السياسية والثورات العلمية وتحديدا على مستوى الفعل, إذ كلاهما من منتج واحد متمثلا بالانسان، الا يقودنا هذا الربط إلى أن نتلمس علاقة بين هاتين الثورتين او لنقل هناك حث متبادل بينهما كالعلاقة التبادليه بين الحافز والمحفز, يتبادلان المواقع فيما بينهما, واقصد بقولي هذا ان تكون الثورة العلمية، مثلا، حافزا لقيام ثوره سياسيه او بالعكس ان تكون الثورة السياسية حافزا لقيام ثوره علميه.
اذا كان الانسان وعبر ثوراته العلميه تتغير نظرته الفكريه نحو الطبيعه وظواهرها, ويكتشف احداثاً وقوانين وموجودات ما كان يعرف لها طريق, وفي كل قفزه علميه ثوريه يتغير مستوى الفكر تغيرا نوعيا وان هذا التغير يكون دائما نحو الاحسن, وفي كل مره يجني الانسان ثماره من هذا التطور على صعيد الخدمات العمليه التي يقدمها العلم له, أليس من المنطقي ان يصاحب هذا التغير الفكري الذي احدثته الثورات العلميه, مطالبه ملحه لتغيير حاله السياسي وجعله منسجما مع السمو الفكري الذي يصل اليه عبر ثوراته العلميه.
انه من المستحيل ان نعزل او نميز نشاطين متميزين من انشطة الفكر الانساني, نشاط يعني بالطبيعه وظواهرها والقوانين المنطويه عليها ومن دون ان يؤثر ويتأثر بنشاط آخر يمثل الظواهر الاجتماعيه والسياسيه السائده, فليس من المعقول ان فكر المجتمع الذي تغير تصوره للنظام الكوني على وفق نموذج كوبرنيكوس الذي استأصل تماما نموذج بطليموس الذي هيمن على الفكر الانساني مئات السنين, وفي نفس الوقت يبقى هذا الفكر راضخا لسلطه كنسيه طاغيه تبيع صكوك الغفران وتبطش بكل من يعارض نظرية مركزية الارض التي تمثل نموذج بطليموس, فالنهضه الاوربيه عموما بدأت بالتحولات المعرفيه والحضاريه ثم تلتها تحولات سياسيه, توجت هذه التحولات المعرفيه ثورة كوبرنيكوس, تلك الثوره العلميه الكبرى في ذلك العصر التي كانت مع تماس كبير مع تحولات سياسيه تلتها تخص فقدان الكنيسه سلطتها شيئا فشيئا.
وليس من محاسن الصدف ان ثورة نيوتن العلميه في تقديمه نظريته في الجاذبيه الارضيه عام 1687 م, وبفارق عام واحد عن هذا التاريخ أي في عام 1688 م، تتوج هذه الثورة العلمية بالثوره السياسيه في انكلترا التي انتصرت فيها المبادىء السياسيه التي كتبت لها الغلبه على اثر فوز الحزب البرلماني whig party على انصار الملكيه المطلقه واقصاء اسرة ستوارت عن العرش سنة 1688 م(21), فليس من المعقول مرة اخرى ان يقبل مجتمع يتعرض فكره الى تغير ثوري اعلنته ثورة نيوتن العلميه في اهم العلوم الطبيعيه والرياضيه, اقول ان يقبل هذا المجتمع نظاما سياسيا يقوده ملكا مطلقا لا يحد صلاحياته قانونا ولا دستور, ان الخوض في هذا الموضوع في حاجه إلى الكثير من التحليل والبحث التاريخي الموثق ولكن هذه الصفحات القليله لا تسع لمثل البحث الموسع, ولكن اريد ان الفت الانتباه الى ان البحث في هذا الموضوع في تقصي آثار الثورات العلمية والثورات السياسية سيقودنا إلى هاتين الخلاصتين:
الأولى؛ هل المجتمعات التي لم تحدث فيها ثورات علميه حقيقيه قد حرمت من قيام الثورات السياسيه فيها بالمعنى الحقيقي للثوره السياسيه, ولا اقصد قيام الثوره العلميه في مجتمع معين يعني ان احد افراد هذا المجتمع ((بعينه)) قام بكشف او انجاز علمي يعد ثوره علميه لانه ادار نظرة الانسان الفكريه الى مستوى اعلى, ولكن اقصد قيام الثوره العلميه في مجتمع ما, ان هذا المجتمع بشريحته العلميه قد واكب هذه الثوره وتلقفها منذ ولادتها, وتفاعل معها فكريا وان حصيلة هذا التفاعل هو الفهم العميق لفحوى الثوره ومن ثمّ حصول تغير في وجهة نظر المجتمع الفكريه, ولا سيما النخبه العلميه والسياسيه منه, وما تؤثر به هذه النخبة على باقي شرائح المجتمع في توصيل فكرة الثوره اليها بالطريقه التي يفهموها, فثورة نيوتن لم تحصل في فرنسا، ولكن المجتمع الفرنسي وتحديدا العلمي منه كان مواظبا على تتبع احداثها خطوه بخطوه وعكس هذه المتابعه على سائر شرائح المجتمع, في حين لا نعلم ما كانت ردود فعل ثورة نيوتن العلميه في حينها على مجتمع بدائي في افريقيا مثلا, وعلى هذا المعيار ان ثورة نيوتن العلميه طالت المجتمع الفرنسي ولكنها لم تصل ولم يجنِ ثمارها في هذا المجتمع الافريقي.
اما الخلاصه الثانية التي نريد ان نذهب إليها وهي, متى تكون الثورة السياسية, لا نقول مشابهه, ولكن مقاربه للثورة العلمية وما هي شروط هذه المقاربة وما هي العوامل التي تجعل من هذه المقاربة ممكنه, واذا كان معيار النجاح للثورة العلمية او الصفة الغالبة لها هو التقدم العلمي الذي سينتج منها والذي سيضاف الى مسيرة التقدم بشكل عام, عندئذ هل هذا المعيار ساري المفعول على الثورة السياسية ؟ اي اذا حصل تغير سياسي في مجتمع ما وبطريقة ما ولم يلحقه تقدم اجتماعي ملحوظ على الصعيد الاقتصادي والحضاري, هل يجوز لنا ان نطلق على هذا التغير السياسي «ثوره سياسيه» ونعيد النظر بتسمية بعض ما سميت بثورات سياسيه, ام ان المعيار في الثوره السياسيه هو التغير السياسي الجذري الذي يشمل شريحه كبرى من المجتمع.
ان الاجابة على كل هذه التساؤلات لا يكفيه مثل هذا البحث المقتضب وينطوي تحت طائلة مشكلة العلوم الانسانية، الا ان هناك من الباحثين في فلسفة العلم من يحاولون ايجاد اواصر القربى بين الثورات الاجتماعية والسياسية من جهة وبين الثورات العلمية من الجهة الاخرى من حيث المفهوم والخصائص والنتائج والغايات، فالاحداث السياسية التي تؤدي الى تغييرات سريعة في البنية الاجتماعية ربما يكون لها نفس الاثر على تصورات ومفاهيم العلم، لهذا يتساءل برنارد كوهين عن العناصر التي اندمجت في مفهوم الثورات العلمية نتيجة الثورات السياسية ونظرياتها وما هي العناصر التي تم البرهنة عليها بأنها غير قابلة للتطبيق على مفهوم الثورات العلمية(22).
وقد ذهب كوهين الى ان الثورات السياسية يمكن ان يكون لها التاثير الكبير في العلماء وفي العلم ذاته، فلا احد ينكر - والكلام لكوهين - التاثير السياسي في العلم ولاسيما الفيزياء من جراء الثورة النازية، إذ قام اثنان من العلماء وهما فيليب لينارد(****) وجوهانز ستارك(*****) في التاصيل للعلم وخاصة الفيزياء جراء تأثرهم بالثورة النازية، فقد حاولا ان يعيدا تنظيم ونشر الفيزياء بالطريقة التي تناسب هتلر وقاما بنشر مجلدات معنونة باسم الفيزياء الالمانية التي هي عندهم الفيزياء الارية ودعا إلى تحديد العلم بشكل عرقي(23).


الهوامش
ـــــــــــ
(*) قسم الفلسفة - كلية الآداب - جامعة بغداد.
(**) الكسندر كواريه (1890-1955) : مؤرخ ومفكر فرنسي معاصر احدث ثورة جديدة في طريقة تناول تاريخ العلم وخصوصا بعد ان نشر مؤلفاته الثلاثة بهذا الخصوص عام 1939 .
(1) Lindberg, David and Westman, Robert (eds): Reappraisals of the scientific revolution ; Cambridge Unv. Press ; 1990 ; P 17
(2) Cohen, Bernard: Revolution in Science ; Harvard Univ. Press ; 1985 ; P5
(***) مفكر ومؤرخ علم أمريكي معاصر ويعد من اشهرهم، فلقد ذكر اسم كتبه في هوامش "كتاب بنية الثورات العلمية" لتوماس كون مرات عديدة ، حصل على شهادة الدكتوراه في تاريخ العلم في سنة 1947 من جامعة هارفرد الأمريكية وشغل التدريس في نفس الجامعة لمادة تاريخ العلم منذ سنة 1942 وحتى مماته في العشرين من حزيران عام 2003، وهو تلميذ جورج سارتون اشهر مؤرخي العلم في أمريكا وقد حصل على وسام سارتون في تاريخ العلم الاجتماعي في عام 1974 له سبعة عشر مؤلف في تاريخ العلم أهمها " فرانكلين ونيوتن عام 1956 " و" ولادة الفيزياء الجديدة عام 1960 " الثورة النيوتنية 1981 " الثورة في العلم 1985 " وللمزيد من المعلومات عن برنارد كوهين ومؤلفاته ادخل الموقع الالكتروني التالي:
http://en.wikipedia.org/wiki/I._Bernard_Cohen
(3) لا استطيع ترجمتها بالثورة ولا بالدورة، لان في ذهن الكاتب الآن هذه الكلمة revolution ذاتها محمّلة بمعنيين مختلفين بناء على كونه ناطق باللغة الانكليزية، فهذه الكلمة ذاتها بتركيبتها الإملائية واللفظية قد تطور معناها من الدورة الى الثورة، وليس الحال كما هو في اللغة العربية، فإن وجدناrevolution في الكتب العلمية البحتة نترجمها " دورة " وان وجدناها في الأدبيات السياسية او الاجتماعية نترجمها " ثورة " فلا مشكلة في اللغة العربية لأنها تمتلك مصطلحين مختلفين تماما في اللفظ وفي المعنى ولم يتطور هذا المصطلح من معنى الى آخر
(4) Cohen, Bernard: Revolution in Science ; OP. Cit. P 5
(5) Ibid. P5
(6) Ibid P6
(7) Ibid. P6
(****) عالم رياضيات فرنسي مختص في علم القياسات الرياضية ولكن ما هو اهم من كونه عالم رياضيات فهو كتب تاريخا للرياضيات واصبح من مؤرخي العلم وفي مؤلفه لتاريخ الرياضيات صرح على ان هناك ثورة في علم الرياضيات حدثت في عصرة وخصوصا في اكتشاف موضوع الحساب الرياضي في التفاضل والتكامل calculus الذي اكتشفه نيوتن مناصفة مع الفيلسوف المحنك لايبنتز وللمزيد من المعلومات عنه ادخل الموقع الالكتروني التالي:
http:/www.groups.dsc.st-and.ac.uk/history/mathematicians/fontenelle.html
(*****) توماس كُون (1922 - 1996) فيلسوف علم أمريكي، يعد من ابرز فلاسفة العلم المعاصرين وهو صاحب المؤلف الذائع الصيت " بنية الثورات العلمية "
(8) Kuhn, Thomas: The Structure Of Scientific Revolutions, Chicago UNV. Press. P 92
(9) Ibid., same Page
(10) Kuhn T.– SSR. P. 36
(11) مرحبا, عبد الرحمن ـ انشتين والنظرية النسبية ـ مطبعة دار القلم ؛ بيروت ؛ الطبعة الثامنة, 1981- ص 56
(12) عبد الرحمن مرحبا - انشتين والنظرية النسبية - مصدر سابق ص 65
(13) نهرو، جواهر للال - لمحات من تاريخ العالم - نقله الى العربية لجنة من الأساتذة الجامعيين - منشورات المكتب التجاري للطباعة والتوزيع والنشر - القاهرة - الطبعة الأولى، حزيران - 1957 -- ص 82
(14) Microsoft Encarta Reference - CD RAM CD2
(15) نهرو، جواهر لال، لمحات في تاريخ العالم، مصدر سابق، ص 83
(16) T. Kuhn -- The Structure of Scientific Revolutions P. 93
(17) د. عبد الرحمن مرحبا -- اينشتين والنظرية النسبية - مصدر سابق -- ص 68
(18) In the interim, society is not fully governed by institutions at all - SSR. P 93
(19) Cohen, B.: Revolution in Science ; Op. Cit. P. 14
(20) Ibid. P. 14
(21) Britannica Encyclopedia, on CDS
(22) Cohen, B.: Revolution in Science ; Op. Cit. P. 8
(******)فيليب فرانك (1862-1947): فيزيائي ألماني حاز على جائزة نوبل عام 1905 عن اختراعه الشبكة الكاثودية التي تطلق الكترونات عالية السرعة في الصمام المفرغ.
(*******)جوهانز ستارك (1874-1957): فيزيائي ألماني حاز على جائزة نوبل عام 1919 لاكتشافه خطوط الطيف الصادر من الالكترون إذ ساهم هذا الاكتشاف في تطور هام لنظرية الكم.
(23) Ibid. P. 11