الحضارية «دراسات فلسفية»

الاثنين: 24/11/2008


خطاب الحداثة وما بعد الحداثة

عدي حسن مزعل(*)
(خاص للمعهد)

تمهيد:
عندما نتحدث عن الحداثة سواء من جهة كونها حدثاً تاريخياً برز مرحلة معينة، أو من جهة معناها الفلسفي، أو أنها ترتبط بشكل وآخر بـ(ما بعد الحداثة) كخطاب نقدي للحداثة ذاتها، أي نقد للنقد. لذا سنعمل هنا على توضيح معنى الحداثة لكي نتحدث لاحقاً عن ما بعد الحداثة.
1- الحداثة (modernism) سياقها التاريخي ومعناها الفلسفي:
من الناحية الاصطلاحية لكلمة حداثة (modernism). فهي مشتقة من الكلمة الإنكليزية (modern). والتي تعني حديث، وهي مصطلح خلافي للغاية. إذ عادة ما توضع في مقابل تقليدي أو قديم وتصبح من ثم كلمة معيارية تعني أن الحديث أرقى من القديم نظراً إلى ارتباطهما بفكرة التقدم(1). وقد أشار المفكر الألماني يورغن هابرماس -1929- إلى أن كلمة (modern) (حديث) قد استخدمت للمرة الأولى في القرن الخامس الميلادي لتمييز الحاضر المسيحي عن الماضي اليوناني والروماني الوثنيين(2). إلا أن كلمة حداثة، لم تأخذ معناها ودلالتها إلا في القرن التاسع عشر، وذلك عبر ارتباطها بأعمال الشاعر الفرنسي شارل بودلير (1821-1861) الذي يعده معظم الباحثين أباً للحداثيين لأنه أول من حاول تقديم صياغة نظرية للحداثة(3).
من الناحية التاريخية لظهور الحداثة هناك من يرى أن الحداثة تشير إلى فلسفة المجتمعات الغربية وثقافتها من حوالي 1850 إلى 1950، أي المرحلة المتفجرة التي حقق فيها مجتمع الثورة الصناعية إنجازات هائلة تكنولوجية، وفكرية وشهد تحولاً حضارياً كاملاً في ظروف المعيشة والعلاقات الاجتماعية(4). يقابل هذا التصور للحداثة ونشأتها، تصور آخر يرى أن انطلاقة الحداثة تبدأ مع مطلع القرن الخامس عشر، وما رافقه من أحداث وتحولات تاريخية كبرى تمثلت في اكتشاف كولمبوس سنة 1492 العالم الجديد، وسقوط بيزنطة 1453، إضافة إلى أحداث علمية وتقنية مهمة، مثل نظرية كوبر نيقوس 1526، واكتشاف الدورة الدموية، وأحداث فكرية محددة، تجلت في أطروحات مارتن لوثر الاجتماعية سنة 1517، وظهور كتاب مقال في المنهج لديكارت سنة 1637(5)، ورغم التباين الواضح في إرجاع انطلاقة الحداثة بين من يردها إلى المرحلة الواقعة ما بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وبين من يردها إلى القرن الخامس عشر، إلا أن معظم المؤرخين يتفقون على أن القرنين السابع عشر والثامن عشر، هما القرنان اللذان شهدا وضع الأسس الفلسفية والسياسية للحداثة، وهي أسس أسهمت في دخول المجتمعات الأوربية مرحلة جديدة من تاريخها مدشنة بذلك مرحلة الحداثة الشاملة(6).
هذا من جهة تاريخ ظهور الحداثة كحدث تاريخي شهد ولادته في البيئة الأوروبية. أما من جهة إرجاع الحداثة كتعبير عن رؤية خاصة للوجود والفكر المجتمع، فهنا نجد التباين والاختلاف أيضاً، فالمفكر الأمريكي ريتشارد رورتي، يرجع الحداثة إلى فكر ديكارت(1596-1650) القرنان السابع عشر والثامن عشر. بينما يرى يورغن هابرماس أن الحداثة ترتبط بعصر الأنوار، القرن الثامن عشر الميلادي. في حين أن الناقد الأمريكي، فردريك جامسون يحدد تاريخ ميلاد الحداثة في النصف الأول من القرن العشرين(7).
القطيعة الشاملة:
تترك الحداثة عندما تظهر في مجتمع معين بصمات معينة في ذلك المجتمع. فهي «تحول جذري على المستويات كافة: في المعرفة، في فهم الإنسان، في تصور الطبيعة، وفي معنى التاريخ. انها بنية فكرية كلية. وهذه البنية عندما تلامس بنية اجتماعية وثقافية تقليدية فإنها تصدمها، وتكتسحها بالتدريج، ممارسة عليها ضرباً من التفكيك ورفع القدسية»(8). كما إنها - أي الحداثة «نمط في التحضر والتمدن يتجلى في الدولة الحديثة والتقنيات والفنون والأخلاق والعادات والأفكار الحديثة. انها نمط سلوكي يمارس في الحياة اليومية، له سماته ومنطقه، وله قيمة الضدية فهو عكس القديم والتقليدي... وينادي بالجدة والتجديد والابتكار»(9)، والقطيعة مع الماضي من السمات البارزة في خطاب الحداثة، فهي ليست استمراراً للماضي، ولا تواصلاً معه، لأن التصالح مع التراث أو الوفاء له عبودية وهو أمر يقع بخلاف «جوهر الروح الحداثية الثائرة ضد الماضي والتراث»(10). وهذا يعني أن الحداثة تمثل الحالة التي يتم معها القطيعة مع التقليد المتمثل بالموروث من الماضي، من عادات وتقاليد.
هذه النزعة في القطيعة مع التراث ساهم في تجذيرها داخل الفكر الأوروبي فلاسفة عصر التنوير في القرن الثامن عشر. فثمرة انتصار الحداثة هي تحديد الروح واستقلالية الذات البشرية، وتعامل الإنسان مع نفسه كذات واعية، سيدة، مريدة وفعالة، وهذه النظرة إلى الحداثة بوصفها انتصاراً للذات البشرية ترجع إلى ديكارت، فمنذ لحظة ديكارت أصبح الإنسان يستمد يقينياته من ذاته وليس كما كان الشأن عليه في العصور الوسطى من تعاليم عقيدة أو سلطة أخرى غير سلطة ذاته(11)، لذا يرجع الوعي الفلسفي بالحداثة إلى ديكارت فهو أول من قدم الأساس الصلب لفكر الحداثة عبر الكوجيتو «أنا أفكر أذن أنا موجود». بوصفها الثورة الأساسية في الفلسفة الحديثة والتي شكلت باعتراف هيجل(17770-1831) وهيدجر (1889-1976) منطلق الفكر الحديث إذ لم يعد «ينظر إلى الإنسان كما نظر له فلاسفة العصور الوسطى، بل أصبح ذاتاً هي مقر ومرجع الحقيقة واليقين، وهي المركز والمرجع... وسواء سمينا هذه الثورة بالنزعة الإنسانية، أو النزعة الذاتية، أو بالفردانية، فهي تعني تقريباً نفس الشيء: تنصيب الإنسان ككائن مستقل، واعٍ وفاعل ومالك للحقيقة»(12).
الحداثة اولوية الذات والعقلانية:
النظر إلى الإنسان بوصفه «ذاتاً» مستقلة هو ما يعرف بمفهوم «الذاتية» (subjectirite). وهو أول المفاهيم التي شكلت قاعدة الحداثة في مجال الفلسفة فـ«الحداثة هي أولوية الذات، انتصار الذات، ورؤية ذاتية للعالم»(13). لقد أصبح الإنسان في العصور الحديثة «يدرك نفسه كذات مستقلة، ذات هي علامة على صاحبها وبيان لحاملها... لا تكتفي بأن تعلن عما يميزها عن الطبيعة بل تروض هذا العالم وتغزوه لكي تجعله، بمختلف كائناته ومستويات إدراكه، مقاساً بالمقياس الإنساني. إن هذا ما يطلق عليه مارتن هيرجر سمة عصر انبثاق تصورات الإنسان للعالم»(14). لذا تميز فكر الحداثة وثقافته «بإيلاء الإنسان قيمة مركزية نظرية وعملية، ففي مجال المعرفة أصبحت ذاتية العقل الإنساني هي المؤسسة لموضوعية الموضوعات. وتم إرجاع كل معرفة إلى الذات المفكرة»(15). كما نظر فلاسفة عصر التنوير إلى عقل الإنسان على أنه «قادر على الوصول إلى قدر من المعرفة ينير له كل شيء، أو على الأقل معظم الأشياء أو الظواهر، ويعمق من فهمه للواقع ولذاته، وكان الافتراض أن هذه المعرفة هي التي تضفي على الإنسان مركزية في الكون، بحيث يصبح الإنسان إلهاً أو بديلاً للإله.... وهذا هو جوهر النزعة الإنسانية»(16).
وكان من نتائج ترسيخ مبدأ الذاتية أن:
1- أصبح العالم بالنسبة إلى الإنسان صورة، أي وجوداً قابلاً لتمثله وغزوه، مما يعني تحويل هذا الوجود إلى موضوع بعد أن تتناوله يد الإنسان بمقاييسها الكمية الحسابية عاملة بذلك على ضبط قوانينه بتقصيدها وتفعيلها.
2- تلاشي عالم الآلهة، إذ لم يعد الإنسان يستمد تصوراته من تعاليم عقيدة أو سلطة أخرى غير سلطته، فالإنسان هو «حارس العالم الوحيد وراعيه الأمين»(17).
3- الحق في النقد، ويعني هذا المبدأ في العالم الحديث أن على كل فرد أن يتقبل فقط ما يبدو له مبرراً ومقنعاً.
4- استقلالية الفعل «فمن خصائص العصور الحديثة تهيؤها لتقبل ما يفعله الأفراد والاستجابة له»(18).
هذا ما يتعلق بمفهوم الذاتية. أما المفهوم الثاني الذي قامت عليه الحداثة فهو مفهوم «العقلانية». إذا كان ديكارت قد أسس الحداثة الفلسفية بوضع مبدأ الذاتية كأساس للحقيقة واليقين، وكقيمة مطلقة وخط فاصل بين عالم الآلهة وعالم الإنسان الحديث مركز الكون، فإن لايبنتز (1646-1716) هو «أول من أسس للحداثة الفلسفية على مبدأ العقلانية، نقصد المبدأ القائل لكل شيء سبب معقول... ومحصلة هذا المبدأ أن الإنسان تحول من متأمل للكون ومعجب ببديع خلقه إلى غاز له منقب عن أسراره، فأخذ يجوب العالم ويبحث له عن أسبابه المعقولة مميزاً إياها عن الأسباب غير المعقولة. إلى أن انفتحت أمامه أبواب العلم الحديث، فصار يجد فيه ما يمده بمعرفة أسرار الموجودات ويمنحه سلطة على الكون ويستعيض به عن ألغاز الميتافيزيقا القديمة»(19). لذا كان خطاب الحداثة هو خطاب الانتصار للعقل ابتداءً من «ديكارت مروراً بعصر التنوير. فالعقل في هذا الخطاب هو مصدر التقدم: تقدم المعرفة وتقدم المجتمع وهو مهبط الحقيقة وأساس المعرفة المنهجية القادرة على اكتشاف المعايير الصالحة لبناء مجتمع جديد»(20). وهذا هو أهم ما يميز مجال الحداثة إلى جانب مجال الذاتية ففي «تقاليد الأنوار يتحدد الفكر بالتضاد الصريح والفعال للأسطورة فينتج عن ذلك استعمال العقل من حيث هو قوة معارضة لهيمنة الأسطورة على السلوك الجماعي وذلك بتطوير المعارف وتقليص المجالات الغامضة والمبهمة في العلاقات التي تربط الإنسان بالوجود»(21). فلحظة استبعاد الخرافات والأساطير لم تظهر إلا في عصر الأنوار، إذ تم في هذا العصر التأسيس لسلطة العقل «ذلك يعني أن الفكر الفلسفي قد أسس حداثته بمحاولة إعادة الاعتبار إلى العقل وإثباته من ناحية واستبعاد تجليات اللاعقل من ناحية أخرى. فقد استبعدت الفلسفة الكلاسيكية اللاعقل بجميع مظاهره - أنه بحسب فهمها منبع الفساد والتشويش والخراب. فالجنون تهريج والأسطورة خرافة»(22). والحداثة عندما تتبنى هكذا خطاب فهي تدعو إلى العقلنة والعلم، وذلك من خلال إحلال العقل محل الأديان، أي أن يكون العقل هو مصدر القيم والتشريعات التي تضبط مسيرة الإنسان في هذا الكون، فالقيم التي تنتمي إلى مرجعية دينية تقع بخلاف قيم العقل، لذا وجب الابتعاد عن قيم الدين والقطيعة معه(23). ولم يقتصر هذا الامتياز الذي منحته الحداثة للعقل على ما ذكرناه وإنما للعقل في خطاب الحداثة القدرة على إدراك قوانين العالم، والإلمام به من شتى نواحيه، أي إن المعرفة الموضوعية ممكنة، فالموضوع قابل للتحديد بشكل عقلي. الموضوع إذن شفاف أمام نور العقل. والعقل قادر على الوصول إلى حقيقة الموضوع والإحاطة به من شتى جوانبه(24).
إذا كان مفهوم الذاتية قد نتج عنه بعض المبادئ كما مر بنا سابقاً، فأن مفهوم العقلانية قد نتج عنه أيضاً بعض المبادئ التي كانت لها انعكاسات على القول الفلسفي الحديث أهمها:
1- أصبح العلم، من حيث هو تمثل للعالم ومعرفته عن طريق الملاحظة والتجريب، نموذجاً للقول الفلسفي ومعياراً له. فبعد أن كانت الفلسفة في العصور الوسطى هي التي توجه العلم صار العلم في الفلسفة الحديثة هو الموجه والقائد لهذه الفلسفة.
2- ظهور مفهوم الكلية، وهو مفهوم يعني بناء الأنساق الفلسفية، التي تقدم نظرة شاملة وعامة للأشياء، وأهم سمة في هذا المفهوم أنه أصبح «معياراً للقول الفلسفي وصار مقياس الفلسفة الحقة هو مدى شموليتها وكليتها»(25). كما هو الحال في الأنساق الفلسفية التي أسسها هيجل أو كانط أو ماركس. وهي أنساق كانت ميزتها أنها تقدم تفسيراً شامل لجميع المسائل.
لم تقتصر الحداثة التي اكتملت ملامحها في عصر الأنوار، وما رافقه من ثورات على مستوى الأفكار على مفاهيم الذاتية والعقلانية فقط، وإنما رافق هذا العصر بروز مقولات تعبر عن روح هذا العصر. إذ تجلت هذه المقولات في قيم الحرية والتقدم والتنوير والديمقراطية(26). وقد كان من مبادئ هذا العصر الأساسية.
1- الإيمان بأن العقل هو جوهر الإنسان، وأنه الإرادة الكافية في معرفة كل ما يتعلق بشؤون العلم والحياة. وهو المعيار في تمييز الخطأ عن الصواب.
2- الإيمان بالتقدم المستمر للإنسانية، بفضل انتشار العلم، وسيطرة التفكير العقلي، والاهتمام بما هو مفيد للإنسان في الحياة الواقعية يحياها.
3- النضال ضد سيطرة السلطات الدينية، وضد التزمت في فهم معاني الدين، والمطالبة بتحرير نفوس الناس من سيطرة رجال الدين، ومن العقائد غير المقبولة عند العقل(27).
إذا كان عصر التنوير، ظاهرة أوروبية على الإطلاق، فهو ظاهرة فرنسية على وجه الخصوص. إذ أن هذا العصر من صنع فلاسفة القرن الثامن عشر ممن لعبوا دوراً كبيراً في مقارعة سلطة الكنيسة، ونشر الوعي بين الناس ومن أبرز هؤلاء. مونتسكيو (1689-1755). إضافة إلى فولتير (1694-1778) وجان جاك روسو (1712-1778). وكانط في ألمانيا الذي يعد قمة عصر التنوير بلا منازع(28). ومفهوم الأنوار أو التنوير الذي أصبح الصفة المرادفة للفلسفة الأوروبية في القرن الثامن عشر مرجعه كانط، الذي أجاب عن سؤال «ما هي الأنوار» الذي طرحته صحيفة ألمانية في كانون الأول/ 1784. معرفاً الأنوار بأنها «خروج الإنسان من حالة الوصاية عليه والتي هو المسؤول عنها. وحالة الوصاية هذه هي عجزه عن استعمال عقله دون إرشاد من غيره. أن حالة الوصاية هذه ليست آتية من نقص في الإدراك العقلي، بل من نقص في الإرادة والشجاعة في استعمال العقل دون توجيه من الغير، فلتكن لك شجاعة الاهتداء بعقلك وحده! ذلك هو شعار الأنوار»(29).
وواضح هنا مدى تشديد كانط على الاستعمال الحر للعقل، بالمعنى الذي يصبح فيه الفرد سيد موقفه ومسؤول عن أفكاره وسلوكه بحيث لا دخل لسلطة خارجة عن إرادته تدير حياته أو توجه سلوكه. هذه الدعوى إلى الاستخدام الحر للعقل شعار ملازم لعصر التنوير، عصر ولادة الحداثة التي أعطت الأولوية للعقل فقط.
2- ما بعد الحداثة (post- modernite) سياقها التاريخي ومعناها الفلسفي.
يختلف التعاطي بين الباحثين حول مصطلح ما بعد الحداثة ومعناه، سواء كان الأمر بين الباحثين العرب أو بين الباحثين الغربيين أنفسهم. فمن الباحثين من يرى أن مصطلح ما بعد الحداثة، مصطلح نفي سلبي للحداثة ذاتها. وهو مصطلح يترادف ومصطلح التفكيكية. وللتمييز بينهما يمكن القول إن ما بعد الحداثة هي الرؤية الفلسفية، أما التفكيكية فهي بالمعنى العام أحد ملامح وأهداف هذه الفلسفة(30). يقابل هذا التعريف لما بعد الحداثة تعريف مغاير يرى في ما بعد الحداثة أنها تمثل «مجموع الانتقادات التي وجهت إلى الحداثة كبنية فكرية وكنظام فكري. مغلق. فتيار الحداثة(31) البعدية ينتقد البنية الفكرية المغلقة للحداثة وارتكازها على العقل وتمجيدها المطلق للإنسان وتصنيفها للتاريخ وللحتمية التاريخية وإنكارها للمتخيل والرمزي. فتيار الحداثة البعدية يمثل نقداً لأساطير الحداثة (الأساطير هنا بالمعنى الإيجابي) المتمثلة في العقلانية والتقدم والتطور وفاعلية الإنسان وغير ذلك من أقانيم الحداثة»(32).
يقول محمد سبيلا الباحث المغربي، وهو من المهتمين بدراسة الحداثة وما بعد الحداثة: إن من مميزات الفكر الغربي التي تضع تفوقه هو في كونه «لا يكف عن إعادة النظر في أكبر مسلماته وفي أكبر انتصاراته بما في ذلك التي حققها بتضحيات هائلة»(33). وإعادة النظر هنا تعني إعادة قراءة الأسس والمبادئ التي قام عليها الفكر الغربي، أي إعادة قراءة مكتسبات الحداثة أو التنوير. ما بعد الحداثة إذن تعني نقد الحداثة أي «نقد النقد». مع ما بعد الحداثة ما «من شيء إلا ويمكن نقده حتى النقد ذاته في نقد النقد، حتى الحداثة نفسها، وهي أعز ما أنتج الغرب، أصبحت موضوعاً للنقد في نقد الحداثة لصالح ما بعد الحداثة. وما بعد الحداثة نفسها يمكن نقدها لصالح التفكيك الشامل والقضاء على منطق العقل لصالح وداعاً أيها العقل»(34). فمع هذا التيار الفكري «أعطيت الأولوية للمتغيرات دون الثوابت. بل لم تعد هناك ثوابت على الإطلاق إلا التغير نفسه. لم تعد هناك بؤرة واحدة أو منظور واحد.... ثم انتهى الأمر من كثرة التغيرات والتعديلات إلى النسبية والشكية واللاأدرية والعدمية. إذ لا يوجد شيء يمكن معرفته بيقين»(35). ومن معاني مصطلح ما بعد الحداثة إلى جانب المعاني السابقة التي ذكرناها هو «رفض الأساس» أي رفض الميتافيزيقا(36) ، ففكرة الأساس «ذاتها هي جوهر الميتافيزيقا، والمطلوب الآن هو الارتباط بالصيرورة ورفض الأساس، والتطهر تماماً من أي أثر للميتافيزيقا»(37).
تلامس هذه الأفكار إلى حد كبير طبيعة خطاب ما بعد الحداثة، فمع هذه النصوص ننتقل من كون ما بعد الحداثة نقداً للحداثة إلى رفض الأساس أو الأصل أو المركز لصالح التغير والاحتمال والنسبية، وكلاًّ من النقطتين - نقد الحداثة - نقد الأساس - يشكلان مبدأ رئيسيا من مبادئ خطاب ما بعد الحداثة.
أما من ناحية ظهور مصطلح ما بعد الحداثة، فعلى الرغم من وجود تباين واختلاف بين الباحثين حول أول من استعمل هذا المصطلح، إلا أن معظمهم يذهبون إلى أن المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي (1889-1975) هو أول من استعمل هذا المصطلح، للدلالة على ما يميز الفكر والمجتمع الغربي بعد منتصف القرن العشرين(38)، إذ يعني عصر ما بعد الحداثة بالنسبة إلى توينبي الفوضى والاضطراب الاجتماعي، وانهيار العقلانية التي قامت عليها الحداثة إضافة إلى تهاوي قيم الحقبة التنويرية(39). فالإيمان بقيم الحداثة والتنوير توقفت بعد أن دخل الغرب في حربين عالميتين، جعلت معظم الناس يستغربون كيف يمكن لأمم حضارية كالأمم الأوروبية أن تتقاتل في ما بينها بمثل هذه الوحشية وتدمر بعضها بعضاً. عندئذ أخذ الناس يفكرون بفكرة التقدم والحداثة أو يشكون بها لأول مرة(40).
إذاً يترافق ظهور مصطلح ما بعد الحداثة مع التغيرات والتحولات التي طرأت على المجتمع الغربي، وهي تحولات لا تقتصر على ما حصل على أرض الواقع وإنما تشمل ظهور تيارات فكرية أعادت قراءة أسس ومبادئ الحداثة. من ناحية التغيرات فأهمها تلك التي ترتبط بالتقدم العلمي، حتى أن مصطلح ما بعد الحداثة له مصطلحات أخرى مماثلة له «مثل المجتمع ما بعد الصناعي، المجتمع ما بعد التكنولوجي... فهو إذن مصطلح يؤشر على تحولات شهدها المجتمع الغربي والفكر الغربي ابتداءً من منتصف القرن العشرين. وبخاصة التحولات التكنولوجية المرتبطة بالثورة الصناعية الثالثة المتمثلة في الانتقال نحو مجتمع المعلوماتية والإعلام ومع التحولات الحديثة في العالم»(41).
أما من جهة التيارات الفكرية - وهو ما يهمنا تحديداً- فإن المصطلح يشير إلى التوجه الفكري الذي ظهر مع مجموعة من المفكرين الفرنسيين أمثال ميشيل فوكو، وجيل دولوز (1925-1995)، ورولان بارت (1915-1980)، وجاك دريدا (1930-2004)، وجان فرانسوا ليوتار (1934-1998)، إضافة إلى مفكرين آخرين، وتتلخص أطروحة هذا التيار في «رفض شعار التنوير واعتباره مجرد وهم»(42).
عرف هذا التيار باسم جيل الاختلاف، وقد تركزت طروحاته الفكرية على نقد الأسس التي قامت عليها الحداثة – الذات – العقل – التقدم- الحقيقة- وغيرها من الأسس، لذا يرى بعض الباحثين أن أفضل السبل إلى فهم ما بعد الحداثة هو «النظر إليها على أنها معارضة وردة فعل ضد الحداثة ومعطياتها»(43). أي إن خطاب ما بعد الحداثة يسعى إلى تفكيك الحداثة وإظهار كل ما سكت عنه خطاب الحداثة «أو ما يمكن تسميته بالجانب الخفي للحداثة. إن الحداثة وفقاً للنقد ما بعد الحداثي، بعدت عن أن تكون موضوعية وعقلانية وعلمانية بل هي محاطة بفرضيات.... وبأهواء عرقية وطبقية وفئوية»(44). فمن جهة الوعود التي أطلقتها الحداثة في ما يخص رؤيتها لتاريخ البشرية، على أنه تاريخ يسير نحو العدل والأمن والسلام وتحقيق سعادة الإنسان، إضافة إلى التقدم والتطور والرفاه الإنساني، والإيمان بمستقبل أفضل، وهي وعود فلاسفة عصر التنوير ممن ذهبوا إلى أن «للبشرية تطوراً مرحلياً يصبغ تاريخها الطويل مؤكدين أن تحررها وانعتاقها سوف يكونان نتيجة أساسية لاستعمال العقل، حيث أنه إقرار للشك المنطقي ورفض لكل حكم مسبق ولكل سلطان مهيمن»(45). هذه الوعود لم تتحقق على أرض الواقع، وهذا ما جعل أنصار ما بعد الحداثة يذهبون إلى أن «مشروع الحداثة قد سقط نهائياً بعد أن وصل إلى منتهاه، فقد أخفقت الحداثة في تحقيق وعودها، والشاهد على ذلك خبرة القرن العشرين ذاته، فقد ظهرت فيه أعتى النظم الشمولية والسلطوية، وبرزت فيه الإيدلوجيا العنصرية للنازية والفاشية، وأسيئ فيه استخدام العقلانية بعد أن تحكمت المصالح الأنانية للقوى العظمى في قضية الحرب والسلام بين الأمم، وظهر إسراف شديد في ممارسة الفردية على حساب المصالح المجتمعية، وأسئ استخدام العلم والتكنولوجيا فأصبحا مصدر تهديد للإنسان، بدلاً من أن يقوما بحل مشكلاته، وضمان إشباع حاجاته الأساسية»(46). مما جعل من الحداثة تجلب معها صوراً متعددة من المعاناة والشقاء، ضحاياها كانوا من الفلاحين والعمال الذين قمعتهم الرأسمالية الصناعية. من خلال إقامة مستعمرات إمبريالية، ونظام مؤسسات يعمل على ضبط الفرد في أطر وصبه في قوالب. «وكان من وراء ذلك كله تراثها الفكري والفلسفي الذي يضفي المنطق والمشروعية على أساليبها في التحكم والسيطرة: جاءت الحداثة معها بوعود الخلاص والانعتاق للبشرية وأخفت وراءها صور القمع والسيطرة»(47). وهذا ما جعل نقادها ينظرون إليها على أنها «وسيلة للإكراه والقمع والسيطرة، تصاغ باسم العلم والتقدم الاجتماعي والإنتاجي والاستهلاكي. وهكذا تفككت تلك الحداثة التي كانت مظفرة وواعدة مع كانط والثورة الفرنسية»(48). لينشأ بعدها تيار فكري هو تيار ما بعد الحداثة الذي رفض معظم طروحاتها عامل على الكشف عن كل ما سكت عنه خطاب الحداثة أو بعبارة أخرى الجوانب «اللامفكر فيها» داخل خطاب الحداثة.
إذا كان توينبي أول من استخدم مصطلح ما بعد الحداثة، ليشير من خلاله إلى مرحلة جديدة دخلها العالم الغربي، فإن أول من ذهب إلى إعلان موت عصر الحداثة، وميلاد عصر ما بعد الحداثة هو المفكر الفرنسي «جان فرانسوا ليوتار»، وذلك في كتابه (الوضع ما بعد الحداثي تقرير عن المعرفة)، الذي نشر عام 1979، ثم ترجم إلى الإنكليزية(49). وفي هذا الكتاب أعلن ليوتار الأفكار الأساسية لما بعد الحداثة والتي تلخصت في الاعتراض على أسس الحداثة كالتقدم والحرية والعقل وبالتالي الإقرار بفشل مشروع الحداثة(50). بعد أن وصل هذا المشروع إلى نهايته. لذا تميز خطاب ما بعد الحداثة بالتشكيك والارتياب من الأفكار والتصورات التي تنتمي إلى حقبة الحداثة، كفكرة الحقيقة، والعقل، والهوية، والموضوعية، والتقدم، والسرديات الكبرى، التي تعني لدى ما بعد الحداثيين، كل نظرية تدعي الشمولية وتقدم نفسها على أنها تشكل أساساً تتم العودة إليه في التفسير(51). كما هي الحال مع الأنساق الفلسفية التي شيدها فلاسفة حقبة الحداثة، كهيجل وماركس (1818-1883)، وكانط، وهي أنساق مرفوضة لدى ما بعد الحداثيين. فجان فرانسوا ليوتار يشكك في هذه الأنساق الفلسفية أو الحكايات الكبرى «التي يفترض أنها تمثل الحقائق الكونية التي تدعي المضاربة الغربية أنها تنطوي عليها، وتستند إليها في تحقيق مشروعيتها الموضوعية... وينبع رفضه لهذه الحكايات من كونها مجرد حكايات لا تكتسب أية أفضلية على غيرها من الحكايات وخصوصاً على الحكايات الصغرى للأفراد، ولكونها لا توفر أية مشروعية للمعرفة، فالتقدم في حقل العلم والتكنولوجيا لم يعد يتطلب أية مشروعية من خارجه. أن ما تحققه العلوم والثورات والتقنية على الصعيد العملي كاف بذاته ولا يحتاج لابتداع أية حكايات رمزية لإسباغ المشروعية عليه. وهكذا نرى كيف أن قبضة الحكايات الكبرى قد تراخت في عصر ثورة تكنولوجيا المعلومات»(52). بحيث أصبح من المقبول القول إنه لم يعد هناك وجود لخطاب نظري يدعي لنفسه الشمولية ويقدم حلاً لجميع المشكلات سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو غيرها «وهذه الفكرة يستعملها ما بعد الحداثيين لانتقاد الماركسية، حيث يجدون لها طموحات شمولية، كما يعيبون عليها الإدعاء بالقدرة على تقديم حلول مقنعة لمظاهر التجربة الإنسانية»(53). وهذا ما يرفضه ليوتار على غرار نظرائه من ما بعد الحداثيين، رفض كل خطاب يدعي الشمولية، فالسرديات الكبرى أو النظريات الشمولية عاجزة عن قراءة العالم وما شهده من تغيرات وتحولات، لذا ذهب ليوتار إلى تعريف ما بعد الحداثي بأنه المتشكك إزاء السرديات الكبرى(54)، لأن هذه السرديات قد فكرت شرعيتها في مجتمع ما بعد الحداثة، مجتمع ثورة تكنولوجيا المعلومات.
مابعد الحداثة - نقد المركزية والحقيقة:
لم يكن النقد الذي جاء من ما بعد الحداثيين مقتصراً على القول بسقوط النظريات الكبرى بفعل دخول المجتمعات الغربية في عصر جديد هو عصر ثورة المعلومات أي عصر العولمة وإنما جاء النقد البارز من طرق العلوم الإنسانية المعاصرة، والتي أعادت قراءة مفاهيم الحداثة. فمن جهة مركزية الإنسان بوصفه سيد العالم أو الطبيعة، تم نقد هذا التصور، إذ عمل فلاسفة ما بعد الحداثة على تحطيم الصورة المثالية التي بناها الإنسان عن نفسه لكي لا يستمد بعد أي تصور من وهم المركزية التي تمنحه القدرة على الوصول إلى نقطة ثبات، التي هي محاولة عبثية، وما أمام الإنسان إلا الخضوع للصيرورة والتغير وهذا يعني «إلغاء الحدود والكليات والثوابت والسببية وأي شكل من أشكال الصلابة.... على أن يبقى الإنسان في قبضة الصيرورة، ويصبح مركز العالم كامناً فيه تماماً لا يتمتع بأي تجاوز، ومن ثم فهو ليس بمركز. وإلغاء المركز يعني إلغاء الثنائيات: ثنائية الذات والموضوع، والدال والمدلول... والخير والشر... والإنسان والطبيعة... ولا يبقى سوى المادة المتغيرة المتحركة»(55). وهذه الرؤية التي ترفض مركزية الإنسان في هذا العالم مرجعها تصور خطاب ما بعد الحداثة للعالم والذي ترى فيه أنه ينقسم إلى «وحدات طبيعية وإنسانية، متساوية ومستقلة ومختلفة ومنفصلة ومنغلقة بسبب عدم وجود مركز ومرجعية كلية مشتركة، وتصبح كل وحدة ذات سيادة مطلقة ومرجعية ذاتها. وهذا يعني غياب أية مرجعية نهائية إنسانية... فيتسم العالم بالتعددية والتفتت، والانقطاع... وظهور الاحتمالية والنسبية الكاملة والتغير الكامل المستمر»(56). وهذه الرؤية سمة بارزة من سمات المشروع ما بعد الحداثي، والتي تتمثل في محاولة القضاء على فكرة الأساس أو المركز التي برزت مع الميتافيزيقا، وعمل بعض الفلاسفة على نقدها بشدة كما سيمر بنا مع بعض الفلاسفة الذين سنعرض لهم لاحقاً، كما ينتقد أنصار ما بعد الحداثة خطاب الحقيقة المطلقة أو الكلية، فالحقيقة عندهم «باتت تقتصر على ما يشعر الفرد بأنه صحيح وليس لها علاقة بأي شيء مطلق. لقد تخلى مفكرو ما بعد الحداثة عن السعي إلى حقيقة شاملة مطلقة لأنهم أصبحوا مقتنعين بأن جميع إدعاءات معرفة الحقيقة تقوم على قدر كبير من التفسيرات المتضاربة، فكل تفسيرات الحقيقة.... هي صحيحة بذات القدر الذي تكون فيه غير صحيحة»(57)، وفكرة الحقيقة من أهم الأفكار التي عمل أنصارها ما بعد الحداثة على نقدها لأنها بنظرهم «وهم لا طائل من ورائه، وأن السعي إلى الحقيقة كهدف أو كمثال من سمات الحداثة التي يرفضونها، فالحقيقة تميل في فهمها والوصول إليها إلى النظام والقواعد والمنطق والقيم والعقل والذات، وكل هذه المقولات مرفوضة عندهم»(58)، فما يوجد ليس حقيقة كلية واحدة وإنما حقائق متعددة ومنفصلة. فميشيل فوكو مثلاً وهو واحد من أبرز فلاسفة ما بعد الحداثة ينكر وجود الحقيقة لأن «الحق في تصوره هو نتيجة القوة، يفرضه أصحاب المصلحة، ولذا لا يمكن فصل الحقيقة عن القوة، بل إن إدعاء الحقيقة هو شكل من أشكال الإرهاب والشمولية»(59) وفوكو يستند في رؤيته للحقيقة على فردريك نيتشه الفيلسوف الألماني (1844-1900) وهايدغر، فنيتشه هو أول من ذهب إلى أن للحقيقة وجهاً آخر «هو وجه العنف والاستبعاد والإقصاء.... فالحقيقة حقائق، وهي ابنة القول والخطاب وإطلاقيتها محددة في الزمن، وقد تصور فكر ما بعد الحداثة أن الحقيقة لعبة لا غير، يكون المراد منها الإبقاء على سلطة الأنساق الكبرى ضد الإنسان الفرد لكبت رغباته، وتحويله إلى آلة تمت تحكيمها»(60).
أما فيما يخص مفهوم الذات والتصور العقلاني للإنسان، فهذا ما تكفل به التحليل النفسي المعاصر، وهو التحليل الذي جاء به سيغموند فرويد (1856-1939) الذي يرى «أن العقل ليس إلا غلالة رقيقة تقوم خلفها قوى غير واعية، هي موجهة الوعي والسلوك. والذات ليست أبداً شفافة أمام ذاتها، بل هي منشطرة على نفسها..... كما إنها ليست سيدة في بيتها لأنها خاضعة لقوى لاشعورية توجهها وتتحكم فيها»(61). كما بين التحليل النفسي الذي يعد أعنف نقد «تلقته النزعة الإنسانية الغربية... أن الإنسان رغبة ودوافع قبل أن يكون عقلاً، وأن اللاشعور، أو اللاوعي أوسع وأعمق من الشعور، وأن حرية الكائن البشري حرية محدودة»(62). غير أن هذه المراجعة التي قام بها التحليل النفسي، يرى فيها محمد سبيلا الذي يرفض أن تكون ما بعد الحداثة قطيعة مع الحداثة، مراجعة «لم تمس جوهر التصور الحداثي للإنسان، بل سعت فقط إلى تلطيف وتنسيب عقلانيته ووعيه بذاته وحريته وفاعليته»(63).
خاتمة:
إذن بهذا العرض المختصر نكون قد تناولنا بعض المفاهيم الأساسية في خطاب الحداثة والنقد الذي تعرضت له هذه المفاهيم من خطاب ما بعد الحداثة. إلا أن حديثنا إلى هنا لا يزال يحمل سمتين عن طبيعة خطاب ما بعد الحداثة. الأولى بيان خطاب ما بعد الحداثة تجاه الحداثة من جهة شعائر الحداثة ووعودها التي فشلت على أرض الواقع. والسمة الثانية بيان خطاب ما بعد الحداثة تجاه الحداثة من جهة بعض مفاهيمها الأساسية. ما نريد قوله هو أن محاولة ضبط خطاب ما بعد الحداثة من الناحية الفكرية يبقى أمراً بالغ الصعوبة، وذلك لأن أصحاب هذا الخطاب، ضد صياغة تعميمات سياسية أو اقتصادية أو ثقافية، وضد تأسيس مقولات أو نظريات عامة، وهذا ما يعد من القيم السلبية لخطاب ما بعد الحداثة(64)، مقابل القيم الإيجابية والتي تتمثل بموقفها المضاد للشمولية السياسية والأحادية الفكرية، ونزعتها إلى تحرير الفكر الإنساني من قيوده التي يفرضها عليه الماضي كي ينطلق في اتجاه آفاق معرفية غير محدودة لتأسيس معرفة جديدة، ودعوتها إلى أن يعرف الإنسان عالمه على حقيقته لا كما تصوره له أفكار النخبة، إضافة إلى رفضها كل عمليات التمثيل سواء أخذت شكل الإنابة أو شكل المحاكاة، إذ لا يمكن قبول الحديث عن تشابه بين الأشخاص أو تمثيل فرد لمجموعته(65). كما إن خطاب أنصار ما بعد الحداثة يؤكد على التعدد، التعدد بكل أشكاله، تعدد الثقافات والخطابات والتجارب الاجتماعية، وتعدد الهويات، داخل المجتمع الواحد، «وتلك هي أيديولوجيا الاختلاف التي تتحدد خصائصها بنفيها للأحادي والمتجانس لصالح التنوع والكثرة والتباين»(66).
وبما أن ما ذكرناه إلى حد الآن يدور ضمن نطاق الرؤية العامة لخطاب ما بعد تجاه الحداثة، فأننا نرى أن أفضل وسيلة للتعرف على أسس هذا الخطاب أو لنقل جذوره هي من خلال تناول بعض المفكرين ممن افتتحوا أول نقد لخطاب الحداثة، وهذا ما نجده لدى، فردريك نيتشه، ومارتن هيرجر.

جدول مقارنة مابين الحداثة ومابعد الحداثة

ت الحداثة ما بعد الحداثة
1 الإيمان بالسرديات الكبرى، الأساطير التاريخية، أساطير الأصل الثقافية، الهوية الثقافية والقومية. رفض السرديات الكبرى، وتفكيك لأسطورة الأصل.
2 الإيمان بـ"نظرية أساسية" وتفسيرات شاملة للتاريخ والعلم والثقافة، لتمثيل كل أنواع المعرفة وتفسير كل شيء. رفض النظريات الشمولية، وإتباع التفسيرات المحلية.
3 الإيمان بالوحدة الاجتماعية والثقافية، وتراتبية الطبقة الاجتماعية والقيم الوطنية بما يبدو قريباً من أساس الوحدة. التعددية الاجتماعية والثقافية، عدم الوحدة، الأسس غير الواضحة للوحدة الاجتماعية، القومية الأثنية.
4 الإيمان بالتقدم من خلال العلم والتكنلوجيا. الشك في التقدم، وضد الانعكسات التكنولوجية.
5 الإحساس بالتوحيد، الذات المركزية، الفردية، الهوية الموحدة. الإحساس بالتفكك والذات اللامركزية، الهويات المتعددة.
6 الهرمية، النظام، السيطرة المركزية. النظام المتقلب، فقدان السيطرة المركزية، التفكيك.
7 ثنائية الثقافية العليا والدنيا، وعدّ الثقافة العليا معيار وحكم. الحد من هيمنة الثقافة العليا من جهة الثقافة الشعبية، خلط الثقافتين الشعبية والعليا.
8 المعرفة المركزية، المتمركزة. المعرفة المشتتة، الموزعة، الشبكية المنتشرة(67).

الهوامش:
ـــــــــــ
(*) طالب دراسات عليا/ قسم الفلسفة - كلية الآداب - جامعة بغداد.
(1) عبد الغني عماد: سوسولوجيا الثقافة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006، ط1، ص213.
(2) جمال شهيد –وليد قصاب: خطاب الحداثة في الأدب، دار الفكر، دمشق، 2005، ط1، ص14.
(3) فارح مسرحي: الحداثة في فكر محمد أركون، منشورات الاختلاف، الجزائر، 2006، ط1، ص20، 21.
(4) سان هاند: فلسفة ما بعد الحداثة، ضمن كتاب «مستقبل الفلسفة في القرن الواحد والعشرين»، ت مصطفى محمود، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت، 2004، ص142.
(5) محمد سبيلا: الحداثة وما بعد الحداثة، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، 2005، ط1، ص31.
(6) فارح مسرحي: الحداثة في فكر محمد أركون، ص30.
(7) محمد الشيخ - ياسر الطائري: مقاربات في الحداثة وما بعد الحداثة، دار الطليعة، بيروت، 1996، ط1، ص10.
(8) محمد سبيلا: الحداثة وما بعد الحداثة، ص28.
(9) جمال شهيد وليد قصاب: خطاب الحداثة في الأدب، ص21.
(10) محمد عبيد الله: تجربة الحداثة من الوعود إلى البدائل، ضمن كتاب «الحداثة وما بعد الحداثة»، منشورات جامعة فلادلفيا، عمان، 2000، ط1، ص44.
(11) محمد الشيخ - ساير الطائري: مقاربات في الحداثة وما بعد الحداثة، ص12-13.
(12) محمد سبيلا: الحداثة وما بعد الحداثة، ص107.
(13) محمد الشيخ - ياسر الطائري: مقاربات الحداثة وما بعد الحداثة، ص12.
(14) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
(15) محمد سبيلا: الحداثة وما بعد الحداثة، ص17.
(16) عبد الوهاب المسيري- فتحي التريكي: الحداثة وما بعد الحداثة، دار الفكر، دمشق، 2003، ط1، ص17.
(17) محمد الشيخ - ياسر الطائري: مقاربات في الحداثة وما بعد الحداثة، ص13.
(18) محمد سبيلا: الحداثة وما بعد الحداثة، ص24.
(19) محمد الشيخ - ياسر الطائري: مقاربات في الحداثة وما بعد الحداثة، ص13.
(20) السيد إبراهيم: ما بعد الحداثة: نظرة في تاريخ المفهوم، ضمن كتاب «الحداثة وما بعد الحداثة»، ص59.
(21) فتحي التريكي- رشيدة التريكي: فلسفة الحاثة، مركز الإنماء القومي، بيروت، 1992، ط1، ص17.
(22) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
(23) جمال شهيد - وليد قصاب: خطاب الحداثة في الأدب، ص128.
(24) جورج زيناتي: رحلات داخل الفلسفة الغربية، دار المنتخب العربي، بيروت، 1993، ط1، ص98.
(25) محمد الشيخ - ياسر الطائري: مقاربات في الحداثة وما بعد الحداثة، ص13، 14.
(26) محمد شوقي الزين: إزاحات فكرية - مقاربات في الحداثة والمثقف، منشورات الاختلاف، بيروت، 2005، ط1، ص32.
(27) عبد الرحمن بدوي: آمانويل كانت، مصدر سبق ذكره، ص163، 164. أنظر أيضاً، محمد سبيلا: الحداثة وما بعد الحداثة، ص67.
(28) معن زيادة: الموسوعة الفلسفية العربية، ج1، معهد الإنماء القومي، 1988، ط1، ص387-198.
(29) نقلاً عن علي أومليل: في معنى التنوير، ضمن كتاب «حصيلة العقلانية والتنوير في الفكر العربي المعاصر»، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2005، ط1، ص135، 136.
(30) عبد الوهاب المسيري - فتحي التريكي: الحداثة وما بعد الحداثة، ص81.
(31) سنتحدث لاحقاً عن معنى الحداثة عند محمد سبيلا.
(32) محمد سبيلا: دفاعاً عن العقل والحداثة، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، 2004، ط1، ص63-64. وأنظر أيضاً، محمد سبيلا، الحداثة وما بعد الحداثة، ص99 وما بعدها.
(33) محمد سبيلا: الحداثة وما بعد الحداثة، ص173.
(34) حسن حنفي: هل النقد وقف على الحضارة الغربية، مصدر سبق ذكره، ص19.
(35) حسن حنفي: هل النقد وقف على الحضارة الغربية، ص19.
(36) المقصود هنا بالميتافيزيقا هو الأنطلوجيا الغربية وسواء كانت الأنطلوجيا فلسفية أو دينية فهي تستند إلى نقطة بدء ثابتة متجاوزة أي أساس أو أصل. والإيمان بالأصل الثابت المتجاوز، بالنسبة إلى خطاب ما بعد الحداثة أمر يتناقض تماماً والواقع المادي الذي يعيش فيه الإنسان، وصيرورته الدائمة. فالمادية الحقة ضد الثبات، لأنها تؤمن بأن العالم بلا أصل. عبد الوهاب المسيري –فتحي التريكي: الحداثة وما بعد الحداثة، ص112.
(37) المصدر نفسه، ص26.
(38) محمد الشيخ - ياسر الطائري: مقاربات في الحداثة وما بعد الحداثة، ص10.
(39) السيد إبراهيم: ما بعد الحداثة، نظرة في تاريخ المفهوم، ضمن كتاب «الحداثة وما بعد الحداثة»، ص54.
(40) هاشم صالح: مدخل إلى التنوير الأوروبي، دار الطليعة، بيروت، 2007، ط2، ص241.
(41) محمد سبيلا: دفاعاً عن العقل والحداثة، ص63.
(42) يوسف غبوه: تطلع الحركة الفكرية العربية إلى ما بعد الحداثة، ضمن كتاب "الحداثة وما بعد الحداثة"، ص166.
(43) ميجان الرويلي- سعد البازعي: دليل الناقد الأدبي، ص224-225. أنظر أيضاً، محمد الشيخ - ياسر الطائري: مقاربات في الحداثة وما بعد الحداثة، ص10.
(44) سوزان ماير: الكونية الأحادية والخيال ما بعد الحداثي، ت حارث محمد - باسم علي، ضمن كتاب «قراءات في ما بعد الحداثة»، مركز عمار بن ياسر للثقافة والنشر، بغداد، بدون تاريخ طبع والنشر، ص84.
(45) فتحي التريكي- رشيدة التريكي: فلسفة الحداثة، مصدر سبق ذكره، ص91.
(46) محمد عبيد الله: تجربة الحداثة، من الوعود إلى البدائل، ضمن كتاب «الحداثة وما بعد الحداثة»، ص47-48.
(47) السيد إبراهيم: ما بعد الحداثة: نظرة في تاريخ المفهوم، ضمن كتاب «الحداثة وما بعد الحداثة»، ص60.
(48) جمال شهيد- وليد قصاب: خطاب الحداثة في الأدب، ص79.
(49) عصام عبد الله: الجذور النيتشوية لما بعد الحداثة، مجلة الفلسفة والعصر، القاهرة، عدد 1، السنة الأولى، 1999، ص232.
(50) فارح مسرحي: الحداثة في فكر محمد أركون، ص24.
(51) تيدي إيفلتون: أوهام ما بعد الحداثة، ت ثائر ديب، دار الحوار، سوريا، 2000، ط1، ص7.
(52) فخري صالح: الأسس النظرية لما بعد الحداثة، ضمن كتاب «الحداثة وما بعد الحداثة»، ص72.
(53) يوسف غيوه: تطلع الحركة الفكرية العربية إلى ما بعد الحداثة، ضمن كتاب «الحداثة وما بعد الحداثة»، ص175.
(54) تيري إيفلتون: أوهام ما بعد الحداثة، ص7.
(55) عبد الوهاب المسيري - فتحي التريكي: الحداثة وما بعد الحداثة، ص25-26.
(56) المصدر نفسه، ص87.
(57) فنسنت ماك: كيف يمكن للمسيحية إدعاء الحقيقة المطلقة في العالم ما بعد الحداثي، ت حارث محمد - باسم علي، ضمن كتاب «قراءات في ما بعد الحداثة»، مصدر سبق ذكره، ص62.
(58) عصام عبد الله: الجذور النيتشوية لما بعد الحداثة، ص238.
(59) عبد الوهاب المسيري- فتحي التريكي: الحداثة وما بعد الحداثة، ص88.
(60) المصدر نفسه، ص219. سنتحدث لاحقاً عن نقد نيتشه لمفهوم الحقيقة.
(61) محمد سبيلا: الحداثة وما بعد الحداثة، ص170.
(62) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
(63) المصدر نفسه، ص19.
(64) محمد عبيد الله: تجربة الحداثة من الوعود إلى البدائل، ضمن كتاب «الحداثة وما بعد الحداثة»، ص42. أنظر أيضاً، عصام عبد الله: الجذور النيتشوية لما بعد الحداثة، ص231.
(65) عماد عبد الغني: سوسولوجيا الثقافة، ص223-224. سنرى لاحقاً أن معظم هذه القيم هي التي يعمل من خلالها حرب ويدعو لها، وخصوصاً مسألة أفكار النخبة أي أفكار المثقفين.
(66) السيد إبراهيم: ما بعد الحداثة، نظرة في تاريخ المفهوم، ضمن كتاب «الحداثة وما بعد الحداثة»، ص65.
(67) باسم علي: ما بعد الحداثة –دراسة في المشروع الثقافي الغربي-، دار الفكر، دمشق، 2006، ط1، ص223، 234، 235.
للمزيد حول الفرق بين الحداثة وما بعد الحداثة أنظر.
1) ميجان الرويلي- سعد البازعي: دليل الناقد الأدبي، مصدر سبق ذكره، ص227-228.
2) محمد الشيخ- ياسر الطائري: مقاربات في الحداثة وما بعد الحداثة، ص65، 66.