الحضارية «دراسات فلسفية»

الثلاثاء: 23/09/2008


التثمين الأنسني لجوهر الأديان(2\1)

 

د.حازم خيري(*)
(خاص للمعهد)

«لم أع لحظة أتيتُ فيها الحياة..!

ألا أى قدرة فتحت عيني على هذه الأرجاء المجهولة،

كما تتفتح زهرةُ الغاب فى قلب الليل!..
عند موتى أيضا،

سيلقانى نفس المجهول كصاحب قديم،

وسأحب الموت لأني أحب الحياة!»

طاغور

 

بداية، ولمن لم يقرأ كتاباتى السابقة فى مجال الفكر الأنسني، أقول بأن «الأنسنية» هى أن يحقق الإنسان أكبر قدر ممكن من التطابق بين أقواله وأفعاله، شريطة انطواء تلك الأقوال والأفعال على تثمين لقول الأنسنية بأن الإنسان هو أعلى قيمة في الوجود، وهدفها الماثل في التمحيص النقدي للأشياء بما هي نتاج للعمل البشري وللطاقات البشرية، تحسبا لسوء القراءة وسوء التأويل البشريين للماضي الجمعي كما للحاضر الجمعي. وكذا شريطة وقوع تلك الأقوال والأفعال في إطار الخصائص العامة للانسنية، والتى نُوجزها فيما يلي(1):
[1] معيار التقويم هو الإنسان.
[2] الإشادة بالعقل ورد التطور إلى ثورته الدائمة.
[3] تثمين الطبيعة والتعاطي المتحضر معها.
[4] القول بأن التقدم إنما يتم بالإنسان نفسه.
[5] تأكيد النزعة الحسية الجمالية.
والإنسان ـ طبقا للمعيار الأنسني ـ يُعد أنسنيا (ذاتا أنسنية) طالما أدرك الأنسنية وسعى لتبصير الغير بها، ولم يستأثر بها لنفسه أو لفريق بعينه، وكذا يُعد الإنسان ذاتا حتى لو جهل الأنسنية، ولم يُدرك كنهها، أو أعرض عنها، لكنه في تلك الحالة يكون ذاتا مغتربة ثقافيا. فالشائع في المجتمعات المتخلفة، ومنها مجتمعاتنا العربية، هو تنازل الإنسان عن حقه الطبيعي في امتلاك ثقافة حرة ومتطورة، إراحة لذاته وإرضاء لمجتمعه! وباستخدام المعيار نفسه، يُعد آخرا كل من يدرك الأنسنية ويستأثر بها لنفسه أو لفريق بعينه، ويعمل جاهدا في الوقت نفسه للحيلولة دون أخذ الذات المغتربة ثقافيا بها كنهج حياة، وتعميتها عنها بشتى الوسائل والسبل، بهدف حرمان تلك الذات من جني ثمار الأخذ بالأنسنية. فتطور التاريخ الإنساني ـ في رأيي ـ لا يعدو كونه نتاجا لصراع ثقافي معقد، أطرافه الذات الأنسنية والذات المغتربة والآخر. أقول صراعا ثقافيا، استنادا لتعريف إليوت الأنثروبولوجي للثقافة بأنها طريقة شاملة للحياة، وهو ما يعني كون الصراع أعم وأشمل منه عند الماركسيين، فاحتياجات الإنسان ليست مادية فحسب، فهي تتجاوز الاحتياجات المادية، على خطرها وأهميتها. وأقول صراعا معقدا، لتعدد جبهاته وتداخلها...
فهناك الصراع بين الذات الأنسنية الساعية لتبصير الذات المغتربة بالأنسنية وتعرية دور الآخر في تكريس اغترابها، وبين الآخر المدرك للأنسنية والحريص على الحيلولة دون نجاح الذات الأنسنية في إقناع الذات المغتربة بالتخلي عن اغترابها، وكذا الحريص على الحيلولة دون أخذ الذات المغتربة نفسها بالأنسنية كنهج حياة، وهو صراع مؤلم، لا يتورع الآخر فيه عن استخدام أو إغراء الذات المغتربة باستخدام كافة الوسائل المستترة وغير المستترة لحسمه لصالحه. وهناك أيضا الصراع بين الذات الأنسنية والذات المغتربة، وهو صراع عدائي من جانب واحد، هو جانب الذات المغتربة، يُغذيه الآخر ويؤججه، فهو يُلقي في روع الذات المغتربة أن قهر اغترابها يعني محو هويتها، وأن جهود الذات الأنسنية لحثها على قهر اغترابها والأخذ بالأنسنية، ليست سوى ممارسات عدائية في حقها، ترمي لمحو هويتها الثقافية وهدر ثروتها العقلية..!!
كانت تلك مقدمة لابد منها، أوجزت فيها ـ قدر المستطاع ـ أهم ما خلصت إليه فى كتاباتى السابقة عن الفكر الأنسني، خاصة وأنها لم تحظ بعد بمعرفة واسعة، تجنبني ـ وتجنب قارئي الكريم ـ عبء إعادة التعريف بالأنسنية فى كل مقال جديد أناقش فيه أحد أبعاد الفكر الأنسني. ولندلف الآن إلى موضوع هذا المقال الشائك، والذى أعمد فيه إلى إنارة المناطق المظلمة فى الثقافة الدينية بمصابيح الأنسنية، على أمل أن يأتي يوم، نبلغ فيه كأنسنيين أحد أهم أهدافنا، وهو تمكين الذات المغتربة، المغلوبة على أمرها، فى شتى أنحاء المعمورة، وبصفة خاصة فى عالمنا العربي، أن لا تقع ضحية للآخر، محليا كان أم عالميا، فهو المستفيد للأسف الشديد من الغموض الذى يتعمد هو نفسه أن يُضفيه على جوهر الأديان، فيصوره فى عيون المغتربين لغزا كهنوتيا لا سبيل لفهمه، سوى عبر من يصيرهم بحرفيته، وقدرته المدهشة على التعاطى مع المغتربين، رموزا دينية، تعمد بكل شراسة ودهاء إلى قهر الذات وتكريس اغترابها الثقافي، دون رحمة أو هوادة. فالآخر يعلم جيدا أنه بدون ذلك، تتضح الحقيقة ويبدو جليا حرص الأديان ـ على تعددها ـ على عدم هدر عقول معتنقيها، فيغلي مرجل الغضب في صدور المغتربين، ومن ثم يتهدد وجود الاغتراب الثقافى والأخروية!
ويحدوني فيما أنا مُقدم عليه، من تثمين أنسنى لجوهر الأديان، قول الفيلسوف الألمانى فريدريك هيجل بأن البحث عن الحقيقة سوف يظل دائما وأبدا يُوقظ حماس الإنسان ونشاطه ما بقى فيه عرق ينبض وروح يشعر. غير أني أعلم جيدا أنني قد ألتقي، في الحال، بالاعتراض الآتي: هل بامكان الإنسان معرفة الحقيقة؟ وبأى معنى؟ وغالبا ما يستند أصحاب هذه التساؤلات إلى أن هناك فيما يبدو ـ بحسب تعبير هيجل نفسه ـ ضربا من التنافر وعدم التجانس بين الانسان بوصفه موجود متناهى وبين الحقيقة التي هي مطلقة، ومن ثم فهناك شكوكا يُعتد بها حول ما إذا كان يمكن أن يكون هناك جسر بين المتناهي واللامتناهي(2)!
ورغم وجاهة التساؤلات المطروحة، وتعويلها الواضح على طبيعة الصيغة البشرية، يظل البحث عن الحقيقة يُوقظ حماس الإنسان ونشاطه ما بقى فيه عرق ينبض وروح يشعر! ويظل معنى الحقيقة المنشود معرفتها متوقفا ـ إلى حد يُعتد به ـ على الطريق الذى يسلكه الانسان فى نشدانه إياها! غير أنه ليس للانسان أن يطمح إلى ما لا قدرة له عليه، وهو المعرفة اليقينية للحقيقة، أيا كان السبيل الذى يسلكه، فالأمر شائك ومعقد للغاية، حتى أن رفاق السبيل الواحد لنشدان الحقيقة قد يرون معناها على أوجه مختلفة! خذ مثلا الفلسفة، التى تظل أحد أبرز وأهم السبل المتاحة أمام الانسان لنشدان الحقيقة، رغم قول هيجل عن السعى الفلسفى لمعرفة الحقيقة بأنه يتعارض فيما يبدو مع فضائل التواضع البشري وشعور الإنسان بضآلته، كما أن عقبة إضافية تعترضه، وهى خوف العقل وجبنه! فالعقل المهدور يجد ـ والكلام لهيجل ـ من الطبيعي أن يقول إنه سوف يكون سعيدا أن يدرس الفلسفة، من بين ما يدرس من علوم، لكن بشرط أن تتركه على نحو ما كان عليه قبل دراسته لها(3)! وذلك لقناعته بأن التفكير لابد أن يكون قد انحرف إلى الطريق الخطأ، لو أنه تجاوز نطاق السبل المألوفة فى المجتمع..!
أقول إن الفلاسفة، ورغم كونهم رفاق طريق واحد فى نشدان الحقيقة، يرون معنى الحقيقة على أوجة مختلفة، وهو ما نرى فيه تجسيدا واضحا لقول الفيلسوف سكتوس أمبيريكوس، بأن الحقائق تتعدد تبعا لتعدد زوايا النظر(4). وإلى قارئى الكريم أسوق وجهات نظر بعض الفلاسفة في معنى الحقيقة:
1ـ رأى جان أُولمُو: نهاية الحقيقة المطلقة فى العلم:
إن مفهوم الحقيقة المطلقة يتعين بالضرورة أن يرتكز على مطلق سابق على كل تجربة بل على كل فكر إنسانى. وهذا هو الحال بالنسبة لمُثل أفلاطون والحقائق الالهية عند ديكارت. أما المنهج العلمى الذى لا يعرف إلا العلاقة (السببية) ويود تجاهل المطلق، فيتعين عليه أن يتخطى نقطة الارتكاز هذه، وبذلك يُحرر الحقيقة من طابعها الدوجماطيقي(5)2ـ رأى مارتن هايدجر: ماهية الحقيقة هى الحرية:
لقد انكشفت ماهية الحقيقة كحرية. هذه الأخيرة هى عملية ترك الموجود المنفتح يوجد، التى تكشف الموجود. كل سلوك منفتح يحدث تاركا الموجود يوجد ومتخذا موقفا من هذا الموجود الخاص أو ذاك. إن الحرية قد أسندت، مسبقا، كل سلوك إلى الكائن فى كليته. وذلك من حيث إنها استسلام لانكشاف هذا الموجود فى كليته وكما هو(6).
3ـ رأى فردريك هيجل: الله هو الحق وهو الحقيقة:
الله هو الحق الخالد وهو الماهية ذات القوة المطلقة. إنه يكشف عن نفسه فى العالم، وانه فى هذا العالم لا ينكشف شيء سواه، أعنى سوى العقل ومجده وعظمته، فهو جوهر الكون ومحرك التاريخ، هو عقل كونى Universal Mind، وما العقل البشري إلا قبسا إلهيا يسكن جسد الانسان(7).
والآن، وقد عرضنا وجهات نظر بعض الفلاسفة فى معنى الحقيقة، يصير منطقيا القول بأن أقصى ما يطمح إليه الانسان ـ مهما علا قدره وكثر علمه ـ إزاء الحقيقة، هو الوثوق بما يُفضى إليه به قلبه وعقله، لا معرفتها على سبيل اليقين. وكيف لا؟! والبائن أنه قد حيل بينه وبينها بحجاب كثيف وصلد ليس يمزقه سوى الموت! أقول هذا لألجم نفسي إن هى جمحت، فخُيل إليها أنها أدرى من غيرها بالحقيقة، أو إن هى اعتقدت ـ كما يفعل ملاك اليقين ـ أن طريق نشدانها للحقيقة هو الطريق الأمثل، وسعت لفرض رأيها بالقوة على غيرها! فالمنوط بالانسان ألا تطمح نفسه إلى المستحيل، وإن كان عليه أن يستنفذ حدود الممكن! وهو قول ـ على الأقل بالنسبة لى ـ ليس أمارة يأس أو استسلام، وانما هو مقدمة لا مندوهة عنها لحديث آخر أراه مُحببا إلى نفسي، وهو القول بروعة وجمال الرفقة الإنسانية الصحيحة، وأقصد بها الرفقة التى تسمح لكل صاحب فكر باتخاذ موقفه ومنبره في هيكل الوجود الجميل، شريطة ألا يدعى أنصار هذا الفكر أو ذاك امتلاكهم للحقيقة على وجه اليقين، فأقصى ما يطمح إليه الإنسان إزاء الحقيقة ـ كما ذكرنا وكما سنذكر دائما ـ هو الوثوق بما يفضي إليه به عقله وقلبه في نُشدانها، إذ أن للقلب مبرراته التى لايعلم عنها العقل شيئا..!!
غير أنى بقولى هذا، قارئي الكريم، لا أهون الأمر، ولا أزعم أنى أبت برأى قاطع فى مسألة ما إذا كان بامكان الانسان معرفة الحقيقة، فالمسألة ليست من السهولة بمكان. بل على العكس، أراها شائكة ومعقدة إلى حد يُعتد به وتُخشى تداعياته، وإلا ما كانت بى أو بغيرى من أصحاب الأقلام، عبر العصور المختلفة، حاجة لتحبير كل هذه الأوراق وكتابة كل هذه الكتب، التماسا لمعالجة موضوعية لواحدة من أهم وأخطر قضايا الوجود الانسانى! وأملى أن يساهم هذا المقال، على تواضعه، فى ابراز خطورة هذه القضية وتعقدها.
الدين هو الطريق الأكثر أُلفة لنشدان الحقيقة:
قد يكون ملائما فى بداية حديثي عن الدين بوصفه الطريق الأكثر شيوعا وأُلفة أمام الإنسان لنشدان الحقيقة، أن أسوق للقاريء الكريم دليلا يعضد قناعتي هذه، وهو حديث العالم الأمريكي صمويل هنتنجتون فى كتابه الشهير «صدام الحضارات» عن الدين، ووصفه له بأنه(8): «..أهم عامل بين العوامل الموضوعية التى تُعرف الحضارات كما كان الأثينيون يؤكدون». علاوة على حديث هنتنجتون في الكتاب نفسه عن الحضارات الرئيسية فى التاريخ الإنسانى، ووصفه إياها بأنها(9): «..كانت دائما متوحدة ومتطابقة مع ديانات العالم الكبرى وبدرجة كبيرة..».
وقناعتي المذكورة لا تتعارض بطبيعة الحال مع ما يقول به فريق من المفكرين، إذ أنهم يرون أن هناك سُبلا أخرى أمام الانسان لنشدان الحقيقة، لعل أبرزها وأهمها ـ كما أوضحنا سلفا ـ الفلسفة! أقول هذا وأنا أعلم أن حديثي قد يُساء فهمه، وقد يُؤول على نحو ظالم وجائر، رغم أنى ما قصدت من ورائه ـ والله يعلم ـ سوى مقاربة الواقع المُعاش. فلم يعد مقبولا أو لائقا التعامي عن حقائق نراها جميعا حولنا أوضح من شمس الظهيرة فى كبد السماء..!
ودعونى أتساءل: أليس الوجود الانسانى لوحة جميلة، تزداد جمالا كلما تباينت ألوانها واختلفت؟! أليست سنة كونية أن تختلف وتتباين مسالك من ينشدون الحقيقة من كل حدب وصوب؟! ألم يكن الله قادرا ـ إن هو أراد ـ أن يخلق عقولنا نسخا طبق الأصل من بعضها البعض؟! ودعونى أيضا أُجيب: بلى والله، فسبحان الله، جلت قدرته. إذن، أين الخطأ فى الحديث عن تعدد السبل المتاحة لنشدان الحقيقة؟! أليس للانسان، وقد كُرم بالعقل، الحق فى أن يفكر وأن يختار؟!
على أية حال، أظنني الآن، وقد فرغت من تعضيد قناعتي بكون الدين هو السبيل، ليس الوحيد، وإنما الأكثر شيوعا والأكثر أُلفة أمام الإنسان في نشدانه للحقيقة، مُطالب بتعريف الدين، خاصة وأنه محور الحديث فى هذه الجزئية. وها أنا ذا أفعل ما أنا مُطالب به، مستندا فى ذلك إلى "المعجم الفلسفى"، فهو يُعرف الدين بأنه يعبر عن المطلق فى إطلاقه، وعن المحدود فى محدوديته، وعن العلاقة بينهما، ولهذا يتصف أى دين ـ طبقا لتعريف «المعجم الفلسفى» ـ بما يأتى(10):
أولا: ممارسة شعائر وطقوس معينة.
ثانيا: الاعتقاد فى قيمة مطلقة لا تعدلها أية قيمة أخرى.
ثالثا: ارتباط الفرد بقوة روحية عليا، قد تكون متكثرة أو أحادية.
وقد تشاركنى أيها القارىء الكريم إعتقادى بأنه لا تعارض بين تعريف «المعجم الفلسفى» للدين، وبين التصور الذى لازم الدين منذ البداية ولا يزال يلازمه حتى اليوم، وهو أن الإله هو الحقيقة، حقيقة كل شيء. وهو البداية، بداية كل الأشياء وهو الخاتمة، خاتمة كل الأشياء. فمنه تنطلق كل الأشياء وإليه يرتد الكل ثانية. وهو القادر على حل كل ألغاز العالم، ولديه تجد التناقضات الخاصة بأعمق مدى للتفكير معناها، وقد تكشفت بعد التحجب! وهو الذى ليس لأى شيء فى جانبه وجود قائم بذاته مطلق. وهو أيضا من فى رحابه يخرس ألم القلب والعقل!
الأمر الذى يدعونى للقول بأن جوهر الأديان ـ على تعددها ـ هو معرفة الإله. وكنت قد قلت سلفا إن الدين يُعد الطريق الأكثر شيوعا وأُلفة أمام الإنسان لنشدان الحقيقة، إذن فالاله هو الحقيقة التى ينشدها الانسان عبر الأديان، ومن ثم فمعرفة الاله هى جوهر الأديان، وما اختلاف الشعائر والطقوس من دين لآخر سوى خصوصية، لا تنال ـ ولا ينبغى أن تنال ـ من القول بوحدة جوهر الأديان، فكل أصحاب الأديان ينشدون معرفة القيمة المطلقة والقوة الروحية التى تحدث عنها «المعجم الفلسفي»، كأحد العناصر اللازم توافرها فى أى دين.
قارئي الكريم، خلصت سلفا إلى أنه لا يستقيم أن يكون هناك حرجا فى الحديث عن تعدد السبل المتاحة لنشدان الحقيقة، لاسيما وأن الانسان كُرم بالعقل، وهو ما يقتضينى، خاصة وأنا بصدد الحديث عن الدين، أن أعرض لمسألة مهمة أراها مرتبطة أشد الارتباط بالأمرين ـ أقصد ما خلصت إليه سلفا وحديثي عن الدين، وهى طبيعة العلاقة بين الدين والفلسفة، كطريقين أمام الانسان لنشدان الحقيقة. فالحاصل أنهما يُنظر إليهما من جانب أنصارهما على أنهما يصلان فى اختلافهما إلى درجة التعارض، بل والصدام فى أحايين كثيرة، والشواهد على ذلك عديدة، يذخر بها التاريخ الانسانى فى عصوره المختلفة! وقد بات مألوفا أن نجد بين معتنقى الأديان من لا يكتفى بأن ينظر إلى الفلسفة بتجهم وريبة، بل يذهب إلى تحريمها واعتبارها خطيئة يأثم من يقترفها! وكذا بات مألوفا أن نجد بين الفلاسفة وأنصار الفلسفة من يُبدى نفورا شديدا إزاء الأديان ومعتنقيها..!
والسؤال الذى يطرح نفسه: هل هذا هو ما ينبغى أن تكون عليه العلاقة بين طريقين يُنشد عبرهما مالا سبيل لبلوغه؟! بالطبع لا، فالثابت أنه لا تعارض بين الطريقين، الدين والفلسفة، وذلك لسببين: أولا: انه أحيانا كثيرة ما يحدث أن يصل سالكوا الطريقين إلى نفس النتيجة، وهى أن الحقيقة هى الله. خذ مثلا الفيلسوف الشهير هيجل، وقوله إن الله هو الحقيقة، وهو الماهية ذات القوة المطلقة. وكذا قوله إن الله يكشف عن نفسه فى العالم، وانه فى هذا العالم لا ينكشف شيء سواه. ألا يلتقى الفيلسوف هيجل بأقواله تلك مع ما اتفقنا سلفا على كونه جوهر الأديان ـ على تعددها ـ وهو معرفة الإله؟! ثم ألا يقوم هذا الالتقاء دليلا على امكانية التلاقح البناء بين الطريقين وأنصارهما؟! ثانيا: اننا قد اتفقنا سلفا على ان البائن أنه قد حيل بين الانسان وبين معرفة الحقيقة بحجاب كثيف وصلد ليس يمزقه سوى الموت! وأن أقصى ما يطمح إليه الإنسان إزاء معرفة الحقيقة هو الوثوق بما يفضي إليه به عقله وقلبه في نُشدانها، ومن ثم فلا مجال للصدام بين الدين والفلسفة بدعوى معرفة أنصار أحدهما للحقيقة على وجه اليقين!!
فكيف لنا إذن والحال هذه أن نفسر تأجج العداء بين أنصار الدين وأنصار الفلسفة، على هذا النحو الذي نراه في المجتمعات المغتربة؟! أغلب الظن أنه يوجد هناك من يؤجج نيران العداء بين أنصار الطريقين. وأراني قانعا أن الآخر، محليا كان أم عالميا، هو من يفعل ذلك، وهذا ما سأتناوله بالرصد والتحليل فى الأجزاء المتبقية من هذا المقال، حتى يكون هذا المقال قد أسهم ولو بشكل متواضع فى تعرية الآخر، فهو المستفيد ـ كما سنرى ـ من هذا العداء الذى يتعارص بشدة مع الرفقة الانسانية الصحيحة..

الهوامش:
ـــــــ
(*) استاذجامعي/القاهرة
(1) راجع كتاباتنا السابقة فى مجال الفكر الأنسني: دراسة للكاتب بعنوان «بناء الذات الأنسنية»، وأخرى بعنوان «هدر العقل العربي»، إضافة إلى دراسة ثالثة بعنوان «المرأة فى الفكر الأنسني»، تجدها جميعا على شبكة الانترنت. وراجع للكاتب أيضا: الانسان هو الحل، (القاهرة: دار سطور للنشر، عام 2007).
(2) نقلا عن: محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي (إعداد وترجمة)، الحقيقة ـ نصوص مختارة، (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، سلسلة دفاتر فلسفية، العدد رقم 4، 1993)، ص ص 9 ـ 11.
(3) نفس المرجع، نفس الصفحات.
(4) نفس المرجع، ص 39.
(5) نفس المرجع، ص ص 78ـ79.
(6) نفس المرجع، ص ص 73ـ76.
(7) نفس المرجع، ص ص9ـ11. محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي (إعداد وترجمة)، العقل والعقلانية ـ نصوص مختارة، (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، سلسلة دفاتر فلسفية، العدد رقم 9، 2007)، ص 74.
(8) صامويل هنتنجتون، ترجمة طلعت الشايب، صدام الحضارات ـ إعادة صنع النظام العالمي، (القاهرة: سطور، 1998)، ص 70.
(9) نفس المرجع، نفس الصفحة.
(10) مراد وهبة، المعجم الفلسفي، (القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 1979)، ص199.