|
|
 |
الحضارية
«دراسات فلسفية» |
|
السبت: 20/09/2008
علم الكلام بين التقليد والتحديد
د. حبيب فيّاض
بات علم الكلام، من جهة العمل على
تجديده، أكثر الموضوعات طرحاً وتداولاً في أوساطنا الإسلامية الراهنة
المهتمة بالشأن الفكري والثقافي، الأمر الذي أثار الكثير من الجدال
والسجّال حول ضرورات هذا التجديد، وأفضى إلى بلورة تصوّرات ورؤى مختلفة
حول ماهيته ومتعلـّقاته، والآثار المترتبة عليه والمطلوبة منه، فتراوحت
هذه التصوّرات بين عن قال بولادة علم كلام جديد مختلف بالكامل من علم
الكلام التقليدي، ومن رأى بأن ثمة ضرورة للإبقاء على هذا العلم بصيغته
التقليدية مع العمل إلى إعادة تركيب بنيته المعرفية بنحو يتلاءم مع
تطورات العصر وتحوّلاته.
غير أن ثمة ثوابت وأرضية مشتركة، في سياق هذا العمل التجديدي، غير قابلة
للإنكار، ومحط التقاء جميع المشتغلين في هذا المضمار، وتتمثــّل في
التوافق على الارتقاء بالمعرفة الكلامية من خلال إعادة صياغة المفاهيم
العقائدية وتحديث آليات الدفاع عن الدين.
ثمة أهمية استثنائية تكمن في العمل على تجديد علم الكلام بصيغه المختلفة
(الدفاعية، المعرفية، الواسطية) حيث تتجلى هذه الأهمية في ضرورة توفير
العناصر والمعطيات المعرفية التي لابدّ للمتكلم المعاصر من التزوّد بها
في سبيل الدفاع عن الدين مقابل الشبهات التي تستهدفه في أكثر من اتجاه،
وعلى أكثر من صعيد. وفي سبيل إنتاج معرفة دينية يتسنـّى معها صياغة خطاب
ديني يحاكي خصوصيات العصر وتحوّلاته، وأيضاً حتى يستطيع هذا المتكلـّم
القيام بدوره من حيث هو واسطة في التبليغ بين الوحي ومخاطبيه، وخاصة أنّ
الكلام الجديد يـُعتبر في العصر الحاضر من أكثر وسائل التبليغ الديني
فاعلية وتحقيقاً للمبتغى.
1- قصور الكلام التقليدي
ونلدت المحاولات الأولى لتأسيس علم الكلام في سياق الاستفهامات التي أخذت
تـُطرح حول الشريعة والعقيدة بـُعَيد صدر الإسلام. فاستـُتبع ذلك بجدال
ونقاش في مدلولات بعض الآيات القرآنية المتشابهة والروايات المأثورة التي
تتحدّث عن الذات والصفات الإلهية والقضاء والقدر والمعاد و.. ثم ما لبثت
أن اتــّسعت دائرة البحث تدريجياً حتى شملت مسائل أخرى مثل الإمامة
والعدل الإلهي والجبر والتفويض وغير ذلك(1)، الأمر الذي يكشف لنا ظروف
النشأة والسياق التاريخي التدريجي الذي خضع له علم الكلام.
ثم بعد ذلك تضافرت عوامل عديدة ومتداخلة، أدّت إلى تنامي المباحث
الكلامية، وتطوّر هذا العلم حتى أصبح علماً مدوّناً له ملامحه الخاصّة
ومرتكزاته، ومن هذه العوامل الحروب والخلافات والانقسامات التي شهدها
المجتمع الإسلامي لأسباب سياسية ومذهبية واجتماعية، ما أدّى إلى توالد
الفرق والمذاهب الإسلامية، ومحاولة كلّ فريق تقديم الأدلة التي تـُثبت
صحّة ما يعتقد به، هذا بالإضافة إلى الفتوحات الإسلامية واختلاط المسلمين
بشعوب وأعراق مختلفة، ودخول قوميات عديدة في الإسلام، وبالتالي إطلاع
المسلمين على معتقدات مختلفة ومقارنتها مع عقائدهم، ودراستها والردّ
عليها، بحيث وُجدت مناخات مليئة بالنقاشات الفكرية ارتكزت فيما بعد إلى
المنطق والفلسفة التي دخلت إلى الثقافة الإسلامية عبر رواج الترجمة عن
اليونانية وخاصة في عصر المأمون العباسي(2).
في خلال هذه الأجواء توالد علم الكلام وتنامى وصار أحد أبرز العلوم التي
أنتجها الفكر الإسلامي، حيث برزت مجموعة من المفكرين المسلمين الذين
ركـّزوا جلّ اهتماماتهم في مجال العقيدة، بحثاً وتأليفاً حتى نهاية القرن
السابع الهجري، فبلغ علم الكلام ذروته، وبعد ذلك شهد ركوداً فاقتصرت
النتاجات الكلامية على كتابة الحواشي والشروحات والتعليق على ما كان قد
اُنتج سابقاً من دون أن يسجّل ظهور إضافات جديدة ونوعية.
وليس ثمة خلاف حول الخدمات الكبيرة التي قدّمها علم الكلام على مرّ
العصور للفكر الإسلامي، وخاصة أن لغة هذا العلم ومبانيه ومرتكزاته
ومسائله كانت تنسجم مع العقليات الفكرية والبيئات الثقافية السائدة
آنذاك، حيث تجسّدت أهمية هذا العلم في الحفاظ على العقائد الدينية وإثراء
الحياة العقلية التاريخية لدى المسلمين... غير أنّ السؤال الذي يـُطرح
حالياً: هل ما زال علم الكلام بصورته التقليدية قادراً على لعب دور إثبات
المعارف الدينية والدفاع عن المعتقدات في ظل التحولات الهائلة والمتسارعة
التي شهدتها أذهان وعقليات مخاطبي الوحي المعاصرين، بدءاً من عصر
الأنوار، مروراً بعصر النهضة والثورة الصناعية التي أنتجت الحداثة
الوافدة من الغرب، وصولاً إلى ثورة المعلومات الراهنة التي أفضت إلى
العولمة التي أخذت تجتاح كلّ الحواجز، وتخترق كلّ التحصينات، وهي مزوّدة
بآخر ما توصّل إليه العقل البشري من نظريات ونتاجات على المستويين العلمي
والنظري؟
لا ريب في أن علم الكلام بصورته التقليدية عاجز اليوم عن القيام بالمهام
المطلوبة منه في خلال التحوّلات الهائلة والمتواصلة التي يشهدها العالم،
الأمر الذي يستدعيّ تجديد هذا العلم بما يكفل العمل، بشكل فاعل ومثمر،
على تبليغ العقائد الدينية، وردّ الشبهات المثارة حول الدين، وخاصة أنّ
علم الكلام التقليدي يتبني على المنطق الأرسطي الذي لم يعد مستساغاً في
المنظومات المعرفية الراهنة، كما يتـّصف ـ هذا العلم ـ بالتجريد
والطوباوية والبُعد عن الواقع وافتقاده للمجلات الاجتماعية(3)، هذا فضلاً
عن أنه لم يشهد أية محاولات جادّة لتطويره وتنميته منذ القرن السابع
الهجري حتى أواسط القرن الماضي، كما تقدّمت الإشارة.
2- ضرورة التجديد
غير أنّ التجديد في علم الكلام، لا يعني، كما قد يفهم البعض، تجديد
العقائد ذاتها. بل يعني، أساساً، تجديد البنية الخاصة بالتعاليم
العقائدية، ذلك أن علم الكلام، يتـّصف، من خلال كونه ذا هوية واسطية،
بامتدادين: الأول الإلهي عن طريق الوحي، وهو بُعد ثابت غير قابل للتبدّل
والتحوّل، والآخر بشري، بلحاظ مخاطبي الوحي، وهو بُعد قابل للتبدّل
والتجدّد تبعاً لما يطرأ على الإنسان من تحوّلات على مرّ الأزمنة
والعصور، وعليه، يصبح التجديد في هذا العلم مقتصراً على بنية الهوية من
دون أن يؤدّي هذا التجدّد إلى الانقلاب على الهوية، أو الخروج عليها بنحو
يصار معه إلى الجمع، بين الأصالة والمعاصرة تبعاً لثنائية الوحي
(العقائدي) ومخاطبيه، المشكلة للهوية الكلامية.
لم يعد الكلام التقليدي قادراً على أداء مهامه بسبب إفراطه في استخدام
مصطلحات لا تتـّصل بالواقع، واقتصاره على الخوض في مباحث ومسائل بعيدة عن
الهموم المعاصرة لإنسان العصر، وانشغاله بمباحث عقلية بحاجة إلى إعادة
بلورة وتسييل حتى تساهم في بلورة رؤية إسلامية معاصرة إلى العالم
والحياة.
إن إحدى مهام العقيدة هي توجيه السلوك الإنساني ودفعه نحو الحياة بكافة
مجالاتها. فالآيات القرآنية التي تتكلم عن الإيمان اقترنت بالعمل الصالح.
والمطلوب من علم الكلام اليوم تحويل العقائد إلى ضوابط تحكم حركة الإنسان
وتحدّد له السبل التي يجب عليه سلوكها، كلّ هذا في وقت بات فيه الدين
مطالباً بالتدخل في مختلف شؤون الأفراد والمجتمعات، وتقديم الإجابات
الشافية إزاء ما يعانيه الإنسان في عالم متقلـّب ومضطرب.
انطلاقاً من الوظائف المحدّدة لعلم الكلام والمتمثلة بإثبات وتبيين
المعارف العقائدية وردّ الشبهات المطروحة حول الدين، يمكن تحديد الأهمية
المترتبة على تجديد هذا العلم، ذلك أن اختلاف الظروف الراهنة التي يعيشها
المسلمون عن تلك التي عاشها أسلافهم، وأيضاً تطوّر الفكر البشري،
وبالتالي تطوّر المعارف والشبهات والأدوات المستخدمة لإعمال النقد وإثارة
الإشكاليات حول الدين، وازدياد التساؤلات حول دور الدين في حل مشاكل
المجتمعات البشرية، إضافة إلى الضرورات التي تستدعي التأسيس النظري
للعلوم الإنسانية الإسلامية التي لا يمكن بناء مجتمعات إسلامية بمعزل
منها، كل هذا يشكـّل ضرورة للعمل على تجديد علم الكلام وإخراجه من دائرته
التقليدية التي جعلته لقرون عديدة أسير مناخات فكرية وثقافية على قطيعة
مع التحديات والمناخات الفكرية الراهنة التي يجب على المتكلـّم المعاصر
الخوض فيها والإلمام بها. إذ لم تعد الإشكالات المثارة حول الدين حالياً
تدور في فلك الاعتقاد النظري البعيد عن الواقع كما هو الحال في مرحلة
نشوء علم الكلام وتطوّره، بل باتت ـ الإشكالات ـ تطال معتقدات المسلمين
من خلال البُعد الوظيفي لهذه المعتقدات، ومن خلال موضوعات باتت تـُعتبر
معياراً في مدى ضرورة الدين والحاجة إليه، مثل: دور الدين في حلّ مشاكل
المجتمعات البشرية، توقـّعات البشر من الدين، حقوق الإنسان في الإسلام،
الدين والدولة، الدين والتنمية، الدين والتعددية...
3- المتجدّد في علم الكلام؟
ما معنى مصطلح علم الكلام الجديد؟ وما هو متعلـّق التجدّد في علم الكلام؟
تستبطن الإجابة عن هذا السؤال تحديد هوية علم الكلام الجديد، هذه الهوية
التي أثارت الكثير من السجال والنقاش بين الدارسين والباحثين حيث توزّعت
الآراء في هذا المجال كالتالي:
ـ فريق ذهب إلى القول بنفي وجود علم كلام جديد مقابل علم الكلام
التقليدي. إذ التجديد في هذا العلم لا يعني سوى إدخال بعض المسائل
الجديدة إلى جانب مسائله التقليدية، بحيث تحتفظ الهوية الكلامية
بخصوصياتها التقليدية، ما خلا تجدّداً عرضياً من خلال طرح بعض المسائل
الجديدة التي لم تكن تـُطرح في السابق(4).
ـ فريق آخر ذهب إلى القول بالقطيعة المعرفية بين «الكلام» بصيغته
التقليدية و«الكلام» بحلته الجديدة، واعتبر أن علم الكلام الجديد علم
مختلف بالكامل عن الكلام التقليدي، إلى حدّ يجوز معه القول: إن الاشتراك
بينهما أقرب إلى الاشتراك اللفظي منه إلى الاشتراك المعنوي، بحيث يرى هذا
الفريق أن التجدّد الكلامي يدور في فلك فلسفة الدين، ولا تربطه أية رابطة
بمباني، مناهج، غايات، لغة، ومبادئ «الكلام» التقليدية، وذلك إنطلاقاً من
ضرورة عدم التمييز بين الرؤية الداخلية والرؤية الخارجية إلى الدين،
فالتجدّد بحسب هذا التصوّر يطاول الهوية الكلامية بكلّ خصوصياتها
وأبعادها.
ـ فريق ثالث يرى أن الهوية الكلامية في مسارها التجديدي تحافظ على
ثباتها، لكنها تتجدّد في بنيتها من خلال التحوّل الذي يطرأ على كافة
أضلاعها المعرفية، وهو ما أطلق عليه التجدّد في الهندسة المعرفية لعلم
الكلام، وهذه الأضلاع هي: المسائل، الهدف، المناهج، الموضوع، اللغة،
المباني(5). وعلم الكلام بحسب هذا التصوّر أشبه بالشكل الهندسي الذي إذا
تغيّر أحد أضلاعه، تغيّر الشكل برمته، ويبدو أن هذا التصوّر أقرب إلى
الصواب، لأن الموجبات التي تستدعي تجديد علم الكلام تتجاوز «المسائل
والمباحث» لتتـّصل بكافة الأبعاد المعرفية الأخرى، إذ تجديد «المسألة»
سيستدعي حكماً التجديد في اللغة، المبنى، المنهج و... فمسألة مثل حقوق
المرأة في الإسلام بما هي مسألة جديدة، لا يمكن الحديث عنها بلغة «الحدوث
والقدم»، كما لا يمكن معالجتها عن طريق المنطق الأرسطي.. بل لابدّ من
الاستعاضة عن ذلك بلغة ومناهج ومبان سائدة ومألوفة من قبل المخاطبين، كما
إنّ تناول هذه المسائل لم يعد يندرج في إطار ردّ الشبهات فحسب، بل أيضاً
في إطار تحليل حقيقة الإيمان ومجمل التجربة الدينية، وهو ما يشير إلى
التحوّل في البـُعد الغائي للكلام.
لكن، في هذا الخضمّ، يجب عدم إغفال أن «المسائل» تبقى الضلع الأبرز في
سياق البنية المشكلة للمعرفة الكلامية القديمة والجديدة على حدّ سواء، إذ
التجدّد في علم الكلام، غالباً ما يتعلـّق بالمسائل أولاً، ثم يتبع تجدّد
المسائل تتجدّد بقية الأضلاع، الأمر الذي يؤدي إلى تجدّد في البنية
الكلامية دون الهوية.
إذاً، نحن أمام ثلاثة تصورات إزاء تجدد علم الكلام:
ـ الأول: اقتصار التجدّد على «المسائل» دون مجمل البنية والهوية
الكلامية.
ـ الثاني: التجدد يطال الهوية الكلامية، بما في ذلك البنية بمسائلها
وكافة أضلاعها الأخرى.
ـ الثالث: التجدّد يطال بنية علم الكلام (الهندسة المعرفية) بما في ذلك
المسائل من دون الهوية.
ما تقدّم يـُفضي بنا إلى السؤال عن طبيعة التجّدد في علم الكلام وخصوصيته
بمعزل عن متعلق هذا التجدّد الذي تمت الإشارة إليه آنفاً وبعبارة أخرى ما
الذي يربط بين علم الكلام بصيغتيه التقليدية والجديدة؟ وهل هما علمان في
طول بعضهما أم في عرض بعضهما البعض؟
في الواقع ثمة نوعان من التجدّد الذي من الممكن أن تتـّصف به العلوم.
الأول هو التجدّد بما هو عَرَضٌ عامٌ، وهو يعرض على سائر العلوم، لأن
هوية العلم، مطلق علم، سيّالة ومتحوّلة وتدريجية الحصول. والثاني هو
عَرَضٌ خاصّ، يختصّ بنمط معيّن من العلوم، وتحديداً العلوم الواسطية، مثل
علم الكلام، وذلك بناءً على التعريف الواسطي لعلم الكلام الذي يشكل محطّ
التقاء بين كافة التصوّرات المطروحة حول ماهية هذا العلم: «الكلام ذو
هوية واسطية بين الوحي ومخاطبيه».. وبناءً عليه يصبح تجدّد علم الكلام
تجدّداً من نوع خاص باعتبار أن للكلام، وفق هذا التعريف، جنبتين. جنبة
ثابتة تعكس الوحي، وأخرى متحوّلة تتـّصل بأذهان المخاطبين(6). والثبات
المشار إليه يتكفـّل بالحفاظ على الهوية الكلامية على مرّ العصور، فيما
التحوّل يغدو جزءاً من هذه الهوية باعتبار تحوّل البـُعد البشري من
المعادلة الكلامية، من دون أن يعني ذلك انقلاباً أو خروجاً على الماهية
العامة لعلم الكلام، بل هو ـ التحوّل ـ يندرج في إطار طبيعي محكوم لتطوّر
التفكير البشري ونموّه.
على هذا، يقع الكلام الجديد في طول الكلام القديم وليس في عـَرْضه،
باعتبار أنّ البُعد العقائدي من الوحي، الذي هو ثابت في كلّ حال،
يتكفــّل بتوحيد هويتهما، برغم التفاوت الكبير بينهما على مستوى البنية
عموماً والمسائل خصوصاً.
4- مراحل التجديد الكلامي
من خلال مراجعة استقرائية للواقع الذي شهده تجديد علم الكلام، يمكن تقسيم
هذا الواقع إلى مرحلتين، علماً أنّ التمييز بينهما يستند إلى خصوصيات
معرفية وتاريخية اتـّسمت بها كل مرحلة، وميّزتها عن الأخرى، من دون أن
يعني ذلك عدم وجود تداخل معرفي ومعطيات مشتركة بين المرحلتين.. وهما(7):
أ) مرحلة إحياء علم الكلام: يمكن القول إنّ هذه المرحلة امتدّت من أواسط
القرن التاسع عشر حتى نهاية الربع الأول من القرن العشرين (1850-1925)،
وتسمّى هذه المرحلة بـ«الإحياء» لأنه تمّ فيها بعث علم الكلام من رقاده
بعد قرون من الركود والجمود، حيث ساهمت معطيات عصر النهضة في الإحياء
الكلامي إلى حدّ كبير. وإذا الإضافة إلى إعادة استحضار المقولات
والموضوعات الكلامية التقليدية، فقد شهدت هذه المرحلة تأسيس العقائد على
العلم والعقل بشكل مهّد إلى الدخول في المرحلة اللاحقة (التجديد) وتمهيد
الطريق أمام ظهور ملامح عامة للكلام الجديد، وكان الهمّ الأول لدى
المتكلـّمين في هذه المرحلة إعادة تثبيت العقائد لدى المسلمين في ظل
التأثيرات السلبية التي خلـّفها تمدّد النهضة في الغرب نحو العالم
الإسلامي، ولقد بذلت في هذا المجال جهود فكرية وكلامية بارزة من قبل
علماء ومفكـّرين مسملين من أمثال السيد جمال الدين الأفغاني (صاحب رسالة
الرد على الدهريين التي مثـّلت الخطوات الاولى على طريق تجديد علم
الكلام)، ومحمد عبده (صاحب رسالة التوحيد)، عبد الرحمن الكواكبي، رشيد
رضا، هبة الدين الشهرستاني، محمد جواد البلاغي و...
ب) مرحلة التجديد الكلامي: أخذت هذه المرحلة تتبلور في أواخر الربع الأول
من القرن الماضي، وهي ما زالت ممتدة حتى عصرنا الراهن. وأبرز ما يميّز
هذه المرحلة هو التأسيس الفلسفي والمنهجي لعلم الكلام، ومعالجة مسائل
كلامية جديدة بمناهج عصرية وآليات معرفية مختلفة عن تلك المستخدمة في
الكلام التقليدي.
وجدير بالذكر أنّ التجديد في هذه المرحلة لم يقتصر على المسائل الكلامية،
بل طال كافة الأبعاد المعرفية الكلامية.. ولقد بلغ التجديد الكلامي ذروته
مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران، حيث أوجدت فضاءات فكرية واسعة دفعت
بالعلماء والباحثين إلى الخوض جدياً في أبرز القضايا والإشكاليات
المعاصرة، ومعالجتها على خلفية كلامية متجدّدة، هذا فضلاً عن الاهتمام
الكبير الذي تركـّز على الخوض في تحديد ماهية علم الكلام الجديد وحدوده
ووظيفته ومتعلـّق التجدّد فيه.. وقد تبلورت جهود هؤلاء ونتاجاتهم في
مؤلفات ودراسات على درجة عالية من الأهمية.
ومن أعلام هذه المرحلة محمد إقبال اللاهوري(8)، صاحب كتاب «إحياء الفكر
الديني»، والعلامة محمد حسين الطباطبائي (أسس الفلسفة والمذهب الواقعي)،
والشيخ مرتضى مطهري (العدل الإلهي، نظام حقوق المرأة في الإسلام)،
والشهيد محمد باقر الصدر (فلسفتنا، اقتصادنا)، ومالك بن نبي (الظاهرة
القرآنية)، وعبد الكريم سروش (القبض والبسط في المعرفة الدينية)، ومصطفى
ملكيان (العقلانية والمعنوية)، وحسن حنفي (من العقيدة إلى الثورة)،
وغيرهم.
ومن الموضوعات الأساسية التي اُثيرت في هذه المرحلة: المعرفة الدينية،
فلسفة الدين، التأويل الديني، التعدّدية الدينية، التجربة الدينية،
الثابت والمتحوّل في الشريعة، الدين والعولمة، الدين والسلطة، الدين
والتنمية و...
ومن الضروري التأكيد أنّ ولادة علم الكلام الجديد لم تتمّ في لحظة
تاريخية محدّدة، بل هي جاءت نتيجة مسار تاريخي حافل بالتراكمات المعرفية
والفكرية والسياسية والاجتماعية.. كما إن الكثير من الموضوعات الكلامية
الجديدة لم يشتغل بها أصحابها تحت عنوان التجديد الكلامي، إنما جاءت
نتيجة انصرافهم إلى العمل معرفياً وعقائدياً على موضوعات وإشكاليات حية
ومعاصرة، على خلفية إسلامية، وتحت وطأة ضرورات التأصيل المعرفي الديني
والدفاع عن الدين. وبالعموم يمكن القول: إن المتكلــّم لمعاصر وجد نفسه
منساقاً خلف أنماط محدّدة من المسائل الكلامية المستحدثة، فعالجها
وبلورها انطلاقاً من الضوابط والرؤى العقائدية الإسلامية، وفي مرحلة
لاحقة تمّ التأطير النظري والمنهجي لهذه الأنماط من المسائل، وجمعها ضمن
بوتقة واحدة تحت عنوان علم الكلام الجديد بعد معالجة الأطر النظرية،
وتعيين المحدّدات التي تميّز هذا العلم عن غيره من العلوم المشابهة له،
وتحديداً فلسفة الدين واللاهوت الجديد، وبعبارة أخرى: وُلد علم الكلام
الجديد من خلال ولادة مسائله أولاً، والعمل على تحديد إطاره النظري
ثانياً، وذلك في خضمّ حركة فكرية اقتضتها الظروف المعرفية والتحولات
الحضارية التي بدأت تـُرخي بظلالها على العالم الإسلامي طوال القرن
الماضي.
5- المباحث الكلامية: المعنى الأخصّ والمعنى
الأعمّ
يلاحظ أنّ المباحث (المسائل) الكلامية في علم الكلام الجديد على نوعين:
الأول هو نفس المباحث الكلامية التقليدية المتمثلة بأصول العقيدة وما
يتفرّع عنها (توحيد، عدل، نبوة، إمامة، معاد..)، غير أنّ معالجة هذا
النمط من المباحث يتمّ في إطار «الكلام الجديد»، وفقد مناهج ومباني
وآليات مستحدثة، ومن خلال البحث في دلالات وأفهام وتوظيفات جديدة. والنوع
الثاني عبارة عن مباحث كلامية جديدة بالكامل، ولم تكن سائدة ومطروحة في
سياق المباحث الكلامية التقليدية. وبالعموم المباحث الجديدة هذه مستمدة
من روح العصر، ومرتبطة بتطوّر المعرفة البشرية والفهم الديني، وتتوزّع
على مجالات عديدة من اقتصاد وسياسة وحقوق وفلسفة وعلم وأخلاق و... ويصار
إلى تناولها في سياق الرد على الشبهات، أو في سياق التأصيل النظري
للمعارف الدينية.
من هنا يمكن تسمية النوع الاول الكلام الجديد بالمعنى الأخصّ، باعتبار
أنّ موضوعاته مستمدة مباشرة من صـُلب علم الكلام بحسب هويته التاريخية
الناظرة إلى العقائد وأصول الدين.. والنوع الثاني يمكن تسميته بالكلام
الجديد بالمعنى الأعمّ، باعتبار أن دائرة المباحث والمسائل المطروحة في
هذا السياق أعمّ وأشمل مما هو مطروح في النوع الأول، هذا مع التأكيد على
وحدة الهوية الكلامية الجديدة برغم سعة دائرتها واشتمالها على مجالات
معرفية شتـّى مستمدة من سائر العلوم. وهذا ما سنتحدث عنه في الفقرة
التالية لكن من الضروري الإشارة إلى أنّ ما يـُحتـّم تقسيم المباحث
الكلامية إلى هذين النوعين، هو وجوب التمييز المعرفي والمنهجي بين نمطين
من المسائل برغم اندراجهما معاً في سياق التجديد الكلامي، ذلك أنّ إدراج
مسألة كالعدل الإلهي، مثلاً، بما هي مسألة تقليدية ـ اُعيد طرحها في سياق
الكلام الجديد ـ إلى جانب مسألة من قبيل «لمجتمع المدني» بما هي مسألة
كلامية جديدة أيضاً، قد يؤدي إلى التباس وخلط منهجي معرفي برغم الهوية
الكلامية التي تجمع بينهما من خلال الوظيفة الغائية لهذا العلم.
6- الكلام الجديد.. مرجعية معرفية
ثمة فرق أساسي بين نظرة العلم ـ مطلق علم من العلوم الإنسانية ـ إلى
ذاته، والنظرة الفلسفية إليه. فالفلسفة تنظر إلى موضوعات العلوم نظرة
كلـّية وفوقية وشمولية من خلال تسليط الضوء على الأبعاد الوجودية
والغائية لهذه الموضوعات، وهنا نتكلـّم تحديداً عن الفلسفات المضاقة
(فلسفة اللغة، التاريخ، العلم، الدين، الأخلاق..) وذلك بخلاف تعامل
العلوم مع موضوعاتها، حيث تنظر إليها على أساس تجزيئي، تفصيلي، وداخلي،
بعيداً عن الخوض في المعطيات والأبعاد الوجودية لهذه الموضوعات، وما
يتفرّع عنها من علل ومسائل وقضايا.
ولتوضيح الفكرة بنحو أفضل نقول: يتكفــّل علم الأخلاق بشكل أساسي بتحديد
ماهية القضايا الأخلاقية من خلال مناط القبح والحـُسن، فيبيّن لنا ما هي
الأفعال القبيحة التي يجب أن نتجنـّبها، والأفعال الحسنة التي يجب أن
نلتزم بها، من دون أن يتعدّى هذا العلم إلى ما هو أبعد من ذلك. في حين
تتكفــّل فلسفة الأخلاق بمعالجة وجودية الفعل الأخلاقي وصفاته الذاتية
وغاياته، وبالعموم، الحكمة من وجود الأخلاق.
أيضاً اللغة من حيث هي علم، تعلـّمنا كيفية الكلام وقواعده، من دون أن
يتعدّى ذلك إلى علة وجود اللغة، حيث توكل هذه المهمة إلى فلسفة اللغة
التي تتكفــّل بالخوض بموضوعات لا يمكن الوقوف عليها في سياق مباحث علم
اللغة، من قبيل: لماذا نتكلـّم؟ علاقة اللغة بالوجود؟ علاقة اللغة
بالفكر؟ طبيعة العلاقة بين اللفظ والمعنى؟ ما معنى المعنى؟ و...
كذلك الأمر بالنسبة لسائر العلوم الإنسانية، حيث فلسفة التاريخ التي
تنصرف إلى تأريخ الوقائع بالمفاهيم تختلف عن علم التاريخ الذي يؤرّخ
بالأحداث، وفلسفة العلم التي تتحدّث وتتعاطى وجودياً مع العلم تختلف عن
العلم الذي ينظر إلى موضوعات نظرة مجرّدة عن الأبعاد الأنطولوجية
والماورائية، وأيضاً فلسفة الدين الي تنظر إلى الدين نظرة فلسفية تختلف
عن الدين ذاته الذي يقدّم نفسه على خلفية وحيانيّة.
وهكذا بالنسبة إلى العلوم الأخرى.
إذاً نحن أمام مرجعيتين أو رؤيتين معرفيتين أساسيتين، رؤية العلوم إلى
ذاتها، ورؤية الفلسفة إلى العلوم (هذا فضلاً عن رؤية الفلسفة إلى ذاتها،
التي هي أكثر المرجعيات عمومية باعتبارها تبحث في الوجود المطلق من حيث
هو أعمّ وأشمل الموضوعات المبحوث فيها، إلا أن هذه الرؤية خارج سياق ما
نحن بصدده).
ومع نموّ البنية الكلامية وتجدّدها واقتحامها لمختلف المجالات المعرفية
والقضايا ذات الصلة بسائر العلوم الإنسانية، بات من الممكن الحديث عن
مرجعية كلامية للمعارف والعلوم إلى جانب المرجعيتين الآنفتين (الفلسفية
والعلومية).
أما التسويغ لجعل «الكلام» مرجعية معرفية فيعود إلى أمرين:
ـ الأول: طبيعة التعدّد المعرفي للقضايا التي تشتمل عليها المسائل
الكلامية الجديدة، وافتقادها لوحدة موضوعية على غرار التعدّد الحاصل في
الفلسفات المضافة، ذلك أنّ المسائل الكلامية هي بطبيعتها متعدّدة المشارب
(اقتصاد، أخلاق، نفس، حقوق، دين، سياسة، فلسفة...) وذلك، أولاً: تبعاً
لتعدّد الشبهات المطروحة حول الدين، إذ الشبهة تستدعي رداً محايثاً لها
ومن سنخيتها (فالشبهة الحقوقية يرد عليها حقوقياً والشبهة السياسية يرد
عليها كذلك و...)، ثانياً: تتبعاً لتنوع وتعدد المعرفة الدينية ذاتها،
ذلك أن الدين بما هو منظومة هداية للإنسان في أكثر من مجال من مجالات
حياته يشتمل على أبعاد معرفية يمكن بلورتها من خلال العمل على التأصيل
الدين للمعارف البشرية المختلفة.
وخلاصة الكلام في الأمر الأول أنّ المعرفة الكلامية بطبيعتها متعدّدة
بنحو يجعلها قابلة للتجانس والتلبّس والتداخل معرفياً مع سائر المعارف
الأخرى، غير أنّ علاقة الكلام بغيره ليست مجرّد تقاطع، بل هي فوقية.
ـ الثاني: يصلح الكلام أن يكون مرجعية للمعارف الأخرى باعتباره مكوّناً
من بعدين أساسيين لا يمكن استغناء أيّ معرفة من المعارف (أو علم من
العلوم) عنهما، وهما: العقائد والقيم. ومع اتـّصاف هذين البُعدين،
كلامياً، بالهوية الوحيانية يصبح توافرهما لمحاكمة العلوم الأخرى وضبط
حركتهما ضرورياً كمعيارين، أحدهما نظري (العقائد) والآخر تطبيقي ـ سلوكي
(القيم)، حيث تنضبط بذلك مسيرة البشرية المعرفية والحياتية وفق معيارية
دينية سامية في مختلف مجالاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية
والحضارية و...
على سبيل المثال علم الكلام الجديد لا يهتم بالمسألة الاقتصادية من حيث
موقعيتها الداخلية الجزئية التي تشغلها في سياق علم الاقتصاد، بل يهتم
بها من زاوية ربطها بالعقيدة الإسلامية، وترتيب موقعيتها لتكون متجانسة
مقصدياً مع القيم الإسلامية. كذلك الأمر بالنسبة للمسألة السياسية، إذ
علم الكلام يتعامل معها على خلفية مقاصدية على أساس النظر إلى مدى
تلاؤمها مع العقائد والقيم من دون الخوض في المعطيات التي تقوم عليها
السياسة بما هي علم مستقلّ وموضوعي.
خلاصة الكلام: المعرفة الكلامية المعاصرة بطبيعتها متعدّدة بنحو يجعلها
متجانسة ومتداخلة معرفياً مع سائر المعارف الأخرى، ويخوّلها امتلاك
الصلاحيات المرجعية للتدخــّل في شؤون هذه المعارف وفق رؤية وحيانية
تتـّخذ من العقائد والقيم الدينية معياراً أساسياً في عملية المحاكمة
والضبط.
غير أنّ المرجعية الكلامية مشابهة للمرجعية الفلسفية باعتبارها تمارس
التدخل والتقويم وفق نظرة خارجية متعالية، وليس من قبيل نظرة الشيء إلى
ذاته كما هو حال العلوم إزاء موضوعاتها. مع وجود فارق أنّ الوجود هو
معيار المرجعية الفلسفية في حين أن العقائد والقيم هما معيار المرجعية
الكلامية، وفي كلا الحالتين نحن أمام مرجيعة كلـّيانية موضوعية وموجّهة،
وليس مرجعية تجزيئية غالباً ما تكون موسومة بالذاتية، كما هو حال العلوم.
الكلام الجديد يهتم بالمعرفة، من جهة ضبطها وتحويلها إلى مذهب لا يتعارض
مع مقاصد الدين، ولا يتعاطى مع المعرفة من جهة كونها علماً لديه خصوصياته
وهويته.
الهوامش
ــــــ
(1) نحو فلسفة إسلامية معاصرة، مجموعة من الباحثين، المعهد العلمي للفكر
الإسلامي، القاهرة: 332.
(2) المصدر السابق: 332.
(3) مجلة التوحيد، العدد 96، الاتجاهات الجديدة في علم الكلام، عبد
الجبار الرفاعي: 2328.
(4) جعفر سبحاني، مدخل مسائل جديد در علم كلام، قم، مؤسسة إمام الصادق:
6-8.
(5) أحد قراملكي، هندسة معرفتي كلام جديد، مؤسسة فرهنگي دانش: 123-139.
(6) هندسة معرفتي كلام جديد، (م.س) : 153-156.
(7) راجع: مجلة التوحيد، العدد 96، الاتجاهات الجديدة في علم الكلام، عبد
الجبار الرفاعي: 36-37.
(8) راجع: محمد العربي بو عزيزي، محمد إقبال (فكره الديني والفلسفي)، دار
الفكر المعاصر، بيروت، 1999م.
المصدر: د.حبيب فياض/ مقاربات في فهم الدّين، مركز الحضارة لتنمية الفكر
الإسلامي، سلسلة الدراسات الحضارية، العدد: 5، بيروت، 2008م.
|
|
|