|
|
 |
الحضارية
«دراسات فلسفية» |
|
السبت:
13/09/2008
الجذور والخلفية الحضارية والتاريخية للعلمانية في الغرب(2/2)
د.عبد الوهاب
المسيري
وفيما يلي بعض الأسباب الخاصة
بالحضارة الغربية التي أدت إلى الثورة التجريدية التفكيكية، وإلى استبطان
الإنسان الغربي عملية التفكيك لما هو إنساني..
1ـ الاقتصاد الجديد(الرشيد):
يتسم النظام الإقطاعي بأنه نظام مبني على التبادل، وقد سماه البعض
«الاقتصاد الطبيعي»، لأنه اقتصاد يهدف إلى إشباع الحاجات الإنسانية
المباشرة (وتظل السلع الترفيهية هامشية). ومن ثمّ، فإن النقود تلعب فيه
دوراً هامشياً، إذ أن كل شيء يتم عن طريق المقايضة من الناحية الأساسية.
وهو نظام مبني على الوحدات الزراعية السكانية الصغيرة المتماسكة. كل هذا
يعني أن العلاقات الإنسانية تتسم بقدر عال من المباشرة، وتدور في إطار ما
يسمّى «العلاقات الإنسانية الأولية» (علاقات القرابة والدم والجـِيْرة).
وحتى علاقة النبيل الإقطاعي بالفلاحين هي علاقة مباشرة (رغم
استغلاليتها)، فهم يعيشون على الأرض نفسها، ويدخلون في علاقة شخصية،
ويتحدثون اللغة نفسها، ويؤمنون في أغلب الأحيان بدين واحد. هذا يعني، في
واقع الأمر، أن النظام الإقطاعي نظام يشجع على الرؤية الإنسانية المتعينة،
بحيث ينظر الإنسان إلى الآخر ككيان إنساني غير مجرد، كما أنه لا يرده إلى
مبدأ واحد أو وظيفة واحدة، ولا يحوسله. فالإنسان هنا ليس هو «الفلاح»
وحسب، وإنما هو أيضاً فلان ابن فلان الذي يعيش في المنطقة الفلانية.
وحينما رسم علماء الاجتماع الألمان صورة الجماينشافت (الجماعة العضوية
المترابطة)، فإنهم كانوا في واقع الأمر يستحضرون صورة مثالية للمجتمع
الإقطاعي الغربي. وما رسمناه بدورنا هو أيضاً صورة مثالية (نماذجية)،
وذلك حتى يمكننا دراسة الثورة التجريدية، أي أننا قمنا بتجريد ما نتصوره
جوهرياً في النظام الإقطاعي. وقد عُرّفت الرأسمالية الرشيدة بأنها هيمنة
رأس المال (هيمنة كاملة) على المجتمع وعلى العلاقات الإنسانية كافة،
وإحلال الوظيفة الاقتصادية والتعاقد اللاشخصي مكان القلب والروح
والعلاقات الحميمة والعوامل المعنوية الإنسانية الأخرى كافة (وليس هناك
أية ضرورة لقصر هذا التعريف على الرأسمالية الرشيدة، فهو وصف جيد لأي
اقتصاد علماني يتم ترشيده في إطار مادي). ويمكن القول بأن ما حدث في
المجتمعات الغربية هو أن الجيسيلشافت والعلاقات التعاقدية والوظيفية أخذت
تنتشر، وتراجعت الجماينشافت والعلاقات التراحمية، حتى تم «تهويد» المجتمع
بأسره (على حد قول ماركس) وتجريده وحوسلته، وساد الاقتصاد الرشيد
اللاشخصي (الموضوعي) الجديد الذي يدور في إطار المرجعية المادية. وهذه
العملية هي عملية تدريجية بدأت في القرن الرابع عشر، واكتملت حلقاتها مع
بداية القرن التاسع عشر (ولكن ظلت هناك جيوب زراعية تراحمية، كما كانت
هناك جيوب وظيفية تعاقدية داخل المجتمع الإقطاعي).
ويمكن تتبّع خطوات هذا التحول على النحو التالي:
(أ) كانت هناك داخل النظام الإقطاعي، الذي تتسم فيه العلاقات الإنسانية
بالتراحم والتعين، الجماعات الوظيفية التي كانت تمثل النقطة الاستثنائية،
وهي جماعات يتم تجريد أعضائها بحيث تـُردّ إنسانيتهم المتعينة إلى واحدية
وظيفية، وكان أعضاء الأغلبية يحوسلونهم تماماً ويرونهم لا بوصفهم أقارب
ولا جيراناً ولا حتى بشراً، وإنما بوصفهم أدوات تـُستخدَم: رأس مال
ربوياً، أو أداة لنـَقــْل البضائع من الداخل إلى الخارج والعكس. وبهذا
كان أعضاء الجماعات الوظيفية يخضعون للتجريد والتعاقدية، ويـُنظر إليهم
نظرة موضوعية محايدة خارج إطار علاقات الجيرة والدم والقرابة. ولذا، كان
أعضاء الأغلبية يقومون باستبعادهم وعزلهم، فهم يهددون إنسانيتهم المركبة
المتعينة. والجماعات الوظيفية هي الجيسيلشافت (المجتمع التعاقدي) داخل
الجماينشافت (الجماعة العضوية المتراحمة). وأهم الجماعات الوظيفية في
العالم الغربي.
(ب) ومع هذا، لوحظ في القرن الرابع عشر ـ بداية استقلال القطاع الاقتصادي
عن المجتمع التقليدي وانفصاله عن الاقتصاد التبادلي، وبداية الاقتصاد
السلعي والنقدي ـ أنه بدأ ينتشر الاقتصاد العائلي والصناعات المرتبطة به.
وهنا بدأ بعض الفلاحين يزرعون المحاصيل بهدف الربح، وبدأ الاهتمام برعي
الأغنام لتوريد الوَبَر اللازم لمصانع الصوف، وتزايد الطلب على المواد
الخام للصناعات الجديدة، وتركزت الصناعات في منطقة واحدة، وزاد التخصص في
سلعة واحدة. وقد اتسم الاقتصاد السلعي بأن الإنتاج فيه يتم من أجل الربح
(المجرد) وعلى حساب إشباع الرغبات الإنسانية (المتعينة)، وبأن السلع يتم
إنتاجها لقيمتها المالية المجردة (سعرها) لتسويقها من أجل الحصول على
الربح، لا لمبادلتها نظير سلع أو خدمات أخرى.
(جـ) بدأ الاقتصاد الجديد يتملص من نفوذ الكنيسة، وبدأت تنحسر تلك
الأفكار المسيحية ذات الغائية الدينية والإنسانية، مثل: الثمن العادل
(الذي يرفض آليات السوق المادية كمعيار نهائي)، والمحبة (التي تفرض قيماً
أخلاقية على آليات السوق والمادة)، وتحريم الربا (باعتباره عنصراً من
عناصر الاستغلال وتطبيق القوانين المادية المجردة على العلاقات
الإنسانية). ولكن الأهم من هذا أن الاقتصاد انسلخ أيضاً عن أية غائية
إنسانية حتى أصبح قطاعاً مستقلاً إلى حدّ كبير، يتحرك حسب قيمه المادية
الكامنة فيه وحسب قوانين حركته الموجودة داخله، وتـُطبّق عليه القوانين
الطبيعية المادية المنفصلة عن كل القيم، وعن الغاية الإلهية، وعن القصد
الإنساني.
(د) اتسع نطاق الاقتصاد النقدي بسبب ظهور السوق، ونتيجة ظهور الاقتصاد
السلعي والحاجة إلى دفع أجور العمال وشراء المواد الخام. وقد تزايد الطلب
على النقود اللازمة، واكتـُشفت المعادن النفيسة في وسط أوربا، كما تم
نهبها من أمريكا الجنوبية لتوفير العملة اللازمة للتبادل. وقد أدّى كل
هذا إلى ظهور رأس المال المجرد (ثروة غير مستخدمة إلا لتوليد المزيد من
الثروة). ومن يملك رأس المال كان عليه إما أن يستثمره أو يقرضه.. الأمر
الذي كان يعني توسيع نطاق حجم الاقتصاد المبني على النقود. وقد اتسع نفوذ
المصارف وتزايد حجمها، كما تآكل الاقتصاد الزراعي الطبيعي. والاقتصاد
المبني على النقود اقتصاد مجرد، فالنقود أكثر الأمور تجريداً، ولي ليست
سلعة ولا خدمة، وإنما «علامة» تشير إلى قيمة مجردة.
(هـ) إذا كانت النقود دالاً يشير إلى مدلول غامض (خدمات ـ سلع)، فهي تصبح
بعد فترة دالاً بدون مدلول أو هدف (وفي هذا قمة التجريد) حينما يدخل
الاقتصاد الجديد مرحلة التراكم، باعتباره الغاية النهائية لوجود الإنسان
(الفرد والمجتمع)، ويصبح الإنسان جزءاً من عملية مادية لا يحكمها تماماً
هي نفسـَها الغاية والوسيلة.. عملية تتحرك دون هدف واضح.
2 ـ حركة الاكتشافات الجغرافية:
ظهرت الحركة المسماة حركة الاكتشافات الجغرافية بعد أن أدخلتْ تحسينات
تكنولوجية في مجال الملاحة وشق الطرق.. وهذه المرحلة هي المرحلة الأولى
لحركة الاستعمار الاستيطاني الغربي الذي بدأ في غزو العالم وإخضاعه
للهيمنة الغربية، واحتلت جيوش الإنسان الغربي معظم الأمريكتين، ووصلت إلى
أطراف أفريقيا وآسيا، ملتفة حول الدولة العثمانية القوية الشامخة. وقامت
هذه الجيوش بنهب العالم وإبادة بعض سكانه والاستيلاء على موارده
الطبيعية. وقد ساهم هذا في الثورة التجريدية على مستويين:
(أ) فقد حققت الدول القومية العلمانية (في الغرب) قدراً عالياً من
التراكم الرأسمالي، وهو ما دعم التراكم كمثل أعلى (التجريد).
(ب) كما ساهم النهب الاستعماري في زيادة ثقة الإنسان الغربي في نفسه، وفي
رؤية لنفسه لا كإنسان وإنما كإرادة قوة لغزو العالم ونهبه وإخضاعه
والتحكم فيه. وقد ساهم هذا بلا شك في خلخلة قبضة الأخلاقيات الإنسانية،
وتفكيك الإنسان ككائن أخلاقي مركب.
(جـ) ساهمت حركة الاكتشافات في توسيع آفاق الإنسان الغربي وظهور تعددية
في الرؤية، مما ولـّد لديه إحساساً بنسبية الواقع، الأمر الذي كان من
شأنه خلخلة دعائم الإيمان الديني. وما يهمنا هنا هو أن النسبية تجعل
العقل قادراً على تجاوز المعطيات المتعينة التي يشاهدها ويشعر بها ليصل
إلى مستوى تجريدي أعلى. وحينما يصبح الإنسان نسبياً، تتساوى في عقله كل
الأمور، ويصبح أكثر قدرة على تجريد الآخر وتجريد ذاته، إذ أنه يمكن إحلال
أي شيء محل أي شيء آخر (عقلية الترانسفير). وفي نهاية الأمر، تؤدي
النسبية إلى أن يعجز الإنسان عن التمييز بين الظاهرة الإنسانية والظاهرة
الطبيعية.
3ـ الإنتاج والتراكم كهدف:
وهكذا أصبحت العلاقات الإنتاجية علاقات مادية مجردة، مستقلة عن الغاية
الإنسانية، وأصبح إنتاج السلع هو الهدف، وأصبح تراكم السلع هو الهدف
النهائي..
(أ) وهنا، ظهرت السوق (وظهر المصنع) كأكثر الأشياء تجريداً. فالسوق أو
المصنع ليسا مكاناً متعيناً، وإنما آلة رتيبة ضخمة لا شخصية، تحركها
آليات العرض والطلب اللاإنسانية. إنها تـُشبه ساعة نيوتن الرتيبة، ولا
يتعامل البشر إلا من خلالها. أي أن السوق (الآلية المجردة) أصبحت آلية
الاتصال الإنسانية الأساسية. والمجتمع ـ شأنه شأن الاقتصاد، وشأنه شأن
السوق ـ يـُشبه الطبيعة/المادة ويتحرك آلياً من الداخل (مثل ساعة نيوتن
أيضاً) دون الالتفات إلى أي شيء خارجَه، ويتبع القوانين المادة الآلية
الرياضية الدقيقة الخفية. و«اليد الخفية»، التي أشار إليها آدم سميث، هي
في واقع الأمر تعبير مجازي عن عملية التجريد الهائلة التي ترد الواقع
المتعين إلى الطبيعة المادية الآلية، التي تتحرك مدفوعة من داخلها بقوة
ذاتية، غير مكترثة بالإنسان أو بأية مواقف أو بأية غائيات إنسانية متعينة.
(ب) وتميل الأدبيات الغربية إلى الحديث عن السوق باعتبارها الصورة
المجازية الأساسية للمجتمع الحديث.ولكننا نميل إلى إضافة المصنع أيضاً
باعتباره الصورة المجازية المكملة (لذا، فنحن نتحدث دائماً عن
السوق/المصنع ـ وهذا تجلّ لثنائية المنفعة واللذة، أو الانتاج
والاستهلاك). فالمصنع (وهو النموذج الكامن وراء عمليات التجريد والترشيد)
لا يمكن أن يدار إلا بطريقة آلية. ويمكن القول بأن «خط التجميع» لم يكن
مجرد شكل من أشكال الإدارة الصناعية، وإنما صورة مجازية شاملة لحالة
المصنع، تشكل بدورها الصورة المجازية الأساسية للرؤية الحديثة للكون
وللمرجعية النهائية المادية.
(جـ) والعامل الذي يعمل في المصنع لا يمكن التعامل معه إلا باعتباره وحدة
إنتاجية تنتج عدداً من ساعات العمل. أما الاعتبارات المتعينة، مثل دينه
وأخلاقه وجنسه وجنسيته بل وعمره ـ فهذه مسائل لا تهم بتاتاً. ومن هنا،
فإن الثورة الصناعية كانت في البداية تقذف الأطفال (كطاقة عضلية) أمام
الآلات ليعملوا ساعات طوالاً. والمصنع هو البيئة النموذجية التي يتم فيها
تجريد الإنسان بحيث يتحول إلى مادة استعمالية عامة، لا خصوصية لها ولا
قداسة، ويمكن التحكـّم فيها.
(د) وقد تم الحصول على المادة البشرية اللازمة للمصانع من العناصر
الريفية التي أتت إلى المدينة من القرية باحثة عن الرزق وحسب، وهي عملية
بدأت ببطء من خلال هرب الأقنان من القرية إلى المدينة، ثم تصاعدت من خلال
هجرات ضخمة من القرى ومن البلاد الخارجية. هذه العناصر البشرية تم
اقتلاعها بعنف من جذورها وتراثها ومعجمها الحضاري، لتفقد أية خصوصية أو
تركيبية، وتتحول إلى بروليتاريا صناعية تتكون من اجراء أحرار يبيعون
قوّتهم الإنتاجية (العضلية) بحرية كاملة في السوق (دون أية ضمانات)،
ويخضعون تماماً لآلياته، ويدخلون في علاقات تعاقدية محايدة غير شخصية،
باردة رشيدة محسوبة في إطار المرجعية الواحدية المادية الصارمة.
4ـ تجزئ عملية الإنتاج:
من أهم العوامل التي ساهمت في الثورة التجريدية التفكيكية تقسيم العمل.
فلم يعد الإنسان يصنع شيئاً كاملاً متكاملاً، وإنما جزاءاً من شيء ثم
جراءاً من جزء، وهذا الجزء من الجزء هو قطعة نمطية ليست لها شخصية
محدّدة. ومع تطوّر الصناعات، أدّى تقسيم العمل إلى إنعدام إحساس الصانع
بالهدف الإنساني مما يصنعه. فالعامل الذي يقضي سحابة يومه يؤدي الحركة
البدنية نفسها أمام خط التجميع، ويساهم في صنع رأس دبوس أو جزء صغير من
بطارية ـ لا يمكنه أن يشعر في عمله هذا بأي نبل أو إنسانية، فهو سيتحول
بعد قليل إلى جزء من جزء.
وقد أدّى هذا إلى ضمور الحس الخـُلقي تماماً، وإلى هيمنة المرجعية
المادية. ولنضرب مثلاً بصناعة الأسلحة الميكروبية التي صـُمّمت لإبادة
البشر.. إنها صناعة يشترك فيها عدد من العلماء يصممون التجارب العلمية
ويأخذها آخرون لتطويرها. ثم يقوم شخص بصناعة مركب كيمائي منها، وآخر
بإضافة عنصر آخر، وثالث بتعليبها.. وهكذا. لكنهم جميعاً بعيدون عن عملية
الإبادة النهائية.. أي أن الجميع لم يشعروا أنهم مسئولون عن فعل الإبادة
رغم اشتراكهم الفعلي فيه.
5ـ الهجرة إلى المدن:
مع ازدياد حجم التجارة الدولية والصناعات المحلية، تزايد نفوذ المدن
وجذبت عناصر كثيرة من السكان.. وترتبت على ذلك عدة تطورات..
(أ) فقد شجع هذا كثيراً من الأقنان على الهروب من القرية إلى المدينة.
وأدّى ازدياد حجم التجارة إلى زيادة ثمن الحاصلات الزراعية، الأمر الذي
حفــّز الكثيرين من كبار الملاك الإقطاعيين وصغارهم على إصلاح الأراضي
البُور للحصول على غـَلـّتها. واضطر كثير من الإقطاعيين إلى منح الأقنان
حريتهم نظير القيام بالعمل المطلوب منهم. وتزامنت هذه العملية مع الموت
الأسود (مرض الطاعون) الذي اجتاح أوربا وأهلك ثلث سكانها مع نهاية العصور
الوسطى، وبالتالي ازدادت الأيدي العاملة نـَدْرة، وازدادت المدن قوة،
وازدادت القرية ضعفاً مع زيادة عدد الأقنان المحررين.
(ب) كانت المدن في بداية الأمر مدناً صغيرة تحكمها مجالس إدارية صغيرة
ولها ميليشيات مستقلة. وقد تمت مراكمة هذه المادة البشرية الضخمة، التي
اقتلعت من القرية ومن أوطانها، في المدن التي أنشئت بسرعة أو في أحياء
جديدة ملحقة بالمدن القديمة. وتـُعد ظاهرة ازدياد عدد المدن واتساعها
وتركـّز السكان فيها من أهم الظواهر المصاحبة للثورة الصناعية (كسبب
ونتيجة في آن واحد). وهي أيضاً من أهم أسباب العلمنة وأهم المؤشرات
عليها. وكانت هذه المدن والأحياء الجديدة تفتقر إلى أبسط الخدمات الصحية،
وإلى الشخصية المعمارية المتميزة، أو أي شكل من أشكال الخصوصية.. فالهدف
منها كان وظيفياً نفعياً مجرداً.
(جـ) وقد نجم عن مراكمة هذه الأعداد الضخمة من المادة البشرية، في هذه
المدن النفعية، انفصالـُها ـ بتوالي الزمان ـ عن الدورات الطبيعية
والكونية ودورات الزمن. فساكن المدينة الحديثة يعيش في منزل مـُكيّفٌ
يسير على طريق أسفلتي، ويقيس الزمن بآلة ميكانيكية.. أي أنه يعيش في بيئة
صناعية (من صنعه) تعطيه احساساً بالتحكـّم الكامل في الطبيعة التي هزمها،
وفي المدينة التي صنعها. وكل هذا يخلق عند الإنسان إحساساً بالاستقلال
عما وراء الطبيعة، وإحساساً بإمكانية تجاهله إياها. ولكن الحياة في
المدينة تولـّد إحساساً معاكساً تماماً، هو الإحساس بفقدان الذات، إذ إن
الإنسان يعيش في بيئة عامة تدار بشكل هندسي لا يملك من أمره شيئاً.
والإحساس بالتحكم الكامل، وبفقدان التحكم في آن واحد، من أهم مظاهر
العلمنة.
6ـ استقلال القطاع السياسي عن المرجعية الدينية:
استقل القطاع السياسي، شأنه في ذلك شأن القطاع الاقتصادي، عن المرجعية
المتجاوزة (دينية أم إنسانية)، وبدأت تظهر الفلسفات السياسية الدنيوية
التي تؤكد الدولة باعتبارها المطلق الأوحد الذي يتجاوز البشر. وهذه
الدولة كانت عادة دولة مركزية قادرة على أن تطرح مصلحتها بوصفها مصلحة
الجميع، وأن على الجميع أن يتجردوا من هوياتهم وغاياتهم لخدمتها. وهي
دولة قادرة على الوصول إلى الأفراد للقيام بعملية التجريد هذه إن لم
يقوموا هم بها. وقد قامت الدولة بإزالة الجيوب الإثنية واللغوية والدينية
المختلفة التي تتعارض وعملية التوحيد القومية (التجريدية)، وخلقت رقعة
الحياة العامة (المجردة) في مقابل رقعة الحياة الخاصة (المتعينة).
والدولة المركزية تفضل التعامل مع الوحدات الكبيرة المـُكوّنة من وحدات
صغيرة نمطية، لا تكترث بالخصوصية أو التعين، وتتبع مقاييس أو معايير
مركزية مستقلة حتى يَسهُل التعامل معها. فالدولة القومية المطلقة
(العلمانية) أهم آليات التجريد.
7ـ الإصلاح الديني البروتستانتي:
وإلى جانب المجال الاقتصادي والسياسي، يوجد المجال الديني:
(أ) فقد شكل الإصلاح الديني البروتستانتي أول خطورة نحو علمنة رؤية
الإنسان الغربي، إذ أنه قضى على أهم المؤسسات الوسيطة (الكنيسة). وقد
ساهم كل هذا في ظهور الإنسان الفرد المتمركز حول ذاته، والذي يحوي داخله
قوانين ذاته، فهو مرجعية ذاته، ويفسر الكتاب المقدّس بنفسه، ويرتكب
الخطيئة ويأتي لنفسه بالخلاص. وقد أدّى هذا إلى زيادة النسبية الأخلاقية.
وأصبح الإيمان الديني (النجاح الديني) يأخذ شكل هزيمة الدنيا وغزوها.
وأصبحت مراكمة الثروة أهم مؤشرات الإيمان الديني والرضا الإلهي، وهي
عملية تتم من خلال التقشف، وإنكار الذات تماماً وقمعها لصالح عملية
الخلاص والتأكد منها، فيما يسمّى الزهد داخل الدنيا.
(ب) كما ساهم الإصلاح الدينية في الثورة التجريدية من خلال مفهوم الإله
عند كالفن، فهو إله لا يمكن سبر غور.. إلهٌ خفيٌ لا تـُفهَم سـُبُله.
وعلى المؤمن (مع هذا) قبول هذا الإله الذي لا يختلف كثيراً عن يد آدم
سميث الخفية، أو آليات السوق التي تتجاوز الإنسان أو القوة الدافعة
للمادة الكامنة فيها، فهو: المجرد اللاإنساني ـ الطبيعة/المادة (بعد أن
تألهت).
وهذه العناصر، في الرؤية البروتستانتية، ساهمت ولاشك في بناء الشخصية
المتوجهة نحو الآخر (بالإنجليزية: أذردايركتد other-directed)، وهي شخصية
قادرة على التكيف مع الواقع، تبحث عن الاتجاه من خلال الآخرين، ولا تتحرك
إلا بعد أن تحصل على موافقتهم (السبمان: دون الإنسان). كما أنها ساهمت
أيضاً في ظهور الشخصية المتألهة (السوبرمان: الإنسان الأعلى). وكلتاهما
شخصية مجردة، لاعلاقة لها بالإنسان المركـّب المتعيّن.
8ـ الثور العلمية والرياضية:
ويكننا الآن أن نتناول المجال الثقافي. حيث ساهمت الثورة العلمية
والرياضية مساهمة فاعلة في تـَراجُع الرؤية المباشرة المتعينة لصالح
الرؤية غير المباشرة، وفي تراجع الاهتمام بالعيني لصالح الرؤية
التجريدية. ويرجع هذا للأسباب التالية:
(أ) تحرّرت العلوم الطبيعية في الغرب من الأخلاق المسيحية، ومن الغائيات
والمطلقات الإنسانية، ومن أية مرجعية متجاوزة تؤكد الهدف والغرض والمضمون
المتجاوز للمادة. وأصبحت العلوم محايدة منفصلة عن أية قيم، تنظر للعالم
من خلال النموذج المادي الرياضي العلمي باعتباره مادة صماءً خالية من أي
معنى داخلي، وباعتباره آلة دقيقة تتبع قوانين صارمة لا علاقة لها
بالأخلاق أو القيم، وبوصفه كماً خاضعاً للقياس والرصد الخارجي. وقد أدّى
هذا إلى تطوّر العلوم الطبيعية بشكل لم يشهده الإنسان من قبل، فأصبح
العالم الخارجي أكثر خضوعاً للقيام بعد إنجازات جاليليو وكبلر ونيوتن،
وبعد اكتشاف الميكروسكوب والتليسكوب، وبعد التطوّرات التي أحزرت في علم
الرياضيات وفي علم الميكانيكا على وجه الخصوص.
(ب) العلوم الطبيعية لا تولي الأرضَ مكانة خاصة، وتنزع المركزية عن
الإنسان. ويظهر هذا بشكل واضح في نظريات كوبرنيكوس الذي أكد أن الأرض
ليست مركز المجموعة الشمسية، فهي تدور حول الشمس وليس كما كان يتصور
الإنسان. وأكدت قوانين جاليليو هذه الحقيقة. ثم جاءت نظريات نيوتن
لتـُخضع هذا العلم لقوانين آلية.
(جـ) وكانت «الساعة» من أهم الاكتشافات العلمية التي شاع استعمالها،
والتي حوّلت الزمن الذي كان يـُقاس بطريقة متعينة (قبل الغروب ـ بعد
العشاء) إلى كمّ مقسّم ووحدات صغيرة مثل الثانية (ونصف الثانية، ثم جزء
من مليون من الثانية، ثم «الفيمتو ثانية») هي وحدات مجردة تماماً.
(د) بدأت سرعة الأدلة والإنتاج تقاس بهذا المقياس المادي المجرد. وبدلاً
من الآلة في يد الحِرَفي التي كانت تتبع إيقاعات نبضه وضربات قلبه، أصبح
هو الذي يتبع إيقاعاتها الرتيبة المتسارعة.
(هـ) ومما ساعد على تزايد النزوع نحو التجريد انتشار المطبعة التي ساعدت
على ذيوع الكتابة على حساب التراث الشفهي. والنصوص المكتوبة أكثر وعياً
وتنظيماً، ومن ثمّ أكثر ابتعاداً عن الواقع المتعين، ويمكن أن يصل الكاتب
من خلالها إلى مستويات من الاتساق الداخلي الهندسي ومن التجريد أعلى
بكثير من النصوص الشفهية، بحيث يمكن أن يتحرك العقل داخل بـُنى هندسية
مجردة لا يربطها رابط بالوجود الإنساني. كما سهمت المطبعة في سرعة وصول
الأفكار إلى قطاع كبير من الناس في وقت قصير نسبياً. وقد صاحب كل هذا
تراجع الثقافة الشفهية الجماعية والارتجال، الذي لا يتسم بالاتساق
الهندسي الصارم، ويعبّر عن الواقع المتفرد بشكل مباشر.
9ـ الثورة في العلوم الإنسانية:
وقد حدثت ثورة في العلوم الإنسانية ساهمت في الثورة التجريدية التفكيكية،
فظهرت في بداية الأمر النزعة الإنسانية التي تؤكد أهمية العقل المطلق
(على حساب العاطفة والحدس)، كما تؤكد مقدرته على التوصل إلى القوانين
المجردة الكامنة في الطبيعة من خلال الحواس. وقد أدّى هذا إلى ظهور
الإيمان بالتجريب العلمي الذي يسيطر عليه العقل. وفي الوقت نفسه ظهر
المفهوم المادي للعقل باعتباره صفحة بيضاء تتراكم عليه المعطيات الحسية،
التي تترابط من تلقاء نفسها وبشكل آلي لتنتج الأفكار المركبة المجردة. أي
أن العقل لم يعد ذلك الشيء الفعّال الذي يسيطر على التجريب بدوره.
وبالتدريج انفصل التجريب عن العقل إلى أن تحرر منه تماماً، وأصبح التجريب
نهاية في حد ذاته تتجاوز العقل الإنساني.
ثم حدث تحوّل خطير في تاريخ الإنسانية إذ ظهرت وحدة العلوم، التي تفترض
أن ما يسري على الظواهر الطبيعية يسري على الإنسان أيضاً. ومن ثمّ فإن
الاكتشافات في علوم الطبيعة، لابد أن تـُطبـّـق على العلوم الإنسانية.
وقد تبلور هذا التقليد مع نظريات نيوتن في الحركة الآلية. وبهذا، خضع
الإنسان نفسه للتجريب والتفكيك المادي. واستمر التطور.. وظهر دراوين،
الذي أكد أن عالم الحيوان غابة يسودها الصراع، فتم نقل هذه الرؤية من
عالم الحيوان إلى عالم الإنسان. وكل هذا يعني تـَصاعُد معدلات التجريب
والتفكيك، إذ أن الإنسان يفقد مكانة في الكون وتختفي حدوده التي يكتسب من
خلالها تـَعيّنـَه وتفرّدَه، وينظر إليه بوصفه مجرد شيء بين الأشياء،
وظاهرة طبيعية ضمن الظواهر الطبيعية الأخرى (أي أن الإنسان صاحبَ الإرادة
والمقدرة على الاختيار يختفي، ليظهر بدلاً منه الإنسان الطبيعي). ومع
فرويد يتم إسقاط الباطن الإنساني وفكرة الضمير، ليحي محلـّهما لا وعيٌ
مظلم حيواني، وبدلاً من حرية الإرادة تظهر الحتمية واللامسئولية. ومع
نظرية أينشتاين في النسبية تماوج العالم تماماً، وتداخل الزمان والمكان.
لقد خلقت كل هذه العوامل سياقاً حضارياً تجريدياً تفكيكياً، جعل بوسع
الإنسان أن يستوعب المجردات الخالية من أي مضمون أخلاقي أو إنساني، وأن
يستجيب لها بحماس بالغ، وأنه يفكك ذاته ويعيد تركيبه في هديها، وأن يسلك
بحسب ما تمليه هذه المجردات. ومعنى هذا أن الإنسان الرشيد
الطبيعي/المادي، الذي يتحرك في إطار المرجعية والواحدية المادية ـ قد
ظهر.. إنساناً يبني ويهدم بكفاءة بالغة دون أن يسأل عن الهدف من البناء
أو الهدم، فهو إنسان يذعن تماماً للواحدية المادية واستلاب الذات. والعقل
الأداتي أهم تعبير عن النزعة نحو التجريد.
المصدر: عبد الوهاب المسيري، العلمانية
الجزئية و العلمانية الشاملة، المجلد الأول، دار الشروق، القاهرة.
|
|
|