|
|
 |
الحضارية
«دراسات فلسفية» |
|
السبت: 28/07/2007
محنة الحداثة
الدكتور
عبد الإله بلقزيز(*)
شَهد خطابُ الحداثة نكستين ثقافيتين في القرن
العشرين وضعتاه في حالٍ من التراجع والضّمور والدفاع السـّلبي. تعود الأولى إلى
عشرينيات ذلك القرن، بينما تعود الثانية إلى ستينياته. ارتبطت النكسة الأولى
بانهيار الإمبراطورية العثمانية وسقوط الخلافة وما رافقهما من ردّةٍ رجعية ومن
ميلادٍ لحركات الإحيائية الإسلامية؛ وارتبطت الثانية بانهيار المشروع السياسي
القومي والمشروع الثقافي التحرّري الملازم له وبصعود حركة «الصحوة الإسلامية»
المعاصرة وتجدّد الخطاب الأصالي:
1. نكسة ثقافية أولى لفكرة الحداثة
حملت فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى جملة من التحولات السياسية والتاريخية
الكبرى ألقت بتأثيراتها على حركة إنتاج الأفكار في المنطقة العربية: إيقاعاً
واتجاهاً، وكيّفت وجهة التعبير عن تلك الأفكار لدى النخب الثقافية العربية على نحو
أضعف مواقع ثقافية وعرّضها للانكشاف وعزّز أخرى صبّت نتائج تلك التحولات في رصيدها.
لسنا ـ هنا ـ بصدد التاريخ للأحداث السياسية الكبرى في ذلك الإبان، ولكن يهمنا أن
نطالع منها ما كان له صلة بما حصل من نكسة ثقافية لفكرة الحداثة والتقدّم في عقد
العشرينيات من القرن العشرين.
أتت نتائج الحرب العالمية الأولى تـُحدث انقلابين سياسيين كبيرين في مجرى التطور
العربي المعاصر: أنهت حلم الاستقلال العربي في المشرق بدولة قومية حديثة بشـّرت بها
التيارات القومية منذ العام 1913م وأوحت بها «الثورة العربية» في العام 1916م؛ ثم
أطلقت ميلاد تركيا الحديثة على أنقاض الخلافة العثمانية. وفي الحالين، كانت
الولايات العربية للدولة العثمانية تسقط تحت سنابك خيول الغزاة الاستعماريين الذين
تواطأوا على «استقلالها» في عقد مكتوب كشفت عنه الثورة البلشفية في روسيا بعد
نجاحها، هو «معاهدة سايكس
ـ بيكو». ومثلما بدت أوروبا الغازية، عند قسم من النخب
العربية، تخون رسالتها الحضارية التنويرية: رسالة الأنوار والعقل والحرية والتقدّم،
لتتحول إلى استعمار بغيض، بدا ميلاد تركيا الحديثة، لدى قسم آخر من النخب العربية،
وكأنه يهدّد بنقل جرثومة العلمانية إلى سائر بلاد العرب والمسلمين.
يتصل هذان التحولان شديد اتصال بما سيطرأ من تغييرات ثقافية أنتجت تلك التي أدعوها
بالنكسة الأولى لفكرة الحداثة. إذ ولدت فكرة الحداثة الثقافية عند العرب من صراع
الحديث مع القديم ومن استلهام المثال العقلاني والتنويري الأوروبي. وكان الصراع مع
الدولة العثمانية وجهاً من وجوه ذلك الصراع مع القديم
ـ ومع القرون الوسطى
ـ من
أجل بناء الدولة الوطنية الحديثة: دولة العقل والعدل والحرية، المستلهم مثالها من
النموذج الأوروبي. ومن البديهي أن يأتي إجهاض حلم الاستقلال وسقول المثال الأوروبي
أجهاضاً لفكرة الحداثة. ولقد وجدت النخب المتمسكة بفكرة الأصالة في إلغاء الخلافة
وقيام تركيا الحديثة مبرّراً جديداً للهجوم على فكرة الحداثة وشرعيتها. وفي الحالين،
وقع إضعاف النخب الحاملة لفكرة التقدّم وللمشروع التحديثي.
أطلقت تلك النتائج أربع ظواهر ثقافية
ـ متعاقبة ومتزامنة
ـ صبّت معطياتها جميعاً
في لجم اندفاعة خطاب المعاصرة والتقدّم: وريث الخطاب النهضوي للقرن التاسع عشر، وفي
التمكين لخطاب الأصالة والهوية: صعوداً واستواءً وذيوعاً وسلطاناً، بعد عقود من
الهامشية فرضها عليها فـُشوّ خطاب النهضة والتقدم في المجال الثقافي العربي.
تمثلت الظاهرة الأولى في التراجع الدراماتيكي لفكرة النهضة لدى مثقفين نهضويين كانو
في جملة ممثليها الكبار في العقدين الأوّلين من القرن العشرين، والانسحاب المثير
إلى فكرة الأصالة في أشدّ صورها انكفاء! تلك
ـ مثلاً ـ حال السيد محمد رشيد رضا (تلميذ
محمد عبده) الذي تراجع، في مطالع القرن العشرين، عن فكرة الدولة الوطنية الحديثة
التي صاغها أسلافه ومجايلوه النهضويون (الطهطاوي، التونسي، محمد عبده، الكواكبي،
أحمد لطفي السيد)، وانفكأ إلى فكرة الخلاقة مستعيداً أدبيات السياسة الشرعية لدى
الماوردي وابن تيمية والقرافي. الخ. وتمثلت الظاهرة الثانية في انطلاق حملة من
القمع الفكري أشبه ما تكون بمحاكم التفتيش في القرون الوسطى في منتصف عشرينيات
القرن الماضي بمناسبة صدور كتاب: في الشعر الجاهلي لطه حسين وكتاب: الإسلام وأصول
الحكم لعلي عبدالرازق. أما الظاهرة الثالثة، فتمثلت في العودة الكثيفة إلى الماضي
واستعادة خطاب الأصول، وكانت صورتها الأكثر جلاءً ميلاد فكرة الهوية (= الإسلامية)
في نصوص الشيخ حسن البنا والأزهريين التقليديين (= وقد مهّد لها محمد رشيد رضا
بأطروحاته الجديدة)، واتساع نطاق نفوذ «فكر» جماعة «الإخوان المسلمين» منذ قيامها
في العام 1928م، وخاصة منذ توسعها السياسي والتنظيمي في ثلاثينيات القرن الماضي. ثم
أتت الظاهرة الرابعة في شكل «توبة» ثقافية عن خطاب الحداثة من قبل مثقفين كانو
ـ على تفاوت بينهم
ـ في عداد أقلامها. وذلك ما حصل لطه حسين وعباس محمود العقاد
وخالد محمد خالد وآخرين غيرهم في سنوات الثلاثينيات وما تلاها.
حصلت هذه النكسة الثقافية لفكرة الحداثة على نحو خاص في المصر، أما في سورية ولبنان
وـ إلى حد ما- تونس والمغرب، فاستمرت تطل بدرجات من الجرأة مختلفة كانت في المشرق
أعلى مما هي عليه في المغرب. والأدعى إلى الانتباه أن هذه النكسة الثقافية للحداثة
ولدت من رحم حقبة الحداثة السياسية في مصر وسورية: حيث الحياة الدستورية والنيابية
والحريات العامة في عنفوانها. ولم تستعد الفكرة الحداثية عافيتها إلا في سنوات
الخمسينيات والستينيات، أي في حقبة الثورة، فبدت لفترة وكأنها حشرت فكرة الأصالة في
الوعي العربي في الزاوية الضيقة.
2. نكسة ثقافية ثانية
منذ مطالع عقد الخمسينيات من القرن العشرين، انتقل الوعي العربي من اشكالية النهضة
إلى إشكالية الثورة. في السياسة شهدنا ثورة جديدة بصعود النخب القومية إلى السلطة.
وفي الاقتصاد شهدنا ثورة بالانتقال إلى سياسة التخطيط المركزي والتأميمات والقرارات
«الاشتراكية». وفي الفكر السياسي شهدنا سلطان الفكر القومي والفكر الاشتراكي. وفي
الأدب شهدنا ثورة «الشعر الحر» منذ نازك الملائكة إلى أدونيس ومحمود درويش مروراً
ببدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي. وفي الرواية شهدنا ثورة التعبير الروائي منذ
ثلاثية نجيب محفوظ و (أولاد حارتنا) إلى شعرية جبرا إبراهيم جبرا وسردية حنـّا مينه
وعبد الرحمن منيف الحادة. وفي السينما شهدنا ثورة الواقعية التعبيرية في أعمال يوسف
شاهين وصلاح أبو سيف. وفي الموسيقا تفجرت ثورة الحداثة في الكتابة والتوزيع
الأوركسترالي وفي التعبيرالغنائي مع الأخوين رحباني والسيدة فيروز، واستعيد تراث
المسرح الغنائي عند سيد درويش في المسرح الغنائي الرحباني. وفي النقد الأدبي ازدهرت
الواقعية النقدية في كتابات عبد القادر القطّ و غالي شكري ورجاء النقـّاش ومحيي
الدين صبحي وعلي الراعي وازدهرت مدرسة تحقيق النص الأدبي التراثي مع إحسان عباس.
وفي الفلسفة شهدنا عنفوان الوضعية المنطقية مع زكي نجيب محمود، والوجودية مع عبد
الرحمن بدوري، والشخصانية مع محمد عزيز الحبابي، والتاريخية أو (التأريخانية) مع
عبد الله العروي. وفي الفكر التاريخي شهدنا ميلاد المدارس الكبرى مع عبد العزيز
الدوري وأحمد صالح العلي ومحمد المنوني وجواد علي وشاكر مصطفى وعبد الله العروي.
وشهدنا مثالاتٍ لذلك في ميادينَ من الفكر أخرى قام بها دليلٌ على ظفر فكر الحداثة
في المنافسة الثقافية.
من نافل القول إن صعود المشروع الثقافي العربي الحداثي في صيغته الجديدة التحرّرية،
في سنوات الخمسينيات والستينيات، إنما أتى مترافقاً مع صعود المشروع الوطني والقومي
التحرّري بعناوينه الأربعة الكبرى البارزة: الثورة المصرية، الحركة الوطنية
الاستقلالية في الوطن العربي، الثورة الجزائرية، والثورة الفلسطينية المعاصرة.
يمكن المرء أن يضيف إلى المشهد سياقاًَ دولياً مثـّله صعود النزعة الاستقلالية في
بلدان «العالم الثالث» - أتت تعبـّر عنها حركات التحرر الوطني في أفريقيا وآسيا
وحركة عدم الانحياز- ثم قيام الثورة الثقافية الصينية، واندلاع انتقاضة أيار / مايو
1968م في فرنسا وأوروبا، وحركة المرأة والشبيبة والثورة الجنسية في الغرب، والثورة
الكوبية والفيتنامية، والغيفارية والماوية والتروتسكية، ثم الثورة الفكرية والأدبية
والفنية في الغرب الستيني. لكن هذه الصلة التلازمية بين المشروع الثقافي والمشروع
السياسي التقدّمي ستتحوّل إلى نقيضها سريعاً منذ مطالع السبعينات وما قبلها بقليل.
ثمة محطات سياسية مفصلية حديثة هيأت
ـ في السنوات الأربعين الماضية
ـ أطراً عامة
ومناخات موضوعية لتراجع المشروع الثقافي الحديث القائم على فكرتي التقدّم والثورة.
هزيمة حرب العام 1967م وانكسار المشروع القومي التحرري، وهزيمة الثورة الفلسطينية
في الأردن في العام 1970م، ونجاح الثورة المضادة في مصر السبعينيات، وهزيمة المشروع
الديمقراطي في لبنان في الحرب الأهلية، ونجاح النخب الحاكمة العربية في إساء نظم
تسلطية قمعية تكبح الحريات وتمنع الرأي الحرّ وتصادر الحريات والمنابر، ثم سقوط
فكرة الثورة في الغرب وتحوّلها إلى «إرهاب ثوري»(1).. كانت بعضاً من تلك المحطات
والعناوين السياسية التي آذنت بانتقالٍ دراماتيكي في السياسة إلى حقبة جزرٍ
وانحسار.
تساوق مع هذا الجزر السياسي
ـ العربي والكوني
ـ جزر ثقافي عالمي منذ مطالع عقد
السبعينيات من القرن الماضي: آلت الماركسية
ـ في طبيعتها المُسَفـْيتة
ـ إلى
انحطاط تعرّض لنقد حاد من هربرت ماركيوز، وروجيه غارودي، وكورنيليوس كاستورياديس؛
وتحوّلت «الثورة الثقافية» الصينية إلى ثورة مضادة بعد مرحلة انتقالية قمعية؛
وتصالحت الماركسية مع الليبرالية في أدبيات «الشيوعية الأوروربية» (Euro
communisme) وأقلامها الثقافية؛ وانتهت البنيوية في النقد الأدبي (لوسيان غولدمان)،
وفي التربية (جان بياجيه)، وفي الفلسفة وقراءة النص الماركسي (ألتوسير)، وفي علم
الاجتماع (بيير بورديو، موريس غودولييه)، وفي التحليل النفسي (جاك لأكان)، وفي
الاقتصاد (شارل بيتلهايم)، وفي الفكر السياسي (نيكوس بولانتزاس)، وفي الحفر (الأركيولوجي)
المعْرفي (ميشيل فوكو). إلى منظومة مفاهمية تدحر التاريخ وتفصل الخطاب عنه ليتحوّل
النص إلى تلـْهية منهجية يجري فيها تمرينٌ ايبيستيمولوجيٌ لذيذٌ عليه؛ وانتهت حقبة
المنظومات الموسوعية الكبرى (ألتوسير، سارتر، فوكو، بورديو، هابرماس ماركيوز،
تشومسكي، دولوز، إدوارد سعيد). لتحلّ محلـّها حقبة المعرفة الإمبيريقية الجديدة؛
وانتقلنا من عصر المثقف الملتزم كما رسم جان بول سارتر ملامحه
ـ إلى عصر «المثقف»
الخبير الذي يبيع خبرته للدولة أو للشركات أو لمؤسسات «علمية» (مؤسسة فورد، مؤسسة
إدينارو، مؤسسات «الاتحاد الأوروبي») أو لمؤسسات مرتبطة بالاستخبارات (=الوكالة
الدولية للتنمية AID) أو لصندوق النقد الدولي أو للأونسكو وسائر مؤسسات الأمم
المتحدة!.
ولأن الثقافة العربية كانت شديدة التفاعل مع الحركة الثقافية العالمية في سنوات
الستينيات والسبعينيات والثمانينيات،فقد كان عليها أن تعيش نكسة تلك الثقافة
(العالمية) نكسة ذاتية لها أيضاً. ثم لم تلبث ثورة إيران الإسلامية أن نجحت في
إطاحة نظام الشاه والوصول إلى السلطة في عام 1979م، فانفتح أوسع مجالٍ أمام عودة
خطاب الهوية والأصالة كي يحتل موقع السيادة والسلطان في الثقافة العربية.. وكي
ينسحب خطاب الحداثة والتقدّم إلى الخلف.. في مواقع دفاعية غير حصينة زادت فـُرص
استباحتها مع الأيام فاخذت تـَعظـُم أكثر فأكثر، وخاصة منذ نهاية العقد الثمانيني
الماضي.
أنها النكسة الثانية لخطاب الحداثة والتقدّم في تاريخه الحديث.
الهامش
ــــــ
(*) أستاذ الفلسفة، جامعة حسن الثاني، المغرب العربي.
(1) حركات «الألوية الحمراء» الإيطالية، «بادر ماينهوف» الألمانية، «العمل المباشر»
الفرنسية، «الجيش الأحمر الياباني».
المصدر: العرب والحداثة دراسة في مقالات الحداثيين، مركز دراسات الوحدة العربية،
بيروت، شباط / فبراير 2007م
|
|
|