|
الخميس:
25/10/2007
الموت في الفلسفة القديمة /(الجذور العراقية للفلسفة اليونانية)
د. عامر عبد زيد(*)
(خاص للمعهد)
لقد أوجدت الثقافة اليونانية
نظرة محددة للكون، ومارست تطبيقها على النفس بوصفها إشكالية على مستوى
الممارسة والتنظير وهذه النظرية الفلسفية يمكن إن ترشدنا إلى الأتي:
أولا – إن الحدث الأهم الذي يفرض نفسه، ولا يمكن تجنبه هو «الموت» فهو
بمثابة المشكلة التي واجهها الإنسان والتي دفعته إلى الدهشة والتساؤل
وهو طريق يؤدي بنا إلى البحث في النفس ومصيرها. إن الموت كان يصور في
هيئة شاب يحمل شعلة منكسة إذ كان التصور هو الذي أوحى بفكرة التصالح مع
واقعة الموت في اليونان القديمة حيث أكد«كونفورد» ذلك بقوله: «إن الوعي
الكاسح بالفناء ليشيع العتمة في التيار الرئيسي للفكر الإغريقي بأسره»
ويوافقه «برنت» قائلا: «تأثر اليونانيون... بعمق بالطابع الزائل للأشياء
وفي الحقيقة كانت هناك نزعة أساسية نحو التشاؤم في نظرتهم للحياة»(1).
وقد ظهر في الفكر اليوناني خطابان هما:
الخطاب الأول؛ وهو يعكس التصورات الرسمية التي مثلتها الديانة
الاهوميروسية الرسمية التي تحيلنا إلى مرجعيات رافدينية، فعند هوميروس
كلمة «psukhe»التي تعرب بـ «النفس» تعني «مبدأ الحياة» وهو الذي يخرج عند
الموت، أو الذي تجري الحياة مع حركاته، أما ما يبقى بعد الموت فانه يمثل
بقايا الإنسان الذي يفتقد – إذا أردنا الدقة ـ إلى الجسمية، والى وجود
النفس فليس هو إلا خيال يتشابه لاشك من الخارج مع الكائن الحي ولكنه
لايمكن ألامساك به، ضعيف كالظل واخرس(2).«فهوميروس» يجعل ظل «أخيل» يعبر
عن وجهة النظر السائدة قائلا:«أناشدك. يا وريسيوس الشهير إلا تتحدث برفق
عن الموت، فلأن تعيش على الأرض عبدا للأخر.. خير من إن تحلم كملك لا
ينازعه احد في مملكة الأشباح اللاجسدية»(3). والنحو الذي توجد عليه هذه
الخيالات يقابل وجود الموجودات في هاديس(4). حيث يفتقد إلى الحياة تماما.
ان ما يبقى من الإنسان بعد الموت هو العدم، وانه لا يمكن الحديث عن حياة
حقيقية بعد الموت، فالموت هو نهاية حقيقية، وقد وجدت العصور القديمة
اليونانية سلواها في الشهرة(5) وفي نيل منحة الخلود من الآلهة حيث نظر
أنصار المثل الأعلى البطولي إلى الموت بوصفه ذروة الحياة وقمة اكتمالها،
وعلى هذا فقد تمتع الإغريق بحس رفيع بالواجب نحو المدينة والاستعداد
للتضحية بالحياة من اجل رخائها، وكذلك حظيت «الشهرة» التي تكتسب نتيجة
للقيام بأعمال مجيدة في الميدان بقيمة عظمى بوصفها وسيلة لتحقيق خلود
رمزي في أذهان الأجيال المقبلة. لكن البطل إنما كان يحظى بالتمجيد على
وجه الدقة لأنه كان استثناء من القاعدة، وهو بالاستغناء عن حياته في عمل
رائع من أعمال البطولة، يكون قريبا للغاية من الآلهة. وفضلا عن جانب
الشهرة فهناك جانب في هذه الديانة هو «منحة الخلود الإلهية»، والى جانبها
في العالم السفلي هناك أيضا في موضع مختلف منطقة مخصصة للسعداء والمغضوب
عليهم، والسعداء ليسوا مجرد ظلال لا كيان لها، بل هم البشر أنفسهم الذين
يكفرون عن ذنوبهم او يجازون خير جزاء عن حياة قويمة مجيدة.
لاشك أن هذه الأفكار كانت تعود إلى تداخلات حضارية تعود إلى مرجعيات
ثقافية متداخلة مع الشرق، ولاشك أن المرجعية العراقية القديمة ذات تأثير
بارز في هذا المضمار في الديانة الرسمية اليونانية، ويظهر هذا في:
1- تصورات العراقيين القدماء للعالم السفلي وما يعانيه الإنسان في ذلك
العالم الذي يصبح فيه الإنسان مثل شبحي، فهكذا ظهر انكيدو لصديقه جلجامش
في الملحمة حيث غياب العدالة في ذلك العالم، فلا يغدو أمام الإنسان سوى
الحياة التي تشكل «المدينة» صورتها المكتملة وهدفها.
2- الجزر السعيدة لـ(دلمو) العراقية التي يتحقق فيها الجزاء العادل من
خلال منحة الخلود التي منحتها الآلهة إلى «اوتونابشتم» الذي يقابله
جلجامش ويجري معه حواره الذي يقص من خلاله اوتونابشتم رحلته صوب الخلود
أثناء الطوفان، وقد ظهرت تناصات لهذا البعد في الأساطير اليونانية فيما
بعد.
وخلاصة القول في ظل هذا الخطاب وجذوره الفكرية العراقية إننا لمس ظهور
حدث طبيعي هو «الموت» هذا الحدث يتم أسطرته وذلك من خلال الأتي:
1- حذف الزمان، مما يجعل الحدث الممتد عرضة للتغيير عبر مسيرته من
الشفاهية إلى التدوين وإحلال حـُل هذا الزمن تصورات أخرى للزمن وهي:
أ- الزمن ألبدئي: أي الزمن الذي شهد ظهور الآلهة؛ من خلال هذا الزمن
المتخيل «البدئي» يقدم الإنسان صورة كافية لا يشوبها النقص ولا التحريف،
أو يقدم تعليل لظهور الأشياء أو فقدانها من خلال الأساطير، مثل خسارة
نعمة الخلود في قصة «آدابا» أو لدى «جلجامش» أو يكون حدث تكويني يتم من
خلال ذلك الزمن إقرار القواعد للدين عبر قصة أسطورية يقوم بها بطل خارق،
ومن خلال ذلك الزمن يتم إقرار تلك الأحكام والطقوس على أنها حدثت في
الزمن البدئي. وفي هذا تدخل قصة التكوين في كل الثقافات.
ب- الزمن الخالد؛ وهو الزمن الذي يكون خارج هذا الزمن حيث لا يحدث فيه
تغير ولا تبدل وفيه استقرار دائم حيث تكون من خلاله الأشياء ومن بينها
الإنسان خالدة كما هو الحال في «دلمو» حيث هي المكان الأرضي الخصب الذي
اعد للمخلصين الذين قد رضيت عنهم الآلهة كما هو الحال مع «اوتونابشتم».
جـ- الزمن المحايث المتفجر؛ وهو الزمن الذي يكون فيه المخيال قائم على
وجود خلود لإفراد حصلوا على نعمة الخلود وما زالوا يعيشون وهم لا يموتون
بل أحياء لأنهم حصلوا على العشبة السحرية أو الماء الخالد أو دخلوا في
غيبة.
د- الزمن الأخر المفارق؛ وهو زمن العوالم العلوية أو السفلية حيث هاديس
لدى اليونان أو العالم السفلي لدى العراقيين، وهو زمن لا عدالة فيه،
بالمقابل هناك زمن عادل علوي فيه جنات سماوية، وأيضا هناك جنات تحت الأرض،
وهذه الأزمنة الأخيرة تعود إلى الفكر المصري الذي أقام عقابا في الأرض
ضمن عوالم برزخية صعودا إلى عوالم سماوية، وهنا يكمن خلاف في تصور
العراقي للعالم السفلي: كونه غير عادلا، وبين التصور المصري: الذي جعله
عادلا. وهذا يعود إلى خلافات في المهيمنات السياسية.
إلى جانب هذه التصورات عن الزمن، كانت هناك تصورات عن المكان، وهي:
أـ المكان الأول: وهو المكان الذي يتسم بالخلود أو البدائي مما هو العالم
السماوي الخالد حيث الكمال، أو هو المكان الأول الذي شهد التكوين والخلق
حيث كانت البدايات في تكوين الأرض.
ب ـ المكان الخالد: وهو المكان المفارق لهذه الأرض وما فيها من متغيرات
وانعكاسات، وهذا المكان هو «الجزر السعيدة» التي يتصف زمنها بالخلود،
ومكانها كذلك.
جـ ـ المكان المحايث: وهي الاماكن التي تحيط بنا، لا ندركها وهي تدركنا،
حيث يعيش داخلها الخالدون، أو الجن والشياطين.
دـ المكان المفارق. وهو المكان الذي يشكله العالم السفلي الخالد والعدمي
والمظلم، أو العالم السفلي المصري الذي يعيش فيه المعذبون بذنوبهم،
بالمقابل هناك جنات سماوية تكون في السماء يمكن الصعود إليها عبر سلم أو
طير... الخ.
2-الألية الثانية التي يتم بها بناء المخيال حول الموت هي إنزال الأساطير
واظفائها على الحدث مثل(حدث الموت) عبر أسطرته من خلال مقولتي الزمان
والمكان المتخيلان.
3- إخضاع الحدث(الموت) إلى الطقس مما يجعله عرضة للتكرار في سبيل إدراك
الحدث الأول المعنى الأصلي.
ولقد كان الخطاب الأول لدى اليونان يعلي من الزمن المتخيل، ويقيم تصورا
سياسيا يقوم على الاعلاء من شأن الزمن الحاضر وامتداداته في المستقبل عبر
الشهرة أو الخلود، ويقلل من شأن العالم المفارق، العالم السفلي، ويجعل من
هذا حافزا للمحافظة على المدينة والتضحية في سبيلها من خلال الفوز إما
بالخلود في «الجزر السعيدة» كما هو حال اونونابشتم، وهذا نادر، فلا يبقى
إلا الفوز «بالشهرة» وما سوف تذ كره الأجيال والتاريخ عن مآثر البطل الذي
فاز بالشهرة التي سوف تتحقق في المستقبل، وهكذا حال جلجامش وأبطال
اليونان، فتصبح «المدينة» هي محل الاهتمام الأول، والموت دفاعا عنها هو
الشرف، مما يجعل من المدينة هي محل الاهتمام الأول باعتبارها مركز للفعل
ودافع له.
أما الخطاب الثاني في الفكر اليوناني، الذي تمثله الرؤية التي تنتمي إلى
الديانة غير الرسمية التي داومت على ممارستها الجماعات الاورفية والتي
تضرب جذورها فيما يبدو في عبادة «ديونبزوس» الأكثر قدما. والى العبادات
المصرية التي تجعل من الخلاص والعدالة يتحققان في العالم الأخر لهذا شكل
الموت الهاجس الأول في الفكر المصري الذي له اثر عميق في الاورفية
وعباداتها التي تقصي العالم الدنيوي زمانا ومكانا من خلال إقصائها الجسد
بوصفه سجن للروح التي تتوق للخلاص في عالم أكثر رقاً حيث الزمان الأول
والمكان الكامل قبل ان تسجن في هذا الجسد. وقد اختلفت بذلك عن الديانة
الرسمية التي تجعل من المدينة المركز في اهتمامها حيث كان لكل مدينة
آلهتها، فالخوف من العقاب والعرفان بالجميل، والمصلحة الخاصة تجعل الناس
يدافعون عن مدينتهم حيث إن الآلهة كانوا يعدّون هم بـُناة المدينة
وحماتها.
لكن الخطاب الاورفي كان يسعى إلى تجاوز حدود المدينة إلى الدعوة إلى
الناس جميعا والى روحية أسمى وأقوى، وهكذا اظهر مخيال آخر عن الموت وموقف
الإنسان من جسده، هذا العالم الذي أصبح اقل مرتبة من الروح والعالم
العلوي، فكان هذا المخيال الذي دافعت عنه الاورفية والنحل السرية وقد
أقامت ورفية هذا المخيال المثالي المتعالي على زعم أتباعها أنهم يمتلكون
معرفة بالعالم الروحي الذي أصبح هو مركز عالمهم المتخيل الذي كرروا فيه
القول بخلود النفس، ويؤكدون أن الموت هو الباب المفضي فحسب إلى حياة أفضل
أخرى(6).
ولقد شقت النظرة الاورفية للموت طريقها إلى الفلسفة على يد فيثاغورس(572
– 497 ق.م) الذي علّم تلاميذه تناسخ الروح، وأن الروح تسجن في الجسم
وتغادره عند الموت وبعد مدة من التطهير تدخل الجسم مرة أخرى، وهذه
العملية تكرر نفسها عدة مرات، ولكن يتعين على الإنسان للتيقن من انه مع
كل وجود جديد تحتفظ الروح بنقائها وتصبح أفضل وأشد نقاء، وبالتالي تقترب
أكثر من المرحلة النهائية التي يتم فيها التوحد مع الله – يتعين لتحقيق
هذا أن يتبع الإنسان نظاما معينا حيث على وفق رؤية فيثاغورس أصبحت
الفلسفة طريق حياة تؤكد الإخلاص(7). وقد ظهرت قائمة طويلة من القصائد حكت
عن الأسفار إلى العالم السفلي، وبعضها ظهرت تحت اسم اورفيوس والبعض الأخر
تحت اسم فيثاغورس الذي أثر في أفلاطون وأرسطو وآخرين كثيرين(8).
وقد اتصف هذا الخطاب بانه تخيلي انفعالي، ولكنه سيكون أساسا للدين
والفسلفة والعادات والأخلاق، وهو يعتمد اللغة بوصفها وسيلة فعالة
للتجديد، فكانت نرصد من خلالها أداة للانفصال عن العالم الواقعي، في
النتيجة تبتعد عن الواقع مكتفية بذاتها(9). ظهور تصورات للنفس مختلفة
تتنوع بحسب بطبيعة المنهج المتبع في دراسة النفس وفي هذه الفترة طغى
المنهج الذي تأثر بالوضع الاجتماعي، فهناك الخط العملي الذي يأخذ بالوجهة
الطبيعية، تلك النظرة الجديدة للعالم التي نتجت من سيطرة الرجل الفني على
الطبيعة، فأصبح التماثل بين العمليات الطبيعية والعمليات الفنية هو مفتاح
هذه الفترة(10).
ولقد ارتبط هذا الموقف القائم على الرؤية الواقعية التي تنظر إلى الأشياء
انطلاقا من البحث العلمي – الفني، ومن جهة أخرى تشكل موقفا من الموت فهي
تؤكد هذا الموقف القريب من السلطات الدينية الرسمية التي لا ترى في بقاء
الفرد سوى ظل شبحي، لهذا فهي تؤكد البقاء للمجموع وزوال الفردية لصالح
المجموع، وهذا ما يمكن إن نلاحظه في النظرة الواحدية الجوهرية لدى طاليس
«Tales» القائلة إن الأشياء جميعا واحدة «وفق المبدأ القائل إن الماء
لمبدأ الذي لا يهرم ولا يموت»، وبين القول «إن العالم هو كيان حي» ومن ثم
نظر إلى النفس حسب أرسطو(على أنها قوة تحركه)(11). إما «انكسماندر
Anaximader»610 – 547)) فيؤكد أن الأشياء تفنى وتنحل إلى الأصول فهو يذهب
إلى القول بالموت للافراد مقابل أن يعلق الامل على دوام «الكل» الذي لا
يمكن فيه أن يكون فناء بلا معنى، وبين قول «هيراقليطس Heracclitu»(533 –
475) «إننا ننزل ولا ننزل في الأنهار ذاتها، إننا موجودون، وغير
موجودين»، أي أن الصيرورة نزاع، وان الأضداد في قلب هذا النزاع تشكل وحدة
على نحو ما يفعل قطب المغناطيس أو المصارعون في الحلبة، فإذا ما اقترضنا
أن كل ما يقصده هيرقليطس بهوية الحياة والموت هو أن الفرد يفنى لكن النوع
يبقى فان إحابته ستكون استباقا لما قدمه أرسطو وعلم الأحياء فيما بعد
لمشكلة الموت، وقد بدت الطبيعية أمامه حية والروح الإنسانية وثيقة
الارتباط بالتطور العالمي بأسره. وفي اثناء هذا التنقيب عن نفسه اكتشف
اللوغوس «Logos أي العقل أو الفكر أو الكلمة، الذي حدثه بان مبدأ عاقلا
يحكم العالم، وأن هناك وحدة بين العقل الإلهي والعقل الإنساني(13). يستمد
هيراقليطس فلسفته من الطبيعة هنا في تفسير مشكلة التغير والوحدة، فيرى
«أن في العالم وحدة، ولكنها وحدة نتجت عن تباين»(14). وكذلك فإنه يرى
بالمقابل «أن الأشياء في تغير مستمر، وان القانون العام الذي ينظم الوجود
هو التغير، ولا يوجد شيء باق على الإطلاق» (15).
إما بارمنيدس Porenides(515 ق.م) فيصرح بان الوجود يملآ جميع أنحاء
المكان، أما العدم فهو(المكان المحض) أي الفراغ المطلق، وهذا العدم
يستحيل أن يوجد. وبناء على هذه المقدمة يذهب بارمنيدس إلى أن العالم
ينبغي أن يكون واحداً أو محدودا، وبالتالي ينبغي أن يملآ المكان كله(16)
..
وهذا يعني أنه ليس هناك شيء اسمه الفراغ الخاوي سواء داخل العالم أو
خارجة، وينتج من ذلك انه لا يمكن أن يوجد شيء حتى الحركة، وبدلا من أن
يخلع صفة التغير على نحو ما فعل هيراقليطس، وبالتالي جعله قادرا على
تفسير العالم، فانه يرفض التغير بوصفه وهماً، فإذا كان التغير وهما،
فكذلك الموت، لان الاختفاء عن الوجود يغدو أمرا مستحيلا(17). فالوجود لكي
يتحرك لابد له من خلاء تحدث فيه حركته(18). وأما اميادقليس
Empedocles(435- 495 ق.م) فيتخذ معه مزيجا غريبا من مبدأ الخلود عند
فيثاغورس والروح العلمية، حيث يؤكد في قصيدته «التطهر» تناسخ الروح
وأصلها الإلهي، ويعلن في قصيدته عن(الطبيعة) أن القوى النفسية ليست سوى
وظائف مادية، فالفكر لا يعدو أن يكون الدم الذي يحيط بالقلب، وتنشأ
الكائنات الحية من خليط من عناصر أربعة تنحل إليها مرة أخرى عند
الموت(19). فهو ينظر إلى العالم بشكل مقارب لـ(بارمنيدس) فالوجود «لا
يقبل التغي» وذلك لان التغير هو إما إلى فساد، وإما إلى كون، ولما كان
الوجود واحدا فلا يمكن أن يكون هناك كون، لأنه لا يمكن تصور أن يضاف شيء
إلى الوجود، ومن حيث إن الوجود هو الكل وليس غير الوجود شيء(20). ويؤكد
قوتين يعود اليهما تجمع العناصر وتفرقها يسميهما المحبة والكراهية، إلا
أن الفكرة المركزية عنده هي القلب، وقد أخذها من مدرسة الطب في صقلية حيث
الدم أكمل الأمزجة واختلاف الناس عقلا يرجع إلى اختلاف أجزاء الدم في
حجمها أو طريقة توزيعها وتمازجها(21).
ويؤكد اناكساجوراس Anaxagoras(458-550 ق.م) أن العقل(Nous) هو الذي يخلع
النظام على الكون وهو سبب الأشياء كافة والحركات جميعا، وقد استخف
بالموت، فهو يراه تحللا كاملا، ويظهر ذلك من خلال قوله بثلاث قضايا كبرى
هي:
أولا- إن الأشياء متباينة بالذات.
ثانيا – أن لا يخرج الوجود من اللاوجود.
ثالثا – إن الكل يتولد من الكل(أو إن أي شيء يتولد من أي شيء) فالكون هو
ظهور عن كون، والفساد كموت بعد ظهور(31). ويمكن عرض رأيه بالشكل الأتي:
- إن العالم في الأصل مزيج من كل الأضداد ومن ذرات غير متناهية.
- إن هذه الذرات لا تحتوي على مبادىء حركتها، إنما هي متحركة بفعل العقل
المباين للمادة.
- إن هذا العقل عارف بكل شيء وقادر على كل شيء، وأنه اللامتناهي القائم
بذاته الموجود بذاته، وـنه ليس كمثله شيء، انه القوي بذاته وإنه مصدر قوة
الأشياء جميعا.
- إن الحركة بدأت بفعل سيطرة العقل، فنظم العقل حركة كل ما كان وكل ماهو
كائن وكل ما سيكون.
- أما الأصل التكويني لمحتويات العالم فهو الذرات فهي أزلية لا متناهية،
ومتباينة، فهي تحوي على جميع الخصائص والأضداد(23).
ومع توقبيوس Leucippus(440 ق.م) نجد «أن الحيوانات لدى الموت تنحل إلى
ذرات «atoms»(24)، ولكن ماهو أكثر أهمية بالنسبة لتكوين مثل هذا الموقف
يتمثل في ظهور النظرة إلى الموت بوصفها تغيرا ضروريا وطبيعيا(25) .لان
الموت جزء مهم من فاعلية الحركة التي افترض وجودها، فهي غر مستحيلة بل هي
موجودة، ولها نوعان عند الأولى خاصة بحركة الذرات الأولى في الخلاء،
والثانية خاصة بحركة الذرات من اجل تكوين العالم(26).
أما ديمقريطس Demacrtus (460-370 ق.م) ويتابعه في هذا القول تلميذه من
بعده، إذ يؤكد فناء الروح، فالذرات الدقيقة أو اللطيفة التي تتألف منها
الروح تتبدد عند الموت حسب قوله، وهو يستمد في ذلك فلسفة ابيقور فيصرح
بان بعض الناس ممن لهم ضمائر سيئة ولا يدركون إن هناك تحلل كاملا في كل
مكان من الطبيعة يعيشون في خوف بسبب الخشية مما يتصورون انه يقع بعد
الموت(27) .
هكذا كان(الموت) الحدث الطبيعي، قد تكون إدراكه بعد تصورات أسطورية شكلت
حلقة بين الحدث الطبيعي والتأمل الميتافيزيقي الفلسفي حيث كانت الأسطورة
هي محل الوصل(فالأسطوري بمعناه الميثولوجي التاريخي يدخل حياة الشعوب،
وينظمها ضمن نسق معرفي سلوكي موحد)(28).
وقد ارتبط هذا بالسلطة التي تشكل مؤثرا فاعلا ضمن جدلية التملك والعطاء
التي تميز السلطة، وهكذا كان الخطاب الذي ينطلق من سلطة المدينة ويعتمدها
كمركز فانه يضحى بالفردية مقابل بقاء النوع، مقابل تصورات قد تعلو على
سلطة المدينة التي تؤكد على الخلود الذي يتحقق للروح على حساب الجسد.
أما اللغة فتعبر عن مقاصد الرغبة والسلطة، وتمنح للاعتراف غايته الأخيرة،
أي أن يكون في لحظة الوجود انتصارا للحياة على الموت وللمعنى على
اللامعنى، وهكذا كانت اللغة هي الوسيلة المعبرة عن تلك التصورات الفلسفية
التي جاءت انعكاساً عن حدث الموت والوضع الاجتماعي الذي دفعها إلى النظر
في الموت وفي مصير النفس، والتي جاءت بتصورات تركز على قيمة الجانب
الكلي. الذي ظهر في أفكار أفلاطون وأرسطو حيث عندهما اكتمل ذلك الفكر.
وتأثر أفلاطون كما قلنا بالفيثاغورية القائلة بالتناسخ وأن النفس تسجن في
الجسم ثم تغادره بعد الموت، والقائلة بالتطهر، وجدت تلك الأفكار طريقها
إلى أفلاطون الذي أقام تصوره بخلود النفس فهي مستقلة عن الجسم تهب الحياة
له وتمثل النفس في الموكب البشري العنصر الإلهي الدائم الذي لا يتغير
بينما يمثل الجسم؛ العابر المتغير الفاني. فالنفس تحرر نفسها تدريجيا من
الجسم عن طريق الفلسفة حتى يخلصها موت الجسم تماما من المادة ويتركها حرة
تتأمل المثل(29).
وبهذا يكون قد وصل هذا الخطاب – وما يعتمده من تخيل يعتمد اللغة
ومستوياتها في التعبير عن تلك الرغبات والأماني– الى قمة اكتماله المثالي
وإطاره التوفيقي.
في المقابل كان أرسطو يشكل موقفا آخر، وإن تداخلت المؤثرات في فكره، وقد
مر فكره بحقبتين، الحقبة الأولى كان خاضعا فيها تحت الخطاب الافلاطوني،
وهذا يظهر لدى أرسطو في أعمال الشبان ومنها محاورته(اوريموس Eudemos) حيث
كان تحت تأثير أفلاطون لكن في الحقبة الثانية حيث مثل إشكالية خاصة به
تجعله اقرب إلى التصور المادي العلمي.. إن لم يعد ينظر إلى النفس على
أنها زائر غريب سجين في الجسد، إن النفس والجسد صارا جانبين لشيء
واحد(30). وانه جعل النفس جزءا من العلم الطبيعي ومن خلال إيجاد ثنائي
جديد هو الصورة والمادة والقوة والفعل، والفاعل والمنفعل(31). وتغدو
النفس لديه كمال أول لجسم طبيعي ذي حياة بالقوة(32).
وهكذا تنوعت المواقف الفلسفية على مستوى الخطابين اللذين تجمعهما إشكالية
واحدة مثلت رؤية متماسكة للكون، وإن حدوث اختلافات فيها يعود إلى الوضع
الديني والاجتماعي والاقتصادي وما فيه من تناقضات حول الموقف من الموت
بوصفه حدثاً طبيعياً.
الهوامش
ـــــ
(*) أستاذ الفلسفة المساعد، جامعة بغداد.
1- جاك شورون، الموت في الفكر الغربي، ترجمة كامل يوسف، المجلس الوطني
للثقافة والفنون، والآداب، الكويت، ص 35.
2- أولف جيجن، المشكلات الكبرى في الفلسفة اليونانية، ترجمة، عزت قسرني،
القاهرة، 1976، ص 345.
3- جاك شورون، المرجع السابق، ص 36.
4- هاديس، هو العالم السفلي في الفكر العراقي القديم واليوناني
.5- اولف جيجن، المرجع السابق، ص 345.
6- جاك شورون، المرجع السابق، ص 52، وانظر حسام محي الدين الالوسي، من
الميثولوجيا إلى الفلسفة أو بواكير الفلسفة قبل طاليس، بغداد، 1986، ص
126.
7- المرجع السابق، ص 52.
8- اولف جيجن، المرجع السابق، ص 349 0.
9- بنامين ماتتن، العلم الإغريقي، القاهرة، 1982، ص 47. وحسام محي الدين،
الرجع السابق، ص 72، 86.
10- يوسف كرم، الفلسفة اليونانية، بيروت، ص 18
11- وهنا يحدد طاليس بشكل مفصل تمفصل نمطين في التفكير: التفكير الأسطوري
والتفكير الفلسفي ويمييز أرسطو وهو يؤرخ لتاريخ الأفكار وان هذا التمييز
القائم على الفرق بينهما في كطريقة الوصول إلى القول بان هذا أو ذاك هو
اصل الأشياء، بمعنى استبعاد الفلاسفة الطبيعيين للتفسير الخرافي أو
ألتحكمي لأولئك) حسام محي الدين الالوسي، المرجع السابق، ص 7 – 14.
12- أرسطو طاليس، كتاب النفس، ترجمة احمد فؤاد الاهواني، ط1، القاهرة،
1962، ص39.
13 – جاك شورون، المرجع السابق، ص 41 – 42.
14- برتراند رسل، تاريخ الفلسفة الغربية، ترجمة زكي نجيب محمود، ج 2، ص
83.
15- أيوريان، تاريخ الفكر الفلسفي، ج 1، القاهرة،(د.ت)، ص 81. وانظر علي
سامي النشار وجماعته، هيراقليطس فيلسوف التغير وإثره في الفكر الفلسفي،
ط1، القاهرة، 1969، ص39.
16- حسن مجيد ا لعبيدي، نظرية المكان في فلسفة ابن سينا، بغداد، 1987، ص
23.
17- يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص 28 – 29 وانظر جاك شورون،
المرجع السابق، ص 23 – 24.
18- البير ريفو، الفلسفة اليونانية، ترجمة عبد الحليم محمود وزميله،
القاهرة،(د.0ت)، ج1، ص 91، واحمد فؤاد الاهواني، فجر الفلسفة قبل سقراط،
ط1، القاهرة، 1954، ص 133.
19- 2- جال شورون، المرجع السابق، ص 45.
21- يوسف كرم، المرجع السابق، ص 36.
22- المرجع نفسه، ص 42.
23- مدني صالح، بداية التأسيس الفلسفي، مجلة افاق عربية،العدد 10، 1977،
ص 67.
24- احمد فؤاد الاهواني، فجر الفلسفة، ص 20.
25- جاك شورون، المرجع السابق، ص 45.
26- عبد الرحمن بدوي، ربيع الفكر اليوناني، ط4، القاهرة، 1969، ص 154.
27- جاك شورون، الموت في الفكر الغربي، ص 46.
28- مطاع ألصفدي، الأسطوري / الاسطري، مقدمة،العدد 28 مجلة فكر عربي
معاصر، 1986، ص 5.
29- اتيان جلسون، روح الفلسفة المسيحية، ص 133 – 125.
30 بنيامين فاتتن،العلم الإغريقي، ج 2، القاهرة، 1958، ص 149.
31- أرسطو كتاب النفس، ص 18.
32- المرجع نفسه، ص 22.
|