الحضارية «دراسات فلسفية»

الأحد: 04/08/2008

 

 

الإنسان قبالة اللانهائية

د. عباس حمزة جبر(*)
«ما الإنسان إلا كائن كوني بامتياز»
إيلي فور/ حياة الأشكال

(خاص للمعهد)

1. الأنا والعالم:
في كتابه المعنون «الكلية واللانهائية» يوضح إيمانويل ليفينا E. Lévinas رؤيته للمكانة التي تحتلها فكرة العالم وراء ما أسماه بنزوع الإنسان الميتافيزيقي . ويمكن على ضوء إشارات ليفينا إدراك حقيقة أن الموقف الميتافيزيقي إنما ينبثق في أي نفس إنسانية حين تروم ارتياد مكانا آخر غير الذي اعتادت الحياة فيه، فالأنا مجبولة على كل ما هو مغاير لواقعها المعاش، وهي في ذلك مأخوذة بامتداد الأشياء في آفاقها وحريصة على استجلاء أغوارها في ذاتها. ولهذا فإن النزوع الميتافيزيقي يرغمنا على الوثوب إلى ما هو خارج لحظة الحاضر وثبوت المكان، إنه نزوع أصيل صوب الهناك البعيد. وفي غمرة مثل هذه العلاقة التي تربط الأنا بمحيطها تتجسد أشكال البحث الإنساني عن ذلك الذي أسماه ليفينا «بالآخر المختلف جذرياً عن كل ما هو مألوف». ومثل هذا الآخر يثير حنينا شفيفاً لأزل مفقود قلما يرتوي، إن الأمر هنا يعين وجود رغبة بشيء «مفارق يسد وجوده كل ما في الأنا من نقص» حسب كلمات ليفينا.
ولأن العالم يترك بصمته على شكل صور تظل مغروزة في المخيلة الإنسانية فإن ما يمثله هذا العالم من أعماق سحيقة إنما يترك في الخيال الإنساني أثراً لا يمحى، إنه ذلك البعيد السحيق «وقد غادرت في أعماقه الأنوار» مثلما يصفه نيتشه، إنه بعيد ممتنع بامتناعه عن أي تعيين. وهو عصي على أية محاولة لكشف كنهه، الأمر الذي يثير في النفس الإنسانية أسى عميقا يقود حتماً إلى تهتك الأحاسيس. فهذا العالم باق بعد موتي، وهو جميل وذو أبدية تعز علي. وهو مفارق لكينونتي بشكل لا مرد له.
ولكن هذا العالم يبقى أيضا محيطا بالأنا الملتهبة برغباتها، وهو منها بمثابة المشيمة من الجنين، ورغم هذا فهي لا تستطيع أن تكون فكرة واضحة عنه، وفي ذلك مصدر لتغذية جذوة الحيرة الوجودية التي تحفر بغضونها محيا كل إنسان تجسيدا لتراجيديا وجوده برمته.
وإلى جانب ذلك، فإن تقلبات الصورة الكونية التي جاءت بها أبحاث العلوم الحديثة جعلت الإنسان يفتقد ما أطلق عليه إيمانويل ليفينا ذلك «الفهم الشمولي الذي ينسق نسيج الأشياء». ولا يمكن للأنا أن تبني تصورها الشمولي إلا عبر الشفافية والوضوح اللذين لا بد منهما لتحديد نمط ذلك الآخر المختلف عن الأنا بالهوية. والأنا وفي سياق نمط متأرجح من العلاقة بالآخر تفضل، بدافع من حرصها على أمنها الوجودي أن تحافظ على حدود معلومة بينها وبين الآخر تحسبا من سطوته. ولكنها ومن باب آخر تظل مدفوعة برغبة الإحاطة بكل ما هو مجهول وغريب لدرجة أن هذا المجهول يبقى مشروع تعيين حتى وإن اندس في عالم الأنا كمثل فكرة غائمة.
وإذا سلمنا جدلا بأن الحدود الفاصلة بين الأنا والآخر تبقى محكومة بالرغبة بالإحاطة الشمولية فإن مسافة ما ستفصل بيني وبين موضوع معرفتي. وهنا يقرر ليفينا أن «الآخر يظل مغايراً وكعامل تأثير دائم على الأنا».
إن الانشقاق المؤيد الذي يحصل بين الأنا والكائن موضوع التعيين يمثل عصب إشكالية الهوية التي يؤرق تحققها الشمولي الأنا. ولذا فهي مرغمة ومأخوذة بفكرة إنجاز نقلة نوعية تؤمن لها تحقيق هويتها عبر الديمومة حتى تقبض على جوهرها الكوني. ولا يتم ذلك إلا بسبك فهم كلي للأشياء من حولنا. هنا تبدأ رحلة الأنا في بحور الاغتراب. فالوعي بالذات الذي تحدث عن لحظته هيغل ما هو إلا أولى خطوات الإحاطة بجوهر الأشياء، وهو نزوع خارج الذات، ولذا ورغم تعارض الأنا والهو، ورغم سعي الذات ووثوبها خارج إقليمها ورغم اغترابها وهي تقترب من الآخر فإن تغيراً نوعياً سيطرأ عليها ويمنحها درجة ما من نور المعرفة. ويرى ليفينا «إن وعي الأنا بوجود الهو هو ذاته تحقق لهوية الأنا» فالأنا لا تستقي معرفة من عمل نرجسي، بمعنى الإقرار بأن الأنا تساوي الأنا، وليس عبر تفكير مجرد بالكلية، بل إن لحظة تحقق هويتها إنما تنجز عبر حركة تلقائية وشجاعة استكشاف، هنالك تبلى الأنا بامتداد العالم المجهول.
ولقد سبق للأب تياردو شاردان أن وصف العالم باعتباره وسطاً إلهياً Milieu Divin يفرض على الأنا علاقة ديالكتيكية ما تربطها والكلية. وهو، أي هذا الوسط، يجبر الأنا على شرب إكسير الكلية حتى يغدو العالم إقليمها وحتى تشعر بتواصلها حتى مع نجوم السماء.
ويرى مؤرخ الفلسفة جان لادريير أن العالم الذي يحيط بالأنا يتحول شيئا فشيئا، ومع نجاحها في سبك معارفها واستخلاص تجاربها إلى نوع من الانتماء المتداخل ما بينها وبين الأشياء، وهي بهذا تحرز فهما توحيدياً يتخطى عثرات الخصوصية ويعمد إلى دمج الصفات المتناقضة في فهم جامع... ومن هنا يولد على الدوام في تاريخ الفكر الإنساني ذلك المنهج المتعالي.
وحين تقترن صورة الكون في أذهاننا بفكرة اللانهائية فإن آفاقاً معرفية ستنفتح أمام العقل الباحث عن سر الوجود. ذلك أن هذا العالم يمكن أن يتضمن عوالم بيني وبينها غشاوة، وفيها المرئي واللامرئي من الأشياء، ووراء خط الافق الممتد أمامي أوساط لا قبل لي بكل ما أوتيت من معرفة تحليلية أن أرسم حدوداً لها.
وهنا يغدو كوننا كما تعرضه لنا العلوم الحديثة غير قابل للتحديد، تخترق مكوناته سياقات تطور متصل اعتبارا من أبسط المكونات [كواركات، نوى الذرات] إلى أعقدها [المجرات والعقل الإنساني].
وبهذا فعالمنا محكوم بمبدأ تتقلب عبره ماهيته في صيرورة هدفها الاكتمال، وهو في حركة دؤوبة معنية بخلق نظام تحقق مطرد بيسر صوب التخلي عن بساطة المادة ويعمل على بناء الوعي منذ أن نجح الإنسان في تكوين اللغة.
ولقد سبق للديانات التوحيدية أن أنجزت قفزة هائلة في ادراك المبدأ الأول للخلق واعتبار أن هذا المبدأ خارجاً عن أي صيرورة، وبما يرشح الإنسان للفكاك من تماثل الأشياء وتشيؤها وهي رهينة محبس المادة. وهكذا أصبح مبدأ الوحدة الكلية للوجود منتهى كل رغبة وهدف كل معرفة، وبحيث يغدو اكتمال الحياة مرهوناً بالذوبان في حضرة الوحدة الخالدة حينها يصبح تطور العالم.. كل التطور مسيرة هادرة صوب معانقة هذه الوحدة التي ليست غير الآخر الذي لا يليت من الأنا شيئاً، حيث تصبح هذه مثل نوتة موسيقية قد لا تعني شيئا خارج نصها السمفوني، في حين يمكن لأوتارها وفي حضرة الكلي أن تعزف أنشودة الخلود.
2. مصائد المنفى وفردوس الملكوت:
لقد راينا قبل قليل كيف أن مركزية الأنا تبقى غير ذات بالْ ما أن تتجه نحو الآخر، فيما يعد شروعها بالمعرفة تفجيراً وتشظية لأي تمركز وأية نرجسية. ذلك بأن النزع الميتافيزيقي يتطلب على الدوام صيغة وجود مفارق للماهو في ذاته. والحال.. ليس أمام الانا سوى الانغماس في حركة الكون الكلية إن هي أرادت حقاً تحقيق ذاتها.
ويبقى البحث عن الوحدة فيما بينها وبين الآخر نتيجة حتمية لفعل الادراك الذي يدفع الأنا للاغتراب. ومن هنا وبدون أن تنزع الأنا نحو هذه الوحدة المفارقة فإن امتداد الكون على ما يبدو عليه من لانهائية ظاهرة سيضطرها يوماً لارتكاب أعمال ارتكاسية كالانغماس في نوع من الحب الوثني للأشياء. وستفقد الأنا والحالة هذه وشيئا فشيئاً شعورها الأولي بغنى الإقليم الذي تحيا فيه، لأنها وببساطة ارتضت الركون إلى وحدة منقوصة مع آخر غير مكتمل. ذلك إن ما يسبغ على الأشياء من عاطفة يجعلها تتحول شيئا فشيئا إلى منفى. إنه الاغتراب الأقصى لذات فقدت عروتها الوثقى أو هو الخسران المبين كما تحدث عنه هيدغر. والأنا في مثل هذه اللحظة التراجيدية ستجد نفسها بين اختيارين: بين ولهٍ لا يرويه الحب الوثني، وبين نيرفانا الاتساع اللامتناهي للوجود. هنا ستكون الأنا في عين أرض اللايقين المتحركة.
ما من حل لهذه المعضلة الوجودية الكبرى إلا بالعودة إلى درب الكلية شريطة أن تقبل الذات بأنها بصدد كلية متطورة تسير عبر صنوف المادة والطاقة صوب الوعي والروح، عبر الإنسان وفيما وراء الإنسان أيضا. إن كلية مثل هذه هي التي تنقذ نسيج الأشياء من التشرذم. وبالعودة إلى فطرة التوحيد ستعيد الأنا اكتشافات وجودها داخل العالم، ها هي إذاً محاطة بالأشياء التي تتداخل مثل نسيج الجسم الحي.
ويربط فعل التوحيد أجزاء الخلق لأنه ليس غير عقل ماكر يندس عبر كل تصاريف الوجود، وهو الذي ينقذ الأنا من هول كل خطر بما في ذلك هول اللانهائية السحيقة. ويمكن والحالة هذه أن نفهم النفس المفكرة باعتبارها نقطة ارتكاز نهائية لمتعدد يبدو وكأنه لا نهائي الامتداد، ذلك أن هذا المتعدد يستحيل إلى عدم إن هو لم يخضع لفعل التوحيد. لقد أدرك الفيلسوف الفرنسي موريس بلونديل كيف تتبع القيمة الانطولوجية للأنا من قدرتها على التوحيد عبر ما تقوم به من عمل يومي وفعل مستمر دون أدنى التفات لوثن اللانهائية الكبير.
صحيح أن بوسع اللانهائي تجاوز أي تحديد لأنه شاسع لا يحده فعل عقلاني ولأن اتساعه يتجاوز العالم المدرك ناهيك عن الوسط المرئي، فاللانهائي لا يحده حد، لأنه كائن بلا نهاية من حيث الضخامة والاستمرارية والعدد والحدة. وبهذا فلا قياس ينطبق عليه وهو بعيد المنال وشديد المحال، لكنه لا يعدو أن يكون، بصفاته تلك، صورة مشوهة لواجب الوجود، أو هو حالة يتيه فيها العقل عن مقصده بعد أن تاه عن منتهى رغبته.
تلك كانت مأساة زرادشت ـ نيتشه وهو يجول ببصره صوب اللانهائية: «أيتها السحيقة وقد غادرت في أبعادك الانوار». ليقرر أن من ورائنا ومن أمامنا أبدية فكيف يتسنى انقسام الأبدية إلى واحدة في الماضي والأخرى في المستقبل؟ من هنا استنتج نيتشه أننا نمر بأبدية واحدة محدبة دوارة ومن هنا نفهم مغامرته التراجيدية في دائرة الزمان، المخيفة. فهو يريد القبض على كنه الزمن وتحديب خطه بغية إدراك الحياة على أنها عود أزلي.
يرى الفيلسوف الألماني أوجين فنك في كتابه (فلسفة نيتشه) أن اللانهائي عند كاتب زرادشت «ليس من ذلك الذي تدركه الميتافيزيقيا باعتباره مفارقا أو شيئا في ذاته أو حتى واجب الوجود. ذلك أن اللامتناهي الميتافيزيقي ما هو إلا نفي للمتناهي».
وبالمقابل... لا يمكن إدراك اللامتناهي باعتباره معماراً لأنه مفارق لكل هندسة، ومن هنا فإن لامتناهي نيتشه يلغي جدل البسيط والمعقد ويصبح شديد الضعف إزاء ذات الأدوات التي استخدمها الفيلسوف لتعيينه، ونعني بذلك إشكالية مفهوم التطور وعلاقته بالوجود المتسامي.
ويلاحظ كل قارئ لنص زرادشت وعلى الأخص الكتاب الثالث كيف أن اللانهائي يتحول إلى نتاج لنص شعري من لدن نفس غزاها جمال لا قياس لحدوده، بيد أن هذا العالم ما هو إلا صورة تمثـّلتها الذات في لحظة انبهار، ولهذا يقرر زرادشت أن «المركز قابع في قلب كل شيء ومحدب هو درب الأبدية». وسيجد قارئ نيتشه نفسه بإزاء شلال متدفق من الصور ما إن تخضع ثانية للتأمل حتى تولد على الفور دوافع مبتكرة لا مجال للإفلات من قبضتها. غير أننا ما نلبث أن نكتشف أننا بأزاء لانهائية مخترعة بانبهار وصلف يعتملان في المخيلة حتى نضوب قوى الروح، ولدرجة يتحول معها سراب العود الأبدي للأشياء إلى سياق تذكر مبهم Reminiscence عندها تبدو الحياة وكأنها حضور دوري خالد: «كل شيء يأتي ويذهب ويعود.. ورحى الكائن في دوران أبدي».
لقد سبق للفلاسفة من مالبرانش إلى بيرغسون أن اقترحوا اقتلاع الأنا من غمرة الانبهار ومن ربقة العالم المتصارع، بحثاً عن الحقيقة الداخلية أو العقل الكلي والحياة، وكان عمل الفلاسفة بهذا الاتجاه حثيثاً بغية إحداث تغيير نوعي في بنية الوعي، ولإعادة وصف مكانته ضمن التيار الديناميكي الخلاق للكون والحياة. وتلك لعمري دعوة لعودة الروح الإنساني إلى رشده، لأنه جزء من ديمومة خلاقة هي العلة الأولى لأي نماء مطرد ولأي تجدد. ولذا فقد وجد فيلسوف مثل الأب تياردو شاردان أن على الأنا الخوض باتجاه ما هو آت دون أن ترمي نفسها بكليتها في التجربة اليومية المباشرة باعتبارها لانهائية.
ويرى البروفيسور جان لوي فييار بارون «أن الواقع ليس أبداً مجموعة من الصور، فهو عميق ولا يمكن الإحاطة به بلعبة الخيال، لأنه ببساطة ديمومة متعالية». ويمكن والحال هذه اعتبار هذه الديمومة كائنا حيا قيوما، له القدرة على تنشيط الحدوس بأشكال متعددة من الوحي وبما يجعل الذات ترمق عالمها بنظرة خلو من أي مأساة أو ملهاة لتعود بعدها إلى الانضواء والتسليم بأنها قد لا تدرك بطون الأشياء لخلل في حكمتها، ولذا لا يمكنها أن تحصل على الوجه الذي تريده من رمية زهر واحدة.
في بحثه الدؤوب عن جوهر المطلق وما سببه له هذا البحث من سقم، أدرك إبراهيم عبر ملكوت السموات والأرض اليقين الموحد: «وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين».
وهكذا فإن الذات التي أدركت انضواءها في هذا العالم ستقفز إلى ما هو مفارق لكل انبهار آني، وستغذ السير في دروب التأمل وما يفرضه على العالم من نسبية القيم. وبفعل هذا التفكر تتحول معطيات صور الكون وجماله الأخاذ إلى دينامية مولدة لدفق فكري يتصف على الدوام بالتسامي والتجاوز والمفارقة. وعليه سيصبح كل ما يثير فينا الكون من أحاسيس جزءاً مما أسماه بول ريكور «الماضي رهن الامتثال» الذي يعبر بالأنا من لحظة الآنية المباشرة إلى حضرة العقلين المحض والعملي بمفهومهما الكانتي.
وأخيراً فإن متلازمة الزمكان المفجعة وبدل أن تشكل تهديداً للأنا وبدل أن تحيل الأعمال إلى عبث لا طائل من ورائه بفعل الديمومة واتساع الأوساط وتداخلها، فإنها ستصبح مدعاة لأمن وجودي. إن أدرك الإنسان أن أمامه مهمة إكمال ذلك الجزء من البرنامج الكوني السائر في طريق التطور صوب الوحدة. سيحيل المتعدد إلى كرم إلهي تتمتع الأنا برحيقه حتى أجل آتٍ لا ريب.

(*) أكاديمي وباحث بالفلسفة الحديثة- جامعة بواتييه- فرنسا (سابقاً) ، استاذ الفلسفة المساعد / كلية الأداب / جامعة واسط حالياً