مفهوم
"الانتخابات الديمقراطية" /2
الدكتورعبدالفتاح ماضي(*)

رابعاً: معيار "نزاهة"
الانتخابات:
يرتبط معيار "نزاهة"
الانتخابات بعنصر الحياد "impartiality" الذي يجب أن تتسم به
الجهة المشرفة على الانتخابات في تعاملها مع كل أطراف العملية
الانتخابية من مرشحين وناخبين ومشرفين ومراقبين، وفي جميع
مراحلها بدءاً من حق الاقتراع، ومروراً بكيفية تحويل أصوات
الناخبين إلى مقاعد نيابية، وكيفية ممارسة هذا الحق، وانتهاءً
بكل ما يتصل بالإشراف على الانتخابات وفرز الأصوات وإعلان
النتائج. وترتبط نزاهة العملية الانتخابية أيضاً بمبدأ الدورية
"periodical" والانتظام "regularity". ويعني الحياد المقصود
هنا حياد القوانين والقواعد والأنظمة المنظمة لعملية
الانتخابات، وكذا حياد الهيئة أو الإدارة المشرفة في تنفيذها
لتلك القوانين والقواعد.[44] وفيما يلي أبرز معايير نزاهة
الانتخابات الديمقراطية: (انظر الجدول رقم "3" الذي يتضمن
قائمة مراجعة لمعايير نزاهة انتخابات الديمقراطية).
1. حق الاقتراع العام:
ترتبط الانتخابات الديمقراطية التنافسية بحق الاقتراع العام
"universal vote"، أي حق كل المواطنين البالغين المسجلين في
الاقتراع في الانتخابات دونما تمييز على أساس اللون أو الأصل
أو العرق أو المكانة الاجتماعية أو النوع أو اللغة أو الدين أو
المذهب. ويرتبط بحق الاقتراع العام قاعدة "شخص واحد، صوت واحد
أو one man, one vote"" بمعنى أن لكل ناخب صوت واحد، أو ما
يسمى الوزن المتساوي للأصوات "equal weighting of votes". وحق
الاقتراع العام وقاعدة أن لكل شخص صوت واحد يرتبطان بمبدأ
رئيسي من مبادئ الديمقراطية ألا وهو المساواة السياسية الذي
يعني تكافؤ الفرص أمام كل المواطنين في المشاركة في عملية صنع
القرارات السياسية.[45] ولذا فإن الحرمان القانوني لطبقة معينة
أو جماعة ما من حق الاقتراع ينتقص من نزاهة الانتخابات، وذلك
حال حرمان المرأة من حق الترشح والاقتراع في الكويت قبل عام
2006،[46] أو الحرمان غير المباشر لفئات معينة كأن يتم إعادة
توطين أو طرد فئة معينة من السكان كما حدث مع السود غير العرب
في موريتانيا مطلع التسعينيات، أو من خلال طرق ملتوية كالتشديد
في إجراءات التسجيل أو التلاعب في سجلات الناخبين أو منع
الناخبين من الوصول إلى صناديق الانتخاب كما يحدث في
الانتخابات المصرية. ويتناقض مع حق الاقتراع العام استهداف
الأمن للمرشحين المعارضين أو لوسائل الإعلام والصحافة كما فعل
رئيس زيمبابوي روبرت موجابي عام 2000، وكذا شراء الأصوات أو
التأثير على تفضيلات الناخبين بالمال أو النفوذ كما يحدث في
الكثير من الدول.[47]
2. تسجيل الناخبين بشفافية
وحياد: على الرغم من أن تسجيل الناخبين في سجلات انتخابية ليس
شرطاً ضرورياً للانتخابات الديمقراطية، إلا أنه يعمل على تحقيق
هدفين رئيسيين. فالتسجيل يُوفر آلية للنظر في المنازعات التي
قد تُثار في شأن حق الفرد في التصويت، وذلك بشكل منتظم وقبل
يوم الانتخابات ذاته. وهذا بالطبع يكتسب أهمية كبرى في الحالات
التي يحاول شخص ما- لا يمتلك الحق في التصويت - أن يُدلي بصوته
في الانتخابات، أو عندما يحاول شخص أن يمارس حقه مرتين. ومن
ناحية أخرى فإن تسجيل أسماء الناخبين في سجلات انتخابية يُمكّن
الهيئة المشرفة على إدارة الانتخابات من تنظيم أعمالها المتصلة
بتحديد الدوائر الانتخابية وتوزيع القوة البشرية المشرفة على
الدوائر المختلفة.[48]
3. الحياد السياسي
للقائمين على الانتخابات: ولعل من أبرز معايير نزاهة
الانتخابات الديمقراطية حياد القائمين على إدارتها في جميع
مراحلها بدءاً من الإشراف على عملية تسجيل الناخبين والمرشحين،
ومروراً بإدارة يوم الانتخابات، وانتهاءً بعملية فرز الأصوات
وإعلان نتائجها النهائية، والإشراف على حق الناخبين والمرشحين
في الشكوى والتظلم أو الطعن.
ومن الناحية الوظيفية،
تعمل الإدارة المشرفة على الانتخابات في إطار النظام القانوني
السائد، واحترام مبدأ سيادة القانون. ولذا فإن التأكد من
معاملة كل الناخبين وكل المرشحين وفقاً للقانون ودون أدنى
تمييز على أساس اللغة أو العرق أو الأصل أو المكانة الاجتماعية
أو الوضع الاقتصادي أو الدين أو النوع يُعد من أبرز مهام تلك
الإدارة.[49] وتكتسب الإدارة المشرفة على الانتخابات ثقة
المواطنين من خلال الالتزام بالحياد السياسي والحزبي. ويتطلب
هذا الحياد البعد عن أية تصرفات قد يُفهم منها تغليب مصالح
الحكومة القائمة، أو مصالح فئة ما أو حزب سياسي معين، حال قبول
الهدايا أو الإعلان عن مواقف سياسية محددة أو الخوض في نشاطات
ذات صلة بأحد الجهات المتنافسة، وغير ذلك.[50]
ومن الناحية الهيكلية
يرتبط الحياد السياسي بأمور ثلاثة، هي: الشكل التنظيمي للإدارة
المنوط بها إدارة الانتخابات، وحجم السلطة الممنوحة لها،
وعلاقتها بالسلطتين التنفيذية والقضائية. وتقدم التجارب
الديمقراطية المعاصرة العديد من الأشكال في هذا الصدد، فبينما
تَتبع إدارة الانتخابات في كل من إنجلترا وفرنسا الإدارات
المحلية، وتدار محلياً في الولايات المتحدة مع وجود بعض القيود
الذي يحددها الدستور الفيدرالي، فإن بعض الدول الديمقراطية
تقيم لجاناً أو إدارات دائمة للانتخابات، ومستقلة تماماً عن
السلطة التنفيذية. ففي كندا هناك لجنة دائمة للانتخابات منذ
عام 1920، تخصص لها الدولة جزءاً من ميزانيتها، وهي تتمتع
بصلاحيات واسعة في إدارة الانتخابات، برغم أن الحكومة تقوم
بتعيين موظفي هذه اللجنة وقت الانتخابات فقط. أما في الهند
فثمة لجنة مستقلة بموجب الدستور منذ عام 1950، وفي استراليا
هناك لجنة عليا مستقلة لإدارة الانتخابات منذ عام 1984، تحصل
على ميزانيتها من الميزانية العامة للدولة.[51]
وفي بعض الحالات ولاسيما
وقت التحول إلى الديمقراطية لا تقتصر وظيفة اللجان المشرفة على
الانتخابات على إدارة الانتخابات والإشراف عليها وإعلان
نتائجها، وإنما تمتد لتشمل النظر في صلاحية إجراءاتها ودقة
نتائجها. وذلك كما حدث في أول انتخابات ديمقراطية تنافسية في
جنوب أفريقيا بعد انهيار نظام الفصل العنصري، إذ كان من
صلاحيات اللجنة المشرفة على الانتخابات هناك النظر في كل
المسائل المتصلة بصلاحية الانتخابات.[52]
ومن ناحية أخرى تختلف
الأشكال القائمة في الديمقراطيات المعاصرة من حيث خضوع قرارات
اللجان والإدارات المشرفة على الانتخابات للقضاء. ففي دول مثل
الهند واستراليا يخضع عمل تلك اللجان لنطاق عمل المراجعة
القضائية، حيث تستطيع المحاكم نقْض نتيجة أية دائرة انتخابية.
وكبديل لهذا فإن لجنة الانتخابات في دول كثيرة تضم قضاة، ففي
استراليا لابد أن يكون رئيس لجنة الانتخابات أحد قضاة المحكمة
الفيدرالية سواء كان من العاملين أو المتقاعدين.[53]
4. قانون انتخابي عادل
وفعّال: تستند نزاهة عملية إدارة الانتخابات، بشكل رئيسي، على
القانون الانتخابي الذي ينظم عملية الانتخابات في مراحلها
المختلفة، ويتيح لكل أطراف العملية الانتخابية من ناخبين
ومرشحين ومشرفين، الوقوف على الكيفية التي يتم من خلالها إدارة
الانتخابات والإعلان عن نتائجها. والنظام الانتخابي يحدد
القواعد التي تضعها النظم الديمقراطية بغية تحويل أصوات
الناخبين إلى مقاعد نيابية، [54] ولابد أن ينسجم مع التركيب
الاجتماعي للمجتمع، وعلى وضع يُمكن معه تمثيل كل الفئات
والجماعات المُشكلة للمجتمع. ولأن تفاصيل ومضامين أي نظام
انتخابي لا بد أن توضع في ضوء الأهداف المرجوة منه والمحددة
مسبقاً، فإنه يمكن تصور الأهداف الثلاثة التالية لأي نظام
انتخابي:
- تحويل أصوات
الناخبين إلى مقاعد في الهيئات التمثيلية النيابية
بالبرلمانات.
- توفير الآلية التي
يمكن من خلالها للناخبين محاسبة ممثليهم.
- توفير حوافز للمتنافسين
من أجل عرض برامجهم وآرائهم بحرية وتمثيل كافة فئات المجتمع.
ففي المجتمعات التي يعيش فيها أقليات عرقية أو دينية أو لغوية
تُوضَع بنود وقواعد مختلفة في النظم الانتخابية لتحقيق هدف دمج
هذه الأقليات في المجتمع.[55] كما أن هناك قوانين انتخابية
تتضمن آليات لضمان تمثيل المرأة.[56]
وقد اختلفت وتنوعت النظم
الانتخابية التي عرفتها التجارب الديمقراطية المعاصرة مع
اختلاف أوضاع وظروف كل دولة، على وضع لا يمكن معه أن نجد
نظامين متطابقين تماماً في دولتين مختلفتين. غير أنه يمكن
القول أن التجارب الديمقراطية الحديثة عرفت نظامين رئيسيين،
يُعدان - مع فروعهما وصورهما المختلفة - من أبرز الأنظمة
الانتخابية المعمول بها في عالمنا المعاصر، وهي نظم الأغلبية
"majority systems" ونظم التمثيل النسبي "proportional
systems". ولهذين النوعين الرئيسيين أشكال وأنواع عدة على
النحو الذي تفصله الدراسات ذات الصلة بالنظم الانتخابية.[57]
5. دورية الانتخابات:
وتعني سمة الدورية تطبيق القواعد والإجراءات الانتخابية ذاتها
– والمحددة مسبقاً - على جميع الناخبين والمرشحين بشكل دوري
"periodic" ومنتظم "regular" وغير متحيز لفئة أو جماعة معينة.
ويستند هذا المبدأ إلى سمة رئيسية من سمات الديمقراطية وهي أن
تقلد المناصب السياسية تُحدد زمنياً بفترات محددة، فالمسؤولون
المنتخبون لا يُنتخبون مدى الحياة في الديمقراطيات المعاصرة،
وكذا إلى قاعدة أن محاسبة الحكام ومساءلتهم تقتضي أن يتم
الاحتكام إلى الناخبين بشكل دوري ومنتظم بغرض الوقوف على
آرائهم في شأن السياسيين المنتخبين للمناصب السياسية والبرامج
والسياسات المختلفة. ويعني ما تقدم أن الحكام في الديمقراطيات
المعاصرة لا يمتلكون الحق في تأجيل أو إلغاء انتخابات محددة
سلفاً، كما أنه لا يمكن لهم مد فترة تقلدهم المناصب
السياسية.[58] إن بعض الحكام في دول العالم الثالث يحاولون
التلاعب بالقيود الدستورية التي تقيد عدد مرات الترشح لمنصب
رئيس الدولة، الأمر الذي يتناقض كلية مع مبدأ دورية
الانتخابات، وذلك كما حدث في مصر وتونس ولبنان، وكما فعل حكام
بوركينا فاسو وساحل العاج والغابون أوزباكستان وتركمنستان.[59]
6. ضمانات أخرى: ولكي توصف
الانتخابات الديمقراطية بالنزاهة لابد أن تتسم بمجموعة أخرى من
المعايير، لعل أبرزها ضمان سرية الاقتراع، وضمان حرية الاقتراع
يوم الانتخابات لجميع الناخبين بلا أدنى تمييز، وضمان حق
المتنافسين في الإشراف على سير الانتخابات في دوائرهم من خلال
مندوبيهم، وضمان حماية الدوائر الانتخابية من أي تدخل من أي
جهة أو هيئة ما بغرض التأثير على الناخبين لصالح مرشح معين،
وضمان أمن الدوائر الانتخابية ضد أية عمليات عنف قد تستهدف
تخريب العملية الانتخابية أو تعطيلها أو التأثير عليها. كما
تتسم الانتخابات الديمقراطية بشفافية ونزاهة عملية فرز الأصوات
وإظهار النتائج وإعلانها، وإعطاء مهلة مناسبة لتلقي الشكاوى
والطعون – الذي غالباً ما تقوم به اللجنة المشرفة على
الانتخابات أو المحاكم وذلك حسب النظام الانتخابي المعمول به
في كل دولة.[60]
(جدول رقم 3)
1. هل يضمن القانون حق
الاقتراع العام دون تمييز على أساس عرقي أو لغوي أو ديني أو
مذهبي أو جهوي أو قبلي أو عشائري؟
2. هل هناك ضمانات
للحيلولة دون استثناء فئات معينة من حق الاقتراع العام أو تمتع
فئات معينة بأوزان تصويتية أكبر من غيرها؟ وفي حالة وجود هذه
الفئات هل تم تبرير هذه الاستثناءات؟
3. هل القانون الانتخابي
يضمن قاعدة التصويت السري؟ وهل هناك وسائل مناسبة لمنع كل ما
عدا ذلك حال التصويت العائلي أو رشوة الناخبين أو شراء
الأصوات؟
4. هل يتضمن النظام
الانتخابي صيغة واضحة لتحويل الأصوات الانتخابية إلى مقاعد
نيابية؟ وهل يضمن النظام الانتخابي أن كل مقاعد المجلس النيابي
في البرلمان يتم ملؤها عن طريق انتخابات حرة ونزيهة ودورية؟
5. هل هناك ضمانات حقيقية
للحيلولة دون تعديل بند من القانون الانتخابي قبل الانتخابات
من أجل تحقيق مصالح حزب على آخر أو فئة على أخرى؟
6. هل يتعامل النظام
الانتخابي بشكل عادل وشفاف مع تمثيل الفئات الضعيفة سياسياً في
المجتمع كالمرأة والأقليات (إنْ وجدت)؟
7. هل تم توزيع الدوائر
الانتخابية بشكل يحقق أكبر قدر من المساواة بين الناخبين؟ وهل
هناك إجماع ما من المرشحين على ذلك؟ وهل هناك ضمانات حقيقية
للحيلولة دون تعديل حجم الدوائر الانتخابية من أجل تحقيق مصالح
حزب أو مرشح على آخر؟
8. هل تتم عملية تسجيل
الناخبين بشكل منتظم ودوري؟ وهل التعليمات المتصلة بنظام
التسجيل تُعلن بشكل منظم وواضح؟
9. هل يضمن القانون
الانتخابي استقلالية وحيادية اللجنة المشرفة على الانتخابات
واستقلاليتها المالية عن الحكومة؟
10. هل يتمتع كافة
المتنافسين بإدارة حملاتهم الانتخابية بشكل حر ومتكافئ دون
تدخل من السلطة التنفيذية؟
11. هل ثمة آليات
وإجراءات للتعامل مع أية خلافات أو شكاوى خلال فترة الحملات
الانتخابية؟
12. هل ثمة آليات للتأكد
من أن وسائل الإعلام الحكومية لا تُخصص وقتاً أكبر في مساحاتها
الإخبارية للحزب الحاكم أو الفئة الحاكمة؟
13. هل تمثل الحدود
القصوى للإنفاق على الحملات الانتخابية حدوداً معقولة؟ وهل
بالقانون الانتخابي آليات لمعاقبة من يتجاوز هذه الحدود؟
14. هل يوفر القانون
الانتخابي آليات لتمكين المواطنين من الاطلاع على التقارير
المتصلة بالإنفاق في الحملات الانتخابية؟
15. هل يوفر القانون
الانتخابي آليات لتأمين صناديق الاقتراع وأدوات التصويت قبل
وأثناء وبعد الانتخابات والحيلولة دون تفشي العنف وقت
الانتخابات؟
16. هل يوفر القانون
الانتخابي الآليات التي من خلالها يمكن للمواطنين المقيمين
بالخارج وذوي الاحتياجات الخاصة التصويت في الانتخابات؟
17. هل بالقانون ما يضمن
حياد رجال الشرطة وعدم تدخلهم في الانتخابات واللجان إلا
للإدلاء بأصواتهم أو بتصريح من المشرفين على اللجان؟
18. هل هناك آليات حقيقية
لضمان فرز الأصوات ورصدها بنزاهة وشفافية؟ وهل ثمة آلية واضحة
ومحددة لإعادة فرز الأصوات إذا تطلب الأمر؟
19. هل يضمن القانون قيام
مندوبي المرشحين المتنافسين بمراقبة الانتخابات والإشراف على
عملية فرز الأصوات والإعلان عن النتائج؟ وهل ثمة آليات
بالقانون للتأكد من عدم تجاوز مندوبي المرشحين لأدوارهم بعد
انقضاء فترة الحملات الانتخابية، أو داخل اللجان أثناء
الانتخابات بغرض الترويج لمرشحهم؟
20. هل يسمح القانون
لمراقبين معتمدين (محليين أو دوليين) بمراقبة والإشراف على
الانتخابات؟ وهل يحدد القانون المتطلبات التي يجب أن تتوفر في
الأشخاص حتى يمارسوا دور المراقبين المعتمدين؟ وهل ثمة مطالب
قانونية صارمة تحول دون عمل الملاحظين الدوليين أو المحليين أو
تعرقل أعمالهم؟
21. هل يسمح القانون
لممثلي الجمعيات الأهلية ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني
القيام بالإشراف على الانتخابات؟
22. هل يوفر القانون
لمندوبي المرشحين والأحزاب معايير محددة للأداء "code of
conduct" خاص بيوم الانتخابات داخل اللجان وأثناء فرز الأصوات
والإعلان عن النتائج؟
23. هل القانون يضمن حق
الناخبين والمرشحين في الاستئناف ضد قرار من قرارات اللجنة
المشرفة على الانتخابات أمام المحاكم؟ وهل هناك فترة زمنية
محددة للتقدم بالاستئناف وللنظر في الاستئناف واتخاذ قرار في
شأنه؟
ملاحظات
ختامية:
استناداً إلى ما تقدم،
فإنه يمكن الانتهاء إلى الملاحظتين الرئيسيتين التاليتين:
أولاً – إن مجرد إجراء
انتخابات في بلد ما لا يعني أن نظام الحكم في ذلك البلد قد خرج
من مصاف الدول التسلطية أو الشمولية، وأصبح ديمقراطياً.
فالانتخابات التي يوصف نظام الحكم المقترن بها بالديمقراطية
لابد أولاً أن تستند إلى دستور ديمقراطي يضع المبادئ الرئيسية
للديمقراطية موضع التطبيق الحقيقي، ولابد ثانياً أن تتسم بسمات
ثلاث هي"الفعّالية" و"الحرية" و"النزاهة". وهذا ما يُجمله
التعريف التالي الذي نقدمه لمفهوم "الانتخابات الديمقراطية".
الانتخابات الديمقراطية هي
عملية اختيارٍ من بين بدائل متعددة، تتسم بأنها:
1. فعّالة: لأنها تستهدف
التعبير عن مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطة، وانتخاب الحكام
وتسوية الصراع على السلطة بطرق سلمية، وتوفير الشرعية الشعبية
للحكام وآلية التداول على المناصب السياسية العليا ومحاسبة
الحكام، ولأنها تمثل مصدراً لتوعية وتثقيف المواطنين وتجنيد
السياسيين والقادة،
2. حرة: لأنها تستند إلى
مبدأي حكم القانون والتنافسية وتحترم حريات وحقوق المواطنين
الرئيسية،
3. ونزيهة: لأنها تُجرى
بشكل دوري وتقوم على نظام انتخابي عادل وفعّال وتستند إلى حق
الاقتراع العام ويلتزم القائمون عليها بالحياد السياسي والحزبي
في إدارتها وبالشفافية في تسجيل الناخبين وفي فرز الأصوات
وإعلان النتائج.
أما ما عدا ذلك من
انتخابات، فلها وظائف أخرى كإضفاء شرعية شعبية زائفة، أو تعبئة
الجماهير وراء الحكام وصرف أنظارهم عن الإصلاحات السياسية
الحقيقية، أو التخفيف من حدة ضغوط المعارضين المنادين بالإصلاح
في الداخل، وضغوط المطالبين باحترام حقوق الإنسان في الداخل
والخارج. كما أنها لا تتم بشكل دوري ومنتظم، ولا تتسم عملية
إدارتها وإعلان نتائجها بالحياد والشفافية. هذا فضلاً عن أن
الانتخابات غير الديمقراطية لا تحترم القانون ولا تُمكن أغلبية
الناخبين من منافسة الذين هم في الحكم ناهيك عن إمكانية تقلدهم
الحكم، وذلك بغض النظر عن وجود قوانين تنص على حرية التصويت من
ناحية، وعن وجود برامج وبدائل متعددة أو مرشحين متعددين وقت
الانتخابات من ناحية أخرى. فالعبرة ليست بالنصوص أو النوايا
وإنما بالتطبيق الفعلي لتلك النصوص وللنتائج الفعلية
للانتخابات.
ثانياً- إن مقارنة
الديمقراطيات النيابية الغربية بالديمقراطيات الناشئة أو
بالنظم التي تسعى نحو الديمقراطية استناداً إلى معيار إجراء
الانتخابات فقط يتناقض تماماً مع الاعتبارات المتصلة باختلاف
واقع تلك المجتمعات عن بعضها البعض من جهة، ويتعارض مع مقتضيات
المقارنة التي هي أحد أساليب البحث العلمي من جهة أخرى. وذلك
في ضوء الاعتبارات التالية:
1. للانتخابات متطلبات هي
في جوهرها المبادئ الرئيسية للدساتير الديمقراطية ومجموعة
الإجراءات والقواعد والمؤسسات التي توضع بغرض تطبيق تلك
المبادئ. وهذا يعني أن ثمة اختلافات عدة بين المجتمعات
الديمقراطية والمجتمعات غير الديمقراطية، وذلك فيما يتصل بحكم
القانون ودولة المؤسسات والحكم المقيد، بل وفي مستوى الوعي
والثقافة ومستويات الدخول، وغير ذلك. وهذا ما جعل الكثير من
الباحثين يركزون على أهمية إنجاز تلك المتطلبات قبل إجراء
الانتخابات.[61]
2. وارتباطاً بما سبق،
يمكن القول أن الانتخابات الحرة والنزيهة والفعّالة ليست غايةً
في حد ذاتها. وإنما هي وسيلة إلى غاية أعلى منها، تتمثل في
المقاصد العليا للانتخابات. فعلى الرغم من إجراء انتخابات كل
ست سنوات لاختيار الرئيس في المكسيك من العشرينيات حتى
التسعينيات من القرن الماضي، إلا أن سيطرة الحزب الواحد على
مقدرات الأمور وغياب دولة المؤسسات الديمقراطية جَعَلَ من تلك
الانتخابات مجرد آليات للتصديق على رغبات ورؤى الحزب الحاكم.
كما أن إجراء انتخابات شبه دورية في مصر في العقود الثلاثة
الأخيرة لم تستهدف مقصداً واحداً من المقاصد السابق تناولها في
هذه الورقة.
3. إنه من غير الممكن
إجراء مقارنات بين دول لا تشترك في حد أدنى من السمات العامة
المشتركة. إن الاستناد إلى التحليل الشكلي القانوني فقط لا
يمكن أن يكشف عن أوجه الاختلاف بين تلك الدول، فالكثير من دول
العالم الثالث تتبني – من الناحية الشكلية – دساتير منقولة عن
الدول الديمقراطية، لكن دون أن تعمل على تطبيقها في الواقع
الفعلي. ولذا، تظل القوة السياسية حكراً على حزب ما أو طبقة
معينة أو أسرة مالكة، وتبقى الجماهير بعيدة تماماً عن أن تُقرر
مَنْ يحكمها، وتغيب دولة المؤسسات في كافة مجالات الحياة، وتضع
السلطة قيوداً قانونية وفعلية أمام جُل حريات الأفراد وحقوقهم.
وفي المقابل يُعد التحليل القائم على النظر إلى الممارسات
الفعلية للحكومات، وحقيقة العلاقة بين الحكام والجماهير، وكذا
البناء الاجتماعي والتجربة التاريخية والعوامل الاقتصادية
والثقافية، يُعد مدخلاً ضرورياً لدراسة وتحليل الأوضاع
السياسية في تلك البلدان، ولفهم لجوء الكثير من الحكام إلى
آلية الانتخابات بغرض تحقيق غايات وأهداف هي أبعد ما تكون عن
مقاصد الانتخابات الديمقراطية الحقة.
.......................
(*) قسم العلوم السياسية – جامعة الإسكندرية
[44] Elklit, 131.
[45] International Electoral Standards: Guidelines for
Reviewing the Legal Framework of Elections, 33-35.
[46] وقد استغرق التوسع في حق الاقتراع والوصول إلى قاعدة أن
لكل شخص صوت واحد نحو قرن من الزمان، انظر:
Robert Maranto, "Elections," in Survey of Social Science:
Government and Politics, Volume 2, (Pasadena, California:
Salem Press, 1995), 279.
[47] ولا يعني حق الاقتراع العام حق كل مواطني الدولة في
الاقتراع، إذ أن هناك فئات مُستثناه من هذا الحق دون أن ينتقص
هذا من ديمقراطية النظام السياسي أو نزاهة الانتخابات وهذه
الفئات تضم الأطفال دون 18 عاماً، المرضى عقلياً ونزلاء
المصحات العقلية، السجناء، وغير المواطنين أو الأجانب، وغير
المسجلين في الجداول الانتخابية. وتستثنى بعض الدول رجال
الشرطة والجيش والقضاء كما هي الحال في مصر. وثمة من يجادل في
عدم ديمقراطية بعض هذه الاستثناءات، ويرون أن ليس ثمة مبررات
لاستثناء غير المواطنين المقيمين والمسجونين. أنظر:
Ranney, Governing, 160-161.
[48] International Electoral Standards: Guidelines for
Reviewing the Legal Framework of Elections, 45-48.
[49] Michael Maley, "Administration of Elections," in Rose,
International Encyclopedia of Elections, 7.
[50] Maley,
8.
[51] Ibid.
[52] Ibid., 7.
[53] Ibid, 8.
[54] انظر:
David M. Farrell, Electoral Systems: A Comparative
Introduction (London: Palgrave, 2001), Lijphart [et al.],
Electoral Systems and Party Systems, 1, Donald L. Horowitz,
“Electoral Systems: A Primer for Decision Makers," Journal
of Democracy 14.4 (Oct. 2003) 115-120, Arend Lijphart
"Electoral Systems," in Seymour Martin Lipset, ed. The
Encyclopedia of Democracy (Washington, D.C.: Congressional
Quarterly Books, 1995), Maley, 9, Horowitz, Electoral
Systems, 115-116, David Butler, "Electoral Systems." In
David Butler, Howard R. Penniman and Austin Ranney, 7-25.
[55] أندرو رينولدز وبن ريلي، دليل المؤسسة الدولية
للديمقراطية والانتخابات حول أشكال النظم الانتخابية
(استكهولم: المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، 2002)،
37، 98-99.
[56] المرجع السابق، 97-98.
[57] انظر في شأن النوعين الرئيسيين للنظم الانتخابية:
أندرو رينولدز وبن ريلي، 18-39.
Farrell, 19-151, Lijphart, Patterns of Democracy, 143-162,
Lijphart, Electoral Systems and Party Systems, 1, Butler,
"Electoral Systems," 7-25, Ranney, Governing, 168-177, Josep
M. Colomer, Political Institutions: Democracy and Social
Choice (Oxford and New York: Oxford University Press, 2001),
66-140.
[58] Krennerich, 43.
[59] Ibid.
[60] International Electoral Standards: Guidelines for
Reviewing the Legal Framework of Elections, 407-409, Code of
Conduct for the Ethical and Professional Administration of
Elections (Stockholm, Sweden: International IDEA, 1997), and
Code of conduct for the Ethical and Professional Observation
of Elections (Stockholm, Sweden: International IDEA, 1997).
[61] فعلي سبيل المثال يضع فريد زكريا، محرر مجلة النيوزويك
الأمريكية، حكم القانون قبل إجراء الانتخابات الحرة في سلم
الأولويات، كما أن للديمقراطية عند لاري دياموند متطلبات ليس
من بينها الانتخابات، انظر:
Larry Diamond, “Universal Democracy,” Policy Review, June
2003 and Larry Diamond, “Institutions of Accountability,”
Hoover Digest, No.3 (1999), (Feb. 26, 2004),
<http://www-hoover.stanford.edu/publications/digest/993/diamond.html>
..................
دراسة مقدمة إلى مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية:
"الديمقراطية والانتخابات في البلاد العربية"، أكسفورد، أغسطس
2006. من موقع :
http://www.dctcrs.org/s2634.htm