الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

 الأربعاء : 19/08/2009

  

 

الثقافة كساحة للصراع الإيديولوجي في النظام الدولي الحديث

 

عمانويل فالرشتاين

ترجمة: الذهبي مشروحي

 

 

"ليست طبيعتنا البشرية هي وحدها العالمية بل وكذلك قدرتنا على خلق وقائع ثقافية لكي نتصرف على أساسها"
(مينتز، 1988: 14)

 

 

ـ I ـ

قد يكون مفهوم ثقافة من بين أوسع المفاهيم التي استعملتها العلوم الاجتماعية التاريخية. إنها تشتمل على فئة واسعة جدا من الدلالات ولعلها تكون بالتالي المتسببة في كونها الأكثر صعوبة من بينها. ومن ثمة هناك التباس جوهري في استعمالنا لها وهو ما سينصب اهتمامي عليه.

هناك، من جهة، إحدى أهم اللبنات التي تقوم عليها نظرة العلوم الاجتماعية إلى العالم والتي يؤكد عليها الأنثروبولوجيون بجلاء وهي القناعة التالية: في الوقت الذي يشترك فيه كل الأشخاص مع كل الآخرين في بعض السمات فإن كل الأشخاص لا يشتركون أيضا في سمات أخرى إلا مع البعض الآخر فقط. ثم إن كل الأشخاص سيظلون يتميزون ببعض السمات الأخرى لا يشتركون فيها مع أي شخص آخر. هذا يعني أنه يمكن أن يوصف كل شخص بطرق ثلاث حسب المثال الأساس: بالخصائص العامة للنوع البشري، وبمجموع الخصائص التي تعين هذا الشخص باعتباره عضوا في إحدى سلاسل الجماعات، ثم بخصائص هذا الشخص الفريدة. وعندما نتحدث عن السمات التي لا هي عامة ولا هي خاصة فإننا نستعمل، في غالب الأحيان، مصطلح "ثقافة" لوصف مجموع هذه السمات أو هذه السلوكات أو هذه القيم أو هذه المعتقدات. وقصارى القول، فلكل "مجموعة" "ثقافتها" الخصوصية بحسب الجنس، أو العرف أو اللغة أو الطبقة أو بحسب القومية، الخ. وبناء عليه، فإن كل شخص يشارك في العديد من "الثقافات".

والثقافة من جهة أخرى، لا تستعمل للدلالة على الكلية الخصوصية عند جماعة واحدة في مقابلة جماعة أخرى بل للدلالة، عوض ذلك، على خصائص معينة داخل الجماعة باعتبارها متعارضة مع خصائص أخرى داخل نفس الجماعة. إننا نستعمل الثقافة للإشارة إلى الفنون "الرفيعة" باعتبارها متعارضة مع الممارسة الشعبية أو اليومية. إننا نستعمل الثقافة للدلالة على ما هو، بنية فوقية، باعتباره متعارضا مع ما هو بنية "تحتية". إننا نستعمل الثقافة للدلالة على ما هو "رمزي" في مقابل ما هو "مادي". هذه التمييزات الثنائية المختلفة ليست متطابقة على الرغم من كونها تبدو كما لو أنها تصب جميعها في اتجاه التمييز الفلسفي القديم بين "المثالي" و"الواقعي" أو بين "العقل" و"المادة".

[...]

إن التمييز الفلسفي بين "المثالي" و"الواقعي" وبين "العقلي" و"المادي" قديم جدا. ومجمل القول إنه أنتج منظورين اثنين على الأقل ضمن سياق ما يطلق عليه الفلسفة الغربية. والذين أعطوا الأسبقية "للمثالي" أو "للعقلي" حاولوا البرهنة على أن التمييز يشير إلى حقيقة أنطولوجية وأن "المثالي" والعقلي" أهم أو أشرف وبكيفية ما أعلى من "الواقعي" أو "المادي". والذين أعطوا الأسبقية "للواقعي" أو "المادي" لا يتخذون، مع ذلك، الموقف المعاكس. وبدلا من ذلك فهم يميلون إلى البرهنة على أن "المثالي" أو "العقلي" ليسا ماهيتين مختلفتين بل بالأحرى هما إبداعان اجتماعيان، وأن "الواقعي" وحده أو "المادي" هو الذي يتمتع بوجود حقيقي. وباختصار فقد حاولوا البرهنة على أن مفهوم "المثالي" أو "العقلي" هو سلاح إيديولوجي للسيطرة المراد به إخفاء الوضع الوجودي الحقيقي.

لنعرف، إذن، الثقافة (في الاستعمال الأول) بمجموع الخصائص التي تميز جماعة عن أخرى؛ وفي (الاستعمال الثاني) بعض المجموعات من الظواهر التي تختلف عن بعض المجموعات الأخرى (و"أعلى" منها) داخل أي جماعة واحدة. يطرح موضوع الثقافة (الاستعمال الأول) معضلة كبيرة. من ذا الذي أو ما الذي يملك مثل هذه الثقافة؟ يظهر أن الجماعات هي التي تملكها. ولكن إذا كانت "الثقافة" في مصطلحنا العلمي لها أوسع استعمال وأكثره التباسا فإن "الجماعة" كلمة ذات استعمال أكثر إبهاما. فـ"الجماعة" كمصطلح تصنيفي ليس هو ما يأمل كل شخص تعريفه باعتباره جماعة. ولا يوجد تمة شك في اتباع الحجة النهائية لمثل هذا المصطلح أي "جماعة" من كل أولئك الذين لهم طول معين أو الذين يكون لشعرهم لون معين. لكن هل يمكن لمثل هذه "الجماعات" أن تقول بأنها مالكة "للثقافات"؟ ربما توجد أقلية تزعم ذلك. إذن، يتبين بجلاء أن بعض "الجماعات" هي التي تملك "ثقافات".

سوف نجرب هذه المحاولة انطلاقا من الاتجاه المعاكس. إلى أي نوع من الجماعات تنسب "الثقافات" (في الاستعمال الأول) في الأحوال العادية؟ عادة ما يقال بأن الأمم ثقافة وطنية. ويقال عادة أن "القبائل" و/أو "الجماعات العرقية" تملك ثقافة. وليس من المستغرب أن تقرأ ما تيسر عن "ثقافة" "المثقفين الحضريين"، أو ثقافة "الفقراء الحضريين". وقد نقرأ بندرة أكبر لكن وبتواتر عن "ثقافة" "الشيوعيين" أو "الأصوليين الدينيين". بيد أنها على ما يبدو تملك بعض أشكال الوعي الذاتي (وبالتالي إحساسا بالحدود) وبعض أنماط التنشئة الاجتماعية مؤلفة مع نظام "دعم" قيمهم أو سلوكاتهم الملزمة وبعض أنواع التنظيم. وقد يكون التنظيم محددا بدقة كما هو الشأن بالنسبة للأمة-الدولة وقد يكون غير مباشر تماما مثلما في الجرائد والمجلات وربما الجمعيات التطوعية المشتركة التي تعمل كشبكة للتواصل بين "المثقفين الحضريين".

وعليه، فما أن أثرت سؤال ما الذي أو/من الذي له ثقافة حتى ظهر فورا وبوضوح إلى أي حد يبدو هذا الحقل متنطقا. ما الدليل على أن لكل جماعة معينة "ثقافة"؟ ولم يكن الجواب أبدا هو أن كل "الأعضاء" المفترضين في أي من هذه الجماعات يتصرفون مع بعضهم البعض بنفس الشكل وبشكل يختلف مع كل الآخرين. وعلى أبعد تقدير يمكننا أن نبرهن على وجود علاقة دالة إحصائيا بين "عضوية" الجماعة وبين بعض السلوكات أو الخيارات القيمية أو ما إلى ذلك.

ثم إننا إذا ما ضغطنا قليلا فمن الواضح أن اكتشافاتنا الإحصائية سوف تتنوع باستمرار (وربما بشكل لافت) مع الزمن. هذا يعني أن السلوك أو الخيارات القيمية أو ما يمكن أن يعرف به المرء الثقافة هو بالطبع ظاهرة متطورة حتى ولو كان تطورها بطيئا على الأقل فيما يتعلق ببعض الخصائص (مثل عوائد الأكل).

ومما لا مراء فيه من الجهة الأخرى أن الشعوب في مختلف أرجاء العالم أو في مختلف العصور أو في مخلف الطوائف الدينية أو اللغوية يتصرفون على الرغم من ذلك بشكل مختلف بالنسبة لبعضهم البعض وفي حدود معينة يمكن تعيينها وملاحظتها بمنتهى السهولة. وعلى سبيل المثال سيلاحظ كل شخص يسافر من النرويج إلى إسبانيا أن الساعة التي تكتظ فيها المطاعم "وقت العشاء" مختلفة جدا في كلا البلدين. وكل مسافر من فرنسا إلى الولايات المتحدة سوف يلاحظ أن التواتر الذي يستدعي به الأجانب كضيوف إلى المنازل جد مختلف. وأن طول أقمصة النساء في البرازيل وإيران شديد الاختلاف وهلم جرا. وأنا لم أعمل سوى على ذكر بعض العناصر التي يطلق عليها سلوكا يوميا. وعندما سأثير المزيد من القضايا الميتافيزيقية سيكون من السهل كما يعرف الجميع، توضيح الاختلافات بين الجماعات.

وعليه، فالاختلافات، من جهة، واضحة وهي ما يتناول مفهوم الثقافة (في الاستعمال الأول). ومع ذلك من الصعوبة بمكان الدفاع عن درجة التماثل الفعلية في سلوك الجماعات. وعندما يقول مينتز بأننا نملك "القدرة على خلق وقائع ثقافية لكي نتصرف على أساسها لا يسعني إلا أن أتفق معه. لكني أتساءل أيضا كيف يمكننا معرفة من هذه "نحن" التي لها هذه المقدرة. في هذه النقطة أصبح في شك أن يكون بإمكاننا أجرأه مفهوم الثقافة (في الاستعمال الأول) بأية طريقة تسمح لنا باستعماله في أقوال تكون عادية جدا. فالأنثروبولوجيون، أو على الأقل البعض منهم، قد برهنوا بشكل مقنع على أن مفهوم "طبيعة بشرية" لا يمكن أن يستعمل في استنباط مضامين ذات دلالة بالنسبة للأوضاع الاجتماعية الفعلية. أفلا يصدق هذا أيضا على بديلها المقترح الذي هو الثقافة؟

من هنا، إذن، سأبدأ. وعلى ما يبدو فإن الثقافة (في الاستعمال الأول) لا تبعدنا كثيرا عن تحليلاتنا التاريخية والثقافية (في الاستعمال الثاني) ينظر إليها بعين الريبة باعتبارها غطاء إيديولوجيا يبرر مصالح بعض الأشخاص (وبالأخص الشرائح العليا) داخل أية "جماعة" أو "نظام اجتماعي" معين ضد مصالح أشخاص آخرين داخل نفس الجماعة. وحتى لو أن نفس التمييز بين "المثالي" و"الواقعي" و"العقلي" و"المادي" فهم فعلا على أنه سلاح إيديولوجي للسيطرة فالخلط بين الاستعمالين للثقافة سوف يكون إذن مجرد نتيجة منطقية ما دام سينضاف بلا شك إلى مسلسل إخفاء الوضع الوجودي الحقيقي. لذلك سوف أعمل على اقتفاء أثر التطور الفعلي "للثقافة" (في الاستعمالين معا) عبر الزمن داخل النظام التاريخي الذي منح الوجود لهذا الاستعمال الملتبس والفضفاض لمفهوم الثقافة أي النظام الدولي الحديث الذي هو الاقتصاد الرأسمالي العالمي.

ـ II ـ

لنشرع إذن في استعراض بعض وقائع تطور هذا النظام التاريخي باعتبارها أثرت على الكيفية التي "نظر" بها إليه المشاركون فيه. يعني، أنني أهتم بالدرجة التي أصبح بها هذا النظام التاريخي واعيا بذاته وشارعا في صياغة إطاريه الثقافي و/أو الإيديولوجي اللذين يبررانه ويدفعان حركته إلى الأمام وبالتالي يدعمان إعادة إنتاجه. سأذكر ستا من هذه الوقائع التي لها دخل في الصياغات النظرية التي أسهمت في انتشار هذا النظام.

1 ـ لقد بني الاقتصاد الرأسمالي العالمي عبر دمج مجموعة واسعة جغرافيا من عمليات الإنتاج. ونطلق على هذا تأسيس "تقسيم العمل" الأحادي. إن كل الأنظمة التاريخية بالطبع مؤسسة على تقسيم العمل لكن لا أحد منها كان معقدا وواسعا ومفصلا ومنسجما قبل الاقتصاد الرأسمالي العالمي. فالإطار السياسي الذي نشأ في إطاره تقسيم العمل هذا لم يكن، مع ذلك، تقسيما لإمبراطورية دولية بل تقسيما لنظام بين دولي والذي هو بدوره نتاج للتطور التاريخي لهذا النظام. فهذا النظام بين دولي تشكل ومنح الظهور وأعطى المشروعية لمجموعة من الدول سميت دولا ذات سيادة. ومن خصائصها المحددة تميزها الجغرافي وتطابقها مع عضويتها وخضوعها لهذا النظام الدولي. ومع ذلك فليس النظام الدولي هو من يتحكم في وسائل العنف بل الدول متفرقة. ثم إن تحكمها محصور نظريا في إطار سلطاتها الخاصة. وعلى الرغم من أن مثل هذا التحكم الكلي هو من باب الأسطورة فالعنف الذي تستحوذ عليه الدولة هو على الأقل عنف مكثف إن لم يكن استثنائيا.

إن هذا التنظيم للحياة الاجتماعية تكون فيه الضغوط "الاقتصادية" المهيمنة "عالمية" (كلمة سيئة لكنها ذات استعمال شائع) والضغوط "السياسية" المهيمنة "وطنية" ويشير إلى أول تناقض في الكيفية التي يفسر بها المشاركون أفعالهم ويبررونها. فكيف يمكن للمرء شرحها وتبريرها وطنيا وعالميا في الآن نفسه؟

2 ـ يعمل الاقتصاد الرأسمالي العالمي كمعظم (وربما ككل) الأنظمة التاريخية من خلال نمط ذي إيقاعات دورية. ومن أكثر هذه الإيقاعات بروزا وربما أكثرها أهمية هو مسلسل التوسع المنتظم ظاهريا وتقلص الاقتصاد العالمي ككل. وبحسب ما توفره المعطيات الحالية فهذه الدورة تميل إلى أن تمتد ما بين خمسين إلى ستين سنة لتشمل مرحلتيها معا.

إن عمل هذه الدورة (الذي يطلق عليه أحيانا "الموجات الطويلة" وأحيانا دورات كوندراتييف) معقد وسوف لن أقوم بفحصه هنا (انظر على سبيل الاستئناس فالرشتاين 1982). ومع ذلك فإن جانبا من العملية يتمثل في أن الاقتصاد الرأسمالي العالمي تدفعه الحاجة دوريا إلى توسيع الحدود الجغرافية للنظام ككل محدثا بالتالي أمكنة جديدة للإنتاج تشارك في تقسيمه للعمل المحوري. فعلى مدى أربعمائة سنة عملت هذه التوسعات المتعاقبة على تحويل الاقتصاد الرأسمالي العالمي من نظام نشأ أولا في أوربا إلى نظام يغطي الكرة الأرضية برمتها.

إن التوسعات المتوالية التي تحققت كانت مسلسلا واعيا استخدم عدة أنواع من الضغوطات العسكرية والسياسية والاقتصادية بما في ذلك طبعا سحق المقاومات السياسية في المناطق الجغرافية التي تم فيها التوسع. إننا نطلق على هذه العملية عملية "الإدماج" وهي أيضا عملية جد معقدة (انظر هوبكينز وفالرشتاين 1987). تشير هذه العملية إلى تناقض ثان واجهه سكان كل منطقة تم إدماجها على التوالي. فهل نظروا إلى التغيرات التي كانت جارية بمناطقهم كانتقالات من "ثقافة" تقليدية محلية إلى "ثقافة" عالمية حديثة أم أن هؤلاء السكان أخضعوا لضغوط من أجل التخلي عن "ثقافتهم" وتبني ثقافة القوة أو القوى الإمبريالية الغربية؟ هل يتعلق الأمر بحالة تحديث أم بحالة تغريب؟

3 ـ إن الرأسمالية نظام يقوم على التراكم اللانهائي للرأسمال. وهي بالتالي نظام يتطلب الامتلاك الأقصى لفائض القيمة. تمة طريقتان للرفع من امتلاك فائض القيمة: الأولى وهي أن العمال يبذلون جهدا كبيرا وبفعالية أكبر وبالتالي يخلقون خارجا أكبر بنفس القدر من الدخول (غير وقت العمل البشري). والثانية هي إرجاع قليل من القيمة التي أنتجت إلى منتجيها المباشرين. وباختصار فالرأسمالية، بالتعريف، تستلزم الضغط على كل المنتجين المباشرين لكي يعملوا أكثر ويتقاضوا أقل.

هذا المطلب، إذن، يتنافر مع منطق مطالبة الفرد، ذكرا كان أو أنثى، بمصلحته. إن أوضح باعث على العمل الدؤوب هو التعويض المرتفع. ويمكن للإنسان أن يستبدل التعويض المرتفع بالقمع إلا أن لهذا الأخير ثمنه أيضا وبالتالي فإن استعماله يخفض من فائض القيمة. الشيء الذي ينتج عنه أنه ما لم يتم تعويض (جزئي على الأقل) لحافزي العمل اللذين هما المكافأة والخوف بحوافز أخرى غيرها، فمن الصعب جدا تحقيق الهدفين معا أي العمل الذؤوب والأجر المنخفض في الوقت نفسه. فكيف يمكن للمرء أن ينظر إلى هذا النظام انطلاقا من الكيفية التي يحقق بها هذا الغرض؟

4 ـ إن الرأسمالية كنظام تتطلب التحويل والتغيير وعلى الأقل التغيير الشكلي. فالتراكم الأقصى للرأسمالي لا يتطلب فقط ترويج البضائع والرأسمال بل وأيضا القوة البشرية. وبالإضافة إلى ذلك فهي تتطلب تطورا دائما في تنظيم الإنتاج سواء من حيث طبيعة القطاعات الطليعية أو من حيث طبيعة منشآت الإنتاج. إننا نحلل هذه الظواهر، في الغالب، من خلال زاويتين: زاوية التجديد الاقتصادي وزاوية صعود أو أفول الدول.

ومن إحدى النتائج الأساسية لهذا الواقع التأكيد الكبير على فضائل "الجدة" داخل النظام العالمي الحديث. إذ لا أحد من الأنظمة التاريخية السابقة قام على أساس نظرية التقدم إن لم نقل على نظرية التقدم الحتمي. إلا أن التأكيد على الجدة وتنفيذها الدائم (على الأقل على مستوى الشكل) يثير بجلاء مسألة الشرعية، شرعية النظام التاريخي عموما، وشرعية الدستور السياسي الأساسي وشرعية الدول المختلفة ذات السيادة خصوصا. لقد نوقشت، على الدوام، مسألة الشرعية من بودين إلى ماوتسي تونغ مرورا بماكس فيبر ونظر إليها كقضية مستعصية جدا عن الحل. إنها صعبة، بوجه خاص، لأن الدفاع نفسه عن فضائل الجدة يقوض شرعية كل سلطة مع أن الشرعية قد تم تحقيقها بعد جهد جهيد.

5 ـ إن النظام الرأسمالي هو نظام استقطابي سواء في نموذج المكافأة أو في الدرجة التي يصبح فيها الأشخاص مجبرين باطراد على لعب أدوار اجتماعية على طرفي نقيض. ثم إنه، مع ذلك، نظام توسعي أيضا ومن تمة فهو نظام اتخذت فيه كل المعالم المطلقة شكل امتداد خطي صاعد في الزمن: مادام الاقتصاد الرأسمالي العالمي تميز دائما بنشاط إنتاجي، منذ البداية، وأنتج الكثير من "القيم بل والكثير من السكان والاختراعات الكثيرة. وبالتالي تميز بالكثير من مظاهر الثراء الفاحشة.

بيد أنه إذا كان نظاما استقطابيا فإنه سيكون من الصحيح أن هذه الزيادة في الثروة لا يستفيد منها سوى جزء قليل من ساكنة العالم. وقد تكون هذه هي أيضا حالة الاستهلاك الحقيقي من الدخل الفردي العالمي التي لا تحتل أية أهمية. وعلى سبيل المثال، إنها بكل تأكيد ما يتعلق بتقلص الحيز الفيزيقي للفرد وبقي للفرد من الأشجار أقل مما كان له منذ أربعمائية سنة خلت. ماذا يعني هذا بالنسبة لهذه الظاهرة المتملصة بل والحقيقية جدا أي "نوعية الحياة"؟

ولهذا فالتناقض الذي يحتاج إلى توضيح هو الموجود بين "التقدم" والتدهور، بين الثروة المتنامية بشكل واضح وبين الفقر الحقيقي المدقع. وإن الكيفية الوحيدة لنشر الغضب الناتج عن ذلك قد تكون هي الإنكار. ولكن أين السبيل إلى إنكار الظواهر التي أصبحت عمومية وأين هي بالتالي الخاصية العمومية التي هي إحدى متطلبات هذا النظام؟ أي أن التراكم اللانهائي للرأسمال يتطلب كأحد آلياته توجها جماعيا نحو الاستهلاك.

6 ـ وأخيرا فالنظام الرأسمالي العالمي هو نظام تاريخي. ولكونه كذلك فهو يتمتع بدورة حياة كأي نظام آخر ولا بد وأن يتوقف عن العمل عند نقطة معينة كحاصل لنتائجه البارزة الناتجة عن تناقضاته التي تشل حركته في نهاية المطاف. لكنه أيضا نظام يقوم على منطق خاص وهو منطق التراكم الذي لا يتوقف للرأسمال. مثل هذا النظام لا يمكنه إلا أن يتوسل إمكانية التوسع اللانهائي.

قد يبدو التوسع اللانهائي تحسنا كما في صورة السمو نحو السماء أو كارثي كما في صورة التردي في الحضيض. فكلا الصورتين تكبحان، إلى حد ما، الحركة ما دامتا تبدوان أقل ما يمكن للفرد القيام به للتأثير في النمط. إن الواقع الدنيوي مع ذلك جد معقد وأكثر تموجا إلا أنه أيضا أكثر خضوعا لإرادة الإنسان.

وبقدر ما تنحو الأنظمة باتجاه موتها الطبيعي تجد نفسها في وضع "انتقال" نحو مستقبلات مجهولة. ونفس هذا المجهول الذي في مستوى منه يكون منقذا هو في نفس الوقت محرج. هنا نحن أمام مأزق كيفية النظر إلى هذا التحول سواء كان إنكار صيرورة "الموت" النسقي أو الترحيب بدله بصيرورة "الولادة" النسقية.

ـ III ـ

إن "الثقافة" أعني منظومة أفكار الاقتصاد الرأسمالي العالمي هي حاصل محاولاتنا التاريخية الجماعية لحل متناقضات وإجلاء غوامض وتعقيدات الوقائع الاجتماعية-السياسية لهذا النظام الفريد. لقد أنجزنا جزءا من ذلك عبر ابتكار مفهوم "ثقافة" (في الاستعمال الأول) وقمنا بإنجاز جزء آخر عبر ابتكار مفهوم "ثقافة" (في الاستعمال الثاني) لتفاوتات هذا النظام ومحاولة للحفاظ عليها كما هي في عالم يخيم عليه التغيير بلا انقطاع.

والسؤال هو كيف حدث هذا؟ وبما أنه من الواضح أن المصالح تختلف جوهريا، الشيء الذي ينتج عنه أن تلك البناءات "الثقافية" نادرا ما تكون محايدة، وبالتالي فنفس البناءات الثقافية تصبح ساحة للصراع وفي حقيقة الأمر ساحة للصراع الإيديولوجي الأمامية بين مصالح متعارضة داخل هذا النظام التاريخي.

يبدو لي أن لب النقاش يتمحور حول الكيفيات التي تتم بها مخاتلة المتناقضات المزعومة للوحدة والتعدد، الشمولية والخصوصية، الإنسانية والعرق، العالم والدولة، الشخص والإنسان/المرأة. لقد برهنت سابقا على أن المذهبين الإيديولوجيين الرئيسيين اللذين برزا في تاريخ الاقتصاد الرأسمالي العالمي –أي العولمة من جهة والعنصرية والجنسية من جهة ثانية- ليسا متعارضين بل هما ثنائي رمزي. كما برهنت على أن "الجرعة المناسبة" منهما تجعل من الممكن اشتغال النظام اشتغالا يتخذ شكل مراوغة إيديولوجية متواصلة (فالرشتاين 1988)

إن هذه المراوغة توجد وراء الالتباسات الضمنية المقصودة في كلا الاستعمالين لمفهوم "ثقافة". ولا بد أن أوضح هذه القضايا عبر تحليل بعض التعاليق لمفكر سياسي بجمايكا ريكس نيتلفورد في خطبة ألقاها سنة 1983 في إحدى الملتقيات السياسية الحزبية لحزب يطلق على نفسه الحزب الوطني الشعبي. ولما أعيد طبع الخطاب حمل عنوان بناء دولة، تشكيل مجتمع. وقد أراد نيتلفورد التأكيد على أهمية "الحس التاريخي" في بناء الدول ضد أولئك الذين "يعلمون شبابنا أن ليس لهم تاريخ يستحق الدراسة، بل لهم مستقبل فقط.. يتوقع منهم أن يقتحموه". وهذا ما قاله نيتلفورد في هذا الصدد:

""أسود" لا تعني بالأساس السحنة في تاريخ الأمريكتين. إنها تعني الثقافة-ثقافة نسجت عبر الاحتكاك بين ملايين الأفارقة الغربيين الذي جلبوا كعبيد وملايين الأوروبيين الذي نزحوا كأسياد وكعمال مستوطنين أو متعاقدين. ففي جمايكا ومنطقة الكرايبي تكون جوهر الحياة الأهلية الحقة، بكل مكوناتها، من الجهود المبكرة الناجمة عن معاناة الأغلبية السوداء في التكيف مع محيطها الجديد ولكي تحافظ على البقاء. لقد كان ذلك نضالا ذا طابع أولي وأساسي، وهذا النضال هو ما تم إنكار مكانته الخاصة في عبقرية الأمة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذا المجتمع. وأعني تبييض العبقرية وهي محاولة متواصلة في الدوائر الرسمية والمختلطة لازدراء ثمار عمال شعبنا، ولجوء منافق إلى استغلال شعارنا الوطني من طرف أولئك الذين يفضلون التأكيد على كلمة "كثرة" ما دام "واحد" قد يعني بالنسبة إليهم الأغلبية. فعبارة "كشعب واحد" تصبح "كرجل واحد" وهكذا يتم الحفاظ على تعددية البلد وانقسامه إلى أغلبية مهمشة ستبقى مهمشة وأقلية محظوظة (ومن بينهم العديد "من الملونين") ممسكين بمقاليد السلطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في البلد.

والحقيقة الواقعية هي أن أفراد شعبنا مما نريد أن نتصور: لسنا من أولئك العنصريين السذج لكننا لسنا أغبياء لكي لا نكون واعين بعنصرنا. وعل هذا التأرجح الهش للحساسيات تقوم الحنكة غير العادية لطبقات هذا الشعب. إن هذه الحنكة لا تضلل فقط زعماء بل حتى أولئك الذين يقولون في الخارج بأنهم يريدون مساعدتنا. فشعبنا الذي ناضل خلال قرون يعرف أن "ما يطابق مقتضى الحال اليوم ليس فقط التحرر من الاضطهاد الأجنبي (الذي نستطيع مقاومته بطرقنا البدائية) بل أن تخلق في هذا البلد أطرا سياسية واقتصادية اجتماعية تتناسب مع القيم السامية للشخصية الإنسانية". إننا متشبتون جدا بشخصيتنا وباعترافنا بذاتنا وبوضعنا ونشك في أي طبقة من الناس داخل أو خارج بلدنا ستعمل على الاتفاق مع زعيم لقطاع خاص جمايكي كان مؤثرا فيما مضى والذي بانتقاده لسياسات نظام معين في الماضي القريب قال بأنه خلال عقد السبعينات "تم اختزال ثقافتنا الوطنية الغنية وتقليصها لتناسب المفهوم الضيق لثقافة سوداء حية". لقد قال هذا في بلد تتشبث فيه الأغلبية الساحقة بهذه "الثقافة". فكل ما يعكس صورة الأغلبية هو "اختزال" و"تقليص"! إننا لا نستطيع تشكيل مجتمع أو بناء أمة مع وجود مثل هذه المعتقدات خاصة إذا كانت موجودة عند أولئك الماسكين بمقاليد الأمور؛ ولهذا أناشد هذا المؤتمر بأن ينظر بجدية في هذه القضايا" (نيتلفورد، 1986، ص9-10).

لاحظ في هذا التحليل أن تعريف كلمة ثقافة مركزي. ونيتلفورد يريد بناء وتشكيل كيان يطلق عليه أمة أو مجتمعا. هذه، بالطبع، لغة نموذجية. ويبدو أنه يشير إلى الثقافة (في الاستعمال الأول) وهو استعمال يفترض أنه يؤكد على الكيفيات التي يكون عليها الجمايكيون. لكنه ما طفق ينظر إلى الآخرين "الموجودين ضمن الماسكين بمقاليد الأمور "لنفس هذه البلاد جمايكا والذين يزعمون أيضا أنهم يسعون إلى القيام بنفس الشيء".

ويبدو أن كلتا المجموعتين توظفان الشعار الوطني "كشعب واحد" للإشارة إلى أشياء مختلفة. فأولئك الذين يدعوهم نيتلفورد "الأقلية المحظوظة" تؤكد على "التعددية" بـ (التحرر من القمع الأجنبي) وتؤكد على الوحدة بدون التحرر منه. ويرى نيتلفورد أن ذلك يتجاهل كلية "الأغلبية السوداء التي هي مهمشة" والتي تبحث عن "خلق إطارات سامية واقتصادية واجتماعية داخل جمايكا والتي تمنح قيما سياسية للشخصية الإنسانية" (الشيء الذي قد يعني زيادة في المساواة الاقتصادية والاجتماعية).

كيف تقوم الأقلية المحظوظة بذلك؟ عبر "تبييض عبقرية الأمة" وعبر التأكيد الريائي على "الكثيرين" في الشعار الوطني وعبر فشلها في فهم (واقع لا ينتمي إلى تاريخ جمايكا بل إلى تاريخ الأمريكتين وبالتالي إلى تاريخ النظام العالمي). يتمثل هذا الواقع في أن "ملايين الأفارقة الغربيين كانوا قد جلبوا كعبيد" في حين أن "ملايين الأوربيين… قد جاءوا كأسياد وكعمال مستوطنين أو متعاقدين". وإن الاحتكاكات التاريخية بين هاتين الجماعيتن "في جمايكا ومنطقة الكاريي" قد خلقت "لحمة الحياة الأهلية الحقة". و"أسود" هو تعبير عن الناتج "ثقافة" التي هي حية: وليست "اختزالا" أو "تقليصا".

والذي يقال في النهاية هو أن التأكيد على أن "السواد" باعتباره مكونا لـ "الثقافة" الوطنية الجمايكية (والثقافة هنا في الاستعمال الأول) هو الصيغة التي يمكن "للأغلبية المهمشة" أن تأمل بواسطتها في حماية ذاتها من مزاعم "الأقلية المترفة" التي تدعي أنها تمثل "ثقافة" سامية (في الاستعمال الثاني). ومن تمة فما يبدو خصوصيا على مستوى النظام العالمي (السواد) يصلح لتأكيد موضوع كوني (القيم السامية للشخصية الإنسانية). وكما يقول نيتلفورد فهذا يعني "وعيا عنصريا" ولكنه ليس "تمييزا عنصريا" يتطلب كما يقر هو بذلك "تأرجحا هشا للحساسيات". وفي هذا التعليل المعقد الذي يبدو لي سليما بقدر ما تظهر جمايكا من "سواد" بقدر ما تظهر من عمى الألوان (أو قيما إنسانية).

نعم ربما تجيبون بأن الأمر قد يكون كذلك، ولكن أين تنتهي هذه الحجة؟ عند أية نقطة نقطع حاجز "الوعي العنصري" نحو "التمييز العنصري"؟ ذلك لأن هناك العديد من الحالات البارزة في مختلف أنحاء العالم ينظر فيها إلى التأكيد على "ثقافة" خاصة بـ"الأغلبية" (الوطنية) على أنه إقصاء لثقافة الأقلية أو الأقليات. أفلا ينظر إليه باعتباره تضييقا للخناق؟ أليس للبروطون مطالب "ثقافية" في فرنسا: وللسويديين في فنلندا، وللأينو في اليابان، وللطاميل في سيرلانكا وللأكراد في تركيا وللهنغاريين في رومانيا؟

قد يتفق نيتلفورد –لا أعلم ذلك- على أن كل هذه الجماعات الأخيرة لها مطالب شرعية لتأكيدها "الثقافي" ومع ذلك سيظل يعلل أن الواقع في جمايكا يختلف تاريخيا. لماذا؟ خصوصا لأن الأغلبية في جمايكا كانت هي "المهمشة" تاريخيا وليس مختلف "الأقليات". وما دام الأمر صحيحا فإن الزنجية أو أية خصوصية مشابهة قد تصلح لنفي النفي كما برهن على ذلك سارتر(1949) في (أورفيوس الأسود).

ما يسعفنا به استشهاد نيتلفورد هو تبيان إلى أي حد تتشابك خيوط الجدل الثقافي في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وأيضا كيف تحفه المصاعب وبالتالي إلى أي حد نحتاج لأن نكون حذرين إذا كنا نسعى إلى فهم وتقييم ساحة الصراع الإيديولوجي هذه.

 

 

...................
المصدر : مجلة نقد وفكر ، العدد 57 . من الموقع : http://fikrwanakd.aljabriabed.net/