الإصلاح بين القبول والرفض
تساؤلات نقدية
د. علي
عبد الهادي المرهج(*)
(خاص للمعهد)

الإصلاح ليس حاجة آنية
لمجتمع مثل مجتمعنا بل منذ مدة تاريخية طويلة وهو يعاني من
التخلف والركود ،بل والتراجع لاسيما بعد سقوط الدولة العباسية
عام (656 هـ) على يد المغول ، وحتى قبل ذلك التاريخ ،حينما دبت
الصراعات بداية على السلطة وتحول الحكم الى ملك عضوض قائم على
مبدأ الشوكة والعزيمة ووجوب إطاعة ولي الأمرحتى وإن كان ظالماً
، فحسابه على ربه، الأمر الذي ادى الى غياب النزعة الإصلاحية
لمدة طويلة من الزمن.
الإصلاح ليس مجرد افكار
او دعوات او شعارات بل هو متعلق بادراك واستيعاب الصيرورة
الاجتماعية للمجتمع .
ارتبط الفكر الاصلاحي في
اوربا بظهور حركتين الاصلاح الديني والنزعة الانسانية مع لوثر
و ارازموز الذي سبق لوثر بالدعوة للإصلاح والذي انطلقت معه
النزعة الانسانية عبر مقولته الشهيرة " ان الانسان لا يولد
انساناً لكنه يكتسب الانسانية " .
ومثلما كان لحركة الاصلاح
الديني لمارتن لوثر ايجابياتها فقد كان لها سلبياتها ايضاً ،
ومن ايجابياتها المعروفة هي تخليص المجتمع المسيحي من هيمنة
السلطة الكنسية والدعوة الى ان تكون العلاقة بين الفرد وربه
علاقة مباشرة لا تحتاج الى وساطة كما كان يريد لها رجال الدين
، اما سلبياتها فقد كانت وما زالت وهي تقسيم المسيحية الى
قسمين كاثوليك وبروتستانت وشهدت حروبا ضارية اهماها المعروفة
بحرب الثلاثين (1618-1648) التي ارتكبت فيها الكثير من
الفضاعات باسم الدين . اما اهم ما قدمه الفكر الاصلاحي فهو
مجموعة من المقولات اهمها :-
1- التسامح
2- حرية الفكر
3- الإيمان بالتقدم
وباعتقادنا لايكون الفكر
اصلاحياً اذا لم يعتمد على هذه المقولات الثلاث.
مآخذ حول
مفهوم الإصلاح
الاصلاح يحمل في طياته
حكما مسبقاً على ان الاخرين بعيدون عنه وينزع نزوعا ايديولوجيا
نحو القناعة بالذات على انها القادرة وحدها على تغير المجتمع
، ولايكون للاصلاح معنى باعتقادنا الا اذا اعترفت الذات التي
تنتهج هذا الطريق بانها انما تسعى الى بناء رؤية اصلاحية قائمة
على نقد الذات او نقد المجتمع والذات معا بوصفهما انا واحدة
وليست متغايرة كي يتخلص اصحابه عن نزعة الوصاية والابوية التي
يتبناها عادة دعاة الفكر الاصلاحي ، كذلك من الضروري ان يبتعد
دعاة الاصلاح عن الاهتمام بالاسم دون المسمى بمعنى تبني مفهوم
الاصلاح شعاراً مبهراً من دون الاهتمام بما يتطلبه هذا
المفهوم في ضوء الواقع ومتغيراته وبلغة ارسطية ينبغي ان يهتم
دعاة الاصلاح بمادة الفكر لا بصورته بعيدا عن الصخب
الايديولوجي وان يحدد هؤلاء ماذا يعني الاصلاح ، هل هو اصلاح
على جميع المستويات ؟ بمعنى هل هو اصلاح ثقافي ام ديني ام
سياسي ام اجتماعي ام اقتصادي ام كل هذه المستويات واذا كان على
جميع المستويات فهذا يعني اننا نعترف ان الفساد المقابل
للاصلاح يحيط بالمجتمع بكل تنوعاته واذا كان ذلك كذلك فمن هو
المصلح ؟ وكيف يمكن ان يكون الاصلاح بيد فئات عاشت الفساد
وعانت التخريب وشاركت فيه وهذا يدفعنا الى ضرورة تبني الاصلاح
في بنية تفكير الفرد نفسه التي خربتها الانظمة الاستبدادية
السابقة .
اعتقد ان المهمة صعبة
وشاقة لاسيما في زمن قل فيه المصلحون ، فالاصلاح بحد ذاته
يحتاج الى نخبة تنويرية وفكرية والاحزاب الآن تفتقر الى هذه
النخبة فلم يعد لدينا الافغاني ومحمد عبده اللذان اسسا الحزب
الوطني ولم يعد لدينا عبد الفتاح ابراهيم وكامل الجادرجي
اللذان اسسا جماعة الاهالي ولم يعد لدينا حسين مردان وفهد
اللذان اسسا الحزب الشيوعي ولم يعد لدينا محمد باقر الصدر الذي
اسس لنا حزب الدعوة ، وهذا يرجع باعتقادنا الى عدة اسباب منها
ان النخب الفكرية التنويرية ذات عقلية اوسع من ان تؤطر في حزب
ولم تعد تستوعبها الاطر الفكرية الضيقة التي تتحرك داخلها
الاحزاب ، فضلا عن اعتماد الاحزاب على العلاقات الشخصية
والنزوع الوصولي لدى الكثير من المنتمين لها لا ايماناً
بمادئها او اهدافها بقدر ما هو رغبة في الوصول الى المناصب
والقفز الى اعلى السلم .
هناك ايضا سؤال يطرح امام
دعاة الاصلاح وهو ماهي الضمانات التي يقدمها هؤلاء حينما
يصعدون الى السلطة بانهم سيستمرون بنزعة الاصلاح ؟! هل لديهم
القدرة على الاستمرار بالنزعة الاصلاحية او الدعوة للاصلاح في
حال اكتشافهم لفساد في السلطة او ادارة الدولة التي بايديهم
زمام امورها، ام ان هذه النزعة الاصلاحية تنتهي بمجرد وصولهم
الى سدة الحكم وتنقلب نزعة التجديد والاصلاح الى نزعة تقليد
ومحافظة .
مفهوم الاصلاح ذو بعد
اخلاقي لأنه يشتغل عادة على ما ينبغي ان يكون وليس على ما هو
كائن ، وبالتالي شئنا ام ابينا سيحمل هذا المفهوم رؤية مثالية
عن العالم ، والمثالية ليست سلبية بحد ذاتها لأن المثال هو
المتمنى الذي نسعى لتحقيقه وحينما يتحقق يصبح واقعا ، ولكن
الخشية ان يتحول هذا المفهوم الى مجرد رؤية نظرية عن العالم
معزولة ومنفصلة عن الواقع المعاش وضروراته واشكالاته ومقتضياته
وممكنات الاصلاح فيه ، فيكون بذلك المصلح كمن يغرد خارج السرب
وخارج المعقول الواقعي ، لكن ان اخذ المصلح الواقع بعين
الاعتبار ومحاولته السعي الدؤوب عملا وفكراً لتغييرهذا الواقع.
هذا ما ينبغي عليه فعله عبر جعل الفكر منتجاً من الواقع نفسه
وليس بعيداً عنه مثلما هي رؤى الطوباويين الذين يبنون تصوراتهم
في الذهن ويحاولون تطبيقها على الواقع كما هي رؤى افلاطون في
جمهوريته والفارابي في مدينته الفاضلة واوغسطين في مدينة الله
، فالمصلحون هم الذين يستطيعون تغير وجه العالم لا الذين
يعيشون في احلامهم ، فالانبياء مثلاً لم يغيروا العالم
بالافكار الحالمة فقط بل بالسعي العملي عبر التعامل مع الواقع
ومحاولة تغييره وإن كانت افكارهم مستمدة من السماء ، وغاندي
مثلاً لم يكن يعنى بالرؤى النظرية على حساب الواقع الهندي .
هذا يدفعنا باتجاه طرح مجموعة من الاسئلة :
هل الاصلاح يشكل قطيعة مع
المراد اصلاحه وتشكيل بداية جديدة ام يعني الترميم ؟
هل يتناول الاصلاح العلاقة
مع الغرب لاسيما ونحن اليوم في العراق يشكل الغرب (الكولنيالي)
الوجه الآخر للعملية السياسية في ما يمكن تسميته بالعراق
الجديد ،واذا عرفنا ان هذا الغرب الاستعماري وللاسف يشكل بوابة
الانفتاح نحو التعددية الحزبية وحرية الرأي التي غيبتها
الانظمة السابقة لصالح الاحادية والغاء الامة لصالح الطغمة.
ولذلك لابد لدعاة الاصلاح ان يضعوا امام اعينهم الكيفية او سبل
التعامل مع الغرب عامة والغرب الكولنيالي في العراق على وجه
الخصوص .
دعاة الاصلاح يؤيدون وجود
ازمة والا لما دعوا للاصلاح فلا بد اذن من تحديد هذه الازمة
وسبل حلها على كل المستويات .
الاصلاح يحمل دلالة
ايجابية ايضاً كونه يفترض مجموعة واحدة ومحددة من المبادرات
التي يعتقد انها مطلوبة من اجل تحسين جزئي ومتدرج للاوضاع ،
بمعنى انه مضاد للثورة وان كان معنى الثورة يحمل نزوعاً
اصلاحياً ، الا انه يحمل في الوقت نفسه دلالة انقلابية جذرية
تلغي القديم وتقيم قطيعة معه ، بينما نجد الاصلاح يعيد انتاج
وصياغة القديم ويضيف له ما استجد او ما يتطلبه العصر في ضوء
تطوره ، والاصلاح في الفكر العربي يعني الجهد المتواصل الذي
قامت به الحضارة العربية للتقريب بين معاييرها وقيمها من جهة
وواقعها الراهن من جهة آخرى ،ويعرف الإصلاح في المعاجم العربية
بانه ضد الإفساد وفي هذا الاطار نجد محمد عابد الجابري يربط
الاصلاح في القرآن بإزالة ما شاب العلاقات بين الناس من شوائب
مثل قوله تعالى (فاتقوا الله واصلحوا ذات بينكم) (الانفال/ 1)
وقوله تعالى (وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما)
(الحجرات /9).اذ نجد محمد عابد الجابري يذهب الى ان معنى
الاصلاح في الإسلام لا يحتمل الا معنى الاصلاح الاجتماعي ينظر
(محمد عابد الجابري، في نقد الحاجة للاصلاح، مركز دراسات
الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2005، ص18) وهذا الرأي مردود على
صاحبه إذ يمكن القول ان الدين الاسلامي قد كرس مفاهيم الاصلاح
بمعضم اشكاله، فما كان النبي محمد (ص) الا مصلحاً ثار على قيم
وتقاليد عصره على عدة مستويات منها المستوى الاجتماعي، اذ كان
مجتمع الجزيرة العربية مجتمعاً متفرقا الى قبائل عدة تتصارع
فيما بينها فألف بين قلوبهم منطلقا من مبدأ التوحيد الالهي
الذي قامت عليه الدعوة الاسلامية، والذي في اساسه هو محاولة
لتخليص الانسان من عبودية الانسان، فانتقل مجتمع الجزيرة
العربية من فرقته ومن عصبية القبيلة الى عصبية الدين كما ذهب
الى ذلك ابن خلدون. اما على المستوى الاقتصادي فالاية القرآنية
في سورة الشعراء حينما يخاطب النبي شعيب قومه بقوله تعالى
(إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي
لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
(179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ
إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ
وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا
بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا
النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ
مُفْسِدِينَ (183)) (سورة الشعراء)، وفي موقع ثان اذ يخاطب
شعيب قومه (وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151)
الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152))
(سورة الشعراء) وفي آيات اخرى على لسان شعيب حينما يخاطب قوم
فيأمرهم بالاصلاح الاقتصادي القائم على الايفاء بالموازين وعدم
بخس الناس اشيائهم وحقوقهم المادية بقوله تعالى( وَيَا قَوْمِ
أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا
تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي
الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
(86) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ
نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي
أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ
الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ
عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا
حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا
أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا
اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ
تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)) (سورة هود) ونحن نعتقد
ان الجابري لم يكن موفقا في البحث في مفهوم الاصلاح في الإسلام
والقرآن ولم يعطه،وسنترك هذا الموضوع للمختصين ونكتفي بالرد
في الاشارة الى الآيات السابقة لأن هذا لا ينسجم وموضوعنا الذي
نحن بصدده.
يقابل الاصلاح في الفكر
العربي الحديث في كثير من الاحيان مصطلح التحديث والذي يعني
الجهد الذي بدأ في العصر الحديث لإقحام مكتسبات الحضارة
الجديدة في الواقع اليومي العربي ، مع ترك مجالي الاخلاق
والدين خارج مجال الاقتباس والتأثر " (محمد الحداد، مواقف من
اجل التنوير، دار الطليعة، بيروت، ط1، 2005، ص30)، والاصلاح
يبدأ اولاً بالفكر لاسيما اذا استطاع دعاته ان يقنعوا الناس
ويبينوا ضحالة الفكر السابق ويكشفوا عن عقمه ولا جدواه ، ينظر
(هاشم صالح، مدخل الى التنوير الاوربي، دار الطليعة ،
بيروت،ط1، 2005 ،ص118)
يرتبط ايضا مفهوم الاصلاح
بمفهوم التنوير ولا ينفصل عنه فالجذور كما ذكرنا سابقا تعود
الى حركة الاصلاح الديني في اوربا القائمة على قول المسيح "
انا نور العالم ، من يتبعني لن يمشي ابداً في الظلمات ، وانما
سيكون له نور الحياة "( يوحنا12:8, 5:9) فكانت هذه الحركة هي
بمثابة العودة الى الاصل او بناء علاقة مباشرة مع الذات
الالهية وفي القرآن الكريم جاء قوله تعالى " اللَّهُ نُورُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا
مِصْبَاحٌ " (النور/35) فالدين مرتبط بالتنوير والعالم حينما
يكون قد ساده الظلام ، ظلام الجهل والاستبداد والتخلف ... الخ
لابد ان يكون هناك موقف اصلاحي يحاول تنوير الناس وتخليصهم
من الظلام والظلاميين لاسيما الذين يتخذون من الدين ستاراً
ليعيدوا المجتمع الى عصور غابرة .
كلتا النزعتين الاصلاحية
والتنويرية حاولتا اعطاء مكانة للعقل في مقابل هيمنة الغنوص
والسحر والشعوذة وان ارتبطت نزعة الاصلاح بالتوفيق بين العقل
والايمان بينما نجد نزعة التنوير تحاول ان تعطي مساحة اكبر
للعقل في مقابل الايمان، هذا في اوربا اما في النزعة الاصلاحية
التي سادت الفكر العربي على يد الطهطاوي والافغاني واخرون فهي
وان كانت ذات بعد ديني الا انها برأينا اعطت مساحة للعقل اكبر
مما اعطته حركة الاصلاح الديني في اوربا وان كانت نتائجها ليس
كما هي النتائج التي حققتها حركة الاصلاح الديني في اوربا. من
هنا بدأت النزعة الانسانية التي جعلت الانسان محور الكون وان
العالم خلق لصالحه بعد ان كانت النزعة التقليدية توظف الانسان
لصالح الميتافيزيقا (اللاهوت) ، اما مع دعاة الاصلاح والتنوير
فقد انقلبت هذه النزعة وتحول الاهتمام من الاهتمام باللاهوت
الى الاهتمام بالانسان او توظيف اللاهوت لصالح الانسان او هذا
ما يترتب في ضوء نزعتهم الاصلاحية ، لكن ما يأخذ على الخطاب
النهضوي الاصلاحي لدى العرب اليوم انه خطاب مهووس بفكرة
الدولة وهو خطاب ذو بعد سياسي قائم على منزع التبشير يمجد
ويهلل ولكنه قليلاً ما يتحول الى وظيفة الإنتاج ، وهو غير قادر
على التعامل النقدي مع الحداثة او مع التراث وهو خطاب تغلب
عليه النزعة التسليمية والعاطفية لذلك نجده دائماً خطاباً
استهلاكياً يعيش إما على مقولات التراث او على مقولات الحداثة
او بالدمج بين هذه وتلك عبر رؤية تلفيقية تستهلك المنتجات
والخطابات الغربية وتفكر برؤية ماضوية وعقلية سلفية ، فضلاً عن
نزوع هذا الخطاب الى النخبوية التي جعلت المثقف العربي بشكل
عام ينزع نزوعاً بطريركياً (ابوياً) جعل المثقف وكأنه وصي على
الاخرين وان رؤيته هي الرؤية النهائية التي يحل بها مشاكل
المجتمع وان مشكلة هذا المجتمع هي الجهل العام الذي يجعله
بعيدا عن ادراك هذا الخطاب ! هذا الشعور النخبوي الذي يتملك
المثقف صار وكأنه يعيد انتاج الخطاب الاستبدادي او يتماهى معه
اذا لم يكن اكثر خطورة منه ، ولذلك من الضروري ان تبتعد مشاريع
الاصلاح عن الارتباط بالدولة او بايديولوجية حزبية او ان يأخذ
شكل ايديولجيا معينة ، خذ مثلا كتاب (جان جاك روسو) (إميل) او
في التربية تجده لا يؤطر فكرة الاصلاح التربوي في ضوء
ايديولوجيا معينة او ضمن اي توجه سياسي ، ولا يهتم الا نادراً
بعلاقة الدولة بالمعرفة .
ان اردنا ان يكون الاصلاح
فعلياً فمن المفروض ألاّ يكون في اطار الايدلوجيا او الاّ نغلب
لغة الايديولوجيا ذات البعد الشعاراتي والقطعي على ما تفرضه
طبيعة الاصلاح التي تقتضي التحليل الابستمولوجي البعيد عن
الروحية العقائدية التي تغلب على الخطاب الايديولوجي .
الاصلاح
والثورة :-
يقول عمر خوري في كتابه
(كيف ينهض العرب) " هي الثورات لم تسلم منها امة، وهي الناموس
الطبيعي يقضي بأن لا نظام على اساس الفوضى، وهي الظروف التي
تحتم على الشعب في بعض الاحيان ان يسير على الجثث والجماجم الى
النهضة والعمران" احمد الجدي، محنة النهضة والفزع التاريخي في
الفكر العربي الحديث والمعاصر، مركز دراسات الوحدة، بيروت ط 1
2005.
فَقَدَ مفهوم الثورة بريقه
في العالم اليوم لاسيما بعد اكتشاف دعاته عدم قدرتهم على تحقيق
الاهداف التي ثاروا من اجلها وابسط مثال لدينا الثورات العربية
بدءاً من الثورة العربية الكبرى مروراً بثورة يوليو 1952 في
مصر وحتى ثورة او انقلاب 14 تموز 1958 في العراق ، فضلاً عن
الثورات العالمية لاسيما ثورة اكتوبر 1917(الثورة البلشفية)
التي انتهت بسقوط الاتحاد السوفيتي ، وكان الجزء الأهم في
فقدان مفهوم الثورة بريقه هو قادة الثورات انفسهم الذين حولوا
هذه الثورات من محاولة للتجديد والاصلاح الجذري الى بناء نوع
جديد من الاستبداد اكثر صرامة من الانظمة التي ثاروا عليها
وهذا ناتج باعتقادي في جزء كبير منه من الخلفية العسكرية التي
نشأ في ظلها هؤلاء القادة وتحويلهم ادارة الدولة وكأنها ادارة
لثكنة عسكرية يحكمها الجنرال، الامر الذي دفع باتجاه سيادة
النزعة الفردية في الحكم والغاء التعددية الفكرية والحزبية
والنظر الى المختلف وكأنه متآمر يريد الاطاحة بمنجزات الثورة !
وبالتالي غياب الرأي المعارض الذي يُقوم الدولة (الحكومة)
ويعيد صياغة سياستها في ضوء تغير المراحل ومتطلبات الواقع
المتغير ، فضلاً عن غياب النخبة الفكرية وتهميشها والنظر اليها
نظرة تشكيكية وكأنها تسعى بشكل مستمر الى الإطاحة بالحكومة
التي جعلت من نظرية المؤامرة وخلق الاعداء والقضاء عليهم اصل
من اصول سياستها وادارتها للدولة طبقا لقول غوبلز( كلما سمعت
كلمة مثقف اتحسس مسدسي ) ، وهذا ما دفع بالنخب الفكرية
والثقافية الى ان تهاجر بلدانها او تبقى مكمومة الأفواه وبأحسن
الاحوال تكتب في محيطها الخاص وبسرية تامة ولا تعلن عن
مواقفها، ومنها من اتسق مع السلطة وتهادن معها واصبح منظراً
لها ومبرراً لمواقفها.
لذلك اصبح لمفهموم
الاصلاح مبرارات وجوده كونه " يبدو اكثر تواضعا وواقعية من
المزايدات الثورية السابقة لاسيما بعد خيبة الأمل لدى الشعوب
العربية من الثورات، كذلك يبدو الاصلاح مسايرا لروح العصر ،
فقد اختفت الاحلام الثورية في العالم كله وليس في المنطقة
العربية الاسلامية ، ولم يعد النظام العالمي يقبل الهزات
العنيفة ، بل ربما اصبح بعد تفجيرات 11 ايلول 2001 قليل
الاكتراث بالتمييز بين الثورة والمقاومة العنيفة والارهاب .
يرتبط الفكر الاصلاحي
العربي عادة بالجهة التي تقترح فكرة الاصلاح وتتعدد الوانه
بتعدد الجهات الداعية له فان كانت الجهة اسلامية اخذت الدعوى
الى الاصلاح منحى المحافظة على التراث وايجابيات الالتزام
بالدين الاسلامي فكراً وعقيدة وسلوكاً، وان كانت الجهة ذات
توجه ليبرالي فيأخذ الاصلاح منحاً معاصراً يلتصق بطروحات الفكر
الليبرالي الغربي وان كان ماركسياً فيأخذ الاصلاح منحاً
اشتراكياً شيوعياً تهيمن عليه مفاهيم المادية التاريخية
والمادية الجدلية وصراع الاضداد... الخ.
إذن فواحدة من مشاكل
الاصلاح انه مرتبط ايديولوجياً بالجهة التي تنظر له، وهنا يأخذ
شكل الفيل الذي ينظر له البصيرون فكل يصف الفيل من الجهة التي
هو ممسك بها.
لهذا نعتقد بأن الحلول
المؤسسة على التبني الايديلوجي ليست حلولاً جادة ومن الضروري
تبني الدراسات النقدية والمعرفية والموضوعية التي تناقش شكل
الاصلاح بعيداً عن التحزب والأدلجة، هذا من الناحية الثقافية
المعرفية البحتة.
في ضوء التحول السياسي في
العالم كله وفي الوطن العربي بسبب الضغط الخارجي وفي العراق
بسبب التدخل العسكري الأجنبي المباشر فأننا نجد ان الفكر
السياسي في الوطن العربي قد بدأ يتجه بخطوات حذرة باتجاه
القبول بالديمقراطية بوصفها الحل الاصلاحي في مقابل النزوع
الثوري الجذري والانقلابي الذي هيمن على سياسة التغيير في
الثقافة العربية التي شكلها الاستبداد لمدة طويلة من الزمن ولا
زال،وقد بدأ هذا النزوع نحو الديمقراطية أكثر وضوحا في العراق
اليوم، على الرغم من الانتكاسات الكثيرة التي عانا من ويلاتها
المجتمع العراقي منذُ عام 2003 والى يومنا الراهن، الا إنه
"بدأ يحاول التخلص من مثل هكذا طروحات المرتبطة بمفاهيم
الإنقلاب والثورة لاسيما بعد ان تخلص المجتمع والدولة كذلك من
"الفوقية الانقلابية" التي كانت تكتسب شرعيتها من ذاتها، لا من
المحيط الذي تعمل فيه او تحاول ان تعمل فيه" (تركي الحمد، من
هنا يبدأ التغيير، دار الساقي، بيروت، ط1 2004، ص187 ).
فمصطلحات مثل (الشعب) و(الأمة) و (عزة الأمة) و(الصراع مع
اعداء الأمة) ونحو ذلك من مفاهيم مفعمة بالوجدانيات والعواطف
الجياشة والنفخ الايديلوجي، وقد اخذت بالاختفاء التدريجي من
الخطاب السياسي العربي وخاصة (الخطاب الحاكم) لتحل محلها
مفردات ومفاهيم مثل (الايمان ومستوى المعيشة) و (المواطن)
وحقوق المواطن وغير ذلك من مفاهيم مرتبطة بالحياة الفعلية
للانسان الفعلي وليس المفترض وفق بنية ايديلوجية معينة (المصدر
نفسه الصفحة نفسها).
الاصلاح بحاجة الى شراكة
حقيقية بين الدولة ومؤسسات المجتمع المدني والاحزاب والمنظمات
السياسية والنقابية والمهنية.
كما لا ينبغي التعكز على
بعض القضايا الوطنية كالاحتلال والتهديدات الخارجية للتضحية
بالاصلاح والتنمية والديمقراطية، لان ذلك سيؤدي الى تبرير وجود
واستمرار الانظمة المستبدة والمعادية للديمقراطية كما لاينبغي
بحجة الاصلاح ارتهان الارادة الوطنية بما يؤدي الى الاستتباع
وقبول الهيمنة واخضاع المصالح الوطنية والقومية العليا
للاجنبي. الشروع بالاصلاح واعتماد الديمقراطية والتوجه نحو
التنمية يضعف من فرص التدخل الخارجي والعكس صحيح.
الاصلاح يدفع باتجاه
التعددية والمساواة وحرية الرأي ونبذ العنف بكل اشكاله لاسيما
المتعلق بالتفاهمات السياسية بين الاطراف المختصمة التي تدير
العملية السياسية في الدولة، كما يتطلب الانفتاح على التجارب
العالمية في مجال التنمية والتطوير. والسعي لتطوير المناهج
الدراسية وتنقيتها من كل ما يتعارض مع حقوق الانسان .
ويمكن القول ان الحكم
الصالح زائداً مجتمعا مدنيا حيويا يمكن ان يسهم بصورة ايجابية
في تعزيز الديمقراطية والدفع باتجاه التنمية لاسيما حينما يبنى
القرار الحكومي على اساس الشفافية والمصداقية ويأخذ بنظر
الاعتبار واقع الدولة حينما تكون ثالث اعلى دول العالم فساداً
وتسعى الحكومة لقبول المعارضة بوصفها المكمل لشكل ومضمون
السلطة الحقيقي وتحاول ان تدعم مؤسسات المجتمع المدني عبر
الحوار والمداولة والمشاركة لان من عوامل ضعف الحكومة غياب
المعارضة والاعلام الحر وضعف مؤسسات المجتمع المدني.
ايضا تحتمل كلمة الاصلاح
القدرة على الجمع بين المرغوب والمرفوض ، وصبغ المقتبس او
المستعار بلون محلي " كما تحدثنا سابقا عن النزعة التلفيقية .
بمعنى اوضح ان مفهموم الاصلاح يحمل نزوعا براجماتيا في التعامل
مع الماضي والحاضر مع القديم والجديد مع التراث والحداثة ومع
كثير من الثنائيات التي شغلت وما زالت تشغل الفكر العربي .
والذي يزيل صراع الثنائيات ويبني رؤية اصلاحية قوية هو ثلاث
دعائم كما يرى سيد ياسين
1- الحرية السياسية
2- العدل الاجتماعي
3- الانفتاح الثقافي على
العالم. ينظر سيد ياسين الاصلاح الشامل قرارات فوقية ام عملية
مجتمعية(http://hem.bredband.net/b155908/m190.htm).
وانا اضيف دعامة رابعة
اعتقد انها من اساسيات المشروع الاصلاحي وهي (النزعة النقدية)
فلا يمكن ان يتقدم مجتمع ما من دون ان يتبنى القدرة على النقد
الذي بدوره يبني القدرة على الاستقلال ويخلص المجتمع من
التعبية والتقليد على ان يبدا النقد اولا من الذات قبل نقد
الآخر اذ قال سقراط قديماً " اعرف نفسك" ومن آيات القرآن
الكريم (ان الله لا يغيرٌ ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم
)(الرعد/11) ، فمعرفة النفس شرط اساسي من شروط النزعة النقدية
وبالتالي هو شرط لاصلاح الذات التي هي اللبنة الاولى لاصلاح
المجتمع ، اذ يقول محمد الحداد "ان سعي الاصلاح يجب ان يقوم
على محاولة الخلاص من الاستلاب الذي يفرضه فكر على نفسه بنفسه
عندما يفقد القدرة على الحركة خارج السائد من الآراء والمقولات
والاطروحات" (محمد الحداد، مصدر سبق ذكره، ص6).
ومن متطلبات الاصلاح هو
السعي الى الاهتمام بالتربية المواطنية واعطاء مفهوم المواطنة
حقه على مستوى الممارسة والسلوك لا على مستوى التنظير
والنقطتان الاولى والثانية من دعائم الاصلاح هما اللتان
يساعدان في بناء المواطنة اذ لا مواطنة بدون عدالة وحرية
ومساواة وتكافؤ للفرص ، المجتمعات التي استطاعت ان تكرس مفهموم
المواطنة في تجربتها السياسية والحضارية كما يقول محمد محفوظ
"هي تلك المجتمعات التي قطعت شوطا كبيرا في بناء الديمقراطية
والمشاركة العامة والعدالة المجتمعية. وعليه فان العنصرية
والطائفية والدكتاتورية وتكميم الافواه وانعدام الحريات العامة
، كلها حقائق وعوامل مضادة ومناقضة لمبدا المواطنة" ينظر(محمد
محفوظ، الاصلاح السياسي والوحدة الوطنية، المركز الثقافي
العربي، بيروت، ط1 ،2004، ص108).
ومن متطلبات الاصلاح ايضا
وجود قاعدة قانونية اساسها الدستور كونه يترجم ارادة الاصلاح
ويجعل مؤسسة الدولة في ارادتها منسجمة والارادة العامة للامة
التي يكون فيها القانون هو المرجعية الوحيدة لمعالجة كل
المشاكل و الازمات ، ولا ينفع وجود الدستور او القانون اذا لم
يكن مطاعا ومحترما من قبل الجميع .
من الضروري ايضا كي يكون
الاصلاح حقيقياً ان يعاد صياغة مفهموم الوحدة الوطنية في ضوء
قيم الحرية والتسامح ، فالوحدة التي تبنى بوسائل قسرية لا
تدوم، كما ان الوحدة الوطنية التي لاتحترم حقوق الانسان
وخصوصيات التنوع الثقافي والتنوع الفكري المتوفر في المجتمع
لا تستند الى قاعدة صلبة ومتينة .
التقليد
والاصلاح :-
دائما حينما يذكر مفهوم
التقليد يبني الذهن انطباعا سلبيا لهذا المصطلح ، ونحن في هذا
المقال قد استخدمناه بهذا المعنى ونقصد به اتباع الجديد للقديم
وكانه حضور القديم في الجديد او سحب الماضي للحاضر او سحب حاضر
مغاير لصالح حاضر الذات، بمعنى اوضح تقليد الاباء (التراث) او
تقليد الآخر (الغرب) ، فالموقف السلبي يكون حينما نفكر عبر
الاستعارة اي استعارة الفكر والنظر اليه بوصفه الحل النهائي او
لا يأته الباطل من امامه ولا من خلفه ، هنا يكون التقليد سلبيا
واتباعا غاب عنه العقل ، ولكن من الممكن ان يكون لمفهوم
التقليد شكلا ايجابيا في الاطار الديني مثلاً لابد من تقليد
الانسان العادي لرجل الدين (الفقيه) في معرفة امور الدين بوصفه
مختصاً ، والمريض لابد من تقليده نصائح الطبيب كونه مختصا ايضا
والعالم حينما يطرح نظرية علمية تؤيدها الوقائع كان تكون
تركيبة كيمياوية تصلح في انتاج مركب جديد فلابد من تقليده ،
ولا اعتقد في هذا الموقف مسخ للشخصية وقتل للنزعة النقدية ،
والتجارب الكبرى للتغير في العالم والتحولات العلمية مثل
الثورة الصناعية والثورة المعلوماتية كلها تدفع باتجاه التقليد
، فالمشكلة ليست في التقليد بحد ذاته لكن في التقليد حينما
يكون اتباعاً ومسخا للعقل واستعارات جاهزة ونقلا للافكار من
بيئة الى بيئة من دون ممارسة النزعة النقدية حولها وامكانية
اعادة صياغتها ، فباعادة الصياغة في ضوء المستجدات يصلح العقل
نفسه والحياة الانسانية بشكل عام تبدأ بالتقليد ، فالطفل يقلد
ابويه او الكبار أو معلمه، اذ يقول شريعتي "ان تقليد التلميذ
لمعلمه، تقليد منطقي وراق، فالطرق التي سلكها المعلم بان يصبح
استاذاً، على التلميذ ان يسلكها نفسها كي يصبح استاذاً، وهذا
التقليد صحيح وبناء.....، وهو تقليد واع ومختار راق، اذ ان كل
انسان يقلد التقدم حتى يتقدم لا لان يبقى مقلداً دائماً"
ينظر:(علي شريعتي، الانسان والاسلام ، ترجمة عباس الترجمان،
مؤسسة الاداب الشرقية، النجف الأشرف، العراق،ط1 ،2006 ،ص208
الى ص217 ) فالتقليد هو الخطوة الاولى التي يبني الانسان من
خلالها معارفه وبعد تطور هذه المعارف يعيد انتاجها بما ينسجم
مع العقلية الجديدة له بوصفه شاباً. والانسان الذي يسافر يطلع
على عادات وحياة الشعوب وطبيعة معيشتهم ورؤاهم الحضارية ولربما
يقلد بعض ما يجده ايجابيا او ينسجم مع توجهاته و لا يتقاطع مع
عاداته وتقاليده ، فالمعرفة تبدأ تقليداً لكنها من المفروض ان
تنتهي ابداعاً، ومن مشكلاتنا كعرب اننا نبدأ المعرفة تقليداً
اتباعياً وننتهي تقليداً اتباعياً ، فجزء مما يقتضيه الاصلاح
برأينا هو أن نبدأ تقليدا ونمارس نقداً كي نحدث تحولاً
فالاصلاح بمضمونه تحول وتجديد وتخلصا من التقليد حينما يكون
اتباعاً .