|
الإثنين :
08/06/2009
الجامعة
والتنمية والنهضة
تحديات
وفرص /1
أ. د. عدنان ياسين
مصطفى(*)
(خاص للمعهد)
من استوى يوماه فهو مغبون
(حديث نبوي شريف)
لحظة يا صاحبي إن تغفل
ألف ميل زاد بعد المنزل
المفكر الجزائري مالك بن نبي
(في حقب التغير السريع المتلاحق
لن تزدهر إلا تلك المؤسسات الجامعية التي يغامر أهلها بعملية
التغيير).
جيمز ديودير ستات
رئيس جامعة شيكاغو
يمر العالم بتأثير ثورة الاتصالات
والانترنيت بمرحلة يطلق عليها مجتمع المعلومات العالمي (Global
Information Society)، إذ يرى أصحاب الفكر التنموي أنه يمكن استغلاله
في بناء مجتمع معاصر مغاير تماما لسوابقه، هو مجتمع المعرفة (Knowledge
Society). وان بناء هذا النموذج في البلدان النامية يشكل تحديا هائلا
بكل المقاييس، لعل أول ما يتطلبه، استغلال الموارد والطاقات التي
تتيحها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتضييق الفجوة المعرفية التي
تهدد المجتمع الإنساني وتعرقل مساعي التنمية المستدامة.
ويشكل التعليم، وخصوصا التعليم
العالي، أحد الحلقات المفصلية لتمكين البلدان النامية من إقامة مجتمع
المعرفة كمحور للنهضة. إذ تزايد الاهتمام في العالم اليوم بموضوع
توظيف التعليم العالي كقناة إنتاجية وتنموية، إلى الحد الذي أصبح فيه
تقويم فعالية التعليم العالي يعتمد بشكل أساسي على ملائمة أهدافه
لمتطلبات التنمية الشاملة في البلد الذي يمارس فيه التعليم وظائفه ومدى
قدرته على مواجهة التحديات المختلفة. وبات من المسلم به أن الجامعة
الحديثة لم يقتصر دورها على مواجهة التحديات الآتية فقط، بل صار يمتد
إلى ممارسة الاستشراف والتنبؤ بالتحديات المستقبلية واتخاذ الإجراءات
اللازمة لمجابهتها قبل حدوثها. وان الجامعات تقوم بدورها في التنمية
من خلال قيامها بأدوار متعددة ومتشعبة من أهمها الإسهام في تنمية
الأفراد تنمية كاملة وشاملة، وهذا يعني أن تنمية الموارد البشرية وزجها
في المجالات الإنتاجية بشكل فاعل، وهذا الجانب بالذات أعطي أهمية كبيرة
من خبراء الإنتاج والتنمية والمختصين.
فهل تحقق الجامعات في العراق اليوم
هذا الدور التنموي ؟
إن هذه الورقة تحاول أن تطرح
تساؤلات منها:
*ما هو المسار الواقعي للنهوض في
التعليم العالي في العراق ؟ من أسفل؟ أم من أعلى؟
*كيف يكون التعليم العالي سبيل
العراق الحقيقي إلى التحديث ؟
*التعليم العالي هو قضية أمن
إنساني مجتمعي بالدرجة الأولى، فهل يشمل ذلك البعد التربوي السلوكي
القيمي المهاري ؟
*هل فشل نظام التعليم العالي
الحالي في القدرة على تنمية الحراك الاجتماعي في المجتمع ؟
*هل التعليم العالي في كل مراحله
في العراق في حاجة إلى تغيير المناهج جذريا ؟
*هل يوجد لدينا إستراتيجية متكاملة
للنهوض بالتعليم العالي في العراق ؟
*هل يحمل المستقبل ازدواجية في
نظام التعليم، تعليم عام وتعليم خاص(مميز) ؟
*هل المهم أن نقارن بالإنفاق على
التعليم أو بالمنتج من العملية التعليمية بكل المراحل ؟
* هل المؤشرات التي تقيس أداء
النظام التعليمي في الجامعة حاليا في ظل شروط جديدة لأسواق العمل
والاشتراطات الواجب توافرها في الكم المتراكم من خريجي المراحل
المختلفة ؟
إن السبيل لتحقيق النهوض العلمي في
الجامعات العراقية، عنوان ورقتنا هذه، ينطوي على إقرار بتراجع المسار
العلمي ليس في جامعاتنا فحسب، ولكن في كل المستويات العلمية، وانحسار
دوره، وتعثر أدائه، وأدواته في آن، ومن ثم فهو حديث نقدي بالدرجة
الأولى. غير أن النقد هنا لا ينطلق من مواقع الإحباط والانكسار أو
التشهير، ولكن من مواقع الثقة بالطاقات الكامنة الخلاقة، المنجزة،
المبادرة إذا أحسن استخدامها وتوظيفها، إذا توافرت لها الشروط
الموضوعية. ومن منطلق التمسك بالثوابت العلمية التي ترجمتها الجامعات
العراقية في تاريخها المعاصر، وشهدت أبهى أيامها , وأجمل عطاءاتها.
أولا: التعليم
وتحديات المستقبل
إن الزمن لا يعرف التوقف، ومن لا
يتقدم لا يبقى في موضعه النسبي إنما يتخلف. وفي عالم يتغير بإيقاع غير
مسبوق، تصبح معرفة آفاق واحتمالات المستقبل عنصرا حاسما من عناصر
القدرة على الفعل الهادف والمؤثر، ويجعلنا نعيش في عصر التجدد والتحول.
وحين ينتقل الناس ويتجددون يأخذون معهم خزينا من القصص عن فشلهم
ونجاحهم في السابق ويقارنون أنفسم بالآخرين، وهم يعلون من شأن القيم
الأخلاقية ويبحثون عن أمل متجدد. واليوم ونحن نعيش تحت سقف واحد في
قرية كونية عالمية يشكل فيه الاعتماد المتبادل حياتنا المستقبلية،
علينا أن نتخذ القرارات في الوقت المناسب، كما يجب أن ندخل مفهوما
جديدا هو "أخلاقيات الزمان والمكان" وإلا فالأحداث السلبية تصبح غير
قابلة للانعكاس، وتقودنا إلى طريق اللاعودة.
وفي مواجهة التحديات الكثيرة لا
بدّ من استنهاض التعليم، وخصوصا الجامعي كي يقوم بدور رئيسي، ولكن قبل
ذلك لا بدّ من تحديد التحديات التي تواجه التعليم من أجل المستقبل وهي:
1ـ التصادم بين العالمي والمحلي:
ففي الوقت الذي تحاول فيه العولمة ضبط إيقاع الناس على أنغام التانغو
الأمريكي وقولبة المواطن العالمي بمسارات وسياقات محددة، فإنّ
الخصوصيات الثقافية والقواعد الشعبية والمكونات المجتمعية ينبغي الحفاظ
عليها. فالتنوع الثقافي العالمي الثري الذي تشكل عبر آلاف السنين سيكون
مهددا بهيمنة ثقافة واحدة ربما تجعل العالم رتيبا ومملا، الأمر الذي
يتطلب وضع نظام تعليمي يتفهم ويقدر الثقافات الأخرى، كي نتفادى هيمنة
الثقافات الدخيلة.
2ـ التوازن بين الأصالة والمعاصرة،
أو بين العراقة والحداثة: لقد أسهمت التغيرات الهائلة التي تمخضت عن
الاندلاع المعرفي الناجم عن ثورة المعلومات والاتصالات والتي أنتجت
مجتمع المعلومات العالمي، في خلق نموذج متكامل له أبعاد سياسية
واقتصادية وثقافية. وستسهم ثورة المعلومات في الوصول إلى ما كان يصعب
الوصول إليه وتشمل ما كان مستبعدا، لكنها ستتدخل بشكل مباشر أو غير
مباشر في خصوصياتنا. فهي ستعيد تقسيم العالم من جديد إلى، أغنياء
المعلومات وفقرائها،. ومن ثم فإنّ المعرفة والحصول على المعلومات
سيكونان المعايير الرئيسية التي ستتحكم بالتقدم ويسود اقتصاد السوق
العالمي. إن هذه المتغيرات ستنقل العالم من بيئة طبيعية Natural
Environment إلى Virtual Environment، مما يجعل وسائل الإعلام
المتعددة المتفاعلة فيما بينها(Interactive Multimedia) و الجامعة
الافتراضية) Virtual University) ستغير مفهوم الجامعة الذي لدينا
اليوم بأكمله. إذ سيكون بالإمكان القيام بعمليات جديدة للتعلم، والحصول
على التعليم لمدة طويلة، ربما يستغرق مدى الحياة، وكذلك نيل مستويات
دولية مختلفة من الشهادات: كل ذلك يمكن أن يتم داخل المنزل من خلال
كلمات وصور وأصوات تأتيك على شاشة الحاسوب عند استخدام أحدث ما وصلت
إليه التكنولوجيا من طرق التعلم المتفاعل (Interactive Learning)،
والتي جرى تصميمها من قبل نخب من المفكرين والباحثين في شؤون المعرفة.
3ـ التوازن بين الأهداف الطويلة
والأهداف القصيرة الأمد: وقد جرى التأكيد على هذه القضية منذ مطلع
التسعينات من القرن الماضي، بعد أن أدركت العديد من بلدان العالم
المخاطر والتحديات الناجمة عن تبديد الموارد والتفريط باستحقاقات
الأجيال القادمة، فانطلقت فكرة التنمية البشرية المستدامة(Sustainable
Human Development) لتؤكد أهمية التوازن بين الأهداف القصيرة والبعيدة
للمحافظة على الموارد الطبيعية والحد من تبديدها، ويدخل في هذا المجال
القضايا المتعلقة بظاهرة الاحتباس الحراري، والغازات المنبعثة من البيت
الزجاجي، والتصحر، والفقر، والتضخم السكاني، التي تهدد نظام إسناد
الحياة على الكرة الأرضية.
4ـ افتقاد التعليم إلى الرؤية
الإستراتيجية Strategic Vision: وقد حلت هذه الكلمة في الأدبيات
الحديثة محل مفهوم قديم اسمه المشروع الحضاري. يكشف هذا عن غياب رؤية
محددة للتعامل مع المتغيرات العالمية.
5ـ الافتقار إلى سياسة تكنولوجية
محددة: ذلك أننا لم نحدد بعد أولويات مبادراتنا التكنولوجية، فلا توجد
سياسة تكنولوجية فيها منطلقات محددة وأهداف ووسائل. ليست لدينا سياسة
محددة للبحث العلمي، العلماء والباحثون الموجودون في العراق استثمرت في
إعدادهم الأكاديمي ملايين الدولارات، وفيهم كوادر قادرة وتستطيع أن
تنتج على أعلى مستوى، ولكن البيئة الاجتماعية والثقافية لا تسمح لهم
بالإنتاج. وهنا ينبغي أن نطبق نظريات ومناهج سوسيولوجيا العلم لكي نبحث
المجتمع العراقي ونعرف ما هي المعوقات الحقيقية الموجودة.
6ـ التحدي بين المنافسة والمساواة
في الفرص: مع أن المنافسة ضرورية للتنمية وتحقيق الكفاءة والجودة
والتنوع في المواد، لكن كيف يمكن أن نبرر التباين الصارخ بين عالم
الشمال وعالم الجنوب. إذ يتمتع 20% فقط من سكان دول الشمال بحوالي 80%
من موارد الأرض.
7ـ الخلل بين الطلب والعرض: فكثيرا
ما يلجا التنفيذيون الى الاعتماد على خبراتهم أو على ضغوط سياسية في
اتخاذ قرارات أو حل مشكلات دون طلب على البحوث التي تقتضي هداية خيارات
القرار؛ أي أن القرار في كثير من الأحيان سلطوي فوقي لا علمي.. لذلك
لجأ الباحثون من ناحية الى الاعتماد على خبراتهم، أو تصوراتهم في
اختراع مشكلات من عندهم لإجراء بحوثهم. ومن هذا النوع كثير من بحوث
درجات الماجستير والدكتوراه، والتي لا تتشابك مع الواقع أو لا علاقة
لها بمجرياته ومشكلاته ومطالبه الحقيقية.
ها هنا يطالعنا سؤال إشكالي رئيسي:
هل نحن بحاجة فعلا إلى الرجوع للأساسيات؟ الجواب: نعم.
وهنا نعود إلى فكرة التنمية
البشرية المستدامة التي تنظر إلى أن الفقر هو فقر القدرات (الصحية
والتعليمية وغيرها). لذا ركزت الأهداف الإنمائية على توسيع الخيارات
المتاحة أمام الناس لتأمين حياة طويلة وصحية وخلاقة.
وتأسيسا على ما تقدم ينبغي أن يكون
التعليم للجميع؛ على أن يكون ذا نوعية جيدة من أجل تمكين الناس من
التعامل مع الأوضاع والمتغيرات الجديدة. ولعل الطريقة الوحيدة في تحقيق
ذلك هو أن نقنع أنفسنا والآخرين بأن التعليم هو: أن يتعلم كل إنسان كيف
يمكنه أن يتعلم.
وفي هذا الإطار لا بدّ أن نشير إلى
توصيات لجنة جاك ديلور التابعة لمنظمة اليونسكو/الأمم المتحدة، حيث
أكدت على أربعة دعامات رئيسية للتعليم من أجل القرن الحادي والعشرين
هي:
أ- أن نتعلم كيف نكون.
ب- أن نتعلم كيف نعرف.
ج- أن نتعلم كيف نعمل الأشياء.
د- أن نتعلم كيف نعيش معا.
من هنا فإنّ آفاق التنمية
المستقبلية ينبغي أن تركز على قضية: أن نتعلم كيف نعيش معا عن طريق
تنمية تفهمنا للآخرين، للتاريخ والتقاليد والقيم الروحية بأننا نسير
أكثر فأكثر نحو الاعتماد المتبادل.
إن بذل أقصى الطاقات من اجل اجتناب
التخلف عن ركب المجتمعات المتقدمة في ميادين العلم والتكنولوجيا
والتعليم هو ما تجسده عبارة "أن نتعلم كيف نعمل" أو "أن نتعلم كيف
نعرف". فالجهد المبذول له أهمية اجتماعية فائقة، ذلك أن نصف الوظائف
التي تحتاج إلى مؤهلات عالية سوف تكون في الربع الأول من هذا القرن،
مرتبطة بالأساليب التكنولوجية الحديثة. وسيظل تشغيل الحاسبات
الالكترونية والإنسان الآلي قائما مقام جهد الإنسان في كل ما لا يتطلب
قدرة إبداعية. وتظل السمات التي تتميز بها مجتمعاتنا الحاضرة من كونها
مجتمعات استهلاكية لا إنتاجية هي التي تحدد بصفة نهائية إيقاع الاقتصاد
القومي لهذه المجتمعات. وسيتطلب ذلك جهدا استثنائيا طالما أن مجتمع
المعرفة يقوم على استغلال المعرفة كأهم مورد لتنمية جميع القطاعات
الاقتصادية والنماء الاجتماعي، ويتمحور حول بناء القدرات Capacity
Building والتأهيل المهني وجعله مسايرا للظروف الجديدة. إن هذا النمط
من المجتمعات يسعى للبحث عن المعلومات وتنظيمها ومعالجتها وتحويلها،
والأهم من هذا كله استخلاص المعرفة من كم المعلومات الهائل من أجل
تطبيقها لأغراض التنمية الإنسانية. علاوة على ما تسهم به المعرفة في
تنمية القطاعات الاقتصادية المختلفة، تمثل صناعة المعرفة قطاعا
اقتصاديا قائما بذاته يشمل -على سبيل المثال- البحوث والتطوير، وصناعة
البرمجيات، وصناعة الإعلام والإنتاج الإبداعي[1].
وعلى صعيد التعليم والمعرفة ينبغي
أن يراعى فيه قدر كبير من التنوع وبشكل متجدد ومستمر بطرح مواد جديدة
تدرس بصورة مكثفة على النحو الذي يساير الألوان الجديدة من المعارف
وطرق تطبيقها العلمي. أما الوظائف الجديدة فسيكون طرحها مستجيبا للتغير
العميق الذي يطرأ على سوق العمل التقليدية والعقول الالكترونية خير
حليف للمتغيرات الجديدة، وصولا إلى خطط تعليمية مرنة إلى أبعد حد.
إن ذلك يتطلب درجة عالية من
الاقتدار من المسئولين التنفيذيين لاتخاذ القرارات المناسبة بكفاءة
وسرعة، ومن اجل هذا ينبغي أن نعزز قضية الثقة في كل جوانب العملية.
وبهذا نشير إلى كتاب فرانسس فوكوياما الذي نشره في مطلع عقد التسعينات
من القرن الماضي بعنوان" الثقة فضيلة اجتماعية منشئة للازدهار".
وتدلنا تجارب دول النمور الآسيوية
أن البناء الثقافي والعلمي للموارد البشرية هي العامل الحاسم في خدمة
التغيير الشمولي. إذ ظل الجامع المشترك بين التجارب الآسيوية هو
التركيز على الإنسان الحر، والمؤمن بقدرة شعبه على مواجهة التحديات.
وهو مؤهل للاستجابة على التحدي الحضاري بعد تملكه للعلوم العصرية،
والتكنولوجيا المتطورة. من هنا فإنّ المسار التأريخي للمجتمع يتطلب
إعداد العلم والتكنولوجيا من أجل التنمية المستدامة. وبذلك ينبغي أن
تشكل قضية تهيئة الموارد البشرية لمواجهة تحديات المستقبل الأولوية
القصوى في كل خطة. لان التنمية في المستقبل ستكون مكثفة بالمعرفة
ومبنية، بصورة خاصة، على أسس علمية متينة، والتعليم ذو النوعية
العالية هو الوسيلة لبلوغ مثل هذا الهدف.
ثانيا: الفجوة
المعرفية
يعد اكتساب المعرفة احد الاحقيات
الإنسانية الأساسية التي يقوم للبشر حق أصيل فيها لمجرد كونهم بشرا.
ويعد اكتساب المعرفة كذلك سبيلا للتنمية الإنسانية في جميع مجالاتها.
فالتنمية الإنسانية في الجوهر، هي نزوع دائم لترقية الحالة الإنسانية،
من أوضاع تعد غير مقبولة في سياق حضاري معين إلى حالات أرقى من الوجود
البشري، تؤدي بدورها إلى ارتقاء منظومة اكتساب المعرفة.
من هنا يمكن القول إن المعرفة في
العصر الراهن من تطور البشرية، هي سبيل بلوغ الغايات الإنسانية
الأخلاقية الأعلى: الحرية، والعدالة، والكرامة الإنسانية. وفي المجتمع
العربي عموما، والمجتمع العراقي خصوصا، فإنّ تعزيز الأبعاد الثقافية
المعرفية، المرتبطة بقضايا التنمية، تكتسب أهمية قصوى، إذ أن نقل
القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى حيز النقاش- ومن ثم
الفعل-المجتمعي، تكسبها دفعا للأمام. إلا انه ينبغي، مع ذلك، الاعتراف
بوجود مشكلتين مرتبطتين تكبحان هذا التوجه: تتمثل الأولى منهما بالإطار
المعرفي السائد والقائم على ثقافة ترزح تحت مخلفات الماضي. أما الثانية
فتتمثل في عدم فاعلية منظومات اكتساب المعرفة في المجتمعات العربية
عموما.
إن تسارع التقدم العلمي بفضل ثورة
الاتصالات والمعلومات زاد من اتساع الفجوة المعرفية بين أولئك الذين
يولدون المعرفة وبإمكانهم الوصول إليها وبين بقية الناس، وخصوصا في
بلدان الجنوب، مما يتطلب حشد كل الطاقات والإمكانات واستغلال الموارد
التي تتيحها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لجسر الفجوة المعرفية التي
تعمل على تصدع المجتمع الإنساني، الأمر الذي يدفع بالتعليم والمجموعة
العلمية للالتحام مع التيار الرئيسي إذ ستعم المنفعة البشرية جمعاء. من
هنا لا بدّ إذا من إقامة توازن بين ثوابت الأصالة ومعطيات الحداثة،
وكذلك توازن بين الكرامة الإنسانية وحرية البحث والتضامن الإنساني كي
نتغلب على سوء التنمية ونحسن نوعية الحياة ووضع البيئة.
وهنا نجد من المناسب أن نفرق بين
مجتمع المعلومات Information Society ومجتمع المعرفة Knowledge
Society. الأول يركز على النسق التكنولوجي الاتصالي، أما الثاني، فهو
مفهوم أعمق واشمل يقوم على استغلال المعرفة كأهم مورد لتنمية جميع
القطاعات الاقتصادية والنماء الاجتماعي بصفة عامة. ويتمحور مجتمع
المعرفة حول بناء القدرات Capacity Building للبحث عن المعلومات
وتنظيمها ومعالجتها وتحويلها، والاهم من هذا كله استخلاص المعرفة من كم
المعلومات الهائل من اجل تطبيقها لأغراض التنمية الإنسانية. فضلا عما
تسهم به المعرفة في تنمية القطاعات الاقتصادية المختلفة، تمثل صناعة
المعرفة قطاعا اقتصاديا قائما بذاته، يشمل-على سبيل المثال:- البحوث
والتطوير، وصناعة البرمجيات، وصناعة الإعلام والإنتاج الإبداعي[2].
إن مجتمع المعرفة يتجاوز النفاذ
إلى المعلومات وإتاحتها للجميع، إلى تحويلها إلى موارد ملموسة من
المعارف النظرية والتطبيقية والأساليب الهندسية والتكنولوجية
والتنظيمية التي تسهم بصورة مباشرة في التنمية المستدامة للمجتمع،
وتضمن توفير الاحتياجات الضرورية وتكفل الحريات الأساسية للجميع[3].
لذا فإنّ شروط بناء مجتمع المعرفة
يتطلب توافر شروط ومقومات عديدة على نطاق بالغ الاتساع، يكاد يغطي جميع
جوانب المنظومة المجتمعية، والتي تشمل أمور السياسة والاقتصاد والتعليم
ومنظومة القيم والمعتقدات والعلم، والتكنولوجيا، والإعلام، وكذلك
العلاقات التي تربط المنظومة بخارجها. ولكل جانب من هذه الجوانب أبعاده
التنموية التي طرأت عليها تغيرات جذرية بفعل المتغير ألمعلوماتي.
ثمة قضية تجدر الإشارة إليها، هو
أن تكنولوجيا المعلومات أدت إلى تقليل كلفة أدوات إنتاج العلم وعلى
رأسها الكومبيوتر الذي حقق في هذا المجال المعادلة الصعبة: تناقص
الكلفة مع زيادة الإمكانات، وتوافر المعامل الافتراضية Virtual Lab.
التي لا تقارن كلفتها بكلفة المعامل الحقيقية الباهظة التكاليف[4].
من هنا فإننا في حاجة اليوم إلى تصنيع الإنسان المبدع المنجز المبادر.
ويشهد تاريخ العلم أن كثيرا من انجازاته الضخمة تمت بوسائل رخيصة.
ونكتفي بالإشارة إلى ثلاثة أمثلة بسيطة هي:
الأول: نموذج الحلزون المزدوج
الذي بناه واطسون وكريك من شرائح الصفيح والأسلاك.
الثاني: الرياضيات البيولوجية
Biomath التي دشنها كيلر وسيغلز باستخدام الورقة والقلم.
الثالث:عصيات كوخ التي اكتشفها
العالم كوخ بإمكانات بسيطة معروفة.
وكيف لنا أن ننسى أن الكثير من
انجازات صناعة الكومبيوتر والبرمجيات تمت في الكراجات والإنفاق.
والتوقعات الحالية تؤكد أن الإنسان سيتمكن قريبا من شراء جهاز تحليل
شخصي لتحديد تتابعات حامض ال D.N.A.
في إطار ما تقدم، وما دمنا نعيش
في عصر المعلومات، ينبغي أن يكون المجتمع العراقي قادرا على التفاعل مع
معطيات الثورة المعلوماتية وان يكون هدف مؤسساته التعليمية والبحثية
تحقيق تفاعل ايجابي مع مجتمع المعلومات، فليس من قبيل المصادفة أن
البلاد الغنية والمتقدمة هي تلك التي تتمتع بغنى ووفرة في مصادر
المعلومات، والعكس صحيح، فحيثما تندر المعلومات يزداد الفقر والتخلف.
فالمعرفة لن تكون أساس القوة فقط وإنما أساس الرخاء أيضا. وهنا لا بدّ
من الاعتراف بأنّ مستخدمي أجهزة الحاسوب من أساتذة الجامعة في العراق
لا يزال محدودا، ولا يقارن بمستوى مستخدمي الحاسوب في البلدان
المتقدمة، ومن ثم يجب ألا ندخر جهدا في صنع مجتمع غني بالمعلومات إذا
أردنا أن نتطور ونتقدم. من هنا ينبغي التأكيد على أهمية: أطلاق حرية
التعبير؛ وضمان الحريات الأساسية؛ ووجوب المشاركة الجماعية؛ وضرورة
الحشد المجتمعي والتكتل الثقافي والتأكيد على أهمية التكامل المعرفي.
لقد بات واضحا أن ثورة المعلومات أكدت سطوة المعرفة العلمية
والتكنولوجية، مفضلة إياها على غيرها من صنوف المعرفة، مثل المعرفة
المحلية، والمعرفة الذاتية، ومعرفة الخبرات العلمية، ومعرفة التقاليد
الشفهية.
من هنا فإنّ الفجوة المعرفية تمثل
الهوة التي تفصل بين العالم المتقدم والعالم النامي من حيث قدرته على
تفعيل دورة اكتساب المعرفة المشار إليها آنفا لتحقيق أغراض التنمية
وبناء القدرات الذاتية لاقتفاء موارد المعرفة وتوظيفها وإنتاجها، وتقاس
الفجوة المعرفية بعدة مؤشرات منها:
* نسبة عدد العلماء والمهندسين
إلى إجمالي عدد السكان.
* عدد براءات الاختراع والتراخيص
الممنوحة والبحوث المنشورة.
* نسبة الالتحاق إلى التعليم
العالي[5].
لقد أظهرت العديد من الدراسات
الارتباط الوثيق بين التنمية والمعرفة، وان نجاح عمليات التنمية مرتبط
بقدرة الدول على بناء مجتمع المعرفة الذي يمثل فيه التعليم عموما
والتعليم العالي خصوصا ركيزته الأساسية. وقد أثبتت دراسة حديثة أجريت
لبحث العلاقة بين التعليم والنمو الاقتصادي في 66 دولة نامية أن
التعليم لا يؤثر بقوة فقط في النمو الاقتصادي، ولكن الاستثمارات بصفة
عامة تصبح أيضا ذات أثر محدود على معدل النمو الاقتصادي إذا ابتعد
تركيزها عن الاستثمارات في التعليم. وهنا لا بدّ من القول إن مفهوم
التربية من أجل التنمية المستدامة لم يعد خيارا فحسب بل بات أولوية
ملحة. ومن هنا جاء اعتماد الأمم المتحدة للعقد العالمي للتربية
2005-2015 من أجل التنمية المستدامة[6].
إن النهوض المجتمعي الذي تحقق في
تجارب التحديث الآسيوية انطلقت أساسا من إصلاح البنى التعليمية
والتربوية والثقافية الذي أسس لحداثة غير قابلة للارتداد. لقد أصبح
التعليم الهاجس الأول للإنسان في دول النمور الآسيوية، فحب العلم
والمعرفة والاهتمام المجتمعي بقضية التعليم جعلها تعيش نشوة هذه الرؤى
والأحلام وتعمل بشكل دؤوب نحو تحقيقها. ويذكر الدكتور عبد العزيز الحر
في كتابه التربية والتنمية والنهضة، انه في أثناء زيارته لمعهد تطوير
التعليم بكوريا، سأل مدير المعهد: ما أكبر إشكالية تواجهونها في تطوير
التعليم في كوريا فقال: مبالغة الشعب الكوري في قيمة التعليم،... وهذا
قد تسبب في زيادة الأعباء النفسية والضغوط الاجتماعية على الأطفال
وتسبب في تحميل ميزانيات الأسر لأعباء مالية كبيرة تدفع للتمدرس خارج
المدرسة لتغطية دروس خصوصية أو دراسة مواد إثرائية وغيرها[7].
ثالثا: الجامعة
والمتغيرات المجتمعية العالمية
إن التغيرات الكبرى التي يشهدها
العالم في الفكر التربوي كجزء من الثورة العلمية والتكنولوجية
والمعلوماتية، التي تضخ متغيرات العولمة بتوجهاتها الحداثية وما بعد
الحداثة تتطلب المراجعة لكثير من قضايا المنظومة التعليمية، سواء في
وظيفة التعليم وأهدافه، وفي إتاحة الفرصة للجميع ذكورا وإناثا، وتوفير
تعليم متميز للجميع، وفي تغيير دور الأستاذ والجامعة، وفي النقلة من
التعليم والتدريس الى التركيز على التعليم ومصادره المتعددة، الى تطوير
المناهج والتكامل فيما بينها، الى قضايا تعليم اللغات الأجنبية مع
الاهتمام باللغة القومية، الى تكوين الفكر العلمي الناقد المبدع. كل
ذلك يتطلب تصحيح وضع التعليم ومخرجاته في مواجهة تحديات الحاضر
والمستقبل بغرض الاهتمام بعمليات البحوث في مختلف المواقع الإستراتيجية
للتطوير ليكون التعليم الجامعي أداة فعالة في تكوين الثروة البشرية
وارتفاع معدلات إنتاجها، وتطوير وعيها لتنمية خصائصها ومقومات
إبداعاتها العلمية والثقافية في تفاعلها مع معطيات الحضارات العالمية.
انطلاقا من هذا التصور يمكن تحديد أهم المتغيرات التي تتحكم في أوضاع
التعليم في بلداننا وهي:
1: المسألة الديمغرافية –(مجتمع
فتي ونسبة إعالة مرتفعة)
تشكل المسألة الديمغرافية وتزايد
حجمها العددي أحدى التحديات في مستقبل التعليم العالي في جميع البلدان
النامية. إذ يصل مجموع سكان العراق حاليا، حسب تعداد 1997 بحدود 25
مليون نسمة، ويتميز ببنية شبابية كبيرة الحجم في الفئة المناظرة
للتعليم الجامعي. ويكفي أن نشير إلى أن نسبة السكان في عمر 19 سنة أو
أقل حوالي 50% من مجمل السكان[8].
وتساهم كل من نسبة الخصوبة
المرتفعة وانخفاض نسبة الوفيات بين الأطفال في تشكيل أحد أبرز الخصائص
السكانية في العراق، وهي اتسام المجتمع بأنه مجتمع فتي، حيث يشكل
الأفراد في عمر 15-64 سنة عام 2004 حوالي 47% من السكان[9].
ويعود ذلك إلى العدد الكبير للنساء في عمر الإنجاب. ويبلغ عدد الأسر في
العراق (4,252,000) أسرة، ويرأس الأسرة الذكور في 89% منها، و الإناث
في 11% منها. ويعيش أكثر من ثلثيْ السكان في المناطق الحضرية حيث بلغ
76.1 %، أما الثلث الباقي فيعيش في المناطق الريفية. يبلغ العمر
المتوقع لدى الولادة 59.2 سنة للرجال و62.3 سنة للنساء، وذلك حسب
تقديرات تقرير التنمية البشرية 2001 (UNDP) وتختلف قليلا عنها تقديرات
وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي حيث قـُدر العمر المتوقع لدى الولادة
بـ 58 سنة للرجال و59 سنة للنساء[10].
لقد أثرت سنوات الحصار وبشكل كبير
في أوضاع المجتمع العراقي، ونتج عن ذلك تردي منزلة العراق بين الدول
حسب تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للتنمية البشرية من المرتبة
67 بين دول العالم في عام 1991 إلى 127 في عام 2001
[11].
2: قوى السوق وثقافته
لا شك في أن المفاعل المفصلي الذي
يلعب دورا حاسما في المتغيرات المجتمعية الحالية بما فيها الجامعة، هي
قوى السوق العالمية، أو ما تسمى أذرع العولمة (البنك الدولي، صندوق
النقد الدولي، الشركات متعددة الجنسيات و منظمة التجارة العالمية)
لتشكل عاملا ضاغطا من أجل التحول من مفهوم الجامعة الحالي إلى جامعة
المستقبل المتوقع على الأفق الزمني القريب والبعيد.
ولعل أهم ما تميزت به جامعاتنا عند
نشأتها أنها تشكلت في سياق ليبرالية صفوة تنشد المعرفة من أجل المعرفة
والاستنارة، ممتزجة مع معارك الاستقلال والتحرر الوطنية وعد الجامعة
رمزا لتأكيد السيادة الوطنية، ثم انتقالا بتوجهها إلى مبدأ تكافؤ الفرص
التعليمية، لتركز اليوم على مطالب سوق العمل كما هو الشأن في جميع
البلدان النامية الأخرى.
وبعد أن كانت قوى الثقافة في
المجتمع التقليدي تلجم آليات السوق وتحد من شراهة الربح، أدت
الليبرالية الجديدة إلى هيمنة السوق العالمية والاقتصاد الحر، ومؤسساته
الدولية، مما ترتب عليه احتدام التنافس، إلى التسابق المرعب نحو الربح،
ومزيد من الأرباح، والى "تسليع" كثير من القيم ومقومات الحياة.
إن الاقتصاد المعولم لم يفشل فحسب
في تحقيق مستوى مرتفع من النمو، والحد من ظاهرة البطالة، بل انه قد
أطاح بكل المكاسب الاجتماعية القديمة وألقى بفئات متعددة إلى حافة
الفقر. وليس من باب المبالغة القول إن اخطر النتائج سلبية في المجال
الاجتماعي هو سحق الطبقة الوسطى ودحرجتها إلى حافة الفاقة، وهي صمام
الأمان في المجتمع التي تشكل النواة الصلبة للمجتمع المدني. وباتت قوى
السوق تفرض مستوياتها ومواصفاتها العالمية في كل مجالات العمل والأداء
والقدرة على الدخول والمنافسة في السوق العالمية بل في السوق المحلية
أيضا، إن ذلك يتطلب مستويات عالمية من المعرفة تستوعب الثورة المعرفية
الجديدة والمتجددة، وتوظيف آلياتها التكنولوجية المتقدمة. كما يعني ذلك
أيضا فرص عمل اقل أمام المرأة وذوي القدرات المحدودة.
3: كلفة التعليم الجامعي
يمكن القول أن أغلى استثمار في
العالم هو استثمار العقل البشري. وقد شهد قطاع التعليم في العقدين
الأخيرين ارتفاعا سريعا في تكاليفه، وسوف تستمر في التزايد مع تنامي
الطلب على مستوى التعليم الجامعي الذي يبلغ نصيبه من الإنفاق العام على
التعليم في كثير من الأقطار العربية ما يعادل 30%، أضف إلى ذلك ارتفاع
تكلفة التوسع في إدخال تكنولوجيا المعلومات وسيلة ومصدرا في أداء
عمليات التعليم والتعلم.
ولعل ما يثير القلق هنا، أن تبني
الدولة لثقافة السوق العولمية (الانتقال نحو اقتصاد السوق)، والتي يتم
بموجبها انسحاب الدولة من تأمين العديد من المتطلبات الأساسية للمجتمع
بغية التخفيف من أعباء الدولة، ربما يهدد مجانية التعليم الجامعي
الرسمي، من خلال استرداد التكلفة من المنتفعين بهذا التعليم، ومن ضرورة
المشاركة المجتمعية بغية الإسهام في الموارد الحكومية للإنفاق عليه.
إن هذه السياسات تتعارض مع مبدأ حق
التعليم للجميع، فضلا عما يصاحبها من مخاطر على نمو مجمل الكفاءة
الإنتاجية لقوة العمل، سيما ان العراق من بين البلدان التي ظل فيها
متوسط دخل الفرد متدنيا.
إن ثقافة السوق العولمية قد خفت في
تقاريرها وتوجهاتها الدولية والمحلية لحن العدالة الاجتماعية، بينما
تعالت أصوات التميز والجودة والإتقان والقدرة على التنافس. وهي قضايا
حق قد يراد بها اخفات الصوت الآخر للعدالة.
وختاما يمكن القول إن سياسة
التوازن بين الطرفين (العدالة والتنافس) من تحديات التطوير في جامعة
المستقبل. ولعل ذلك يتوقف على نتائج ما يتمخض عنه القرار الديمقراطي
والوفاق الوطني في هذا الشأن.
رابعا: إشكاليات
المنظومة الجامعية في العراق
لعله من المفيد أن نذكر بإيجاز أهم
ما تتعرض له المنظومة الجامعية من خلل وقيود وضغوط:
1- التآكل في مبدأ استقلالية
الجامعة والمركزية المتزايدة للوزارة. إذ تغلب على توجهاتها ما توحي
به الأوامر والنواهي الفوقية، وخصوصا فيما يتصل بشؤون الضبط والربط
لحريتها الأكاديمية في التفكير والتعبير لدى أساتذتها وطلابها. إن فرض
الإرادات والتدخل في جميع الحلقات الجامعية يشكل عبئا يقلل من هامش
المرونة ويخفض مجالات الإبداع.
2- طغيان الجو البيروقراطي الإداري
بقوانينه ونظمه ولوائحه ومجالسه وتحكمها في أداء الجامعة لرسالتها،
يمثل واحدة من بين تلك العوامل المقيدة لفاعلية الأداء الجامعي. وكثيرا
ما تطغى الجوانب الإدارية على جلسات مجلس الجامعة.
3- عدم اعتماد معيار الاقدمية
والفترات الزمنية، والكفاءة والتميز والأداء كعنصر حاكم لاختيار
القيادات الجامعية.
4- ثمة إشكاليات تجسدها مستويات
الطلبة المقبولين في الدراسات العليا، فالبعض منهم يتهرب من الأساتذة
الجيدين، لأن القضية لدى الطالب هي الحصول على الشهادة بأقصر الطرق.
وقد أخذت ظاهرة انتشار الجامعات التي لا تتوافر فيها الشروط الكاملة
بالازدياد.
5- ومن الممارسات والآليات التي
تخنق الروح الجامعية المنشودة في فضاء المعرفة الجديدة والمتجددة، ما
يعرف بالكتاب الجامعي المقرر كمصدر أساسي للمعرفة، مع تقادم مضامينه في
كثير من الحالات، وعدّه الأداة الرئيسية للتدريس والتلقين، على الرغم
من تحفظ سلفنا من الأساتذة والعلماء على هذه الطريقة، فضلا عن أن ثورة
المعلومات والاندلاع المعرفي الذي يشهده العالم اليوم قد أتاح وسائط
جديدة لنقل المعرفة واستيعابها، وتحويل نمط التعليم والتدريس إلى نمط
التعلم واهتمامات المتعلم، ونقل مركز الثقل من التلقين والحفظ إلى
الحوار والتفكير وتنمية الوعي الناقد والخيال المبدع.
6- انهيار دور الجامعات على
الصعيد المجتمعي والوطني:
يبدو أن الجامعة شأنها شأن كثير
من المؤسسات، قد وقعت في مصيدة ما يطلق عليه (الحقبة الاستهلاكية)،
خصوصا في مرحلة التحول السريع واللا يقين الذي يمر به المجتمع
العراقي.
فقد تحول الأستاذ الجامعي من شخص
له مهام معرفية إلى شخص لديه طموحات استهلاكية تتجسد في الاهتمام
المتزايد بقضايا العقارات، أو ركوب سيارات فارهة، وأن يكون صاحب رصيد
بنكي كبير، فاشتغل الأساتذة بالحصول على المكاسب والمقتنيات،
فالاختلال العميق في دور الجامعات له علاقة بمنظومة القيم والمثل
العليا التي كانت تحدو الأستاذ الجامعي.
7-غالبا ما يرتكز النظام التعليمي
في مؤسساتنا على التربية الامتصاصية وليس على التربية الاستكشافية.
فالمتعلم يعد مستهلكا سلبيا للمعرفة، لا يشارك فيها، وهو لا يعد شريكا
فاعلا وطرفا معنيا في بناء المعرفة.
8- يلاحظ أن أولويات الأستاذ
الجامعي هي البحث بهدف الترقية، والتدريس بهدف البقاء وليس بهدف
الإبداع، وزد على ذلك أن الظروف البحثية والبيئة البحثية غير موجودة،
وما يقوم به الأكاديمي من خدمة للثقافة هو شيء تطوعي. وما يتم في
الغرف الصفية لا يصب في نهر الثقافة. علينا أن نعلّم الطالب كيفية
التعامل مع المعلومة، صحيح أن هناك شريحة من الأساتذة مازالت تؤمن
بالكتاب المنهجي والأوراق الصفراء والمحاضرات، ولكن توجد شريحة أخرى
تحاور الطالب لتوسع مداركه وآفاقه في عالم يتغير بإيقاع غير مسبوق.
ويرتبط بهذا الموضوع توقف بعض أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعة عن
الإنتاج العلمي بمجرد حصوله على درجة الأستاذية في الوقت الذي يتوقع
منه المزيد من العطاء البحثي والعلمي. ولا يفوتنا أن نذكر في هذا
المجال إن هناك شعارين يترددان بين أساتذة الجامعات الأمريكية، هما
(أنشر أو اختفِ Publish or Perish) وشعار (Innovate or Evaporate جدد
او تبخر)[12].
9- ثمة قضية أخرى تتعلق بالجانب
المادي، فالجامعات العراقية والعربية تقع في عداد الأقل حظا. فما هي
ميزانية الجامعة قياسا بالجامعات العالمية، ميزانية جامعة كوب نهاكن
على سبيل المثال حوالي بليون دولار سنويا[13].
فكيف تتمكن الجامعة من أداء رسالتها على أكمل وجه، وماذا تفعل لاجتذاب
أساتذة وعلماء متميزين يعززون الصرح العلمي للجامعة ويثرون المعرفة
العلمية. وكيف تستطيع أن تنهض في ميدان البحث العلمي وما هو مخصص لا
يسد إلا جزءا يسيرا من متطلباته.
10- محدودية النشاط الابتكاري: إن
تدني تمويل البحث العلمي لدى القطاعات الإنتاجية والخدمية في المجتمع
العربي يفسر، الى حد ما، محدودية النشاط الابتكاري فيها، خصوصا إذا
أخذنا في الحسبان أن التمويل الحكومي الذي تصل نسبته الى 89% من مجمل
التمويل يستهلك معظمه في تغطية الرواتب[14].
11- غياب الوعي المجتمعي بضرورة
دعم العلم والعلماء، وعلى وجود حاجة ملحة لتحفيز المجتمعات العربية على
النهوض بمسؤولية تنموية لا غنى عنها في دعم أنشطة البحث والتطوير. ففي
البلدان المتقدمة يقوم الأغنياء ومؤسسات المجتمع المدني غير الربحية
بتمويل مثل هذه النشاطات، كما يقوم القطاع الخاص بتمويل الجزء الأكبر
من عمليات البحث والتطوير[15].
12- في الوقت الذي ينظر فيه إلى
التعليم العالي كعنصر أساسي في تحقيق التنمية البشرية كونه الأساس
لتمكين الناس وتحقيق تطلعاتهم إلى الارتقاء لمستوى استيعاب متطلبات
العصر وتحقيق المنافسة الحضارية مع العالم في ظل مناخ العولمة
بفضاءاتها المفتوحة لحركة المنتجات والمعلومات وحتى الكفاءات البشرية
في عالم لم يعد فيه مكان للعزلة... لا ترقى بعد إستراتيجيات التعليم في
العراق إلى الأخذ الجاد بالحسبان أهمية تقاسم مسؤولية التعليم الجامعي
مع القطاع الأهلي من جهة وضرورة تدعيم ذلك الاتجاه بالاعتراف
باستقلالية الجامعات من جهة أخرى، أما في مراحل التعليم العالي فإنّ
تمويلها لا يختلف من حيث الصفات والخصائص عن التمويل للمراحل التربوية
ما قبل الجامعية إلا باستثناءات قليلة، فهو حكومي المصدر لدى الجامعات
والمعاهد الرسمية
13- ما يتعلق بالترقيات العلمية،
إذ جرى مؤخرا تعديلات في وزارة التعليم العالي على آليات الترقية
العلمية، ولكنها تحتاج إلى مزيد من التطوير، وفي الأخص ما يتعلق ببراءة
الاختراع، والنشاطات العلمية والثقافية وكذلك المواقع الإدارية التي
يشغلها الأكاديمي. وظلت الاعتبارات التي تعتمد على البحوث المنشورة
الأساس الوحيد المعتمد في الترقية العلمية. إن النشاطات المتعلقة
بالترقية تحتاج إلى شيء من التطوير تأخذ بالحسبان اعتبارات النشاطات
الثقافية والعلمية الأخرى فضلا عن المراكز العلمية والإدارية التي
يشغلها المرشحون للترقية.
14-على الرغم من التوجهات الواسعة
المبذولة في إدخال الحاسوب إلى قاعات الدرس كوسيلة للتعلم، إلا إن
توظيفه سيظل قليل الجدوى إذا لم يقترن بتنمية طرائق التفكير والبحث
العلمي، والتمكين من اكتساب القدرة الفارزة لما تطرحه الشبكات
الالكترونية من فيض المعلومات. ومن المعروف أن بها حشودا هائلة من تلال
المعلومات تتطلب الحكم على صدقيتها، وفرز ما بها من اتساق وتناقض،
وصحيح وزائف، وما هو علمي وتجاري، وما هو أخلاقي وغير أخلاقي.
بيد أن كل هذه القضايا الفكرية
والتنظيمية في رسالة جامعتنا المستقبلية ربما لا تحتل ما هو جدير بها
من أولوية واهتمام في تكوين عقلية الطالب ومقدراته. ومرة أخرى نقول ما
قاله المفكر التربوي البرازيلي (باولو فيري) "إننا نعلم قراءة الكلمة
لكي نتمكن من تعلم قراءة العالم".
15- أما في شأن مجالات البحث
العلمي، والبحوث التي تنتجها جامعاتنا، فلن نجد صورة أو مستوى أفضل في
تعرضها للنقد والشكوى من قطاعات التنمية واحتياجات مواقع الإنتاج
والخدمات. ومن المعروف أن إنتاج المعرفة الجديدة والمتجددة من خلال
البحوث، يعد عاملا محركا رئيسيا لنجاعة مشروعات التنمية. وهي في جميع
الأحوال مدفوعة باقتصاديات المعرفة والتنافس في قوى السوق الداخلية
والخارجية، وما تفرضه من مستويات معرفية ومهارات بحثية فائقة، وبخاصة
في المجالات العلمية والتكنولوجية. وعلى أية حال، فإنّ حصاد جامعاتنا
كمراكز للبحوث في مجالات العلوم وتكنولوجيا المعرفة والاتصال وغيرها من
التخصصات الحديثة، محدود للغاية، وهو معني بالكم دون النوعية والتأثير
والتوظيف في حياة المجتمع. ويشير تقرير التنمية الإنسانية العربية
لعام 2003 (والذي يركز على إقامة مجتمع المعرفة) إلى أن حفز البحث
والتطوير يحتاج إلى رغبة سياسية جادة في توطين العلم وتأسيس البنية
التحتية اللازمة له، وهو أمر يحتاج إلى مخصصات مالية تفوق ما تنفقه
البلدان العربية على البحث والتطوير والذي لا يتجاوز 0.2 من الناتج
القومي. وتتفاوت هذه النسبة من بلد لآخر. وللمقارنة نجد أن النسب في
البلدان المتقدمة تتراوح بين 2.5% - 5%. من جانب آخر تأتي 89% من
الإنفاق على البحث والتطوير في البلدان العربية من مصادر حكومية،
وتساهم القطاعات الإنتاجية والخدمية بنحو 3% فقط، بينما تزيد هذه
النسبة في الدول المتقدمة عن 50%
[16] .
16- غلبة الكم والحشد في طلاب
الدراسات العليا حتى بلغت أعداد المسجلين فيها في جامعتنا لا يتناسب مع
الطاقات والإمكانات المتوافرة. وإذا كنا من الداعين الى التوسع في
التعليم الجامعي على مستوى درجة البكالوريوس، لأن هذه المرحلة قد غدت
جزءا من التعليم الأساسي للمواطن في عصر المعلوماتية، إلا أن الضرورة
تتطلب التضييق في الأعداد على مستوى الدراسات العليا وشهاداتها. وهذا
يعني الارتفاع بمعدلات الالتحاق بها من تقدير متوسط الى تقدير جيد على
الأقل؛ حتى يمكن تركيز الجهود التعليمية في إعدادهم لمهمات البحث
الشاقة وتخريج باحثين على درجة عالية من الاقتدار في إجراء البحوث؛ كما
ينبغي منح التقدير المستحق دون مجاملات للدرجات الجامعية، إذ طغت على
التقدير فيها درجة الامتياز وتبادلها مع الجامعات الأخرى.
17- هناك إشكالية تتعلق بالإنتاج
العلمي في العلوم الإنسانية، إذ تفرض قيوداً كثيرة وخطوطاً حمراء
متزايدة، وكثيرا ما يمنع الباحثين من تناول المشكلات الاجتماعية
المتفاقمة والحديث عنها، وكأن بحثها فضيحة، لأنها تقارب الفضيحة فعليا
في واقعها. وبذلك تضيع جهود جيل بأكمله من الباحثين الذين يقتصرون على
تناول القشور والأمور الهامة بشكل سطحي، والتي نجدها تملأ مجلات البحث
الأكاديمي في العلوم الإنسانية، ولا تستخدم لغير أغراض الترقية. وإذا
حدث أن تمكن إبداع من الإفلات من هذه البنية المتحكمة بالعقل والآسرة
للفكر، فإنّ الرقابة له بالمرصاد على مستوى النشر والتوزيع[17].
18- ثمة إشكاليات تتعلق بالمناهج
البحثية التي يستخدمها الباحثون في العلوم الاجتماعية، إذ مع تعدد
المناهج البحثية في العلوم الاجتماعية والتربية، يسود حاليا استخدام
منهج واحد في معظم البحوث، وهو المعروف بالمنهج الامبيريقي إذ انه
المنهج العلمي المعتمد اقتداء بمنهج العلوم الطبيعية وفيه تقتصر
المشكلة التي يتم تناولها على جزئية صغيرة محددة من المشكلات المجتمعية
أو القضايا التعليمية بما عرف بالطريقة الوصفية، من وصف لمفردات
الموضوع، واستعانة بأساليب الإحصاء والقياس في المتغيرات. وهو منهج إن
صلح في بعض الحالات فانه لا يصلح لمعظمها نظرا لتعقد المشكلات
الاجتماعية والتربوية التي لا يمكن اقتطاعها كمفردة مستقلة عن سياقها
الكلي. وهنا تجدر الإشارة إلى أن فهم تلك المشكلات لا يقتصر فهمها على
مجرد إعداد استبانة لاستطلاع الرأي من عينة محدودة، متفادية بذلك
المناهج العلمية الأخرى التي تحيط بالمشكلة أو مجموعة المشكلات من
المنظور التاريخي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، مستخدمة المقاربات
التحليلية، والجدلية، والتدبيرية، والتركيبية، وتصور البدائل المتاحة
والممكنة. لهذا كله ولغيره، أصبح كثير من بحوث الماجستير والدكتوراه
عقيما قليل الجدوى، تجهد نفسها في الوصول الى نتائج مدركة بالخبرة، ولا
تحتاج الى هذه المظهرية الشكلية في إجراء البحوث. إن ذلك يتطلب التجديد
في أساليب البحث واختيار الموضوعات الحيوية التي تهم الشأن المجتمعي
وتواكب التطورات في مجالات المعرفة حتى لا تظل هذه البحوث مركونة في
رفوف المكتبات.
خامسا: الجامعة
والتنمية
إن الوظيفة الأساسية للجامعة هي
خدمة المجتمع خدمة شاملة. وقد ارتبطت الجامعات في العالم بالتنمية بشكل
قوي، وبشكل متصاعد بعد الحرب العالمية الثانية، إذ ازداد ارتباطها
بالمجتمع عن طريق البحوث التطبيقية ذات العلاقة، ووجهت الخطط الدراسية
نحو الإعداد الهادف للقيام بأعمال موصوفة ومحددة في المجتمع سواء في
الصناعة أم الزراعة أم الإدارة.
إن التعليم هو طريق العراق
للتحديث، لا سبيل غيره ولا سبيل دونه. من هنا أصبح من المسلم به أن
المعرفة هي التنمية، وفي ظل العولمة بات الكلام عن المعرفة Knowledge
بوصفها هي الفيصل، وهي العنصر الحاكم في قضية التنمية. إذ أن التنمية
هي معرفة، والمعرفة هي تنمية. فلا يمكن تحقيق تنمية حقيقية شاملة
للمجتمع من غير المعرفة. وباتت المعرفة تؤثر على مستوى الرفاهية ونوعية
الحياة والأجور...الخ، لأنها تتحكم في مفهوم ومستوى الرفاهية، وكيفية
تعامل الإنسان مع مدخلات الرفاهية.
لقد أصبحت المعرفة هي أساس النمو
الاقتصادي، والتطوير الذي حدث في موقع التعليم ومكانة المعرفة بصفة
عامة انتقل بنا إلى ما يطلق عليه اقتصاد المعرفة Knowledge Economy.
وبات اليوم أكثر من أي وقت مضى، إن كل نماذج قياس مصادر النمو تعدّ أن
الزيادة في الناتج لا تعود فقط أو بالأساس إلى كمية رأس المال المادي
وكمية العمل المستخدمة، ولكن إلى الاستخدام الذكي لهذه الموارد، من
خلال المعارف وفي قلبها التعليم.
وعلى الرغم من أن توسيع قاعدة
التعليم العالي تعد مسألة في غاية الأهمية، وهي قضية جوهرية في العراق
ولكن الموقف يبدو أكثر ارتباكا. البعض يرى أن المشكلة تتعلق بعلاقة
التعليم بسوق العمل، وهو إن لدينا أعداد كبيرة من طلبة الجامعات، وهذا
عكس ما تطلبه التنمية في العراق.
التعليم الأساسي هدف واضح، هو
دعامة نظام التعليم مدى الحياة. ولكن الاختلاف في الرواية ينصب على
التعليم العالي حينما نقارن بين العراق وكوريا، نجد أنه بكل المقاييس
قاعدة التعليم العالي- من منظور قاعدة رأس المال البشري- ضعيفة.
لقد بات من المسلم به انه لا سبيل
لبناء المهارات والقدرات واستيعاب وتطوير التكنولوجيا إلا من خلال
التعليم العالي.
إن التعليم عملية مستمرة، وهذا
مفهوم سائد، ولم يعد التعليم ينتهي بحصول الإنسان على درجة جامعية،
وبعض النخبة المحدودة تكمل دراسات عليا. وبعد الحصول على الدكتوراه، أو
الترقي إلى الأستاذية تنقطع صلته بالعلم والتعليم.
إن الآفاق المستقبلية لمسارات
التعليم ينبغي أن تستهدف إحداث طفرة ونقلة نوعية في قضية التعليم
والحراك الاجتماعي في العراق. التحدي الحقيقي للعراق هو أن يتحقق
التحديث من خلال تحقيق هذه الطفرة الكبيرة في التعليم.
هناك علاقة جوهرية بين معدل النمو
الاقتصادي ومستوى التعليم وقاعدة رأس المال البشري.
ثمة قضية أخرى تجدر الإشارة إليها،
وقد ثبت في العديد من البلدان هو أن التعليم هو الوسيلة الحقيقية لحل
مشكلة إعادة توزيع الدخل والتصدي لمشكلة الفقر. وهناك تجربة في العراق
في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. ينبغي إحداث تغيير في هيكل
ونمط توزيع الدخل من خلال إعادة توزيع الثروة والأرض والإصلاح.
إن القضية الجوهرية التي نركز على
إثارتها في هذا المجال هو عدم وجود ترابط بين نظم التعليم العالي وخطط
التنمية؛ ففي أحيان كثيرة نجد أن النهج الذي يتبعه المخططون في التعليم
العالي يبدو غير ملائم ولا يتناسب مع احتياجات التنمية في القوى
العاملة؛ وربما يعد هذا احد الأسباب الرئيسة التي تشكل عائقا كبيرا
أمام عدم تمكن نظم التعليم من أن تكون أكثر تجاوبا مع حاجات التنمية؛
ونتيجة لهذا الوضع نجد أن هناك فائضا كبيرا في أعداد الخريجين الذين
يعانون من البطالة في مجالات اختصاصهم من جهة؛ ونلاحظ من جهة أخرى نقصا
كبيرا في أنواع الخريجين الذين نحتاج إليهم في ميادين أخرى. والسبب
الرئيسي لهذه المعضلة يكمن في السياسات الحالية للقبول والمعايير التي
تتبعها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
على صعيد آخر نجد أن مؤسسات
التعليم العالي غالبا ما تركز على القيام بوظيفة واحدة هي وظيفة
التعليم، مع بروز نوع من الإهمال في التقدم لوظائف البحث العلمي وخدمة
المجتمع التي تعد من الوظائف الأساسية لهذه المؤسسات.
كما نجد انخفاضا نسبيا للجوانب
النوعية للنظام التعليمي وانخفاض مستوى الخريجين؛ وعدم قدرة المؤسسات
على تكييف مناهجها وبرامجها مع المتغيرات السريعة في مجالات العلوم
والتكنولوجيا والتغيرات التي تحدث في طبيعة المهن في سوق العمل.
من هنا نقول انه في الوقت الذي
تتغير فيه الجامعات العالمية بسرعة غير مسبوقة، تبقى جامعاتنا في سمتها
المحافظة، مما يضطرها إلى إعادة تأهيل وتدريب العاملين فيها؛ مع ما
يعنيه ذلك من تكريس ظاهرة عدم التوافق بين التعليم العالي وحاجات
المجتمع الفعلية للتنمية والازدهار؛ والى هدر كبير في الجهد والمال؛
والى تصاعد البطالة؛ ويدفع الكثير من الخريجين إلى الهجرة طلبا للرزق.
هذا دون أن ننسى أن بطالة خريجي الجامعات أقسى من العاطلين من الأميين.
ثمة قضية تجدر الإشارة إليها في
هذا المجال، إذ بينما ينشأ الطلب على إنتاج العلم في الدول المتقدمة من
القطاع الخاص، الشكل (1)، وهو ما لا يتوافر في الدول العربية، إذ
بموجبها يمكن، أن تكون المؤسسات الأكاديمية: الجامعات والمعاهد ومراكز
البحوث بمنزلة حلقة الوصل بين اقتصاد المعرفة والقطاع الخاص، أي التحرك
في اتجاه معاكس لذلك في الدول المتقدمة من حيث قيامه على مبدأ العرض من
المؤسسات العلمية إلى القطاع الخاص الذي عادة لا يدرك الفرص العديدة
للاستثمار في مجال اقتصاد المعرفة. يتطلب تحقيق ذلك أن يتم التوسع في
إقامة الحاضنات Incubators في داخل المؤسسات العلمية لرعاية المبادرات
والأفكار، وتحويلها إلى مشاريع بحثية إيضاحية Pilot Projects لإثبات
صحة الأساس العلمي، ويتم بعدها إقامة نماذج
أولية Prototypes لإثبات جدواها
فنيا واقتصاديا، وغالبا ما يتم ذلك في الورش التكنولوجية، وذلك تهيئة
لعرضها على القطاع الخاص[18].
علينا أن نعيد النظر في مسألة
تحديد وظيفة الجامعة في المجتمع. ومن هنا تأتي أولوية التفكير في عقد
مؤتمر وطني، تطرح فيه تصوراتنا لوظيفة الجامعة في المجتمع. ويجب عدم
الهروب من هاجس الحريات خصوصا في هذه المرحلة التي يقع فيها الطالب بين
إلزام الحكومة ونار المجتمع. فالثقافة أصبحت في كثير من الأحيان خطرا
على الإنسان في هذا المجتمع. فالأستاذ والطالب مراقب ومحاصر ومستهدف،
والإحصاءات التي تعكس التضحيات الجسام كثيرة في هذا المجال.

...........................
(*) أستاذ علم اجتماع التنمية/ جامعة بغداد
الهوامش :
....................
1- نبيل علي، إقامة مجتمع المعرفة كمحور للنهضة، المستقبل
العربي، العدد 342، آب (8/2007)، ص83-116.
2- نبيل علي،المصدر السابق نفسه، ص83-84.
3- المصدر السابق نفسه، ص84.
5- نبيل علي، المصدر السابق نفسه، ص86.
6- المصدر السابق نفسه، ص98.
7- الدكتور عبد العزيز محمد الحر، التربية والتنمية والنهضة،
بيروت، الطبعة الأولى 2003، ص 133.
8- وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي بالتعاون مع الأمم
المتحدة، مسح الأحوال المعيشية في العراق 2004، ج2، ص18.
10- الصحة في العراق، 2003. للمزيد من التفاصيل أنظر: الدكتور
علاء العلوان،
[11]- United Nation
Development Programme, Human Development Report, 2001.
12- حامد عمار، الإصلاح المجتمعي، اضاءات ثقافية واقتضاءات
تربوية، مكتبة الدار العربية للكتاب: القاهرة، 2005، ص100
14- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والصندوق العربي للإنماء
الاقتصادي والاجتماعي، تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام
2003، ص 73
15- المصدر السابق نفسه، ص 73.
16- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والصندوق العربي للإنماء
الاقتصادي والاجتماعي، المصدر السابق نفسه، ص72.
17- مصطفى حجازي، الإنسان المهدور، دراسة تحليلية نفسية
اجتماعية، بيروت، 2005، ص173.
18- نبيل علي، مصدر سابق، ص 108.
|