الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

 السبت : 06/06/2009

 

 بواكير الإصلاح و النهضة  في العراق

من 1869- 1914

 

محمد عبد الحسن(*)
(خاص للمعهد)
 

 

 

شهدت الساحة الاجتماعية العراقية عدداً غير قليل من المتغيرات والعوامل الذاتية والموضوعية التي كان لها الاثر الفعال والممهد لدخول العراق عالم الحداثة والتجديد والاصلاح كيما تكون اطلالته، ودخوله القرن العشرين من اوسع  الأبواب. وعلى الرغم من كون هذه العوامل والمتغيرات من الكثرة بحيث يصعب تغطيتها بالدراسة والبحث بما يضمن تبيان دورها الحقيقي في احداث نقلة نوعية في الحياة الاجتماعية العراقية سواءً أكانت في جوانبها السياسية ام الاقتصادية  اوالفكرية... على الرغم من الكم الهائل من التحديات والإشكاليات التي كانت تواجه المجتمع العراقي في تلك الحقبة، والتي يكفي ان نعرف من خلال ما توافر لدينا من تخمينات احصائية عن الحياة الاجتماعية في العراق، وصور رسمها بعض الكتاب والمستشرقين لطبيعة هذه  الحياة الاجتماعية، وما كانت تتسم به، من  هيكلية متخلفة، نتيجة لطبيعة الكوارث التي مرت عليه، والجهل والانحسار الحضاري، وتناقص عدد سكانه على نحو خطير، حتى قدر عددهم في العقد السابع من القرن التاسع عشر بما لا يزيد على مليون و000،280 نسمة، ومعدل نموهم لا يتجاوز 1.3%، مما أوصل عدد السكان في أوائل القرن العشرين إلى مليونين وربع المليون[1].

وقد توزع السكان في منتصف القرن الماضي إلى: نصف مليون من البدو (35%)، وأكثر من ذلك الرقم قليلا من سكان الريف الذين يمتهنون الرعي والزراعة (41%) وأقل من ثلث مليون من سكان المدن[2]. الى غير ذلك مما يمكن تأشيره من تدهور في الحياة الاقتصادية التي ادت الى انسحاب الحياة الحضرية من خلال "هبوط نسبة السكان في المنطقة الوسطى من العراق هبوطاً شديداً بسبب قلة فرص العمل[3].

 بيد اننا يمكن ان نؤكد ان هناك جملة من العوامل التي كان لها الاثر والدور الكبير في دخول العراق اعتاب القرن العشرين وهو يشهد نهضة فكرية وعلمية واصلاحية، والتي يمكن أن نجمل بعضا من  اهمها كالآتي:

1.    ظهور المعدات والآلات الحديثة:-

شهدت هذه المرحلة دخول بعض الآلات والادوات الحديثة فضلاً عن دخول البواخر الحديثة التي تعمل بالبخار وكانت لها رحلات منتظمة على طول نهري دجلة والفرات، كما ان الاتصالات الحديثة في تلك الحقبة والمتمثلة بالتلغراف ومراكز البريد ذات اثر كبير في تسهيل اتصال العراق والمجتمع العراقي بالعالم الخارجي الامر الذي يعد على درجة كبيرة من الاهمية، وهذه الاهمية تتمثل في اخراج العراق من العزلة التي كان يعيش فيها ليرتبط بالعالم المحيط به سواء في وسطه الاقليمي أم العالمي.

2.    افتتاح قناة السويس التي كان لها اكبر الاثر في ربط العراق بالعالم وبالتجارة العالمية من الناحية الاقتصادية، وكذلك الناحية الفكرية والابداعية إذ صار النتاج الفكري العالمي والاقليمي يصل العراق والمثقف العراقي تباعاً وفي اوقات تكاد تكون منتظمة، إذ ان الحركة الفكرية وازدهار الطباعة في مصر كانت لهما اصداؤهما في العراق وظهر العديد من الاقلام والمفكرين والمبدعين والمجددين العراقيين الذين كانوا يرومون مجاراة الحركة الفكرية في مصر والعالم.

3.    الانجازات الإصلاحية الكبيرة والضخمة التي قادها الوالي مدحت باشا العثماني كان لها الاثر الاكبر في وضع الاسس الراسخة لقيام مشروع اصلاحي كبير. ولو وجد من واصل السير على منوال مسيرته لكنا الآن نرى  يابان الشرق الاوسط وهو العراق....

 ولكي نفهم طبيعة حركة الحداثة والاصلاح في المجتمع العراقي من عام 1869-1914م سوف نحاول ان نسلط الضوء على بعض العوامل والمتغيرات التي كان لها الدور الابرز في الانتقالة بالعراق والمجتمع العراقي من حياة هي اقرب في معطياتها الى حياة البداوة الى حالة بروز المظاهر الحضرية بصورة جلية مع التراجع الكبير في البداوة لصالح حياة الاستقرار والدعة. ولعل من بين اهم هذه العوامل هو الآتي:

اولا: دور بعض الولاة العثمانيين في الحركة الاصلاحية:

عندما كان العراق مقسماً الى ولايات وهذه الولايات تابعة من الناحية الادراية والسلطة السياسية للامبراطوية العثمانية، والتبعية الكاملة لها، فإن المتوقع أن يكون أي إصلاح إداري أو سياسي نابعاً من السلطة المركزية والمتمثلة بالمستعمر، الذي يقف على راس قمة هرم السلطة فيه الوالي العثماني، لأن اهل البلد ليس لهم حول او قوة تجاه هذه القوة الاستعمارية الضخمة.

ولعل من سوء حظ العراقيين والعراق ان يكون بين دولتين تمتلكان من القوة المادية والمعنوية ما قد يجعل من إحداهما معادلة في ميزان القوى للثانية خصوصا وانهما كانتا تتبادلان الادوار في احتلال العراق بين اونة وأخرى أو يصبح العراق حلبة صراع تجري على ارضه صراعاتهما. فالدولة الايرانية بكل ارثها الامبراطوري تعد العراق جزءا من ممتلكاتها وبستاناً غنياً يصعب عليها نسيانه أو تجاوز صدمة فقده، والامبراطورية العثمانية وجدت في العراق الاوزة التي تبيض ذهباً.

المشكلة ان العثمانيين لم يكن يعنيهم من العراق غير ما يمكن أن يقدمه من ضرائب ومكوس سنوية لها، وغير هذا الأمر  فإن العراق هو القاعدة المتقدمة وراس الحربة في الصراع بين ايران والدولة العثمانية، ولذلك  فإن  التاريخ يشهد على ان العراق لم يحصد الا الفقر والعوز والحاجة....من جراء كل من كان يحكمه من هذا العثماني أو ذاك الفارسي.

وفيما يتعلق بالدولة العثمانية فإن علاقتها بالولاة الذين كانوا يحكمون ولاية  العراق كانت متباينة من وقت الى اخر بحسب قوة سلطة الدولة والسلطان في استنبول، ولذلك نجد في بعض الفترات ان اهالي بغداد وأعيانها هم من كان ينتخب الوالي الذي يثبت قوته وجدارته ورغبة الاهالي فيه، والسلطان يصادق على فرمان التعيين مادام يرسل اليه الضرائب بانتظام. اما كيف تجنى هذه الضرائب فهناك وسائل وطرق عديدة لجمعها القاسم المشترك بينها التعسف والظلم والحيف، الامر الذي كان يؤدي باستمرار إلى حدوث مصادمات مع المدنيين سكان الحواظر والارياف اما العشائر  فإن حالة الصدام بينها وبين الجباة والولاة هي الحالة الاكثر حضوراً.

ومع كل ما ذكر فإن هناك من الولاة ممن كان لهم دور في احداث بعض الاصلاحات على الصعيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، واياً تكن اهدافهم الا اننا لانستطيع ان نغفل الجانب الانساني الذي نكبره فيهم وفي غيرهم ممن كان بيده سلطات وصلاحيات واسعة مكنته من فعل العديد من الاشياء النافعة للمجتمع العراقي، ونقصد بهم الولاة والاداريين الذين كانوا يديرون شؤون البلد في تلك المرحلة، ومن ابرزهم مدحت باشا الوالي العثماني.

الوالي المصلح مدحت باشا:

ولد مدحت باشا سنة 1822 وكان والده يعمل قاضيا، عرف عن مدحت باشا الجدية والمتابعة منذ صغره، إذ اكمل تعليمه في المدرسة العرفانية النموذجية في اسطنبول 1838 ثم انتقل الى مدرسة "الخوجة" واستمر في الدراسة حتى عام 1841 ، عين كاتبا وهو في الثامنة عشر من عمره، ولقد تدرج في الوظائف الصغيرة حتى عرف عنه الاخلاص والجدية والمثابرة في العمل، اوكلت اليه الدولة اعادة الاستقرار الى البلقان ايام اضطرابها، وارسل كذلك للتحقيق في حوادث البلغار ولاصلاح شؤونهم. فكانت هذه الاعمال حاضرة وسببا في ترقيته الى رتبة الوزارة، ثم في رئاسة شورى الدولة. ولقد عرفت عن مدحت باشا جملة من الخصال الجميلة يأتي على رأسها المساواة بين الناس.[4] 

صدر الفرمان السلطاني بتعيين مدحت باشا واليا على بغداد سنة 1869 بعد عزل الوالي تقي الدين باشا (1867-1869) كما عهدت اليه قيادة الفيلق السادس. وامتدت صلاحياته لتشمل بالاضافة الى ولاية بغداد ولاية الموصل والبصرة.

ولقد كان لتعيين الوالي مدحت باشا على العراق عدة اسباب قد يأتي في مقدمتها:

1.    ابعاد مدحت باشا عن مركزالعاصمة بعد تزايد شعبيته على اثر الخلافات التي دارت بينه وبين الصدر الاعظم اي رئيس الوزراء. كما ان هناك من يرى ان مدحت باشا قد اظهر رغبته في ولاية بغداد للابتعاد عن العاصمة التي اضحت مركزا للصراعات والتنافس على المراكز والسلطة.

2.    رغبة السلطان في تهيئة مدحت باشا لتولي مهام ومناصب عليا في الدولة.

3.    اهمية المرحلة الزمنية وضروراتها التي فرضت على الدولة العثمانية ان تفكر في جعل العراق طريقاً دولياً لمنافسة قناة السويس، التي هي خارج اطار سيطرتها، لمواجهة نشاط الدول الغربية واطماعها في منطقة نفوذها.[5]

4.    النفوذ البريطاني في المنطقة والذي صار يشكل تهديداً لمصالح الدولة العثمانية جعلها تحاول مدّ سيطرتها على الخليج العربي وهذا الامر في حاجة الى قيادة قوية ومخلصة ومدحت خير من يمكن اختياره لهذه المهمة.[6]

5.    الاهمال الذي شهده العراق من الولاة السابقين والذي اثر بصورة مباشرة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، والذي يؤثر بدوره في واردات الدولة العثمانية من الضرائب بل ربما هو عبء اقتصادي كبير كما في حالة تجهيز الحملات لمواجهة عصيان القبائل وتحديهم لنفوذ السلطة، قد يكون احد العوامل المهمة التي دعت السلطان إلى  محاولة جعل قيادة قوية تعمل على تحسين الامور وانعاش الحياة في العراق.[7]

6.    كما ان تزايد النشاط الايراني على الحدود العراقية، وتأليبها للقبائل ضد السلطات العثمانية، فضلا عن عدم التزام الجانب الايراني بمقررات لجنة  ترسيم الحدود وكذلك باتفاقية (ارضروم)*، يستدعي وجود قيادة قادرة على اظهار قوة الدولة العثمانية اضافة الى تمتعها بقدر عالٍ من الدبلوماسية السياسية ومدحت باشا كان يمثل الرجل المناسب في المكان المناسب.

ان كل هذه الاسباب التي ذكرت، وقد يكون هناك المزيد منها، كانت تصب في مصلحة المجتمع العراقي الذي طال به الامد وهو يحكم بولاة آخر ما كان يهمهم مصلحة البلاد والعباد.

فلقد كان لظهور الوالي مدحت باشا على الساحة السياسية والاجتماعية العراقية  الأثر الكبير في احداث انتقالة كبير ونوعية من خلال جملة الاعمال والمشاريع والاصلاحات التي قام بها والتي  من بينها :[8]

1-  انشأ اول مدرسة حديثة كانت للذكور.

2-  انشأ اول مدرسة للصنائع للايتام.

3-  شيد مستشفى للغرباء في جانب الكرخ.

4-  اسس شركة ترامواي الكاظمية.

5-  شيد الكثير من الابنية العامة .

6-  صنع جسرا جديدا لبغداد وزينه لكي يمر عليه المشاة .

7-   اول من أنشأ حديقة عامة للترفيه عن العوائل البغدادية.

8-   اوصل الماء بالانابيب الى بعض المحلات في بغداد، بعد ان كان ينقل بواسطة الدواب الى البيوت.

9-   عمل على اكساء بعض الطرق بالاسفلت، بعد ان كانت مليئة بالحفر والمياه الآسنة..

10- اهتم براحة الزوار والمسافرين الذين يفدون الى بغداد، ومحاولة تأمين الراحة لهم من خلال انشاء خان ضخم يتناسب ومكانة بغداد في ذلك الوقت.[9]

11- كما ان هناك انجازاً على درجة كبيرة من الاهمية وهو القيام بتسجيل النفوس، إذ تمت في سنة 1869 اول عملية تسجيل نفوس، وان كان قد استخدم الشدة  ضد الذين كانوا يعارضون هذه العملية.

12- كما ان هناك العديد من الاعمال والانجازات التي قام بها وتخدم المواطن العادي كرفعه بعض الضرائب عن كاهل المواطنين، وكذلك الاخذ على يدي التجار الجشعين ومحاولة ضبط الاسواق خلال فترات الازمات.

وكما هو معلوم كان مدحت باشا شخصية على درجة عالية من الانفتاح على الحركة الفكرية والاصلاحية في الغرب، مضافا الى كل ذلك جملة من السمات التي جعلت منه قوة كبيرة في احداث اصلاحات على مستوى الامبراطورية العثمانية بشكل عام إذ انه وكما هو مثبت في التاريخ قد خلع السلطان عبد العزيز ونصب مكانه السلطان عبد الحميد، الذي عاهده على السير بالدستور أو المشروطة.[10]

 والذي تجدر الاشارة اليه ان الوالي مدحت باشا يؤكد انه قد لاحظ ان هناك حباً اضحى للوطن بين المسلمين وغير المسلمين لانهم علموا ان الدستور يضمن لهم الشراكة في الوطن وضمان الحقوق، واذا كان الرجل على هذا المستوى من التفكير فانه من الطبيعي ان ينقل افكاره الى الساحة العراقية التي كانت ميدانه وهو اللاعب الابرز والاكثر قدرة وامكانية.[11] ولعلنا نجد أنه صار قدوة للكثير من الولاة الذي جاءوا من بعده وحاولوا ان يكسبوا ود المواطنين العراقيين من خلال ما يمكن ان يقدموه من انجازات يحاولون بها محاكاة هذا الرجل أو التفوق عليه إن أمكن لهم ذلك، ومنهم:

الوالي نامق باشا:

يبدو ان الانجازات الكبيرة، التي ذكرناها فيما سبق، والاثر الحسن الذي تركه الوالي مدحت باشا، جعلت بعض الذي يأتون من بعده يحاولون الوصول الى نفس المكانة، التي وصل اليها، واحتلها في قلوب الناس،إذ نجد أن الوالي نامق باشا وجد في مدحت باشا مثالا يحتذى به أو  ربما أراد هذا الوالي ان يتفوق على سلفه من حيث الانجازات والخدمات التي قدمت للعراقيين فالوالي نامق باشا الصغير (كما كان يلقب) كان من انجازاته:

1-  انشأ اول مدرسة للاناث. ثم انشأ علاوة على ذلك مدارس جديدة في بغداد كما انشأ مدارس اخرى في الحلة والديوانية وخانقين ومندلي. وحين وجد صعوبة في استقدام المعلمين من اسطنبول انشأ داراً للمعلمين ببغداد وجعل فيها قسماً داخلياً لكي يسكنها الطلاب من مختلف الالوية العراقية.[12]

2-   اعادة نشاط مدرسة الصنايع للايتام التي كانت قد اهملت بعد رحيل مدحت باشا وشارفت على الاندثار اذ لم يبق فيها عند مجيء نامق باشا سوى اربعين تلميذا. فانبرى هذا الوالي لانعاشها من جديد فرمم بنايتها واضاف اليها قسما خاصا بالنجارة كما ادخل فيها تدريس الموسيقى واستقدم لها من اوربا ملاكاً كاملا، ونما بذلك عدد تلاميذها حتى وصل الى المائة والثلاثين.[13]

3-  وعندما وصل نامق باشا كان المستشفى الذي بناه مدحت باشا قد اهمل مثل مدرسة الصنايع. حتى  ان بناية المستشفى تحولت في عام 1896 الى مدرسة اعدادية. ولما جاء نامق باشا اسرع الى تشييد مستشفى جديد في باب المعظم في الموضع الذي اقيمت فيه السجون بعدئذ ، واستورد له الادوية والادوات الجراحية من اوربا واهتم به اهتماما كبيرا.[14]

4-  واذا كان مدحت باشا قد اسس شركة ترامواي الكاظمية،  فإن نامق باشا أسس شركة لعربات تجرها الخيول، وتسير بانتظام بين بغداد وبعض المدن القريبة منها، كالحلة وكربلاء وسامراء وبعقوبة وهي الشركة التي اطلق العامة عليها اسم " الكومبانية" واشترك في تأسيسها بعض اسر بغداد وكبار تجارها كعارف أغا وغيره.

5-  ولقد كان من آثار نامق باشا سراي الكاظمية الذي ظل قائما حتى عام 1951 وكان سرايا فخما في حينه وقد جرى الاحتفال بوضع حجر الاساس فيه في 20 تشرين الثاني من عام 1900 .

6-  عندما وصل نامق باشا الى بغداد كان الجسر الذي انشأه مدحت باشا قد تهاوى وكان كثيراً ما تتقطع اوصاله في الماء وفي كل مرة يقوم البغداديون باصلاحه فما كان من نامق باشا الا ان اوعز الى مدرسة الصنايع ان تصنع جسراً جديداً، وقد كان هذا الجسر اكبر حجما وضخامة واكثر متانة.

الوالي ناظم باشا:

الوالي ناظم باشا من الشخصيات المهمة في تاريخ بغداد والعراق، ولقد كان له بصمات اصلاحية واضحة تركت آثارها على مجمل الحياة الاجتماعية في العراق. صدر فرمان تعيين ناظم باشا والياً لبغداد في عام 1910ويتضح من طبيعة الفرمان أن الرجل قد أوكلت إليه مهام كبيرة يأتي في مقدمتها قيادة الجيش السادس وتحقيق الأمن من خلال فرض سلطة القانون، وبالذات على العشائر، فضلا عن ذلك كلف بمسؤولية إحداث الاصلاحات اللازمة بكل من ولاية بغداد والموصل والبصرة، وهذا يعني أن الوالي قد أوكلت إليه مهام كبيرة وفي نفس الوقت أعطي صلاحيات واسعة من خلال جمع كل من السلطات المدنية والعسكرية[15].

ومن بين أهم انجازاته التي قام بها هذا الوالي إنشاء الطرق وإحكام المواصلات بين أطراف تلك الولايات الثلاث فقد قرر تخصيص مبلغ 40 ألف ليرة سنويا لهذا الغرض[16].

ولعل من بين أهم إصلاحات الوالي ناظم باشا اهتمامه بالأمن العام، ومحاربته للمحتكرين واهتمامه بالجيش وبناء الثكنات العسكرية، والاهتمام بالمواصلات وتسييره للترام، والاهتمام بالصحة وعنايته بمسائل الري[17].

عمل هذا الرجل بذكاء كبير وحنكة، ويظهر أنه كان على درجة كبيرة من المعرفة بالأمور والأحوال الاجتماعية. فعلى الرغم من أن الصفة الغالبة على المجتمع العراقي في تلك المرحلة هي صفة البداوة ولجوء البعض إلى الغزو أو أخذ ممتلكات الغير بالقوة، فإنه لم يلجأ لاستخدام القوة معهم ابتداءً حتى لا تكون هناك فتنة عشائرية تؤدي إلى تخريب ما كان يبنيه هذا الوالي. فكانت حنكته تتمثل في استصدار فتوى من علماء المسلمين بجواز قتل المجاهر بالظلم، أو ما يسمى بالتسليب وهو ليس من الغزو، كاضطهاد الناس، أو اخذ أموالهم بالقوة، ولعل هذا الأمر هو من بين جملة أسباب وعوامل تضافرت على بقاء العشائر هادئة طيلة مدة حكمه[18].

 كما ان هناك عددا غير قليل من الولاة العثمانيين الذين كانت لهم ادوار متباينة في درجة الاصلاح وشدته، وهي تختلف من مرحلة الى اخرى، ومن ولاية الى والاية، وكذلك طبيعة الصلاحيات والامكانيات وظروف اخرى كثيرة زمانية ومكانية. اذ ان الامانة التاريخية تفرض ان نؤكد أن هناك اكثر من شخصية ريادية كانت ذات انجازات لايمكن الاستهانة بها على الرغم من كون البعض قد ينظر اليها على انها يسيرة وليست بذات شأن ولكن الخطوة في ذلك الوقت كانت كانها خطوة على سطح القمر ... وان كانت صغيرة بيد انها تؤدي الى انجازات كبيرة، تجر خلفها ومعها العديد من الخطوات في اتجاه الامام، نحو افاق جديدة من الوعي الثقافي والفكري والاجتماعي، التي تعزز الافكار المطالبة بالاصلاح، والخروج من واقع التقوقع على الذات نحو الحداثة والاطلاع على مالدى الاخر من منجزات وتجارب وافكار يمكن الافادة منها ورفد حركة الارتقاء والتطور.

ثانياً: الاصلاح الدستوري أو (المشروطة):

كان هناك بوادر وعي ثقافي وفكري قد عصفت بالمحيط الجغرافي للمجتمع العراقي وخصوصا في ايران وتركيا لكون مجتمعات كل منهما على علاقة وتماس مع الآخر الاكثر تقدما، ففيما يتعلق بتركيا كانت علاقاتها مع العالم الاوربي بكل ما يحمل من مغريات وانجازات النهضة الاوربية وتاثر عدد غير قليل من القادة السياسيين وطلاب العلوم الحديثة بما لدى العالم الاوربي من نظم ودساتير ومشاركة في الحياة السياسية، اما ايران فلقد كان لاتساع النفوذ البريطاني والروسي الاثر الاكبر في ظهور وانتشار مفهوم المشاركة السياسية واعلان الرفض للاستبداد...ويمكن القول اجمالاً ان هذه العواصف الفكرية كانت تشترك في مرتكزاتها الاساسية  في المناداة بالحرية والمساواة والعدالة، وتبلورت بعد حين لتصبح مطالب جماهيرية تنادي بضرورة وجود حالة تعاقدية مابين الحاكم والمحكوم، اي ماكان يطلق عليها بالمشروطة*، إذ يمكن القول ان هذه الحركة كانت واحدة من مرتكزات الوعي الوطني والقومي وتحديد العلاقة ما بين الحاكم والمحكوم وجعلها تسير وفق ضوابط اكثر عصرية وملائمة للحياة المدنية والحضرية. ولقد ظهرت حركة المشروطة في تركيا قبل ظهورها في ايران بثلاثين سنة، لكون تركيا اكثر احتكاكاً بالعالم الاوربي، واطلاعاً على ما لديه من ثقافة وآراء وافكار فيما يتعلق بالحياة السياسية وعلاقة الحاكم بالمحكوم، كما ان ظهورها في تركيا كان بصورة اكثر سلمية، في حين ان ظهورها في ايران كان نتيجة لوجود عدة عوامل خارجية وداخلية، كان من ابرز عواملها الخارجية الدعم البريطاني لحركة المشروطة، ويأتي على رأسها الظلم والتعسف الذي كان يلاقيه الشعب الايراني من صهر الشاه "عين الدولة" في حين ان الشاه كان يتمتع في اوربا بملاذها وترفها... والشعب يلاقي ما يلاقي من صهره من غبن... والعامل الثاني الذي هو على درجة كبيرة من الاهمية، مساندة علماء الدين و طلاب العلوم الدينية لمطالب الشعب الايراني في المشروطة وهذه النخبة لها تاثير عظيم في  الشارع الايراني على الرغم من ان علماء الدين كانوا منقسمين الى دعاة للمشروطة ومعارضين لها، أو ما يسمون بدعاة المستبدة، ومن ابرز انصار المشروطة كل من السيدين محمد الطباطبائي و عبد الله البهبهاني ولفيف من العلماء وطلاب الحوزات العلمية والمثقفين، اما انصار المستبدة فكان من ابرزهم الشيخ فضل الله نوري والشيخ محمد اليزدي والمجتهد المعروف كاظم اليزدي..[19]. وهناك عامل قد يكون على درجة كبيرة من الاهمية وهو ان هذه المدة الزمنية قد شهدت ايضا بروز ظاهرة الجمعيات التي كان اعضاؤها ينتخبون كمشرفين ومراقبين على الانتخابات البرلمانية، ولكنها اصبحت ذات ثقل جماهيري، وتاثير كبير في المجتمع حتى ان أعضاءها تم ايفادهم للاماكن والقصبات النائية بغية توعية الناس بضرورة مساندة ثورة المشروطة.[20]

ولعل مما يجدر ذكره ان الدكتور رشيد خيون يذكر ان ( الفقهاء الشيعة في أصفهان والنجف، وفقهاء السنة في مشيخة الإسلام في إستانبول كانوا على صلة فيما بينهم، من خلال الفتاوى والرسائل. وفي سعيهم المشترك من أجل الدستور قربوا بين الطائفتين المسلمتين: السنة والشيعة، وعززوا الوئام الاجتماعي بين الأرمن والمسلمين في تركيا، وبين المسلمين والمسيحيين وسائر المكونات الدينية والمذهبية في أنحاء الدولة العثمانية).

وخلاصة القول إن حركة المشروطة استقطبت المتنورين من الأدباء والشعراء ورجال الفكر المعادين للاستبداد، على الضد من أنصار المستبدة من رجال الدين، الذين كانوا يعتمدون على من يلتف حولهم من الساذجين والمنتفعين من استمرار الاستبداد، لإبقاء الأوضاع على ما هي عليه باسم (حماية الدين) وكان في مقدمة من دعا الى المشروطة الآخوند محمد كاظم الخراساني، والشيخ الميرزا النائيني، والسيد هبة الدين الشهرستاني والسيد محسن الامين العاملي. ولقد لعبت حركة المشروطة دوراً مهما في تغير  النظام السياسي ونظام الحكم في الدولة العثمانية من خلال مجيء جماعة الاتحاد والترقي الى سدة الحكم، اضف الى ذلك ان  ما ذكر كان له دور مهم في بروز الحس الوطني والقومي الذي مهد الطريق للتفكير في تكوين احزاب سياسية ولقد انتمى فعلا العديد من العراقيين الى جماعة الاتحاد وكذلك جمعية الفتاة...[21]

ولعل تطور الحياة الاقتصادية وبالذات في المجال الصناعي وما صار يدره من ارباح وموارد مالية كبيرة، مهد الطريق لظهور طبقة اجتماعية جديدة تحاول ان تشق طريقها يدفعها الطموح الانساني إلى تصدر الحياة السياسية والاجتماعية في العراق وبغية تصور ماذكرنا فاننا سوف نحاول ان نسلط الضوء على بعض جوانب تطور المجال الصناعي في العراق الذي اسهم في ظهور نواة لطبقة برجوازية كانت على صلة واطلاع على حياة العالم الغربي من خلال التعامل التجاري أو الدراسة والتعلم فيه.

ثالثا:الحالة الاقتصادية في العراق:-

كانت الصناعة في العراق. بدائية تعتمد بصورة كبيرة على اليد العاملة وبعض الآلات البدائية لانتاج مايسد الاستهلاك السوق المحلية.[22]

ولعل من بين اهم الصناعات التي كانت منتشرة في ذلك الوقت هي النسيج، والحياكة والخزف، والفخار، والطابوق، والزجاج وعصر الدهون، والدباغة، وتقطير الكحول.

ولكن حدث تغيير واضح على ذلك الواقع، بفعل تطور التجارة الخارجية الذي كان نتيجة تفاعل بين الطلب الأوربي المتزايد على المواد الزراعية والمواد الخام الذي تعزز بعد فتح قناة السويس في 1869، والمساحات الشاسعة من الأرض، وتوافر دائم للأيدي العاملة، الضروريتين لإنتاج هذه السلع[23].

ولهذا أخذ الاقتصاد العراقي يتحول بخطوات سريعة من اقتصاد طبيعي قائم على الإنتاج لسد الحاجة المحلية، إلى اقتصاد تسويقي قائم على الربح وإلى الإنتاج لغرض السوق العالمية[24].

 بيد ان هذه الصناعة المحلية قد واجهت خطر المنافسة مع المنتوجات والصناعات المستوردة، والتي عرفت طريقها الى العراق وصارت تتدفق بشكل كبير جداً بعد افتتاح قناة السويس.خصوصاً ان هذه المنتوجات المستوردة كانت اقل كلفة وافضل من حيث الشكل والجودة، لكونها مصنعة بطرق ووسائل حديثة.

وتشير إحدى أقدم الإحصاءات العائدة إلى نهاية العهد العثماني والتي يستشف منها إضرار هذا الانفتاح على البضاعة الاجنبية، بالحالة الاقتصادية للمجتمع العراقي الذي زادت فيه نسبة  البطالة الى عدد السكان، كما هبطت نسبة السكان في المنطقة الوسطى من العراق هبوطا شديدا من 41% عام 1867م، إلى 15% عام 1905م، من نسبة سكان العراق، كان سببه انقراض الصناعات المحلية اليدوية البغدادية تحت ضغط منافسة الصناعات المستوردة الرخيصة، الامر الذي ادى إلى ارتفاع نسبة البطالة[25]. ومن ثم الهجرة الى اماكن أو مناطق اخرى تكون اكثر امكانية في توفير فرصة عمل والحصول على رغيف الخبز. الامر الذي يمكن ان نفسره على وجود حالة طردية ما بين هبوط نسبة السكان والبطالة. وما يؤكد ذلك ان ارتفاع نسبة السكان من 1930-1947 في المنطقة الوسطى من 15%-36%، كان مرده إلى التحسن في الوضع الاقتصادي والمعاشي للمواطن العراقي آنذاك، والذي يعود في احد جوانبه إلى اكتشاف النفط في العراق عام 1925[26].

كما اننا يمكن كذلك ان نلحظ مسألة في غاية الاهمية هي ان التغيرات في النشاط الاقتصادي، والهجرة طلباً للعيش الكريم، اديا بدورهما الى ان تتغير تبعاً لذلك وظيفة بعض المدن والمناطق التي كانت عامرة بالحياة والنشاط الاقتصادي، لتكون مراكز ثانوية بعد ان هجرها سكانها الى اماكن اخرى مكونين مدناً واحياء جديدة انتعشت فيها الحياة الاجتماعية من خلال ما تؤديه من  ادوار اقتصادية.

ولعل من ابرز هذه المدن التي نمت أو تأسست في هذه المرحلة هي:

العمارة 1861، المحمودية 1864، العزيزية 1865، قلعة صالح 1868، الكوت 1869، الهندية1870، الرمادي 1870، الناصرية1870، شيخ سعد 1871، الصويرة 1872، قلعة سكر1873، الشطرة 1873. [27]  

وبدخول العراق النظام الاقتصادي الرأسمالي وارتباطه باحتياجات السوق الدولية، ازداد الإقبال على المنتجات الزراعية والحيوانية، كما ازداد التبادل السلعي لتلك المنتجات زيادة واضحة، وبذلك اتسعت المساحات المزروعة بوتائر سريعة[28].

ومع تطور الحركة التجارية – ازدادت قيمة الصادرات من 150000 باون سنويا 1864-1871 إلى حوالي ثلاثة ملايين باون عام 1913[29]، وما لازمها من مقتضيات جديدة، ظهرت فئة متوسطة (برجوازية) فرضت نفسها على المجتمع وقدر لها أن تؤدي دورا كبيرا في مستقبل العراق من خلال المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية فلقد جمعت هذه النخبة بين المال والسياسة وتركت بصمات واضحة على الحياة السياسية والاجتماعية في العراق[30].

الأحوال الثقافية والعلمية:

يمكن القول إن الآلات الحديثة الخاصة بالطباعة والمطابع قد برزت منذ العهد الحميدي (السلطان عبد الحميد)* ونشط دورها بصورة كبيرة في بدايات القرن العشرين إذ شهدت الساحة العراقية حركة لم تكن مسبوقة من إصدار للصحف والمجلات والنشرات والكتب المتعددة، حتى صار وصول المطبوعات إلى يدي القارئ العراقي من الأمور الميسورة**، ومن بين أبرز المطابع التي كان لها حضور هي مطبعة الرياض عام 1910، ونينوى عام 1910، والصنايع عام 1900 ومطبعة عبد الله الزهير عام 1912، والمطبعة المحمودية في البصرة، اضافة إلى عدد غير قليل من المطابع الأخرى[31].

أما فيما يتعلق بالصحافة، فلقد كان لها دور كبير في نشر الوعي والشعور الوطني، خصوصا إذا عرفنا أن هذه المدة قد حفلت بالعديد من الكتاب والمصلحين الذين تناولوا موضوعات الحرية والاصلاح الاجتماعي، والتقدم والتعليم باللغة العربية، فكانت بحق نهضة فكرية أدت إلى توسيع دائرة المثقفين.

ولقد شهد العراق صدور أول صحيفة رسمية في عام1869 وأعقبتها العديد من الصحف والمجلات الأهلية والرسمية[32].

ويكفي أن نعرف أن المدة من 1909 وحتى 1913، بلغ عدد الصحف في بغداد وحدها (44) صحيفة، وفي البصرة (12) صحيفة، وفي الموصل (3) صحف، وفي كربلاء صحيفة واحدة والنجف كذلك. ومن نافلة القول، أن هذه الصحف تحمل أكثر من توجه واتجاه، منها ذو التوجه السياسي، إذ أن (37) من هذه الصحف كانت سياسية، و(10) ذات أبعاد فكاهية، في حين أن (10) صحف كانت رسمية.

أما فيما يتعلق باللغة المعتمدة لدى هذه الصحف  فإن (32) صيفة منها كانت تعتمد اللغة العربية، و (25) صحيفة تعتمد اللغة العربية إلى جانب اللغة التركية، في حين أن هناك صحيفتين كانتا تصدران باللغة الفارسية، وصحيفة واحدة باللغتين الفارسية والتركية، وصحيفة واحدة بالكردية والتركية[33].

وإذا كانت هذه الحال بالنسبة للصحف  فإن المجلات كان لها أيضا حضور لا يستهان به في الساحة الثقافية العراقية، إذ صدر منها من عام 1910-1913، (16) مجلة كانت حصة بغداد منها (14) مجلة، وفي كركوك واحدة وفي النجف مجلة واحدة، وكما تنوع اهتمام الصحف العراقية، تنوعت كذلك المجلات، إذ أن (11) منها كان اهتمامها منصباً على النواحي الأدبية، واثنان كان اهتمامهما منصبا على التاريخ، واثنان بالنواحي العلمية، و(11) من هذه المجلات كانت تعتمد اللغة العربية، ومجلتان بالتركية والعربية، ومجلتان بالتركية، ومجلة واحدة بالفارسية[34].

إن هذا التعدد والتنوع في الشكل والمضمون في الصحف والمجلات العراقية كان لها دور كبير في بلورة الوعي السياسي لدى الإنسان العراقي، كما أنها أكسبته خبرات جديدة ومتنوعة من خلال طرحها تجارب الشعوب والاطلاع على الثقافات الإنسانية المختلفة، وفي ذات الوقت، اكسبت الإنسان العراقي اعتزازا خاصا بعراقيته وانتمائه القومي للأمة العربية.

فهذه الصحف والمجلات كانت منابر وعي ومعارضة عملت على ابراز وتنمية روح الحرية والاستقلال، خصوصاً فيما يتعلق بتلك التي كانت ذات التوجهات السياسية إذ انها قد كرست نفسها لمعارضة سياسة الاتحاديين غير المنصفة وغير العادلة في ذات الوقت. الامر الذي عرّض الصحافة العراقية الى كثير من الظلم والاضطهاد والحيف. وابرز دليل على مانقول هو  الغاء امتياز معظم الصحف العراقية بموجب قانون ينظم الصحافة والصادر في 15 اذار 1911 ، بحجة انها لم تصدر بانتظام حتى لم يبق غير المجلات الآتية:

الزوراء، والزهور، والرياض، المصباح، وصدى بابل، النوادر، ولغة العرب.[35] ومع كل ذلك  فإن الصحافة العراقية كانت امينة في نقل معاناة وواقع الانسان العراقي في مجمل ما يتعلق بالحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما اسهم في توسيع افق القارىء العراقي ووضعه في ساحة الاحداث القائمة في العراق آنذاك.

خامساً:التعليم في العراق:

مما لاشك فيه ان الترابط العضوي بين مفردات الحياة الاجتماعية يجعل من اي تغير أو تطور في اي قطاع من قطاعات الحياة الاجتماعية ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على بقية القطاعات. ويبدو ان الحراك الذي شهدته الحياة الاقتصادية والاطلاع على ثقافة الاخر... كان له الاثر الكبير في زيادة اهتمام العراقيين بالجانب العلمي والتعليمي الرسمي، إذ شهد الناس مدى الفائدة أو المكاسب التي يحصل عليها المتعلم من خلال تعيينه في الوظائف  الرسمية سواء اكانت هذه المكاسب  مادية أم معنوية.

واذا كانت بداية انشاء المدارس في ولاية بغداد على يد الوالي مدحت باشا  فإن هذه المدارس استمرت بالانتشار وان كانت بصورة بطيئة..  ومع ذلك  فإن هناك اكثر من اتجاه يسير جنباً الى جنب مع المدارس الرسمية، كالمدارس الاهلية أو التبشيرية، أو المدارس الدينية فعلى سبيل المثال" بلغ عدد الطلاب في الحوزة  العلمية في النجف في نهاية القرن التاسع عشر عشرة آلاف طالب، في حين  لم يكن عدد الطلاب في المدارس الراشدية في طول البلاد وعرضها الاثلاثمائة وستين طالبا، ومن المعلوم ان الدراسة في الحوزة العلمية النجفية (التي تدرس العربية والفقه وآلاداب وعلوم  القرآن والحديث والمنطق والكلام والفلسفة وغيرها) اعلى بمراحل كثيرة من الدراسة في المدارس الراشدية التي هي في مستوى المدارس المتوسطة".[36]

تجدر الاشارة الى انه تم تأسيس اول مجلس للمعارف في بغداد سنة 1884، واعقبه تأسيس مجالس مماثلة في الموصل والبصرة وكان في كل ولاية مديرية للمعارف.[37]

وعلى الرغم من ان التدريس في تلك المرحلة كان باللغة التركية الان تعطش المجتمع العراقي للتعليم لم يكن ليقف حائلا امامه حاجز اللغة كما ان المدارس سرعان ما صارت ترفد نفسها بالمدرسين العراقيين الكفاء الذين صاروا ينافسون اقرانهم من المدرسين الاتراك.

ويمكن ان نتلمس العديد من الشواهد الدالة على تحمس العراقيين للتعلّيم حتى بات يخطو خطوات كبيرة في ظروف قياسية، فلقد ساد التنظيم في الدوام وطبق في بعض الاحيان حتى الزي الموحد، ويمكن القول ان السياسة التعليمية في نهاية العهد العثماني قد تميزت بالاهتمام بالمدارس الراشدية حتى تكون هذه المدارس رافداً مهما في توفير الخريجين الذين يتولون مهام ووظائف ادارية في الدولة العثمانية وولاياتها الكثيرة ....

تمثل سنة 1889 بداية الاهتمام بانشاء المدارس الابتدائية في ولاية بغداد، إذ تم انشاء اربع مدارس ابتدائية هي الحميدية ، والكرخ وجديد حسن باشا، والعثمانية، فضلا عن ستّ مدارس في الاقضية التابعة لولاية بغداد، وظل الامر في حالة تصاعد بطيئة حتى حل عام 1905 فكان هناك عشرون مدرسة في بغداد.[38]  اما في الموصل فلقد بلغ عدد المدارس ثلاثين مدرسة عام1905.[39]

اما في ولاية البصرة  فإن المدارس الابتدائية قد بلغ عددها سبعاً وعشرين مدرسة.[40]

اما فيما يتعلق بالمدارس الراشدية  فإن اول مدرسة راشدية تأسست سنة 1870 .[41]

وهذه المدارس يقبل فيها خريج الدراسة الابتدائية وهي اشبه بالمرحلة المتوسطة في النظام التدريسي العراقي الحالي، وفي الموصل كان تأسيس اول مدرسة رشدية في عام1890، ومما يذكر أنه  كانت محاولة الإنشاء مدرسة راشدية في ولاية البصرة الا ان الامر لم ينجح لعدم وجود المدرسين في البصرة عام 1882، وفي حدود عام 1894 تم انشاء اربع مدارس موزعة على كل من الموصل وكركوك وراوندوز والسليمانية. وفي عام 1900 كان هناك مدرسة في كل من البصرة  والناصرية والعمارة والحي.[42]

بيد ان الخطوة المهمة والكبيرة في مجال التعليم هي انتشار المدارس الاعدادية التي تعد خطوة متقدمة في مجال التعليم، ذلك لانها بحاجة الى وجود قاعدة علمية قادرة على استيعاب المناهج العلمية، ولقد اسهمت هذه المدارس في رفد الحياة الاجتماعية بالقدرات والكفاءات التي انيطت بها فيما بعد العديد من المهام والاعمال الادارية، وفي بغداد كان اول تاسيس للمدارس الاعدادية في عام 1873 بملاك متكامل من المدرسين، وفي عام 1891 تم تأسيس مدرسة اخرى.[43]

ولقد احتوت مناهج هذه المدارس الموادالآتية:

المثلثات والحساب، مسك الدفاتر، الاقتصاد ، القانون ، الفلك، علم الاحياء، الهندسة، الجبر، الدين، الاداب التركية، اللغة العربية، اللغة التركية، اللغة الفرنسية، اللغة الفارسية، الجغرافية، التاريخ، الكيمياء، المعلومات المدنية، الفيزياء، حفظ الصحة، الميكانيك، الرسم، حسن الخط.[44]

ان هذا العدد الكبير من المدارس – في ذلك الوقت -  وهذا التدرج في التعليم الرسمي من الابتدائية ثم الراشدية ثم الاعدادية ، والعدد المتزايد من الطلبة المقبلين على الدراسة تطلب استحداث  "دار المعلمين" لتزويد الحياة العلمية بالمزيد من المعلمين وذلك لسد الحاجة الملحة لهذه الشريحة المهمة في العملية التربوية، ولقد تم افتتاح اول دار للمعلمين 1899 اعقبها افتتاح دار للمعلمين بقسم مسائي.[45] كما تم افتتاح دور اخرى في كل من البصرة والموصل في عام 1900، اما المدة المقررة للدراسة فكانت اربعة سنوات.[46]

كما ان عام 1876 شهد تخرج الوجبة الاولى من طلبة مدرسة الصنايع.[47]

بيد ان هذا الاهتمام بالتعليم كان منصبا على الذكور في حين ان تعليم الاناث لم يكن بنفس القوة، وذلك نظراً إلى الثقافة الاجتماعية المحافظة في ذلك الوقت فيما يتعلق بالانثى  ودورها  في الحياة  الاجتماعية، والعادات والتقاليد المتمثلة بالعيب والحرام .... ومع ذلك  فإن ولاية الموصل كانت رائدة من حيث تاسيس مدارس الاناث ويرجع السبب في ذلك الى وجود الارساليات التبشيرية ، إذ كانت  مدرسة اخوات المحبة من اولى المدارس الحديثة  للبنات  والتي اسست عام 1873.[48]

ويرجع الفضل الكبير في تاسيس اول مدرسة رشدية حديثة للبنات 1899 في بغداد وقد سجلت فيها عند افتتاحها (95) طالبة.[49]

ولعل خطوة تاسيس مدرسة للاناث غاية في الجرأة والشجاعة وخصوصا وان العراقيين في تلك المرحلة  كانوا قد اقامو الدنيا ولم يقعدوها لان الحكومة العثمانية أرادت احصاء الاناث والذكور في الموصل، الامر الذي عده اهل الموصل انتهاكا لحرماتهم وتجاوز على شرف نسائهم، وهذا مما لايمكن السكوت عنه أو تجاهله باي حال من الاحوال ولذلك  فإن المظاهرات كانت على قدم وساق، ولم تؤدي الاعتقالات الا الى مزيد من الاحتقان، الأمر الذي ادى في نهاية المطاف الى العدول عن فكرة الاحصاء.[50] فكيف والحال بالذهاب الى المدرسة والتعلم، ولعل الامر لايقل صعوبة لدى الأهل الذين ارسلوا بناتهم لهذه المدارس، فلقد كان الاباء يتهمون بالكفر والزندقة.... لانهم ارسلوا بناتهم للمدارس..[51]

كما ان هناك مشكلة كبيرة واجهت تعليم الإناث، وذلك لقلة الكادر التدريسي النسوي، وصعوبة جلب المدرسات من اسطنبول الى العراق، الأمر الذي استدعى ان تقوم نساء  الموظفين الاتراك بوظيفة التدريس وكان التدريس يتم باللغة التركية 

 وكذلك تم الاستعانة  بزوجات بعض الموظفين الاجانب. [52]

سادساً:الوعي الاصلاحي في المجتمع العراقي:-

وعلى الرغم من هذا التطور المتواضع في حقل التعليم، شهد المجتمع ميلاد الفئة المثقفة الحديثة التي ستؤدي فيما بعد دورا مهما على المستويين الفكري والسياسي في العراق. ورافق بداياتها الأولى وعي واضح بواقع البلاد مع طموح إلى التغيير نحو الافضل. ومع أن حركة اليقظة الفكرية في العراق لم تكن بالمدى الذي كانت عليه في بلاد الشام، لكون الاخيرة اقرب إلى الغرب وأكثر احتكاكا به وأوسع تأثرا بأفكاره[53]، إلا أن الموجات الفكرية المعاصرة صارت تجد لها أصداء في العراق من خلال ما كان يتردد من نتاجات أدبية وعلمية مطبوعة، مما أتاح للقراء الذين أخذ عددهم يتزايد، فرصة الاطلاع على آراء المفكرين العرب في مصر والشام الذين تناولوا قضايا عصرهم كالحقوق القومية والإصلاح الاجتماعي[54].

ومع اشتداد سياسة التعصب العنصري للاتحاديين، اخذت تتكامل ابعاد الحركة الفكرية في العراق، وتجسد ذلك في المؤتمر العربي في باريس الذي عقد بمبادرة من جمعية (العربية الفتاة) ما بين 18 و23 حزيران 1913[55].

وكان هدف المؤتمر تعريف الرأي العالمي بمطالب العرب القومية والعمل على توحيد الشبان العرب. وتوصل المؤتمر الى جملة من المقررات المهمة في مقدمتها:

 المطالبة باللامركزية، واجراء الاصلاحات في الولايات العربية، وحق العرب بالتمتع بحقوقهم السياسية الكاملة.[56]

وقد تابع المثقفون العراقيون أعمال المؤتمر ومقرراته، وبعث عدد من الشخصيات السياسية العراقية برقيات التأييد إلى المؤتمر، من بينهم السيد طالب النقيب وبكر صدقي[57].

رواد الفكر الاصلاحي في المجتمع العراقي:

شهدت الساحة الاجتماعية العراقية بروز العديد من الشخصيات الاصلاحية التي كانت منظّرة للماهية والكيفية  التي يمكن ان يتم فيها الاصلاح في المجتمع العراقي ولقد تعددة افكار وطروحات هذه الشخصيات تبعا لتنوع مشاربهم الفكرية والعلمية وتوجهاتهم الانسانية، حتى صرنا نرى من يكتب المجلدات والكتب التي تتناول سيرة تلك الشخصيات ممن كانت لهم بصمة مميزة واثر كبير في سير الاحداث والاعمال والمشاريع الاصلاحية، وهنا يحضرني كتاب افاق التجديد الاسلامي، للدكتور ابراهيم العاتي،[58] الذي يتناول فيه جملة من الشخصيات الاصلاحية وكلاً حسب منجزه الاصلاحي كالشيخ محمد حسين كاشف الغطاء الذي يعده من أبرز العلماء والمصلحين المسلمين، وصاحب مشروع التجديد العلمي والإصلاح في العلوم الدينية كما في الفقه، كما انه انشغل بهمِّ توحيد الأمة، وكان يرى أنه من الضروري أن يتدخل الفقهاء في الميدان السياسي.

وكذلك السيد هبة الدين الشهرستاني الفقيه المجدد، الذي كان "يدعو المسلمين للحفاظ على الدين والوطن، ويحثهم على تأسيس الجمعيات التي تنظم شؤونهم وإصدار الصحف ونشر المعارف والعلوم، ولم ير ضيراً في الأخذ بأسباب الحضارة الحديثة وإنجازاتها شرط عدم تصادمها مع عقيدة الإسلام".

و السيد محسن الأمين الذي صاغ مشروعا للإصلاح الثقافي والإجتماعي والديني، ودعا إلى تعليم المرأة، و أسس العديد من الجمعيات ذات النشاط الإجتماعي.

 ثم  سيرة الشيخ محمد رضا المظفر الذي اهتم بإصلاح النظام التعليمي في الحوزة، وأنشأ "جمعية منتدى النشر" التي انتقلت بالدراسة الدينية من نظام الحوزات إلى نظام الدراسة الأكاديمية المنظمة، بالإضافة إلى تأليفه مجموعة من الكتب في مجال العلوم العقلية استخدم فيها لغة حديثة تتلاءم وطاقة استيعاب الطلبة، بالإضافة إلى عمله على توضيح الأصول.

ويختم العاتي كتابه بالحديث عن السيد محمد تقي الحكيم الذي عدّ أحد أهم المؤسسين لمسيرة التقريب بين المذاهب وإقامتها على أسس علمية، معتقداً أن هدف التقريب لا يتحقق إلا من خلال بسط كل القضايا موضع الخلاف مستخدماً في ذلك المنهج المقارن لحل هذه الإشكالات وبخاصة منها القضايا الكلامية.  واذا كنا قد عرضنا هذا العد من المصلحين  من ذوي الخلفية الدينية الذين كانوا يحاولون تخليص الدين مما لحق به من ادران، وفي ذات الوقت العمل على احداث التغيرات التي تتلاءم وروح العصر. بيد ان هناك على الطرف الااخر مصلحين كان لهم لاثر الفعال والدور الكبير في الحركة الاصلاحية، الا انهم كانوا يرون ضرورة اتباع العلم والحركة العلمية وعلى الدين  ان يلحق بالعلم والحداثة، وقد يكون من ابرزهم جميل صدقي الزهاوي.

جميل صدقي الزهاوي:-

ولد جميل الزهاوي في بغداد يوم الأربعاء 29 ذي الحجة عام 1279هـ، الموافق عام 1863م، وبها نشأ ودرس على أبيه وعلى علماء عصره، وعين مدرسا في مدرسة السليمانية ببغداد عام 1885م، وهو شاب ثم عين عضوا في مجلس المعارف عام 1887م، ثم مديرا لمطبعة الولاية ومحررا لجريدة الزوراء عام 1890م، وبعدها عين عضوا في محكمة استئناف بغداد عام 1892م، وسافر إلى إستانبول عام 1896م، فأعجب برجالها ومفكريها وتأثر بالأفكار الغربية، وبعد الدستور عام 1908م، عين أستاذا للفلسفة الاسلامية في دار الفنون بإستانبول ثم عاد لبغداد، وعين أستاذا في مدرسة الحقوق، وانضم إلى حزب الاتحاديين، وأنتخب عضوا في (مجلس المبعوثان) مرتين، وعند تأسيس الحكومة العراقية عين عضوا في مجلس الأعيان. ونظم الشعر بالعربية والفارسية منذ نعومة أظفاره فأجاد واشتهر به.[59]

كان الزهاوي معروفا على مستوى العراق والعالم العربي،وكان جريئاً وطموحاً وصلبا في مواقفه، فاختلف مع الحكّام عندما رآهم يلقون بالأحرار في غياهب السجن ومن ثم تنفيذ أحكام الإعدام بهم فنظم قصيدة في تحيّة الشهداء ودافع الزهاوي عن حقوق المرأة وطالبها بترك الحجاب وأسرف في ذلك.وكان شغوفاً بالحرية إلى حد بعيد، ويطالب بإطلاقها إلى الحد الأقصى: حرية التفكير، وحرية الاعتقاد،و حرية القول، وحرية النشر، ... ولشدة ولوعه بالحرية ناضل كثيراً عن حرية المرأة الشرقية، وكان جريئاً في إبداء آرائه، وإن ناقضت آراء الآخرين، وجلبت عليه نقمة المخالفين، وقلما انتصر لرأي ورجع عنه*، أو أعلن فكرة وتخلّى عنها..... وكان جَلداً على العمل، يطالع كثيراً ويكتب كثيراً، حتى إن الإنسان ليأخذه العجب عندما يرى نشاط فكره، ونتاج قلمه، مع انتكاث بنيته واختلال صحته.[60]

ابرز ما يحسب للزهاوي:

·        انه تحدى طغيان السلطان عبد الحميد الثاني في عدد من قصائده ووقف الى جانب المناهضين لذلك الطغيان ورثى من امر السلطان باعدامهم.

·        دافع عن العراقيين خاصة وعن العرب عامة في (مجلس المبعوثان) العثماني حينما كان عضواً فيه.

·        وقوفه إلى جانب الثوار العراقيين في ثورة العشرين ضد الحكم الإنكليزي، رغم استياء المندوب السامي البريطاني.

·        رفضه طلب الملك فيصل أن يكون شاعر البلاط بعد إعلان الحكم الملكي في العراق 1921م.

وكتب فيه طه حسين: "لم يكن الزهاوي شاعر العربية فحسب ولا شاعر العراق بل شاعر مصر وغيرها من الأقطار.. لقد كان شاعر العقل.. وكان معري هذا العصر.. ولكنه المعري الذي اتصل بأوروبا وتسلح بالعلم.."[61]

قال عنه العلامة الشاعر وليد الأعظمي : ((كان الزهاوي شديد الأعجاب بنفسه محبا للشهرة ويميل إلى مخالفة الناس، ويدعي المعرفة بالعلوم كلها كالفلسفة والفلك والجاذبية والتشريح مما أثار ضجة كادت تودي بحياته، وهو شاعر مكثر، وشعره ثقيل غير سائغ بسبب حشر النظريات العلمية فيه، وكان يحسن اللغة العربية والتركية والفارسية والكردية، وشيئا من اللغة الفرنسية، وترك عدة دواوين منها (الكلم المنظوم) وديوان (اللباب) ، وديوان (الأوشال)، و(الثمالة)، و(رباعيات الزهاوي)، وهي ترجمة لرباعيات الخيام)). وسافر الزهاوي إلى الإستانة مرة ثالثة في السنة الأولى من الانقلاب العثماني، فعُيّن في العام 1906م أستاذاً للفلسفة الإسلامية في أكبر مدارسها، ومدرّساً للآداب العربية في فرع الآداب من جامعة (دار الفنون). [62]

دفاعه عن المرأة :

وأحدثت رسالته (المرأة والدفاع عنها) ضجة كبرى في العالم العربي الإسلامي،فهاج الناس لها وماجوا في بغداد واحتجوا في العام 1908م إلى (ناظم باشا) والي بغداد، يطلبون عزله من وظيفته. ونتيجة لهياج الناس أقاله الوالي، واشتد سخط الجمهور عليه، ولا ريب في أن بعض القائمين على المؤسسات الدينية، ومن معهم من أعمدة الفكر المحافظ، هم الذين أثاروا الجمهور ضد الشاعر. فاضطر إلى ملازمة داره خوفاً من الاغتيال، ونصره الدكتور (شبلي شميّل) والأديب (وليّ الدين يكن) في مقالات نشراها في صحيفة المُقطَّم المصرية وغيرها. وأعيد في عهد الوالي (جمال باشا) إلى  التدريس في مدرسة الحقوق.[63]

كما خاض الزهاوي في ميدان السياسة، فانتخب نائباً عن لواء المنتفق بالعراق، فذهب إلى الإستانة، وأُقفل المجلس بعد أشهر فعاد إلى بغداد، وما لبث أن انتخب نائباً عن بغداد، ودافع في البرلمان عن حقوق العرب في مواقف عديدة، وكان في عهد الاحتلال البريطاني يقيم في بغداد يراقب الأوضاع السياسية. ثمّ عُيّن عضواً في مجلس الأعيان العراقي، ولعل أفكاره الحرة الجريئة قد أثارت عليه كثيرين من أبناء العراق، وأضرّت به، فلم يُعَد انتخابه لعضوية مجلس الأعيان، ومنذ ذلك اليوم حنق الزهاوي على الحكومة والسياسة، وكان كثيراً ما يعلن سخطه في مجالسه الخاصة.[64]

ان هذه النبذة المختصرة عن الحركة الاصلاحية في بدايات القرن العشرين تبين وبكل وضوح ان المجتمع العراقي  كان يمتلك من القدرات والامكانيات الشيء الكثير فيما لو انها استغلت الاستغلال الامثل  أو إنها سيرت بمساراتها الصحيحة أو على اقل تقدير ان تترك لتشق طريقها من اجل البناء والاعمار. ولكن مما يؤسف له ان الدكتاتورية واحكامها الاقصائية كانت بالمرصاد لاي جهد اصلاحي بناء في المجتمع العراقي إذ ابعد العلماء والمثقفون عن ساحة الفعل والتاثير الايجابي. ولعل هذا الامر هو السبب في رجوع العراق خطوات نحو الخلف بدل السير قدما نحو الامام  .

 


 

...........................

(*) مساعد رئيس قسم الدراسات الأجتماعية و المجتمع المدني في معهد الأبحاث والتنمية الحضارية

 


الهوامش:
..........................
[1] - انظر: د. محمد سلمان حسن، التطور الاقتصادي في العراق، التجارة الخارجية والتطور الاقتصادي،بيروت 1965، ص39، 41-44، 71. 

[2] - نفس المصدر السابق، ص51- 52.

 [3] ينظر : د. محمد سلمان حسن، دراسات في الاقتصاد العراقي ، دار الطليعة ، بيروت ، ط1 ،19661، 116ص

[4] - احمد امين، زعماء الاصلاح في العصر الحديث، مكتبة النهضة، القاهرة، 1965،ص31-33.

للمزيد ينظر د. علي الوردي،  لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج2، مطبعة الارشاد، بغداد، 1971،ص74-77.

[5] - عبد العزيز نوار، تاريخ العراق الحديث من نهاية حكم داود باشا الى نهاية حكم مدحت باشا، دار الكتاب العرابي للطباعة والنشر، القاهرة، 1968، ص 355.

[6] - نفس المصدر السابق،ص 354.

[7] - ينظر مدام ديولا فوا، مصدر سابق، ص84-85.

* حدثت اكثر من مواجهة عسكرية ما بين الدولة العثمانية والايرانية على تقسيم الحدود بينهما، وهذا الامر يعكس اطماع كل من الدولتين بالاراضي العربية، إذ تم بموجب اتفاقية ارضروم الاولى والثانية تقسيم عربستان الى مناطق نفوذ ايراني وعربي، كذلك منطقة كردستان الى مناطق نفوذ عثماني وايراني. ينظر:د. حسن كريم الجاف، موسوعة تاريخ ايران السياسي، من بداية الدولة الصفوية الى نهاية الدولة القاجارية، ج3، الدار العربية للموسوعات، 2008،ص275-276

[8] - د. علي الوردي، لمحات من تاريخ العراق الحديث،ج3،ص58- 59.

[9] - عبد الفتاح ابراهيم ، على طريق الهند، الرسالة الاولى ، مطبعة الاهالي، بغداد، 1935، ص19.

[10] - احمد امين ، زعماء الاصلاح في العصر الحديث، المكتبة العصرية ، صيدا ، بيروت،2007، ص45.

[11]  - ينظر: قدري قلعجي، مدحت باشا ابو الدستور وخالع السلاطين، الراصد العراقي ، شبكة المعلومات العالمية الانترنيت، 2007،/http://alressd blogspot com

[12] - عبد الرزاق الهلالي، تاريخ التعليم في العراق، بغداد، 1959،ص 158- 160.

[13] - نفس المصدر السابق، ص168- 169.

[14] - هاشم الوتري ومعمر خالد الشابندر، تاريخ الطب في العراق،بدون سنة، ص55.

[15] جريدة صدى بابل، 17 محرم الحرام، 1328، 28 كانون الثاني، 1910.

[16] المصدر السابق نفسه.

[17] جريدة صدى بابل، العدد 191، 9 تموز 1911.

[18] ينظر: عباس العزاوي، تاريخ العراق بين الاحتلالين، ج8، شركة التجارة والطباعة المحدودة، بغداد، 1954-1956، ص199-200.

* - المشروطة تعني الدستور، وسميت بالمشروطة على اعتبار انها شروط ما بين الحاكم والمحكوم يتم الاتفاق عليها.(الباحث).

[19] - د. حسن كريم الجاف، موسوعة تاريخ ايران السياسي، مصدر سابق، ص321

[20] - نفس المصدر، ص321- 322.

[21] - ينظر: د.  السيد محمد الثقفي، ترجمة عباس كاظم، مجلة النبأ ، العدد 66،محرم 1423.

وشمخي جبر، المؤسسة الدينية وتحديات الحداثة، مؤسسة مدارك لدراسة اليات التراث الثقافي والفكري، شبكة المعلومات العالمية الانترنيت.

[22] - فليب حتى، موجز تاريخ الشرق الادنى، ترجمة أنيس فريحة، دار الثقافة، بيروت، 1965،ص344.

[23] - وميض جمال عمر نظمي، الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية الاستقلالية في العراق، بيروت 1984، ص40-41.

[24] - كوتلوف، ثورة العشرين الوطنية التحررية في العراق، ترجمة: عبد الواحد كرم، بغداد 1971، ص74-77

[25]  د. محمد سلمان حسن، دراسات في الاقتصاد العراقي، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1966، ص116.

[26] المصدر السابق نفسه، ص116.

[27] - د.علي الوردي ، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث،ج3، بغداد،1972،ص6.

[28] - كوتلوف، ثورة العشرين الوطنية التحررية في العراق،ص76-77.

[29] - محمد سلمان حسن، التطور الاقتصادي في العراق،ص94.

[30] - حنا بطوط، العراق الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية، الكتاب الاول، ترجمة عفيف ، مؤسسة الابحاث العربية، بيروت، 1990، ص 375- 376.

* في 30 اب 1876 تم تنصيبه سلطانا بعد ان تم عزل اخيه مراد الذي اطبق عليه الجنون ولقد كانت له بعض الانجازات المهمة في ميدان الادارة السياسية للدولة العثمانية. .(الباحث)

* *          ولقد صدر في تلك المدة العديد من الكتب التراثية ذات القيمة العلمية والادبية الكبيرة، والتي يمكن من خلالها أن يستشف القارئ التاريخ المشرق للأمة وما آلت إليه أحوال البلاد من تخلف. ينظر: بهنام فضيل عفاص، تاريخ الطباعة العراقية، منذ نشوئها وحتى الحرب العظمى الأولى، القسم الأول، والقسم الثاني، المورد، المجلد العاشر، المجلد الثاني عشر، العدد 3-4/ الثاني، 1981/1983، ص81، ص15-23.؛ المطابع العراقية خلال العهد الدستوري 1908-1914.

 

[31] بهنام فضيل عفاص، تاريخ الطباعة العراقية، منذ نشوئها وحتى الحرب العظمى الأولى، القسم الأول، والقسم الثاني، المورد، المجلد العاشر، المجلد الثاني عشر، العدد 3-4/ الثاني، 1981/1983، ص81، ص15-23.؛ المطابع العراقية خلال العهد الدستوري 1908-1914.

[32] الفياض، مصدر سابق، ص59.

[33] ينظر: زاهدة ابراهيم، كشاف الجرائد والمجلات العراقية، مراجعة عبد الحميد العلوجي، دار الحرية، بغداد، 1976، ص10ـ 192.

[34] بهنام فضيل عفاص، تاريخ الطباعة، مصدر سابق.

[35] - الفياض، مصدر سابق، ص58-59

[36] - د. سعيد السامرائي، الطائفية في العراق،ط1، مؤسسة الفجر، لبنان، 1993،ص63.

ينظر كذلك الشيعة و الدولة القومية، حسن العلوي، ص278.

[37] ابراهيم خليل احمد،تطور التعليم  الوطني في العراق، 1869-1932، مركز دراسات الخليح العربي بجامعة البصرة، البصرة ، 1982، ص41.

[38] - ابراهيم خليل احمد ، تطور التعليم في العراق، مصدر سابق،ص39.

[39] - سليمان صائغ ، تاريخ الموصل ، ج1، المطبعة السلفية، مصر، 1923، ص 323.

[40] - فيضي ، مصدر سابق،ص58- 59.

[41] -عباس العزاوي، تاريخ العرا ق بين احتلالين،ج7،شركة التجارة والطباعة المحدودة ، بغداد ،1955، 206.

[42] - الهلالي ،تاريخ التعليم في العراق، مصدر سابق، ص185.

[43] - المصدر نفسه،ص156.

[44] - العزاوي ، مصدر سابق، ج8، ص245.

[45] - جريدة الزوراء ،العدد (1850) ، 24 رمصان، 1317، (1899).

[46] العزاوي، مصدر سابق، ج8،ص245.

[47] - الهلالي ، مصدر سابق، ص 182.

[48] -سليمان صائغ ،تاريخ الموصل، مصدر سابق،ج1، ص 323.

[49] - نفس المصدر السابق، ص158- 160.

[50] - د. على الوردي ، لمحات من تاريخ العراق الحديث، مصدر سابق،ص50

[51] - نفس المصدر السابق، ص264

[52] - عبد الوهاب القيسي، حركة الاصلاح في الدولة العثمانية وتاثيرها في العراق 1839- 1877، مجلة كلية الاداب، جامعة بغداد، العدد (3) كانون الثاني، 1961،ص24.

[53] - : د. عبد الكريم رافق، العرب والعثمانيون 1516-1916، دمشق 1971، ص555.

[54] - وميض جمال عمر نضمي، الجذور السياسية ...، مصدر سابق، ص85-86

[55] - : سليمان موسى، الحركة العربية، المرحلة الأولى للنهضة العربية الحديثة 1908-1924، بيروت 1977، ص25

[56] - عبد الزهرة الجوراني، الفكر السياسي في المشرق العربي أواخر القرن التاسع حتى عام 1914، رسالة دكتوراه، الجامعة المستنصرية، بغداد 1990، ص178-181.

[57] - توفيق السويدي، مذكراتي، نصف قرن من تاريخ العراق والقضية العربية، بيروت 1969، ص 29

[58] - د. ابراهيم العاتي، افاق التجديد الاسلامي،دار الهادي للطباعة والنشر،نقلا عن شبكة المعلومات العالمية الانترنيت، شبكة نبأ للمعلومات.

[59] - جميل صدقي الزهاوي ، ويكيبيديا، الموسوعة الحرة، الانترنيت شبكة المعلومات العالمية،

* - ومع ذلك اعلن براءته من المقال الذي قال فيه بسفور المرأة، واعلن من خلال مقال له في جريدة  ان هذا المقال مكيدة يراد بها الحط من مكانته والنيل منه.

[60] - المصدر نفسه.

[61] - شبكة المعلومات العالمية الانترنيت، شبكة التراتيل، جميل صدقي الزهاوي. وكذلك مقال الدكتور مفيد مسوح مجلة افق الثقافية مقتطفات من شعر الزهاوي.

[62] - ويكيبيديا، مصدر سابق.

[63] - ينظر د. احمد الخليل، الفيلسوف (جميل صدقي الزهاوي) شاعر العقل ونصير المراة، الانترنيت شبكة المعلومات العالمية،2008، موقع مركز كلكامش للدراسات والبحوث.

[64] - يوسف عز الدين، شعراء العراق في القرن العشرين،ج1، مطبعة اسعد، بغداد، 1967،ص11-12.