الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

 الإثنين : 06/04/2009

 

مفهوم المواطنة وتحديات العصر

 

الدكتور فوزي حامد الهيتي
(خاص للمعهد)

 

مقدمة:

إن المتغيرات الهائلة التي شهدها عالمنا في نهاية القرن الماضي ومطلع القرن الجديد وبخاصة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتفرد المعسكر الرأسمالي بالسيادة والسيطرة على العالم والتطور العلمي المتمثل في عالم الاتصالات الذي حول العالم إلى قرية صغيرة وما نتج عن كل هذا من ردود أفعال مختلفة لما صار يعرف بالعولمة إن كل هذا دفع عدد من الفلاسفة والمفكرين المعاصرين لمراجعة جملة من المفاهيم التقليدية في الفلسفة السياسية من أبرزها مفهوم المواطنة وسيادة الدولة والمجتمع المدني وحقوق الإنسان الخ من المفاهيم التي طالها التصدع جراء المتغيرات في عالمنا السياسي والاقتصادي.

نود في هذا البحث أن نتوقف عند مفهوم المواطنة نسلط الضوء فيه على أصوله وتطور دلالته الفلسفية ومن ثمة نتناول ابرز التحديات المعاصرة لهذا المفهوم والمتمثلة في 

أ‌- التنوع العرقي والاثني وتعدد الهويات داخل الوطن الواحد وما يشكله هذا التنوع من تهديد للمواطنة.

ب‌- العولمة  وما تشكله من تهديد لسيادة واستقلال الدول وانعكاس ذلك على المواطنة.

 أولا: مفهوم المواطنة :

يرتبط مفهوم المواطنة بدلالته الحديثة بمفهوم الدولة القومية أو (دولة الأمة) وكلاهما من نتاج العصر الصناعي ولكن يمكننا أن نجد بديات استخدام هذا المفهوم في الفكر السياسي القديم عند كل من أرسطو وشيشرون ومن ثمة في عصر النهضة الأوربية عند مارسيلوس وآخرين. ومفهوم المواطنة عند كل هؤلاء تعني حق

المشاركة في الشأن العام والحياة السياسية على وجه الخصوص ومنها المشاركة في إدارة الدولة واتخاذ القرارات ومراقبة تنفيذها أو هي (وسيلة الانخراط في المشروع المشترك الرامي إلى تحقيق الخير العام والمشاركة السياسية هي الأداة الضرورية للحصول على الخير)[1] وهي بهذا المعنى امتياز لشريحة اجتماعية وليس حق لكل أفراد المجتمع فلا موجب كما يرى أرسطو أن (نقحم في عداد المواطنين جميع الذين لا قوام للدولة بدونهم )[2] مثل الأرقاء والعبيد والنساء والأطفال والحرفيين والصناع ورعايا الدول الأخرى ممن يعمل في التجارة أو أية مهنة أخرى وان كانوا رجالا صالحين لان جميع هؤلاء لا يحق لهم المشاركة السياسية في إدارة الدولة فالمواطن عنده هو فقط من له حق (الاشتراك في السلطة الاستشارية والسلطة القضائية)[3] وحده عنده هو ( من يحكم ويحكم بالتناوب )[4].وبهذه الدلالة أيضا يذهب جان جاك روسو فالمواطنة لديه صفة تطلق فقط على المساهمين في السلطة السيادية ويسمون بعدهم أفراداً بالمواطنين ( وبصورة جماعية اسم الشعب ) ويؤكد روسو على ضرورة حصر هذا المفهوم على المساهمين بالسلطة السيادية ولا يجوز إطلاقه على كل الأفراد الساكنين داخل إطار الدولة والخاضعين لقوانينها فهؤلاء هم رعايا وليسوا

مواطنين[5]. أما المعيار الذي اعتمدوه في منح هذا الحق لأفراد المجتمع فهو معيار غير ثابت تحكمت في تحديده القوى الاجتماعية المسيطرة والمؤثرة في المجتمع وأتخذ في كثير من الأحيان وسيلة للابتزاز السياسي والاقتصادي كما كان سبابا أساسيا في كل الثورات والانتفاضات والاضطرابات الاجتماعية على مر التاريخ وفي كل العالم ففي الدستور الأثيني مثلا كان الانتساب لأبوين أثينيين بالولادة معيارا يكتسب بموجبه الابن هذا الحق بعد بلوغه سن الرشد ولكن هذا الشرط قد تغير في بعض الحقب وعدلوا فيه حين أضافوا بعض الأسر المقيمة في أثينا بعد أن كانوا يعدون من الغرباء أما في جماهيريات المدن الايطالية فقد اعتمد معيار دفع الرسوم أساسا في تحديد من له حق المشاركة السياسية واستبعد من ذلك الطبقات الفقيرة فضلا عن النساء أيضا[6].

  ويشير منظروا الفكر السياسي الجماهيري إن مفهوم المواطنة بهذه الدلالة يفترض شكلا محددا من أشكال النظم السياسية فقط هو النظام الديمقراطي لأن النظام الديمقراطي هو النظام السياسي الوحيد الذي يتيح الفرصة لجميع المواطنين المشاركة الفعالة في صنع القرار وإدارة الدولة أما النظم السياسية الأخرى مثل النظام الاستبدادي الدكتاتوري أو النظام الارستقراطي فهي لا تتيح لجميع المواطنين مثل هذه الفرصة في المشاركة السياسية وإدارة الحكم واتخاذ القرارات وقد أشار إلى هذا الارتباط أرسطو في كتابه السياسة وشيشرون في كتابه الجمهورية فضلا عن منظري النظام الديمقراطي الجماهيري للمدن الايطالية أبان عصر النهضة، بل يمكن القول إن هذا المفهوم وعلى وفق الدلالة أعلاه يرتبط حصرا بالنظام الديمقراطي الجماهيري "دولة المدينة city state" الذي عرفته المدن اليونانية القديمة في اثنا قديما وجماهيريات المدن الايطالية في عصر النهضة ومدينة جنيف حتى القرن الثامن عشر إذ يمكن للمواطنين أن يشاركوا مشاركة فعالة ومباشرة في صنع القرار السياسي وإدارة الدولة أما النظم الديمقراطية الأخرى مثل النظام الديمقراطي النيابي التمثيلي فلا يتيح مثل هذه الفرصة لكل المواطنين. لهذا نرى إن اغلب منظري الفكر السياسي الأوربي الحديث مثل جان جاك روسو ومونتسكيو كانوا شديدي الإعجاب بالنظام الديمقراطي الجماهيري الذي عرفته اثنا لأنه النظام الأعدل والأقرب إلى حياة الطبيعة التي يتمتع بها الإنسان بالحرية الكاملة ولهذا يقول روسو إن المواطنين في النظم الديمقراطية النيابية لا يكونون أحرارا ( إلا أثناء انتخاب أعضاء البرلمان وبمجرد انتخابهم يصير هو – المواطن – عبدا بل لا يكون شيئا)[7]  ويقول أيضا ( الممارسة السياسية للسلطة من قبل المواطنين هي الطريقة الوحيدة لتوفير إمكانية دوام الحرية)[8] ولهذا يرى ( إن السيادة لا يمكن أن تمثل لنفس السبب الذي يجعلها غير قابلة للتنازل فهي بصفة أساسية قوام الإرادة العامة لا تمثل مطلقا ... إن نواب الشعب إذا ليسوا ممثليه ولا يمكن أن يكونوا، لذلك فما هم إلا مفوضون عنه.)[9]   

 وعليه يمكن القول إن مفهوم المواطنة عند الفلاسفة القدماء ومنظري الديمقراطية الجماهيرية ارتبط بدولة المدينة  {city state}ويعني حق المشاركة الفعالة المباشرة في إدارة الدولة وصنع القرار السياسي.

إن السياسة كما نعلم هي بالدرجة الأولى مجال توزيع الخيرات وحد المواطنة بالدلالة أعلاه وبالمعايير الإقصائية التي اشترطوها يعني أن هذا الحق هو امتياز اسري كما اشرنا سابقا يشمل أبناء اسر محددة في المدينة وهي بالتأكيد الأسر المتنفذة والمتحكمة في حياة الجماعة (المدينة) وليس كل أبناء المدينة. أي أنه ليس حقا قائما على أساس المساواة أو الكفاءة وإنما هو حق قائم على أساس القوة. وحد المواطنة بهذه الصياغة يعني إضفاء الشرعية للقوة في الاستئثار بتوزيع الخيرات. ربما لا يجد هذا الاعتراض مسوغاته داخل النسق القيمي والأخلاقي الأرسطي الذي أسس في ضوءه مفهوم المواطنة ولكنه مبرر جدا داخل النسق القيمي والأخلاقي للفكر الليبرالي الغربي الذي تبنى نظرية العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكومين.وهذا ما نود الوقوف عنده الآن.

مفهوم المواطنة في النظام الديمقراطي الليبرالي:

  ينطلق منظروا الفكر الديمقراطي الليبرالي في تحديدهم لمفهوم المواطنة من نظرية العقد الاجتماعي، فالمواطن على وفق هذه النظرية هو عضو في جماعة بشرية توافقت باختيارها على التنازل عن بعض أو كل حقوقها الطبيعية لفرد أو مجموعة أفراد من بينهم يمثلون السلطة السياسية في مقابل حمايتهم والدفاع عنهم. والسلطة السياسية تمثل إرادة المجموع، والعقد هنا يمثل تبريرا أخلاقيا لوجود الدولة  بعد أن أزيح عنها التبرير الديني المقدس الذي كانت تتمتع به في القرون الوسطى وفي حقبة سيادة الإقطاع والأمراء فوجود الدولة يمثل اقل الشرور بالنسبة للمواطنين. إن الأفراد قبل قيام الدولة كانوا يعيشون حياة طبيعية ويخضعون لقانون الطبيعة والقانون الطبيعي يعني إن لكل فرد حق مطلق في كل شيء، لا يمنعه شيء إلا إرادته وقدرته على تنفيذ هذه الإرادة لا يوجد أي مانع أخلاقي أو عقلي يحد من رغباته. إن ما ينتج عن هكذا علاقات بين الأفراد خوف دائم بعضهم من البعض الآخر وعدم الأمان وكل فرد ينظر إلى الآخرين على أنهم ذئاب تود افتراسه كما يقول هوبس[10]. من هنا كانت حاجة الأفراد لقيام الدولة. إن وظيفة الدولة هي تنظيم سلوك الأفراد بما لا تتقاطع مع بعضهم البعض فالدولة عند اغلب منظري العقد الاجتماعي ليست غاية بذاتها ولكنها كيان اقتضته حاجة الاجتماع الإنساني وظيفته الأساسية حماية حياة ومصالح الأفراد المنضوين تحته والداخلين في العقد . إن ميكيافلي وهوبس وهما من أكثر من نظر لصالح تعاظم سلطة صاحب السيادة – الدولة = الأمير أو الملك – على حساب حقوق الأفراد لم يغفلوا تماما هذا الشرط الأخلاقي ولكنهم اعتقدوا أن أي حد لسلطة صاحب السيادة – الدولة – لن يكون في المدى البعيد لمصلحة الجماعة أو الصالح العام وتبقى سلطة صاحب السيادة تستمد مشروعيتها من الشعب لان هذه السلطة هي نتاج اتفاق أفراد الشعب على التنازل عن حقوقهم له والعمل بتفويض منهم [11].

إن هاجس التوفيق وتحقيق التوازن بين قوة الدولة الضرورية لتوفير اجتماع آمن لحياة الجماعة وبين حق الأفراد في الاحتفاظ بحريتهم كان حاضرا عند اغلب فلاسفة هذه المرحلة. يقول روسو ( ما السبيل إلى تشكيل اجتماع يدافع عن شخص وخيرات كل عضو بالقوة الجماعية لكل، ويُمَكِن كل فرد من البقاء متمتعا بحريته كما من قبل ... رغم توحده مع الآخرين)[12] . لا شك إن الإجابة على هذا السؤال كانت مختلفة بين فلاسفة ومنظري عصر الحداثة وكانت إجاباتهم تلك انعكاسا واضحا للقوى المؤثرة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية وتكشف في الآن ذاته نمو وتطور لصالح حرية الأفراد على حساب سلطة الدولة. لقد فشل هوبس ومن قبله ميكيافلي في إيجاد توازن حقيقي بين حق المواطن وقوة الدولة فقوة الدولة التي وصفها على أنها تعبير عن إرادة الجميع قد سلبت أية قدرة للمواطنين على ( التحرك المستقل وان كانوا مواطنين ذكور رفيعي المستوى متوفرين على كمية ذات شان من الممتلكات - كما ينبغي التأكيد – جرت المساومة عليها والانتقاص منها جذريا)[13] لقد رفض لوك تبريرات هوبس في منح صاحب السيادة كل السلطات وتنازل المواطنين عن جميع حقوقهم وقال ( هذا يعني الاعتقاد إن الناس حمقى إلى درجة أنهم يحرصون على تجنب ما قد يلحق بهم من أذى من فئران الخيل والثعالب ولكنهم راضون بل مطمئنون أن تلتهمهم الأسود)[14] إن الحقوق الأساسية والتي منها حق الحياة وحق الملكية لا يمكن التنازل عنها أبداً مهما كانت التبريرات ولا يجوز لصاحب السيادة التجاوز عليها لان هذا التجاوز يهدم الأساس الأخلاقي الذي قامت عليه الدولة وعندها تفقد مبررات وجودها. فالغاية القصوى من تأسيس الدولة كما يقول اسبينوزا ويذهب إلى ذلك أيضا اغلب منظري عصر الحداثة  ليست السيادة بذاتها أو إرهاب الناس وجعلهم يخضعون لسطوة وظلم الغير بل هو تحريرهم من الخوف ( بحيث يعيش كل فرد في أمان بقدر الإمكان وان يحتفظ بالقدر المستطاع بحقه الطبيعي في الحياة وفي العمل دون إلحاق الضرر بالغير . واكرر القول بان الغاية من تأسيس الدولة ليست تحويل الموجودات العاقلة إلى حيوانات أو آلات صماء بل المقصود منها هو إتاحة الفرصة لإبداعهم وأذهانهم كيما تقوم بوظائفها كاملة في أمان تام)[15]  إن حاجة الناس إلى الأمن والسلام دفعتهم إلى البحث عن سبل جديدة للعيش المشترك تنقذهم من حالة الاحتراب الدائم فيما بينهم وتحررهم من حالة الخوف من بعضهم البعض لذلك صار ( لزاما عليهم أن يسعوا إلى التوحد في نظام واحد وكان من نتيجة ذلك إن الحق الذي كان لدى كل منهم بحكم الطبيعة على الأشياء جميعا أصبح ينتمي إلى الجماعة ولم تعد تتحكم فيه قوته أو شهوته بل قوة الجميع وإرادتهم)[16]       

إن نقطة التحدي الحقيقية التي واجهت الفكر السياسي الغربي الحديث في انجاز هذا التوازن الذي اشرنا إليه بين المحافظة على الحقوق الطبيعية للأفراد ووجود دولة ذات سيادة قوية وقادرة على فرض إرادتها على كل الأفراد المنضويين تحتها وكذلك الدفاع عنهم وحمايتهم من الاعتداءات الخارجية، والسؤال الجوهري الذي انشغل به هؤلاء المفكرون ومازالوا هو: ما هي الآليات العملية التي يمكن اعتمادها في تشكيل الدولة لتكون معبرة بالفعل عن إرادة جميع المواطنين ؟. 

إن الدولة الحديثة لم تعد كما كانت في اليونان القديمة دولة مدينة {city state} يمكن لجميع مواطنيها { citizens } المشاركة الفعلية في إدارتها بل هي دولة امة أو الدولة القومية{ national state }  قد يصل تعداد سكانها إلى عشرات أو مئات الملايين يعيشون على مساحة واسعة من الأرض مما يعني صعوبة إشراكهم جميعا في إدارة الدولة بل صعوبة إجراء تواصل مباشر بين المواطنين وبين من ينوب عنهم في إدارة الدولة. إن هذا المتغير في تكوين الدولة الحديثة فرض تعديل جوهري في حد المواطنة الذي رأيناه في النظام الجماهيري الذي يشترط حق المشاركة المباشرة والفعالة في إدارة الدولة= المدينة إلى تعريف المواطنة بالاستناد إلى القومية (فالمواطنون هم أعضاء منظمون في مجتمعات قومية يعطونها ولاءهم ويتوقعون منها حمايتهم وهي بالتالي هويتهم التي يتعاملون بها مع مواطنين من أقطار أخرى)[17] فضلا عن حقهم في المشاركة في الحياة السياسية وإدارة شؤون الدولة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ولضمان انجاز هذا الحق للمواطنين اجتهد المفكرون الغربيون إلى اقتراح جملة من الحلول الأساسية أهمها مبدأ توزيع السلطات بين ثلاث مؤسسات مستقلة هي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية فضلا عن الدستور المقر من الشعب ينظم عمل هذه المؤسسات الثلاث وتفعيل الدور الرقابي لمؤسسات المجتمع المدني على أداء مؤسسات الدولة ومن خلال هذه المؤسسات – مؤسسات المجتمع المدني يمكن للمواطنين أن يلعبوا الدور السياسي الفعال الذي كان يمارسه المواطن الأثيني. إن هذه المتغيرات أو بمعنى أدق التطورات في بنية المجتمعات الغربية الحديثة أضاف بعدين جديدين لمفهوم المواطنة هما البعد الاجتماعي والبعد القانوني إضافة طبعا إلى البعد الأول الذي تحدثنا عنه في الصفحات السابقة وهو البعد السياسي. وتشير المناقشات الجارية اليوم بين المفكرين حول مفهوم المواطنة إلى الاختلاف الكبير بينهم ليس فقط في تحديد دلالة هذا المفهوم بل في تحديد الأولوية بين هذه الأبعاد الثلاثة[18] المكونة للمفهوم.  وبعامة يمكن القول إن المواطنة على وفق البعد الأول تعني حق المشاركة الفعالة في إدارة الدولة والمواطن هو (عضو في جماعة سياسية له حق المشاركة الفعالة في نشاطاتها)[19]

البعد الثاني لمفهوم المواطنة وهو البعد الاجتماعي : المواطنة تعني هنا العضوية في مجتمع سياسي وان المواطن يحمل هوية هذا المجتمع ويخصه بالولاء. إن أهمية هذا البعد يكمن في تعزيزه روح انتماء المواطن للمجتمع الذي ينتمي إليه ويحمل هويته أي تعزيز روح المشاركة الفعالة في أنشطة المجتمع وبخاصة في مؤسساته المدنية التي تطلع بدور فعال في مراقبة أداء الدولة ومؤسساتها السياسية . وقد غالى بعض المفكرين بأهمية هذا البعد وأعطوه الأولوية على البعدين الآخرين -السياسي والقانوني- فالشعور النفسي بالانتماء يعطي ضمانة وقوة لتماسك المجتمع ويعزز وحدة الهوية بين أفراده وفي الوقت ذاته يعزز الشعور بالتمايز مع الآخر (ألهو) الذي ينتمي إلى امة أخرى.  وتعزيز مثل هذه المفاهيم بين أفراد المجتمع الواحد يعد من الشروط الأساسية في بناء الأمم. والأمة أو دولة الأمة – الدولة القومية- هي من مقتضيات عصر الحداثة والحداثة قائمة على التماثل ونفي الاختلاف ولكن مشروع الحداثة كما هو معروف يحمل بذور تفجره من الداخل[20] فالأمة التي تمثل الشكل السياسي للحداثة ويفترض في تكوينها التماثل والانسجام والوحدة تحمل في ثناياها هويات عديدة مختلفة غير قابلة للذوبان في كيان الأمة والتماهي بهويتها المفترضة وهذا بالتأكيد يتعارض مع بنية الدولة الحديثة القائمة على مفهوم صاحب السيادة المعبرة عن إرادات جميع المواطنين والممثل الحقيقي لمجموع الأفراد، لذلك نرى أن تاريخ الدولة القومية الحديثة وفي اغلب دول العالم هو تاريخ غير نظيف إنسانيا شهد جرائم إبادة جماعية ضد هذه الهويات المختلفة بحجة أنها جماعات تنتمي إلى عصر ما قبل الدولة الحديثة وهي جماعات ضد مشروع الحداثة الذي جاءت به الدولة وخارجة عن القانون والشرعية أي هي ظواهر لا معقولة يجب إقصائها من مشهد الحياة الحديثة.

لا شك إن البعد الاجتماعي لمفهوم المواطنة له أهميته في تعزيز روح التضامن فيما بين المواطنين وعامل مهم لمشاركتهم الفعالة في إدارة الدولة ولكنه لن يكون كافيا ما لم يعاد دمقرطة الدولة من جديد أي إعادة بنائها على أسسها الأولى التي انطلقت منها أول مرة وهي نظرية التعاقد. إن سيرورة تطور الدولة الحديثة "كما نرى" قد أبعدها عن مبدأ التعاقد بين مجموع الأفراد أصحاب السيادة الحقيقيين أو بمعنى أدق افرغ المبدأ من محتواه حين صار التركيز على التماثل والانسجام أي التركيز على هوية الدولة وهذا يعني التأكيد على العنصر المكون لها والمعبرة عنه مما سينتج عنه بالضرورة فرز آخرين مختلفين غير ممثلين ولا حقوق لهم داخل إطار الدولة ذاتها.[21]

البعد الثالث "البعد القانوني" يعني مجموعة الحقوق الاجتماعية والسياسية والمدنية التي يتمتع بها المواطن ويضمنها له القانون. فالمواطن (هو شخص حر وفقا للقانون له حق طلب الحماية القانونية)[22] وهذا لا يعني إن المواطن قد شارك بالفعل في صياغة القانون ولا يعني أيضا إن هذه الحقوق تكون ممنوحة بالتساوي بين جميع المواطنين ولكن انجاز هذا يعد مطلبا مهما عند اغلب المفكرين وذلك لاعتقادهم إن تعزيز الفهم القانوني لمفهوم المواطنة يخفف من حالة العنف السياسي الناتج عن التنوع العرقي والثقافي في المجتمعات الحديثة لان هذه المجتمعات قد تكونت كما اشرنا على أسس عرقية قومية أو دينية مذهبية مما نتج عن ذلك إقصاء وتهميش الأقليات الأخرى الموجودة داخل الحدود السياسية للدولة فالتنوع العرقي والثقافي وتعدد الهويات "الاثنيات" داخل المجتمع الواحد يجعل من الصعوبة بمكان معالجة التناقضات الناتجة عن هذا التنوع ومن ثمة يطرح سؤالا عن أهمية المواطنة بدلالتها القانونية في حل تلك التناقضات بين فئات المجتمع الواحد لذلك صار التأكيد على الجانب الحقوقي القانوني للمواطنين وسادت شعارات مثل – الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحكم القانون، وحقوق الأقليات الثقافية. – بعدها الأسس السليمة الذي يجب أن تقوم عليها المجتمعات الصالحة بدلا من الأسس التقليدية القديمة مثل (الجنس، والثقافة، والتاريخ المشترك) فالممارسة الديمقراطية وضمان حقوق الأفراد والأقليات يمكن أن تكون الضمان الكافي للتكامل الاجتماعي وتخفف من حالة التعقيد والتناقض في المجتمعات ذات التنوع العرقي والثقافي. وهذا ما سنتوقف عنده بتفصيل أكثر في الفقرة الآتية.

 المواطنة والتنوع العرقي :

يتضح لنا مما سبق إن مفهوم المواطنة هي أفق مفتوح لاكتساب الحقوق بدأت بحق المشاركة السياسية ومن ثم أضيفت لها حقوق اجتماعية وأخرى قانونية وان شئنا الإيجاز يمكن القول في حد المواطنة "هي الحق في اكتساب الحقوق[*]". والسؤال الأساسي الذي رافق هذا المفهوم منذ استخدامه أول مرة في الفكر السياسي اليوناني وحتى يومنا هذا هو: من هم الأفراد الذين ينطبق عليهم صفة المواطنة؟ من يحق له التمتع بهذه الحقوق؟.

إن الصياغة العامة التقليدية التي تأسست في العصر الحديث لمفهوم المواطنة تضع شرط الهوية في حدها، فالمواطن هو كما قلنا سابقا "عضو في مجتمع يحمل هويته ويكن له الولاء وله حق المشاركة السياسية في إدارة الدولة بصورة مباشرة أو غير مباشرة ويتمتع بالحقوق المدنية التي يكفلها له القانون من أهمها حق طلب الحماية والدفاع عن حياته وممتلكاته الخاصة". والتأكيد هنا على الهوية يعني في الوقت ذاته التأكيد على الآخر المختلف الذي لا يحمل هذه الهوية وبالتالي لا يتمتع بذات الحقوق الممنوحة للمواطنين.  وقد تبين لنا خلال عرضنا السابق لمفهوم المواطنة أن هناك بالفعل أفراد مهمشين أو مغيبين لا يحق لهم التمتع بحقوق المواطنة وسبب ذلك يرجع بالدرجة الأساس إلى بنية تشكل الدولة وبخاصة الدولة الحديثة المكونة على أسس عرقية قومية أو دينية مذهبية.

إن تشكل الدولة الحديثة على أسس قومية أو دينية والنظر إليها على إنها حاملة لهوية امة كان نتيجة لجملة من التطورات الاقتصادية والاجتماعية في أوربا الحديثة شاعت في ما بعد في بقية العالم وسواء قلنا إن هذه الدولة كانت تعبيرا عن تطور الأمة سياسيا أي أن الأمة سابقة في وجودها للدولة ودولة الأمة تمثل مرحلة من مراحل تطور الأمة ذاتها أم قلنا إن الدولة أو بكلمة أدق النخب السياسية المثقفة هي صانعة للأمة ولتاريخها ومحددة لهويتها فالأمر سيان إذا كان الحديث عن دوافع وأسباب تبني الدولة لهوية محددة، فهي دوافع سيادية بالدرجة الأولى فالدولة الحديثة الرأسمالية تريد أن تبسط سيادتها على كل المكونات الاجتماعية داخل حدودها السياسية من خلال فرض هويتها المفترضة. وهذا بالضرورة سيفرز جماعات صغيرة ليس لها مصلحة بالتماهي مع هوية الدولة تحاول أن تصنع لها هويات أخرى تختلف عن هوية الدولة اصطلح عليها في الأدبيات الانثروبولوجية بالاثنيات فالجماعات الاثنية هي مقولات انتساب وتماه من جانب الأفراد الفاعلين أنفسهم تعتمد استمراريتها على الحفاظ على حدود مطاطية غير ثابتة لها مع الجماعات المتاخمة لها[23]، يعرفها عالم الاجتماع البريطاني أنتوني سمث بقوله (إنها جماعة بشرية يشترك أفرادها في أساطير واحدة عن الأصل والنسب وفي ذاكرة تاريخية وأنماط ثقافية وقيم مشتركة وفي الارتباط بإقليم محدد والإحساس بالتضامن بين النخب على الأقل)[24]. وتشير اغلب الدراسات الانثروبولوجية المتخصصة بالاثنيات إن الاثنية مثلها مثل باقي الهويات الأخرى كالطبقة والأمة والقومية لها وجود موضوعي ككيانات اجتماعية فضفاضة متداخلة مع هويات أخرى ولكن تركيز الحديث عن هذه الخصائص المكونة للاثنية هو فعل قصدي تقوم به عادة النخب السياسية المثقفة وبدوافع سياسية بحتة فالفرد الواحد يمكن أن يحمل أكثر من هوية في آن معا _ يمكن أن يكون عربي مسلم شيعي عراقي  أو كردي مسلم شيعي عراقي او عربي مسيحي عراقي او كردي مسيحي عراقي ... وهكذا _ واختيار هوية أو أكثر من هذه الهويات بعدها خاصية مشتركة للجماعة هو فعل سياسي مقصود ولهذا يقول أنتوني سمث في مقال آخر ( إن المثقفين المعنيين بتصنيع الاثنية هم أصحاب أيديولوجيا يعدون العدة لتنظيم وقيادة حملات سياسية أو حركات مسلحة)[25]. ويؤكد الباحثون المتخصصون في الاثنيات إن أي ادعاء (بامتلاك هوية تاريخية تتضمن عناصر متخيله وخيالية مواضيع للحلم وللرغبة يمكن دائما توظيفها بسهولة مع تطور السياق التاريخي. ودور النخب المثقفة في خلق هذه الحركات دور ضروري أول ما يبحث عنه أفراد هذه النخبة هو وجود سمات خاصة أو خصوصية مميزة في ثقافة جماعتهم الاثنية وتاريخها أو أنهم بكل بساطة يبتكرون تاريخا لها)[26]

وخلاصة القول أن وجود ظاهرة الاثنيات في المجتمعات الحديثة كان بسبب التناقض الحاصل في بنية الدولة الحديثة فمشروعية قيام الدولة الحديثة قائم على أساس تمثيلها الحقيقي لمجموع سكانها على وفق نظرية العقد الاجتماعي ولكن ظهور دولة الأمة أو الدولة الحاملة لهوية (دينية أو قومية) افرغ هذه النظرية من محتواها وبالتالي افقدها شرعية وجودها ووضعها في تناقض كان من نتائجه ظهور الجماعات الاثنية المطالبة لحقها السياسي والثقافي بعدها أقليات غير ممثلة في الدولة. والسؤال المهم الذي يواجهه الفكر السياسي الحديث والمعاصر هو: كيف يمكن حل مشكلة الاثنيات (التنوع العرقي والديني والثقافي) داخل إطار الدولة؟ هل يجري ذلك عبر منح حقوق وامتيازات لهذه الجماعات؟ أم يجب دمجها مجتمعيا وتذويبها داخل الكيان الاجتماعي العام مثلما حصل ويحصل في الكثير من الدول اليوم؟ إلا يوجد حل يتجاوز هذا التناقض في بنية دولة الأمة إلى بنية جديدة في تكوينها يكون فيها كل الأفراد مواطنين يتمتعون بكامل حقوق المواطنة؟.

لا شك إن "مشكلة هوية الدولة" ليس بالمشكلة الجديدة بل إن نظريات الدولة الحديثة كانت في أساسها حلولا ومعالجات لهذه المشكل ولكن مجمل هذه النظريات تركزت فقط على نفي الهوية الدينية للدولة أي بناء دولة علمانية لا هوية دينية لها من خلال فصل مجال الحق عن مجال الضمير أو فصل الدين عن الدولة ولم تقف كثيرا عند مشكلة "هوية الدولة" بصورة عامة يقول هيكل في هذا الإطار  «كي تقوم الدولة كواقع واع وأخلاقي للعقل، فإِنه من الضروري تمايزها عن شكل السلطة والعقيدة. ولكن هذا التمايز لا يظهر إلا بمقدار ما تقوم به الكنيسة من جانبها بالفصل. هكذا فقط اكتسبت الدولة بوقوفها فوق الكنائس الخاصة شمولية الفكر ومبدأ شكلها الذي تظهره للوجود.»[27] وبهذا الاتجاه سار منظروا الثورة الفرنسية وثبتوه في دستورها ولكن هذه المعالجة كما نبه كارل ماركس في كتابه (حول المسالة اليهودية) هي معالجة ناقصة لا ترفع التناقض كاملا من بنية الدولة. صحيح عند ماركس ان (التحرر السياسي لليهودي والمسيحي والإنسان المتدين بوجه عام هو تحرر الدولة من اليهودية و المسيحية و من الدين بوجه عام)[28] أي جعلها دولة علمانية ولكن هذا التحرر الذي يسميه بالتحرر السياسي ويقصد به تحرر المواطن من تسييس الدين باتخاذه وسيلة للتميز بين المواطنين ما هو إلا الخطوة الأولى في اتجاه التحرر الكامل. يقول ماركس(التحرر السياسي خطوة تقدمية كبيرة حقا، ورغم أنها ليست الشكل الأخير للتحرر الإنساني بشكل عام لكنها الشكل الأخير للتحرر الإنساني ضمن النظام العالمي القائم حتى الآن.)[29] والدولة الدينية هي دولة غير مكتملة تستعين بالدين لتعزيز سيطرتها على رعاياها في حين أن وظيفتها الأساسية استكمال شروط وجودهم الاجتماعي أو بمعنى أدق (هي الوسيط بين الإنسان وحريته)[30] وهذا لن يتحقق عنده إلا عندما تتحقق دولة المساواة والعدالة (وليس فقط المساواة) بين جميع مواطنيها أي أن يكون المواطنون متساوين في الفرص والإمكانات وليس فقط في الفرص دون الإمكانات وهذا يكون فقط في ظل دولة تحتكر كل وسائل الإنتاج وتكون في الوقت ذاته معبرة عن إرادة جميع مواطنيها.

لا شك إن هذه المعالجة لرفع التناقض في بنية الدولة الحديثة ارتكزت على معالجة الهوية الدينية ولم تتطرق أبدا للهوية القومية للدولة ولكنها اعتمدت مفهوم المواطنة وبنية الدولة الحديثة أساسا في علاجها لهذا يمكن القول أنها قدمت حلا متقدما للمشكلة اعتمد لاحقا لدى فلاسفة آخرين ولكن مجمل هذه الحلول كانت إصلاحية وربما تجميلية للنظام الليبرالي الديمقراطي  فلم ترتقي إلى مستوى المشكلة المطروحة[31]. لقد دفعت المشاكل الناجمة عن التهميش والتغييب في المجتمعات الأوربية المعاصرة عدد من الفلاسفة وعلماء الاجتماع إلى مراجعة مفهوم المواطنة التقليدي الذي ارتبط بمفهوم السيادة فهو مفهوم توحيدي يحمل دائما الهوية الاثنية للسلطة السياسية وبالتالي يكون الأداة الأساسية في عملية الإقصاء والتهميش للهويات الأخرى لذالك انصب الاهتمام على تطوير هذا المفهوم بما يضمن استيعاب المهمشين والمغيبين دون النظر إلى بنية الدولة الحديثة ذاتها  فقد اعتقدوا (إن عجز العملية الديمقراطية عن تمثيل الاختلاف الاثني والثقافي يكمن في النواقص التي تعتري مفهوم المواطنة أي حقوق المواطنة وشروطها في المجتمع)[32] وليس بالنظام الديمقراطي الليبرالي ذاته الذي استطاع أن يتحرر من الهوية الدينية لكنه لم ينجز تحرره كاملا من كل هوية اثنيه  فانعكست آثاره في تضييق العملية السياسية الديمقراطية ولم تنفع بعدئذ كل التعديلات والإضافات الحقوقية لمفهوم المواطنة في تجاوز حالة التناقض في بنية الدولة الحديثة ولا في شمول المهمشين في التمثيل السياسي[33]وقد زاد الأمر حدة التطورات الاقتصادية والعلمية خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين ودخول العالم بمرحلة جديدة تعرف بعصر العولمة صار العالم فيها أشبه بقرية صغيرة يؤثر بعضه بالبعض الآخر وهذا ما سنقف عنده بشيء من التفصيل في الفقرة الآتية.   

العولمة ومفهوم المواطنة:

العولمة مفهوم جديد ساد في الأدبيات الفلسفية والسياسية للعقدين أو الثلاثة الأخيرة لم تترسخ له دلالة محددة لأنها عملية مازالت في طور التكوين لم تكتمل بعد، وقراءة سريعة للتعريفات المقدمة له تكشف لنا عن التباين الكبير في آراء الكتاب حوله[34] هناك تعريفات وصفية تحدده بظاهرة من ظواهر العولمة مثل ظاهرة التشابك الاقتصادي العالمي فينظر إليها على أنها مرحلة متقدمة من تطور الرأسمالية العالمية تتميز بسيادة الشركات متعددة الجنسيات وتعاظم نفوذها على حساب الدولة القومية، وهناك من يحصر تعريفها بالغزو الثقافي وهكذا. اما الموقف منها قبولها او رفضها فالتناقض هو الحاضر بين المفكرين حيث نجد بعضهم يرى ان العولمة صارت قدر لا يمكن تجاهله والتعامل معها على انها امرواقع صار من موجبات البقاء في حين يرى اخرون انها شكل من اشكال الهيمنة الاقتصادية وفرض نمط من انماط الثقافة لجماعة بشرية على الاخرين يمكن التصدي له بالتمسك بالثقافة المحلية واعتماد سياسة اقتصادية تحمي الذات من هيمنة الاخر. ولكن يمكن القول ان العولمة هي نمط جديد من العلاقات الدولية افرزه التقدم التقني الهائل وبخاصة في مجال الاتصالات والمواصلات حيث جعل من العالم اشبه بقرية صغيرة لا يمكن لاي جزء منه ان ينزوي وينعزل عن بقية العالم وينئى بنفسه عن كل ما يجري في العالم فاي حدث صغير في العالم يجد صداه وتاثيره في بقية العالم وصار امكانية تبادل المنتوجات وبمختلف اشكالها – الثقافية والتقنية والمعلوماتية والخدمية ... الخ - العالم امرا في غاية السهولة واليسر وعلى هذا الاساس فان العولة هي كم يقول السد يسين (الفعل عن بعد action at a distance).

لا شك ان ظاهرة التفاعل بين الجماعات الساكنية المختلفة ليس بالامر الجديد وان كثير من من مظاهر هذه الظاهرة كان معروفا في العلاقات الدولية وبين الجماعات السكانية ولكن الاليات التي تعمل بها العولمة اليوم ومنها الثورة التقنية في مجال الاتصالات والنقود الالكترونية وانتقال الاموال عبر الحدود فضلا عن تعاظم دور الشركات متعددة الجنسيات وبخاصة بعد اندماج بعضها كل هذا ساهم في تكثيف العلاقات الاجتماعية العالمية وزادت من حالة التفاعل بين المجتمعات والتاثر بالحوادث التي تقع في العالم وان كانت على بعد الاف الاميال[35]. والعولمة بعدها عملية تاريخية لها افرازات على الصعيد العالمي يمكن ايجازها بالاتي:

1 – شدة التباين في الدخل بين الافراد وانقسام العالم الى شمال غني وجنوب فقير.

2 – ازدياد ظاهرة الهجرة من الجنوب الفقير الى الشمال الغني وظهور مجتمعات جديدة تعرف بمجتمعات المهاجرين تعيش في الغالب بحالة من البؤس والحرمان وتعاني من التهميش والاقصاء والتمييز من قبل المجتمعات المضيفة.

3 – تاكل حدود الدول واضمحلال الدور السيادي للدولة وبخاصة دول الجنوب الفقيرة والحديث يجري عن تغيير دور او وظيفة الدولة وانتهاء الدولة القومية.

4 – تعاظم دور مؤسسات المجتمع المدني على مستوى عالمي حيث اخذت تلعب دورا مناهضا لانشطة الشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية.

5 – الاهتمام المتزايد بحقوق الانسان والدفاع عن الحريات الفردية واحترام الحقوق الثقافية للاقليات وظهور منظمات اممية معنية في هذا الشان وتشريع قرارات دولية تتيح للمجتمع الدولي التدخل في شؤون الدول الداخلية لمنع اي انتهاك لحقوق وحريات الافراد والاقليات وتزايد الدعوة لتبني الديمقراطية في انظمة الحكم.

ان هذه المتغيرات السريعة في بنية المجتمع الدولي كان لها انعكاس وتاثير واضح على بنية المجتمعات المعاصرة واثارت مشكلات جديدة لم تكن معروفة من قبل منها على سبيل المثال الحقوق القانونية والمدنية والثقافية للماهجرين في الدول المضيفة وهل للدولة حق في حماية اقتصادها الوطني بفرض ضرائب امام السلع والمنتوجات الاجنبية وكذلك حقها في وضع ضوابط لحماية ارثها الثقافي امام السيل القادم عبر الفضاء من ثقافات مختلفة تتقاطع مع تقاليد مجتمعها؟ كيف يمكن ان توفق المجتمعات الجديدة بين متطلبات العولمة الثقافية مثل حقوق الانسان واحترام الحقوق الثقافية للاقليات وحرية المراة وبين ما اعتادت علية من قيم اجتماعية ثقافية ترتكز على الوصاية والولاية وغيرها من المفاهيم البطريركية المترسخة، فضلا عن المتطلبات الاقتصادية للعولمة المتمثلة باقتصاد السوق والخصخصة وتقليص دور الدولة ووظيفتها الانمائية الى مجر دركي حامي للجميع؟[36]

وخلاصة القول ان العولة خلقت حالة من الفوضى والارباك في بنية المجتمعات المعاصرة[37]، لذلك عقدت مؤتمرات عالمية عديدة لمعالجة اثارها السلبية وتصحيح مسارها بما يحفظ للانسان قيمه الاخلاقية والروحية وترسي معايير عالمية لحقوق الانسان[38]. وقد نال المواطنة بعدها توصيف لعلاقة الفرد بالدولة ودوره في ادارتها نصيبها من التصدع فالدولة في عصر العولمة لم تعد تمتلك السيادة الكاملة على اراضيها ولم تعد حرة تماما في اتخاذ قراراتها في الشان الداخلي وبخاصة على المستوى الاقتصادي والحقوقي للمواطنين وهذا ينعكس بالتاكيد على مكانة ودور الافراد انفسهم داخل الدولة وبكلمة اخرى ان المواطنين في زمن العولمة صاروا مثل دولهم خاضعين لضغوطات ومؤثرات وربما قرارات لم يشاركوا هم باتخاذها وهذا بالتاكيد يمس جوهر المفهوم التقليدي للمواطنة الذي تحدثنا عنه في الصفحات السابقة والذي يعني بالدرجة الاولى الحق بادارة الشان السياسي على الصعيد العالمي برزت تصورات جديدة لما صار يعرف بالمواطنة العالمية او الاممية والذي يعني في جانب منه حق الافراد بمراقبة ومحاسبة وحتى الاشتراك في اتخاذ قرارات في مؤسسات لها تاثير عالمي.    


 

الهوامش.
.........................


[*] ) ورد هذا التعريف لمفهوم المواطنة ضمن قرار اصدرته  المحكمة الدستورية الامريكية العليا سنة 1950  راجع سيد يسين المواطنة والعولمة مصدر سابق.

[1] )  ديفد هيلد: نماذج الديمقراطية ترجمة فاضل جنكر ،منشورات معهد الدراسات الإستراتيجية بغداد الطبعة الأولى 2005 ص 91

[2] ) أرسطو ، السياسيات نقله عن أصله اليوناني  الأب أوغسطين بربارة البوليسي وترجمه إلى العربية حميد كرم منشورات اللجنة الدولية لترجمة الروائع الإنسانية بيروت لبنان الطبعة الأولى 1957 ص128.

[3] ) المصدر نفسه ص 118 كذلك انظر ص 116 حيث يعرف المواطن بقوله ( من يشترك في القضاء والسلطة )

[4] ) المصدر نفسه

[5] ) جان جاك روسو ؛ في العقد الاجتماعي ، ترجمة ذوقان قرقوط ، دار القلم بيروت لبنان بلا تاريخ ،ص50-51

[6] ) ديفيد هيلد نماذج الديمقراطية مصدر سابق ص 45 كذلك ص 91-92

[7] ) ) جان جاك روسو ؛ في العقد الاجتماعي ،مصدر سابق ص : 155

[8])  المصدر نفسه ص 157

[9] ) المصدر نفسه ص: 155 .

[10] ) ليو شتراوس وجوزيف كروبسي ، تاريخ الفلسفة السياسية، ترجمة  محمود سيد احمد منشورات المجلس الاعلى للثقافة القاهرة 2005 الجزء الاول صص 579 - 581 ومن ألازم الإشارة إلى أن مفهوم القانون الطبيعي عند هوبس يختلف عن ما قال به كل من جون لوك وجان جاك روسو إذ نرى أن ناموس العقل يكون حاضرا عند إنسان هذا الطور من تطور الإنسان فالإنسان لا يخضع فقط لغرائزه وشهواته وليس شريرا بالدرجة التي يصفها هوبس يقول لوك معرفا الطور الطبيعي ( عندما يعيش البشر معا في سنة العقل دون أن يكون بين ظهرانيهم حاكم بشري عام يتمتع بسلطة القضاء بينهم فذاك هو الطور الطبيعي) مقالتان في الحكم المدني ترجمة ماجد فخري منشورات اللجنة الدولية لترجمة الروائع بيروت فقرة 19 من المقالة الثانية ص:148  أما روسو فيرى إن الإنسان في طور الطبيعة يعيش منفردا أو منعزلا عن الآخرين يأخذ حاجته من الطبيعة وهو يعيش بحالة سلام في محيطه لهذ فهو خير بذاته ويحمل شعورا طيبا إزاء الآخرين من بني جنسه وربما يميل إلى مساعدتهم إن اقتضت الضرورة إلى ذلك والحالة التي يتحدث عنها هوبس ولوك هي عند روسو مرحلة لاحقة للطور الطبيعي نتجت بسبب حدوث حالة الندرة في الطبيعة للمزيد يمكن مراجعة المصدر السابق الجزء الثاني صص 143 – 144 .   كذلك انظر جون لوك مقالتان في الحكم المدني ترجمة ماجد فخري الفقرات الأولى من المقالة الثانية .

[11] ) ديفيد هيلد ، نماذج الديمقراطية مصدر سابق صص: 140 – 141

[12] )جان جلك روسو، في العقد الاجتماعي مصدر سابق صص 48-49 .

[13] ) ديفيد هيلد، نماذج الديمقراطية مصدر سابق ،ص: 142 .

[14] ) جون لوك، مقالتان في الحكم المدني، مصدر سابق ص: 192

[15] ) اسبينوزا ، رسالة في اللاهوت والسياسة ، ترجمة حسن حنفي، منشورات دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثانية 1981 ص :447 .

[16] ) المصدر نفسه ص 380 .

[17] السيد يسين ، المواطنة والعولمة مقال منشور على موقع الأهرام الالكتروني www.ahram.org.eg/acpss/

[18] ) see for example: Jeramy Townsley, Walzer, Citizenship, Globalization And Global Public Goods also see  Stanford encyclopedia of philosophy concept of 'Citizenship' on net. www.  Also see: Citizenship Studies: A journal published by Carfax Publishing, and edited by Bryan S. Turner

[19])   Stanford encyclopedia of philosophy concept of 'Citizenship' on net. www                                     

[20]) قد أشار إلى هذه القضية عدد كبير من فلاسفة القرن العشرين من أبرزهم ميشيل فوكو وجاك دريدا ولكن سبقهم في كشف هذا التناقض في بنية المجتمع الغربي ومشروعه الحداثوي كارل ماركس وقد تناول ذلك في اغلب مؤلفاته وبخاصة في كتابه حول المسالة اليهودية.

[21] ) للمزيد يمكن مراجعة هشام داود، الاثنية والسلطة : تأملات في التحديدات والتخوم الاثنية بحث منشور ضمن كتاب الاثنية والدولة تحرير عبد الجبار فالح وهشام داود ترجمة عبد الإله النعيمي منشورات معهد الدراسات الإستراتيجية بغداد الطبعة الأولى 2006 صص 125 – 140. كذلك انظر عباس ولي ، الكرد وأخروهم: هوية متشظية وسياسية متشظية،بحث منشور في الكتاب ذاته انف الذكر صص96- 97 .

[22]) Stanford encyclopedia of philosophy concept of Citizenship  Op. cit.

[23]) هشام داود ،الاثنية والسلطة :تأملات في التحديدات والتخوم الاثنية، مصدر سابق ص 130.

[24]) انتوني سمث ، سياسة الثقافة : الاثنية والامة، مقال منشور في الموسوعة الانثروبولوجية ، مستل من هشام داود، الاثنية والسلطة مصدر سابق ص 128 .

[25]) هشام داود ،الاثنية والسلطة :تأملات في التحديدات والتخوم الاثنية، مصدر سابق ص 140

[26]) المصدر نفسه ، ص، 139 .

[27]) هيغل" فلسفة الحق" الطبعة الأولى، ص 346).مستل من كارل ماركس : المسالة اليهودية ص8

[29] ) المصدر نفسه

[30] ) المصدر نفسه

[31])  تعد محاولات جون رولز وبخاصة في كتابة "نظرية في العدالة  "A theory of Justice'' نموذجا بارزا لمثل هذه المحاولات الإصلاحية والتي تكشف عمق التناقض في بنية الدولة الليبرالية العلمانية .

[32] ) عباس ولي ، الأكراد وآخروهم :هوية متشظية وسياسية متشظية ،مصدر سابق ، ص، 95. هامش 1. كذلك يمكن مراجعة مقال " المواطنة المنشور في موسوعة ستانفورد الفلسفية

Stanford encyclopedia of philosophy concept of 'Citizenship ,op.cit.

 

[33] انظر على سبيل المثال ايريك كيسلاسي ، الديمقراطية والمساوات ترجمة جهيدة لاوند ،معهد الدراسات الاستراتيجية ،بغداد 2006 الفصل الرابع صص 63 وما بعدها

[34] ) للمزيد يمكن مراجعة السيد يسين، مفهوم االعولمة بحث منشور ضمن اعمال الندوة العربية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية تحت عنوان العرب والعولمة.

[35] ) ) للمزيد يمكن مراجعة  عبد المجيد راشد   تحليل مضمون نظام العولمة، مقال منشور على موقع الحوار المتمدن   - العدد: 1746 بتاريخ - 2006 / 11 / 26  

[36] ) للمزيد يمكن مراجعة : سيد يسين ، الحوار الحضارى فى عصر العولمة، القاهرة: نهضة مصر، 2002، الفصل الأول،صص 10 - 22).

[37] ) ) للمزيد في معرفة التصدع الذي خلفته العولمة في بنية المجتمعات المعاصرة يمكن مراجعة فرنسس فوكوياما ، التصدع العظيم ، ترجمة، عزة حسين كبة،  منشورات بيت الحكمة، بغداد، الطبعة الاولى، 2004.  وبخاصة القسم الاول منه حيث يعرض لنا الكاتب بيانات عن مظاهر تصدع المجتمعات المعاصرة مثل ضعف الراسمال الاجتماعي وازدياد مستوى الجريمة وارتفاع معدلات الطلاق وغيرها من مظاهر التي تعبر عن حجم الازمة الاجتماعية للمجتمعات الحديثة.

[38] )  انعقد مثلا في ابراغ مؤتمر سنوي ولمدة خمس سنوات حضره نخبة متخصصة في الفلسفة والعلوم الانسانية لمناقشة المشكلات الناجمة عن العولمة ومن ابرزها الديمقراطية وحقوق الانسان ومشلات التنمية في البلدان الفقيرة ومشكلات الارهاب العالمي وخرجوا ببيان عرف باعلان ابراغ لسنة 2000 تضمن هذا البيان جملة من المقترحات والحلول دونت في ستة عشرة مادة حاولوا من خلالها التاسيس لروح مشتركة للانسانية جمعاء من خلال دعم  الموارد الحقيقية للقيم والاسس الروحية للحضارة الانسانية وتحديد معيار اخلاقي عام لحقوق الانسان للمزيد يمكن مراجعة : سيد يسين ، الحوار الحضارى فى عصر العولمة، مصدر سابق الفصل الاول ص 10 وما بعدها وفي الوطن العربي عقدت ندوات ومؤتمرات عديدة منها الندوة التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية تحت عنوان العرب والعولمة شارك فيها اساتذة كبار لمعالجة اثارها على بلداننا العربية كذلك الندوة التي نظمها بيت الحكمة في بغداد سنة 2002

8.

[25] -سورة النساء، آية (97).

[26] - محمد حسين فضل الله ،الحركة الإسلامية هموم وقضايا، مصدر سبق ذكره، ص 288.

[27] - محسن العواجي ، الوطنية والمواطنة في مجتمع الإسلام ، على المواقع ، http :// www. Awajy . net /

[28] - علي الخفيف ، (( وحدة المسلمين )) ، في : الوحدة الإسلامية ، مصدر سبق ذكره ، ص145 .

[29] - عبد القادر عودة ، مصدر سبق ذكره ، ص440 .

[30] - عبد الكريم آل نجف ، الدولة الإسلامية دولة عالمية ، مصدر سبق ذكره ، ص25 .

[31] - محسن العواجي ، مصدر سبق ذكره .

[32] - مجيب جواد ألرافعي ،(( أبعاد العالمية في الإسلام )) ، في : خصائص الإسلام العامة ،ج2، مصدر سبق ذكره ،ص ص258-259.

[33] - محمد حسين فضل الله ، الحركة الإسلامية هموم وقضايا ، مصدر سبق ذكره ، ص288.

[34] - تركي علي الربيعو ، الوطنية المذمومة في الخطاب الإسلامي ، على الموقع ، http :// www.al-sharq.com.