الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

 الإثنين : 30/03/2009

 

مفهوم المواطنة في الفكر الإسلامي المعاصر /2

د. بتول حسين علوان
(خاص للمعهد)

 

 

ولكي يتضح المراد بدار الإسلام وعلاقتها بالمواطنة ، لا بد من إيراد بعض التعاريف التي تحدّد هذا المفهوم . فهو عند أحد الباحثين([1]) يشير إلى "الأرض التي تعيش عليها الأمة الإسلامية، وتستظل فيها الحياة بظلال الأحكام الإسلامية". في حين يذهب رأي آخر إلى عدّ اعتناق أهل ارض معينة للإسلام أساسا لاعتمادها دارا للإسلام ([2]). كما أن آخرين([3]) اعتمدوا معايير لتحديد دار الإسلام منها : أن تكون محكومة من قبل المسلمين ، وان تقام فيها أحكام الإسلام من دون قيود ، وان تكون أكثريتها مسلمة . في حين اعتمد آخر([4]) معيار الحدود الجغرافية والسياسية فضلا عن سكنى المسلمين فيها من خلال اعتبار الحدود الطبيعية كالجبال والبحار علائم وشواخص معينة تمّيز ارض الإسلام عن غيرها.

ومن الآراء التي تثير الغرابة في هذا المجال ما قاله (سيد قطب)([5]) من أن (دار الإسلام) تمثل الأرض التي تعتمد الشريعة الإسلامية ، سواء أكان مواطنوها مسلمين أم غير مسلمين ، في حين أن(دار الحرب) هي الأرض التي لا تعتمد الإسلام قانونا لها سواء أكان مواطنوها مسلمين أم لا .

ويتفق مع رأي (سيد قطب) هذا باحث قانوني([6]) عندما يعتقد إن تعميم صفة (دار الإسلام) على جميع الأقطار التي تسكنها أغلبية مسلمة هو أمر لا يتفق مع واقع عصرنا الراهن، إذ أن اغلب هذه الدول لا تلتزم تطبيق الشريعة .

إن مثل هذه الآراء تنظر إلى الجانب الدولي في علاقة الإسلام بالآخر ، ولا تنظر إلى الدولة وعلاقة أفرادها بها . ولذلك لا يمكن التعويل عليها في تحديد مفهوم الأرض التي تعتبر الأساس الذي تستند عليه فكرة المواطنة . فبعض هذه الآراء تتحرك بعيدة عن الواقع ، وإلا فأيّ  شعب من الشعوب الإسلامية يحكم بالشريعة الإسلامية عدا إيران والسودان والسعودية . فان مثل هذا الواقع العام يعني أن هذه الشعوب محكومة بعلاقة الحرب .

أما رأي (سيد قطب) الذي يقوم على أساس تطبيق الشريعة الإسلامية ، بغض النظر عن مطبقها حاكما أو شعبا ، فانه يبدو متعارضا مع مبادئ الإسلام الأساسية التي تفترض شعبا مؤمنا بالعقيدة ، ثم الالتزام بتطبيق شريعتها لكي تسمى دولة إسلامية ، ومع ذلك فان شعب الدولة يبقى مسلما حتى في حالة عدم تطبيق الشريعة .

وربما ذهب إلى هذا الرأي (عبد القادر عودة)([7]) عندما آمن بإمكانية تعدد أقاليم الإسلام وإمكانية تعدد دول الإسلام ، إذ اعتبر إن إقليم كل دولة من الدول المعاصرة الإسلامية يعتبر جزءا من دار الإسلام ، لان دار الإسلام التي تحدث عنها فقهاء الماضي لم يعد لها وجودا في الواقع المعاصر ، إذ أن الكثير من الدول الإسلامية القطرية لا تلتزم بتطبيق الشريعة الإسلامية .

ويرى الشيخ ( شمس الدين )([8]) إن دار الإسلام في مقابل دار العهد ودار الكفر لا تساوي مفهوما وصدقا خارجيا دولة الإسلام ، بل يمكن أن تتصادقا كما حدث في زمن النبي (ص) وبعده ، ويمكن أن تختلفا بان تكون دولة إسلامية جزءاً من دار الإسلام وتكون في أجزاء أخرى من دار الإسلام دولة أو دول إسلامية أو غير إسلامية ( أي صيغة نظام الحكم ليست إسلامية ) ، فدار الإسلام تتساوى مع أمة الإسلام فقط . 

وقد تنبه الفقهاء المعاصرون ومعهم الباحثون الإسلاميون إلى ضرورة التمييز بين علاقة الأرض بكل من الأمة والدولة . فالعلاقة التي تتحدث عن دار الإسلام تخوّل المسلم الحق في السكن والتنقل من دون عوائق أو قيود ، وكذا الحال مع حق العمل والكسب على هذه الأرض ، في حين أن الأرض بالنسبة للدولة الإسلامية تقوم على فكرة إنها وطن جغرافي خاص بهذه الدولة الإسلامية أو تلك ، وله حدود جغرافية تميزه عن الدول والأوطان الأخرى ، سواء أكانت إسلامية أم لا([9]).

فالدولة الإسلامية حسب الشيخ (شمس الدين)([10]) لها ارض خاصة بها ضمن حدود، وان الانتماء إلى مجتمعها السياسي يكون بالانتماء إلى هذه الأرض، إقامة وجنسية ( مواطنة ، ولاية ) وان قوانينها وأوامرها السياسية نافذة المفعول على أرضها وضمن حدودها وعلى المنتمين إليها من دون غيرهم ، وان كانوا مسلمين .

وقد يتطابق مفهوم الأمة مع مفهوم الدولة ، فتصبح ارض الأمة ذاتها ارض الدولة ، كما كان الحال في عهد النبي (ص) ، ومن بعده حتى حصلت الثورات وقامت الدويلات والدول ، وعندها حصل التفريق بين المفهومين من ناحية الأرض . وطبقا لهذا الفهم ، فان مفهوم الأمة في حالة نمو واتساع ، وربما يواجه حالة انكماش ، طالما أن الأمة في الإسلام مرتبطة بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ، في حين أن ارض الدولة يمكن أن تبقى واحدة ، إلا في حالة تقسيم الدولة إلى دول أخرى ، وعندها تصبح لكل دولة أرضها الخاصة بها([11]).

ويرى باحث آخر([12]) إن تجزئة الدولة تبعتها تجزئة الأمة ، فاصبح كل جزء من الأمة يعيش على جزء من الأرض الإسلامية ، ويفرض ذلك واجبات وحقوقا مشتركة على كل الأمة تجاه بعضها ، وحقوقا وواجبات أخرى لكل جزء من الأمة تجاه الدولة التي تعيش فيها ، فللمسلم انتماءات متنوعة ، فمرة هو ينتمي إلى الأمة الإسلامية وثانية إلى الأمة بجزئها الذي يعيش على إقليم الدولة التي يعيش فيها المسلم نفسه ، وثالثة إلى الدولة التي يعيش فيها ويحمل جنسيتها .

  وفي ظل هذا الفهم ظهرت دعوات([13]) إلى عدم الالتزام بما طرحه الفقهاء السابقون من تصنيفات للأرض على إنها دار حرب ودار إسلام ، لأنها لا تستند إلى نص قطعي من كتاب أو سنة ، وإنما هي اجتهادات منهم في ضوء قراءتهم للواقع الذي عايشوه وعاشوا فيه . وبذلك لا تعد مثل هذه الآراء دينا ملزما ، كما أن التعامل معها يجب أن يتعدى حدود زمان صدورها ، لا سيما في ظل التطورات الحاصلة في العالم ، فضلا عن إنها استجابة لواقع غابت عنه فكرة الوطن الذي يضم أناسا متعددّي الأديان والأصول العرقية .

ويبدو أن التفريق بين الأمة والدولة في المنظور الإسلامي يدفعنا إلى البحث عن المواطنة في إطار الدولة ، لأنها هوية سياسية ، وليس في إطار الأمة، لان هوية الأمة دينية عقائدية في التصور الإسلامي . وفي ضوء ذلك تكون المواطنة مرتبطة بأرض الدولة الإسلامية ، لا بأمتها . ولذا فان هذا الطرح يجعلنا بمنأى عن الإشكالات التي تثار حول علاقة أفراد الأمة بوطن إسلامي ما ، إذ أن العلاقة تكون متساوية من ناحية الانتماء إلى دين واحد ، وما يرتبه هذا الانتماء من حقوق وواجبات ، ولكنها ليست بالضرورة متطابقة مع علاقة الفرد بالوطن ( الدولة الإسلامية ) ، إذ يشترط في الأولى وحدة العقيدة مع تعدد الأوطان أحيانا ، في حين لا يشترط في الثانية وحدة العقيدة ولكن لا بد من وحدة الأرض . فالمواطنة لا تساوق الانتماء الديني دائما ، بل يمكن أن تفترق عنه ، حين يكون المجتمع السياسي مكونا من فئات ذات انتماء ديني متنوع ، وقد تتساوى المواطنة مع الانتماء الديني حين يكون المجتمع السياسي كله ذا انتماء ديني واحد ، فيتحد في الخارج المعاش مفهوم الأمة مع مفهوم الوطن والدولة والمواطنة([14]).

ومن اجل تحديد الأرض التي تسمى وطنا ، فان الآراء تبدو متباينة فيما بين الباحثين الإسلاميين . فأحدهم يرى أن الوطن في الاصطلاح السياسي المعاصر هو"الجهة التي يقيم فيها الشخص دائما ، أو التي له فيها مصلحة أو فيها مقر عائلته"([15]).

ويبدو أن هذا الرأي مستوحىً من التصور الفقهي ( العبادي ) للوطن والذي ترتبط به قضايا عبادية مثل التقصير في الصلاة أو الإفطار في الصوم ، وهو أضيق بكثير من مفهوم الوطن الذي نتحدث عنه .

في حين عرفه باحث آخر بأنه "رقعة جغرافية يعيش عليها مجموعة من البشر ، وبناء على الاتفاقيات الدولية للحدود الجغرافية يتم إضافة سماء ومياه إقليمية لهذه الدولة ضمن حدودها" ([16]).

ومن خلال قراءة للواقع يقسم أحد الباحثين([17]) الأوطان إلى ثلاثة أقسام هي :-

1- الوطن القطري : وهو يرتبط بأرض معينة عاش عليها شعب ما وكانت مصدرا لرزقه وراحته وعيشه المشترك ، وعادة ما يتحدث أبناء الوطن القطري عن تاريخ مشترك وعلاقات اجتماعية خاصة بأبناء هذا الوطن . مع العلم أن هذا النوع من الأوطان ظهر في التاريخ الحديث ، لا سيما بعد الدولة القومية ، إذ أن العامل السياسي كان وراء وجود هكذا أوطان .

2-  الوطن القومي :ارتبط هذا النوع من الأوطان مع القومية ، وتحديدا مع عصر النهضة الأوربية ، والذي يعتقد أن للروابط المعنوية دورا اكبر في تشكيل الوطن كالتاريخ المشترك واللغة والمصلحة المشتركة .

3- الوطن الفكري : الذي يقوم على أساس التجمع الفكري والمبدئي ، وهو أسمى من القومية أو الأرض . فالقومية بتعدد أقاليمها وأقطارها لا تمثل شيئا إلا بمقدار ما تكون جزءا ضمن الفكرة الواحدة ( وحدة الدين ) ، وليست المقومات المعنوية والمادية الأخرى ( التاريخ المشترك والأرض والنسب العام ) .

وطبقا لهذا التقسيم ، فان الباحث يعتقد بان القسم الثالث هو وطن الأمة الإسلامية وليس وطن الدولة الإسلامية التي يمكن أن ينطبق عليه أحد التقسيمين السابقين ( أي وطن قطري أو وطن قومي ) .

     ويحدد باحث آخر([18])، الوطن الإسلامي بثلاث ركائز أساسية هي الأرض والحكومة الإسلامية والأكثرية المسلمة ، فيقول أن الوطن الإسلامي هو (( البلد الذي يحكمه الإسلام كشريعة نازلة من السماء ويكون اكثر أهله من المسلمين )).

وهذا الفهم للوطن يطابق ما ذكره (سيد قطب) عند تحديده لدار الإسلام ، وهو أضيق من أن يستوعب الواقع الحالي للمسلمين الذين يمكن أن يقسموا إلى ثلاثة أقسام :-

أ- مسلمون يوجدون كأقلية في بلد ما ولا يحكمه الإسلام .

ب- مسلمون يشكلون أكثرية في بلد حاكمه إسلامي الهوية ، ولكنه لا يطبق الشريعة الإسلامية

جـ - مسلمون يشكلون أكثرية في بلد حاكمه إسلامي ويحاول تطبيق الشريعة الإسلامية .

فطبقا للتعريف السابق فالوطن الإسلامي لا يشمل إلا القسم الثالث ، وهو لا يتجاوز دولتين أو ثلاث بالمفهوم السياسي للدولة ، في حين أن الدول الإسلامية اكثر من ذلك بكثير .

     ويرفض السيد (الشيرازي)([19]) الاعتراف بالحدود الجغرافية بين الدول الإسلامية انطلاقا من إيمانه بأن الأمة الإسلامية امة واحدة والبلاد الإسلامية بلد واحد، ويطالب بإزالتها باعتبارها بدعة جلبها الاستعمار.

ويبدو أن هناك خلطا بين الدولة والحكومة ، فالأولى تتقوم بالأرض والشعب والحكومة ، في حين أن الأخيرة جزء من الأولى ، فقد يحصل أن يكون الشعب مسلما والأرض تابعة له ولكن حكومته لا تلتزم بأحكام الشريعة ، فالدولة إسلامية ، ولكن الحكومة ليست دينية.

     وما جاء عن السيد ( محمد باقر الصدر ) من تعريف للوطن بأنه (( ما يسكنه المسلمون من أقطار العالم ))([20]) أيضا يدخل في باب عدم التفريق بين الأمة والدولة ، فضلا عن انه لا يبدو متطابقا مع الواقع . فهناك مناطق يسكنها المسلمون ولكنها تابعة لدولة غير إسلامية ، كما أن التعريف لم يحدد حجم المسلمين في البلد كي يعتبر ذلك البلد إسلاميا .

إن الوطن لدى غالبية المهتمين يعني( ارض وشعب) ،وان هناك علاقة نشأت بين الشعب والأرض بحيث يبدو أن التفكيك بينهما صعبا،والإسلاميون في تحديد هذه العلاقة بين الطرفين يضعون ثلاثة معايير هي:-

1- السكنى في الأرض ، والى ذلك أشار السيد(محمد باقر الصدر)، والسيد(محمد حسين فضل الله)([21])،حيث يعتقدا أن الوطن الإسلامي يشمل كل مكان يسكنه المسلمون .

2- السكنى مع توفر الحاجات الأساسية للفرد ، وهذا رأي آخر للسيد (فضل الله) ،حيث يعرّف الوطن بأنه "المكان أو البلد أو المنطقة التي تستطيع من خلالها توفير الشروط الإنسانية الضرورية التي تعمق وجودك الإنساني وتجربتك بما تستطيع من خلالها أن تغني التجربة الإنسانية في الحاضر والمستقبل"([22]).

3- الدين ،وهنا انقسم الإسلاميون على تيارين:الأول يرى أن مجرد وحدة الدين تكوّن الرابطة بين الأرض والشعب، والثاني يطالب بتحكيم الشريعة الإسلامية لكي يسمى وطنا كما أشير إلى ذلك سابقا .

ويبدو لنا انه لا يمكن أن يكون الدين أساسا للعلاقة بين الإنسان والأرض، وإنما يلعب دورا مهما في تشكيل الأمة أو الشعب . والأساس في بناء تلك العلاقة هو التوطن (السكن لحقب طويلة تمتد إلى أجيال )،فضلا عن أن التوطن يعني أن الأرض توفر للإنسان مستلزمات بقائه ،والمواطنة تعبير عن انتماء المواطن للدولة ،فهي مصطلح سياسي قانوني ،يكشف عن ولاء ونصرة المواطن لدولته بغض النظر عن نوع الحكومة . وهكذا يتجاوز الوطن ، على وفق رأي السيد(فضل الله)([23])،معناه اللغوي الضيق إلى معنى سياسي يتسع للأوطان الضيقة.

     وتذهب بعض الآراء([24]) إلى عدم وجود أساس فكري يلّزم الإسلاميين التمسك بالحدود الوطنية (الحالية) طالما أن الإسلام يجعل كل الأرض متسعا للإنسان في الإقامة والتحرك في أي مكان من دون أن يختص بحدود معينة عملا بقوله تعالى ] إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا[([25]).

ويبدو أن السيد (فضل الله) لا يجد مانعا من وجود مصلحة إسلامية عليا في التخطيط لوطن محدد بحدود معينة بصرة مؤقتة ، من دون فرق بين أن يكون المسلمون وحدهم فيه أم يشاركهم الآخرون فيه([26]).

إن الرأي السابق ينطوي على فهم يرتبط بالأمة وليس بالدولة .فمن الواضح انه لا يمكن تبني أن المسلم يمكن له أن يعيش في أي بلد يشاء إلا في إطار رؤية الإسلام للامة . أما الرؤية التي يتبناها هذا الطرح  للدولة فتثير في الوقت الحاضر مشكلات الهوية والولاء ، ولكن يمكن الاستفادة من الآية المذكورة سابقا للتأسيس لجواز أو وجوب الهجرة إلى البلدان الأخرى ، من دون أن يعني ذلك إلغاء الحدود الجغرافية أمام حركة المسلم وانتمائه وولائه . ولعل في هجرة المسلمين إلى الحبشة ما يدلّل على قبول الإسلام بالدول غير الإسلامية، إذ عاشوا في ظل دولة مسيحية ، واشترط عليهم حاكمها الالتزام بالأعراف السائدة في البلد.

وإذا كان الإسلام لم يتخذ موقفا يمنع من التحرك والانتقال من ارض إلى أخرى شريطة أن تتوفر لديه الأرضية الملائمة لإقامة شعائره ، فان هناك ما يمكن الاستفادة منه للإيمان بالوطن الخاص وما يستتبع ذلك من مفهوم للمواطنة ، من خلال اعتماد أن الأصل في الأشياء الإباحة . وبذلك يصبح من المباح أن ينضوي مسلمو  بلد ما في إطار دولة واحدة ذات إقليم واحد ، كما أن مفهوم ( الحمى ) الذي كان معمولا به في إطار الدولة الإسلامية الأولى ، يمكن تطويره على انه يمثل حدودا طبيعية للدولة طالما إنها ترتبط بالجانب الاقتصادي .

لذا نجد من الباحثين([27]) من يعتقد بان الإسلام أعطى لمفهوم الوطن اهتماما كبيرا ، مع اعتبار الرابط المنفعي والوجداني للأرض . فالنبي (ص) ، حسب اعتقاد هذا الباحث ، كان يحب مسقط رأسه وكان يكرر رغبته في العودة إلى تلك الأرض حتى سميت بأحب البقاع إليه ، على الرغم من استقراره في المدينة . ويذهب هذا الرأي إلى أن حق المواطنة مكفول لكل من يعيش على تراب الدولة ، بغض النظر عن كونه مسلما أم غير مسلم ، مع الأخذ في الحسبان تفاوت الحقوق ومن ثم تفاوت الواجبات ، مع ضمان عيش كريم للجميع ، وكذلك توفير الأمن لكل مواطن في الدولة الإسلامية .

وعند مقارنة ارتباط الإنسان بالوطن مع ارتباطه بالعرق ( الجنس ) ، فان رابطة الوطن طبقا لأحد الباحثين([28]) حلت محل رابطة الجنس ، واصبح الوطن الواحد يضم أجناسا متعددة اضطرت بمرور الزمن إلى تناسي جنسيتها والاندماج مع غيرها في هوية أسمى من هوية الجنس ( العرق ) ، وهي هوية الانتساب إلى الوطن ، ولكنه يتجاوب مع الرأي التقليدي القائل بان الوطن واحد بالنسبة للمسلمين ، ويعتقد أن هذه الفكرة سليمة .

ويبدو أن هذا الرأي يحمل التعارض بين الإطار النظري والواقع العملي ، إذ أن المسلمين يتوزعون على دول ، يدافع كل مواطن عن دولته مثلما يدافع الآخر عن دولته . بل أن الحروب اشتعلت بين كثير من الدول الإسلامية على أساس جغرافي ، كمشاكل الحدود .

وتبقى مشكلة التعارض بين عالمية الإسلام وقطرية الدولة ، إذ أن الدولة القومية والوطنية هي أساس للمواطنة المعاصرة ، في حين أن الإسلام يسعى من خلال تربية أبنائه على حذف المعنى القومي والوطني وتجاوز رابطة التراب أو الدم ، إلى وضع تربية بديلة تقوم على أساس الولاء للتوحيد والقيم التوحيدية ، فضلا عن نظرته الأخلاقية التي تجعل المسلم يفكر بمحور الإيمان والعقيدة قبل الوطن والدم.

وحفل الفكر الإسلامي المعاصر بآراء حول هذا الموضوع من خلال قراءة لمفردات العالمية والوطنية . وهذه الآراء يمكن إيرادها على النحو الآتي :-

أولا :- لا بد من التفكيك بين عالمية الإسلام كرسالة سماوية وعالمية الدولة كتجربة وتطبيق . فعالمية الرسالة مطلقة بحيث تتحرك في كل أنحاء العالم من خلال وسائل الدعوة إلى الله تعالى ، في حين أن عالمية الدولة نسبية ، أي أن عالميتها تتأتى من خلال ارتكازها على المبدأ الإسلامي الذي يتعالى على الزمان والمكان ، ولكن تطبيقها يتم داخل الإطار الجغرافي والإنساني الخاص بها ، بحيث تكون دولة إسلامية لذلك الإقليم فقط ،وما عداه يحمل عنوان الأجنبي وان كان من المسلمين فردا كان أم جماعة أم إقليم . وهذا ينسجم مع الواقع الدولي الذي يضم دولا على أساس الوطنية أو القومية([29]).

ثانيا :- يذهب هذا الرأي إلى الإقرار بان الواقع الدولي قائم على أساس مفاهيم الوطنية والقومية، وانه لا يسمح لأية دولة إسلامية بتجاوز حدودها الإقليمية ، ولكن هذا لا يعني إيجاد نظرية جديدة مركبة من الإسلام والقومية ، وإنما يقتضي إنجاز الممكن  وتحويل الباقي إلى طموح ينتظر الفرصة المناسبة لإنجازه([30]). ولذا فهو يعتقد بعالمية الإسلام وعالمية دولته ، وكأنه ينطلق من فكرة التدرج حسب الظروف التي سارت عليها الدعوة الإسلامية ، والتي ابتدأت عمليا بالمحلية ( مكة ثم المدينة ) وانتهت إلى العالمية . والى ذلك ذهب أحد الباحثين([31]) من اعتباره الوطنية طريقا للوحدة الإسلامية ، عندما أكد ألا تعارض بين الوطنية المنضبطة وعالمية الإسلام الذي يدعو إلى وحدة الأمة ، على اعتبار أن الاهتمام الوطني لقطر ما قد يكون الخطوة الصحيحة لتحقيق الوحدة الإسلامية، وان الاهتمام الوطني هو السبيل الذي يوصل إلى الوحدة الإسلامية ، عندما تؤسس على تقوى الله تعالى .

ثالثا :- الرأي الذي يقول إن الإسلام لا يحبذ فكرة الوطنية والإقليمية في مجتمعه ، ولكنه يتعامل مع الجانب الإيجابي لهاتين الفكرتين القائم على أساس التجمع والتآخي والتعاون والنظام . فالإسلام يسعى إلى تحرير فكرة الوطنية أو القومية من مادية الأرض ويحولها إلى فكرة شعورية لا رقعة أرضية فحسب ، ويقضي على نزعة الاستغلال العنصري ، ويشعر المسلم بان كل ارض يظلها الإسلام أرضه ووطنه ، وان كل مسلم يعيش عليها هو مواطن له([32]).

ويقترب من هذا الرأي السيد ( فضل الله )([33]) عندما آمن بأن الوطنية مهما بلغت من القمة المرحلية فإنها لا تتحول في المنظور الإسلامي إلى حالة ذاتية من الناحية الفكرية والشعورية ، بل تبقى حالة طارئة خاضعة للظروف من حيث العمق والامتداد .

ويرى باحث آخر([34]) إن الخطاب الإسلامي قد تجاهل نهائيا المسألة الوطنية ، لأنها من وجهة نظره صنيعة استعمارية ، وأنها كانت بمثابة نتيجة لتفتيت الأمة الإسلامية في عصر الاستعمار الأوربي وضياع هيبة الخلافة العثمانية ، ولان الوطنية تقوم على المساواة بين جميع المواطنين المسلم منهم والذمي .

وعند محاكمة هذه الآراء وإخضاعها لمنطق التحليل العلمي ، نستطيع القول إن الرأي الأول الذي يقوم على فكرة التفكيك بين الأمة والدولة ، وبين المطلق والنسبي ، لا يتماشى مع الأصول الثابتة في الإسلام ، وهي أن الإسلام دعوة عالمية للتغيير وان دولته يجب أن تلاحق مساحة الدعوة . ولذا فان عالميته تعني عالمية الدولة ، ولا يجوز الاتكاء على نسبية التطبيق ، لأنه في كل مراحل التطبيق تبقى العلاقة بين المعطى الإلهي والفكر الإنساني علاقة النسبي بالمطلق. وأما الرأي الثاني ، فيجعل من العلاقة بين الوطنية والعالمية علاقة مرحلية خاضعة للظروف ، فيبدو هو الأقرب إلى واقع الإسلام وحركة دعوته ، مع ملاحظة أن الإسلام يرفض أن تتحول الوطنية أو القومية إلى حالة فكرية تؤسس عليها مفاهيم الآخر(الوطني والقومي) على حساب الانتماء إلى الإسلام .

في حين أن الرأي الثالث يقوم على مفارقة إن الإسلام يرفض الوطنية ، ولكنه يتعامل مع الجانب الإيجابي لها والمتمثل بالاجتماع والانتظام . ومثل هذا الرأي يخلق حالة من الانتماء المتعدد استنادا إلى معايير ضيقة تتقاطع مع الرؤية الإسلامية التي تحاول أن ترتفع بالإنسان فوق هذه الانتماءات .

 


الهوامش :
.......................


[1] - عميد الزنجاني ، مصدر سبق ذكره ، ص63 .

[2] -دي.بي ماكدونالد ، دار الحرب ، دائرة المعارف الإسلامية ، ترجمة:احمد الشنتاوي وآخرون، ج9،(د.م ،دار الفكر، د.ت) ،ص268.

[3] - محمد شفيق غربال وآخرون ، الموسوعة العربية الميسرة ، ( مصر ، الدار القومية للطباعة والنشر ، د.ت ) ، ص772 .

[4] - محمد تقي مصباح اليزدي ، سلطة الولي الفقيه خارج حدود بلده ، على الموقع ، http :// www. Nezam . org .

[5] - سيد قطب ، معالم في الطريق ، ( د.م ، مكتبة وهبة ، د.ت ) ، ص82 . وانظر كذلك رأي محمد عبد السلام فرج ، الأمين العام لتنظيم الجهاد ، في : الأقليات الدينية في فكر الحركات الإسلامية ، على الموقع ،http :// www. Islam online . com .

[6] - توفيق محمد الشاوي ، (( عالمية الإسلام والآراء التي تتعارض معها )) ، في خصائص الإسلام العامة ،ج2، مصدر سبق ذكره، ص ص45-46.

[7] - عبد القادر عودة ، التشريع الجنائي في الإسلام مقارنا بالقانون الوضعي ، ( الإسكندرية ، دار نشر الثقافة ، 1949 ) ،ص464 .

[8] - محمد مهدي شمس الدين ، نظام الحكم والإدارة في الإسلام ، مصدر سبق ذكره ، ص539 .

[9] - انظر محمد مهدي شمس الدين ، في الاجتماع السياسي الإسلامي ، مصدر سبق ذكره ، ص94 .

[10] - محمد مهدي شمس الدين ، نظام الحكم والإدارة في الإسلام ، مصدر سبق ذكره ، ص539 .

[11] - المصدر السابق ، ص539 .

[12] - علي المؤمن ، مصدر سبق ذكره ، ص189 .

[13] - انظر فهمي هويدي ، مواطنون لا ذميون ، ط3 ، ( القاهرة ، دار الشروق، 1999 ) ، ص107 .

[14] - محمد مهدي شمس الدين ، نظام الحكم والإدارة في الإسلام ، مصدر سبق ذكره ، ص535 .

[15] - حسن الصفار ، الوطن والمواطنة : الحقوق والواجبات ، ط2 ، ( بيروت ، دار الصفوة ، 1418هـ ) ،ص9 .

[16] - صالح عاشور ، الوطن والمواطن والسلطة ، على الموقع ،http :// www. Ebaa . net/ wjhat – nadar .

[17] - علي الأديب ، (( المواطنة الصالحة عند الإمام علي (ع) )) ، مجلة رسالة الجمعية الخيرية الإسلامية ، ع(3،4) ، رمضان – شوال ، 1388هـ ، ص ص43-45 .

[18] - حسن ألجواهري ، أسئلة عن تعريفات ومصطلحات ، على الموقع ، http :// www. blagh . org .

19- محمد الحسيني الشيرازي، الدولة الإسلامية: رؤى وآفاق، (بيروت، مؤسسة المجتبى للتحقيق والنشر، 2001) ، ص ص7-8.

[20] - نقلا عن عبد الهادي ألفضلي ، (( الأسس الإسلامية للدستور الإسلامي )) ، المنهاج ، ع (17) ، ربيع / 2000 ، ص31.

[21] -محمد حسين فضل الله، حوارات في الفكر والسياسة والاجتماع، إعداد نجيب نور الدين ، ط2،(بيروت ،دار الملاك، 2001)،ص 132.

[22] - المصدر السابق ، 130.

[23] -انظر: محمد حسين فضل الله، الحركة الإسلامية هموم وقضايا، ط4،(د.م،مطبعة الصدر، 1998)،ص 286.

[24] - حول هذه الآراء أنظر: المصدر السابق ،ص 288.

[25] -سورة النساء، آية (97).

[26] - محمد حسين فضل الله ،الحركة الإسلامية هموم وقضايا، مصدر سبق ذكره، ص 288.

[27] - محسن العواجي ، الوطنية والمواطنة في مجتمع الإسلام ، على المواقع ، http :// www. Awajy . net /

[28] - علي الخفيف ، (( وحدة المسلمين )) ، في : الوحدة الإسلامية ، مصدر سبق ذكره ، ص145 .

[29] - عبد القادر عودة ، مصدر سبق ذكره ، ص440 .

[30] - عبد الكريم آل نجف ، الدولة الإسلامية دولة عالمية ، مصدر سبق ذكره ، ص25 .

[31] - محسن العواجي ، مصدر سبق ذكره .

[32] - مجيب جواد ألرافعي ،(( أبعاد العالمية في الإسلام )) ، في : خصائص الإسلام العامة ،ج2، مصدر سبق ذكره ،ص ص258-259.

[33] - محمد حسين فضل الله ، الحركة الإسلامية هموم وقضايا ، مصدر سبق ذكره ، ص288.

[34] - تركي علي الربيعو ، الوطنية المذمومة في الخطاب الإسلامي ، على الموقع ، http :// www.al-sharq.com.