|
الأحـد :
29/03/2009
مفهوم المواطنة في الفكر
الإسلامي المعاصر /1
د. بتول حسين علوان
(خاص للمعهد)

يعتقد عدد من الباحثين في الفكر
الإسلامي ، انه على الرغم من أن مفهوم المواطنة ارتبط بالدولة القومية
التي ظهرت في أوربا إبان عصر النهضة ، إلا أن دلالة هذا اللفظ يمكن أن
نجد لها جذور في الفكر الإسلامي ، وان أخذت عناوين غير المواطنة ،
كالأمة أو الولاية .
فإذا كانت المواطنة تعني العضوية
في الأمة ، فان هذا المعنى موجود في الفكر السياسي الإسلامي طبقا للسيد
( صدر الدين القبانجي )([1]).
ويذهب بالمواطنة باحث آخر هو ( عصام العريان )([2])
إلى أول عهد الإسلام مستفيدا من آية الموالاة التي تنص على أن ]الذين
آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم والذين آووا
ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من
ولايتهم من شئ حتى يهاجروا وان استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا
على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير[([3]).
والى هذا الرأي ذهب ( محمد عمارة
)([4]) الذي عاد بجذورها
إلى ما اسماه بدستور النبي (ص) في المدينة ، إذ نص على مضمون المواطنة
التي تعني المساواة التامة بين أبناء الوطن الواحد ، من خلال إشارته
إلى أن المؤمنين من أهل مكة ويثرب أمة واحدة ، وهؤلاء يكونون أمة
السياسة مع اليهود من أهل يثرب .
والحقيقة أن هذه الآراء لا يمكن
قبولها، في الأقل ، فيما يرتبط الأدلة المقدمة في هذا المجال. فآية
الموالاة تتحدث عن علاقة خاصة بين مجموعة من المؤمنين الذين شاركوا
الأنصار السكن في المدينة ، في حين أنها لم تشمل المؤمنين غير
المهاجرين ، فهي تشير ، في الحقيقة ، إلى علاقة النصرة فقط ولا تمتد
إلى حقوق المواطن كما نفهمها الآن . أما ما جاء في وثيقة المدينة فلا
دليل فيها على المواطنة ، لأنها تتحدث عن الأمة التي تشترك في عقيدة
الدين ، من دون أن تتحدث عن حقوق وامتيازات المواطن ، ولا تشير إلى
المساواة كما يفهمها ( عمارة )،لان هناك امتيازات في الإسلام لا تعتمد
على وحدة الانتماء إلى الوطن.
ويحاول ( رضوان السيد )([5])
أن يربط بين مصطلح دار الإسلام والمواطنة ، من خلال الاعتقاد بأن ما
يتضمنه مفهوم ( دار الإسلام ) عين ما يتضمنه مصطلح المواطنة ، مؤكدا أن
هناك إشارات إسلامية معاصرة ساوت بين المفهومين كما هو واضح في كتابات
الشيخ ( محمد أبو زهرة ) والشيخ ( وهبة الزحيلي ) .
وكان (علال الفاسي )([6])
قد ربط بين مفهوم المواطنة ومبدأ التكليف الإسلامي ، على اعتبار أن
التكليف يعني إلزام المسلم القيام بواجباته نحو الله والمجتمع ونفسه
والإنسانية جمعاء ، وان حقوقه مترتبة على التزامه بهذه الواجبات .
وهذا الرأي قابل للمناقشة من وجوه
متعددة منها :-
1- انه ينتهي إلى تبعية حقوق
المواطنة إلى الالتزام بالواجبات ، وهو أمر لا يمكن التسليم به ، لان
هناك من الحقوق ما هو اسبق من الدولة ( السلطة ) في الوجود طبقا
لنظريات لعقد الاجتماعي ، وأيضا طبقا لما ذهب إليه السيد (محمد باقر
الصدر )([7]) من أن الدولة
تلازمت مع إرسال الرسل ، وابتدأت بالنبي نوح (ع) .
2- إن هذا الرأي يخلط بين مبدأ
التكليف الشرعي والتكليف المتفرع عن المواطنة ، لان الثاني متأخر عن
المواطنة ، في حين أن الأول سابق عليها .
3- إن مبدأ التكليف الشرعي يختص
بالمسلمين ، في حين أن المواطنة تشمل المسلم وغير المسلم ، مما يجعل من
أساس المواطنة طبقا لهذا الرأي مقصورا على المسلمين ، مما يتطلب إيجاد
معيار آخر لدخول غير المسلم في مواطني الدولة الإسلامية ، أو جعله غير
مواطن ، وهذا يتعارض مع مبدأ المواطنة الحديث .
ولذلك نجد بعض الباحثين الإسلاميين
مثل الشيخ(محمد حسين النائيني)([8])
من رفض اعتبار الدين أساس المواطنة ، معتبرا أن الأساس الذي تقوم عليه
الحقوق السياسية للامة في المجتمع الإسلامي هو مبدأ المواطنة لا الدين
، ولذا أجاز تمثيل غير المسلمين في مجالس الأمة التمثيلية انطلاقا من
انهم شركاء في الوطن وشركاء في أموال الدولة ، وكذلك لتوقف عمومية
الشورى والانتخاب على دخولهم .
ويأتي موقف ( منصور الجمري )([9])
ليعزز الرأي القائل أن المواطنة لا تستمد من الاخوة الدينية مثلما ذهب
إلى ذلك ( حسن ألبنا )([10])
عندما شدد على أن الإسلام ركز على اخوة المؤمنين ووحدتهم ، وانه أضفى
عليها صفة دينية ، عندما أكد أن الإسلام أشار إلى مفهوم الوطن وبعض ما
يرتبط ببناء المدن ، ولكن هذا شئ والمواطنة ، كمفهوم ، شئ آخر .
فالمواطنة جاءت من اجل حماية حقوق الإنسان من استبداد السلطة ، وهي
تختلف عن الاخوة الدينية ، على أساس أن الأخيرة لا ترتبط بزمان ومكان ،
فالمسلم أخو المسلم أينما كان وفي أي زمن، في حين أن المواطنة لها
ارتباط زماني ومكاني معين ( الوطن ) ، وهي أداة من أدوات التعايش
السلمي .
مع ذلك ، فان ( ألجمري ) لا يعتقد
بوجود تعارض بين المواطنة والمبدأ الإسلامي العام في الاخوة ، لان
الأخير يعزز ، طبقا لرأيه ، الروابط الزمنية ، ولا خلاف حول ارتباط
المسلم مع غير المسلم ضمن إطار اجتماعي عام يتم الاتفاق عليه تحت عنوان
المواطنة ، مستشهدا على صحة رأيه بما فعله الرسول (ص) في المدينة ، من
خلال الاتفاق مع اليهود على حماية الطرفين أحدهما للآخر مع ضمان حرية
المعتقد لكل طرف . علما بان وثيقة المدينة أشارت إلى أن اليهود أمة
والمسلمين أمة ، بمعنى انهم جماعة متوحدين حول عقيدة واحدة ، وهذا
يتطابق مع مفهوم المواطنة القائم على اتفاق دستوري بين أفراد المجتمع
الواحد([11]).
ولكن الاستدلال بوثيقة المدينة لا
ينهض دليلا على تبني الإسلام للمواطنة، ذلك لان الوثيقة اقرب ما تكون ،
في المصطلح السياسي العام ، إلى معاهدة بين طرفين حول قضية معينة واحدة
، في حين أن مصطلح المواطنة يمثل العنوان الذي يجمع الفئات والأقليات
تحت سقف الوطن ، ويفترض التزامات ويؤسس لحقوق ، منها مشاركة الكل في
إدارة البلد وفي التشريع ، وهو أمر لا يمكن استنتاجه من وثيقة المدينة
. وفي واقع الأمر ، إن أقصى ما يمكن استنباطه من الوثيقة هو جواز عقد
الاتفاق مع أطراف ذات معتقدات دينية سماوية مغايرة للإسلام .
ويرادف أحد الباحثين([12])
بين لفظة (المسلم) ولفظة (المواطن)، لان (المسلم) له حقوق وعليه
واجبات ، وهو يشارك بصورة فعالة ومتساوية في أمور الجماعة ، ويستطيع أن
يلزم الجماعة بالتزامات معينة تكفل بها حقوق غير الأعضاء فيها، وهو عين
ما تدعو إليه (المواطنة) .
وسيتضح الموقف من مثل هذا الرأي
عند مناقشة مفهوم الأمة في الإسلام .
ويرى الشيخ (محمد مهدي شمس الدين)([13])
أن المواطنة في المصطلح الإسلامي تعني الولاية ، بمعنى المعاضدة
والتناصر وحقوق المواطن ، وينشأ الانتماء من الالتزام بالمشروع السياسي
للمجتمع وتحمل الواجبات والمسؤوليات التي يفرضها المشروع السياسي .
وبذلك يتحقق الانتماء وينشأ منه التلبس بمفهوم المواطنة . ويترتب على
الالتزام بالمشروع السياسي للمجتمع الانتماء إلى المجتمع السياسي
والدولة ، وتتحقق لجميع الأعضاء ،مسلمين وغير مسلمين ، صفة
المواطنة(الولاية) ويترتب عليه نشوء حقوق للمواطن غير المسلم على
المجتمع السياسي وعلى الدولة .
وفي مقابل هذه الآراء التي تؤكد
وجود ما يدل على التزام الإسلام بمفهوم المواطنة الحديث، أو يمكن
تطويرها والاستفادة منها لتعزيز أو استنباط هذا المفهوم، نجد آراءً
تنفي عن الإسلام إيمانه بالمواطنة . فمثلا يذهب ( محمد أركون )([14])
إلى أن مفهوم الجماعة في الإسلام يخلو من أية محاولة لتطوير سياق
للمواطنة باعتبارها شرط ضروري لنشوء حكم القانون ولظهور المجتمع المدني
الذي يستطيع أن يلعب دورا دافعا أو معوقا لسلطات الدولة طبقا لمواقفها
من قضايا المواطن .
وإذا كان هذا الرأي يستمد
أدلته من مفهوم الجماعة السياسية في الإسلام ، فان هناك رأيا يشاكله في
الرفض ولكنه يختلف عنه في الأسس التي يتبناها لرفض فكرة المواطنة ،
ويتضمن هذا الرأي عدّ ( المواطنة ) كفرا وان من يعتقد بها كافرا أيضا ،
على اعتبار أن الإسلام يرفض المساواة بين أبناء البلد الواحد المختلفين
في الدين ، وان أساس الوحدة هو الدين والاعتقاد ، وليس العيش أو
المشاركة مع الآخرين في الوجود في مكان ما . فالإسلام ، على وفق هذا
الرأي ، لم يجعل لغير المسلم ولاية على المسلم بدليل قوله تعالى ]
والذين كفروا بعضهم أولياء بعض [([15])،
في حين أن المواطنة تحقّق مثل هذه الولاية([16]).
إن هذا الرأي ينطلق من قراءة غير
معمقة للواقع الإسلامي والدولي ، وانه يحاول أن يسقط قراءة الماضي على
هذا الواقع ، ذلك أن الآية القرآنية التي استشهد بها يمكن توجيهها
باتجاه يخالف ما ذهب إليه صاحب هذا الرأي . فالمواطنة تدل على التشارك
في الحقوق والواجبات ولا يعدّ كافرا من يعتقد بذلك، وإلا فان صاحب هذا
الرأي ينتهي إلى تكفير نفسه والذين يشاطرونه أفكاره ، إذ انهم يعيشون
في بلدان أوربية تحت ولاية الكافر بحسب زعمهم ، فضلا عن أن الآية تريد
أن تشير إلى أن واقع الذين كفروا زمن الرسول(ص) ينصر بعضهم بعضا ،
والنصرة غير الولاية بالمفهوم السياسي . ولو أن الآية أخذت على ظاهرها
وعموميتها لأدت إلى نتائج خلاف الواقع ، فالكفار تحاربوا فيما بينهم
والتاريخ حافل بذلك ، حتى إن الحربين العالميتين الأولى والثانية كانت
بين المسيحيين أنفسهم .
ولذلك يمكن القول إن إنكار مبدأ
المواطنة لا يساعد عليه نص قدسي ، وانّ أقصى ما يمكن القول عنه انه من
الأمور المباحة التي تركت للامة إمكانية الأخذ بها.
وعلى أية حال ، فان مفهوم المواطنة
الحديث يقوم على أساس فكرة المساواة الناجمة من العضوية في الأمة ، فهل
أن المواطنة في المنظور الإسلامي هي ذاتها في المنظور الغربي ؟
ولأجل الإجابة على هذا التساؤل لا
بد من تحديد مفهوم الأمة عند الإسلاميين، ليكون الانتماء إليها ، بناء
على ذلك ، شرطا للمواطنة .
إن الأمة في اللغة هي " الجماعة
التي أرسل لهم رسول ، أو الجيل من كل حي "([17]).
واستعملت الأمة في القرآن الكريم
في مواضع عديدة ، ودلت في نظر بعض الباحثين([18])على
معان متعددة منها :-
1- الجماعة ] ولتكن منكم أمة
يدعون إلى الخير[([19]).
2- الجيل]ولكل أمة رسول فإذا جاء
رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون[([20]).
3- طائفة من الزمن كقوله تعالى ]
وادكر بعد أمة[([21]).
4- الإمام الذي يقتدى به ، كقوله
تعالى ] إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا[([22]).
5- الدين والمذهب كقوله تعالى ]
إنا وجدنا أباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون[([23]).
ومع هذا التعدد في الاستعمال
والمعاني ، إلا أن أحد المفسرين المشهورين وهو السيد (محمد حسين
الطباطبائي) عرّفها بتعريف اعم واشمل عندما قال بأنها " جماعة يقصدها
مقصد واحد "([24]).
أما الاستعمال الاصطلاحي ، فان
الإجماع يكاد ينعقد على أن أساس التوحد في الأمة هو الدين التزاما
واعتقادا ، من دون أي اعتبار آخر ، وان هذا الأساس سيبقى ولن يستبدل أو
ينضم إليه اعتبار آخر([25]).
ويرى الشيخ ( محمد أبو زهرة )([26])،
أن الطريقة المثلى لتكوين الجماعات الدولية هي اعتماد وحدة الدين
والعقيدة ووحدة المبادئ الخلقية والعبادات أساسا لذلك التكوين ، ويرفض
اعتماد معيار الاقتصاد أو العنصر ( القومية ) لتكوين تلك الجماعة ، على
اعتبار أن الأمة لا تتكون إلا عن طريق وحدة المشاعر والأهواء والمنازع
النفسية . وهذا الأمر لا يحققه عنصر الاقتصاد، لان عامل تبادل المنافع
يكون عند قيام وحدة المشاعر ويزول عند زوالها . وبما أن هذا الأمر يعد
عارضا ( في المنطق ) فان وحدة النفوس تتغير بتغييره وتنحل الأمة ، فضلا
عن أن الواقع لا يشير إلى أن الأمة تكونت من مجرد التبادل الاقتصادي أو
المنفعة المادية([27]).
وطبقا لهذا التصور فان مفهوم الأمة
يتسع لشعوب وحضارات متعددة وله علاقة بقيم عامة تصلح لكل الشعوب ،
خلافا لمفهوم الأمة في الاتجاهات الوضعية الذي يمثل استجابة لظروف
اجتماعية وتاريخية . كما أن القيم الأخلاقية التي يرتكز عليها هذا
المفهوم تمثل انعكاسا للواقع (أي أنها تتصف بالمحدودية الزمانية
والمكانية) خلافا لمفاهيم التوادد والعفة الاقتصادية ومحاربة الاستبداد
التي تشكل جزءا من المنظومة الأخلاقية للامة الإسلامية ، والتي تحمل
أبعادا اقتصادية واجتماعية وسياسية لها أثارها العملية في المجتمع([28]).
ويذهب (محمد أسد)([29])
إلى القول بأن الأساس الذي تقوم عليه الأمة هو الاشتراك في العقيدة
والفكرة، لأنه في نظر الإسلام هو الذي يقدم القاعدة الصالحة للتكتل
البشري، وهو ينتقد الولاء للقبيلة أو القوم أو الوطن، الذي تعتبره
المجتمعات الأخرى أساسا وحيدا تقوم عليه تكتلاتها السياسية.
ويرى الشيخ (يوسف القرضاوي)([30])،
أن الأمة الإسلامية ، وان تكونت من شعوب وقبائل وأقاليم ، لكنها تبقى
موحدة طالما أن العقيدة الإسلامية هي الرابط المعنوي لها والمقوم
الأساس لوجودها ، والتي ساهمت في توحيد أذواقها ومشاربها وقيمها بل
وحتى آدابها ، فهي موحدة في أفكارها ومفاهيمها ووجهتها ومشاعرها
وأحاسيسها .
وفي ضوء هذا الفهم يعتقد البعض([31])
أن الأمة بنية اجتماعية سياسية وثقافية ، وهي ليست قيمة دينية فحسب أو
مجرد حالة عاطفية ، كما هو الحال مع القومية ، بل هي هوية سياسية
وثقافية. ولذا نجد أن العلاقة بين الدين والأمة ينظر إليها من زاوية
التعالي الإلهي ( أي النظر إلى الدين على انه معطىً إلهيا) ، لا انه
بعدا سوسيولوجيا ينتهي عند التحليل إلى أنواع مختلفة من الإسلام (
الإسلام العربي ، التركي ، الإيراني ،الأفغاني …الخ ) فهذه إسلامات
سوسيولوجية إن صح التعبير ، نتجت عن المزاوجة بين الدين والقومية ، مما
يؤكد أن القومية عندما تُغلّف بالدين تدفع باتجاه تفتيت الأمة
الإسلامية وليس تعزيزها([32]).
ويعتقد ( محمد المبارك )([33])
إن الإسلام في بعده السياسي ساهم في بلورة مفهوم للامة يتجاوز الأطر
التقليدية السائدة في عصره من القبلية والقومية ، من خلال تأكيد
العقيدة الإسلامية التي ترتكز على مبدأ الحرية ، وان هذا المفهوم مرن
وملائم لتطور التاريخ وحركته ، ويتجاوز التقسيمات الإقليمية الجغرافية
والقبلية والقومية والعنصرية .
ويلاحظ على هذا الطرح، انه ينطلق
من الرؤية النظرية للإسلام التي تقوم على أساس وحدة العقيدة، من دون
ملاحظة الواقع الدولي المتطور ، والذي انتقل من الإمبراطوريات إلى
الدولة القومية ، والذي يتطلب تكوين مفهوم يتلاءم مع هذا التطور .
فالإسلام وان دعا إلى عالمية الأمة الإسلامية ، فانه أيضا آمن بالتعدد
اللغوي والعرقي ، واعتبره عنصر دعم وإثراء للمسيرة البشرية .
لذلك نرى أن أحد الباحثين([34])
يعتقد بان لمصطلح الأمة تعريفات متعددة ، بعضها ينظر إلى الزاوية
العقيدية، وأخرى إلى الزاوية السياسية ، وغيرها إلى الزاوية القانونية
، وهذه التعددية في التعريف تنعكس على مفهوم المواطنة ، فالأمة في
التعريف القانوني هي " مجموعة المسلمين الذين يعيشون في إقليم الدولة
الإسلامية ويحملون جنسيتها ، أو الشعب أو المواطنين ، وهذه الأمة جزء
من الأمة الإسلامية الكبرى" ، فهي أمة إقليم النظام السياسي وليس كل
الأمة الإسلامية .
ويذهب أحد الإسلاميين([35])
إلى القول بان الوحدة الوطنية لا تتحقق إلا عن طريق الاشتراك في الرؤية
الكونية والهدف والنظام الاجتماعي ، إذ أن الدول قبل أن تتخذ لها اسما
من حيث الظروف الجغرافية والإقليمية ، أو من حيث السلالة التي تنحدر
منها شعوبها ، تكتسب سمتها الأصلية من العقيدة والتفكير السياسي
لشعوبها .
وانطلاقا من هذا التصور نجد أن
الكثير من الإسلاميين حاربوا الفكرة القومية ولم يعدوها الأساس الذي
تقوم عليه الأمم . فـ (القرضاوي)([36])
اعتبرها فكرة جاهلية رجعية تتعارض مع الثوابت الدينية ، فهي تقوم على
إحياء العصبية، وأنها امتداد للشعور القبلي ، فضلا عن أن دعاة القومية
، على وفق رأي (القرضاوي)، يعتبرونها عقيدة ، ويوجبون الاعتقاد بها ،
والولاء لها ، والدعوة إليها ، والتعصب ضد من لا يقبلها . وانهم
يعتبرون الولاء لها مقدم على أي ولاء آخر حتى ولو كان لله ولرسوله ،
فهي رابطة أسمى من الرابطة الدينية نظريا وعمليا ، وفي ذلك مخالفة
صريحة لنص القرآن الكريم ] إنما المؤمنون اخوة[([37])
ولقوله (ص) ((المسلم اخو المسلم)).
ويذهب باحث آخر([38])
إلى القول بان الأصالة في المذهب القومي للأرض والوطن في تكوين الأمة ،
في حين أن الأصالة في الإسلام لخالق الأرض والوطن (الله) ، وان المذهب
القومي طبقا لرؤيته حول القومية والأمة يعتبر جميع الأفراد مواطنين
متساوين في المواطنة ، في حين أن الإسلام يذهب إلى إعطاء العقيدة
والدين الدور الأساسي في المساواة .
وربما استدل دعاة محاربة القومية
بما لاحظوه من أن الإسلام يدعو إلى ترك الأرض (الهجرة)إذا ما تعارض
انتماء الفرد المسلم للأرض مع انتماءه للدين ، وان الانتماء الأول يضيق
الخناق على الشخص لكي يعبر عمليا عن انتماءه الديني ، مما يجعل من
الانتماء إلى الدين الأساس الذي يدور حوله الارتباط بالوطن([39]).
ويرى (عبد الكريم آل نجف)([40])
أن القومية ، بما أنها تجعل من بعض العناصر أسسا للتمايز الذاتي ،
ستنتهي إلى الإقلال من شأن الغير بشكل تلقائي وتتحول فيما بعد إلى شعور
استعلائي عنصري ، حتى أن العنصرية أصبحت سمة ملازمة للقومية ولا يمكن
التفكيك بينهما .
ويعتقد (محمد أسد)([41])
أن القومية تتنافى في كل صورها مع المبادئ الإسلامية التي تقوم على
المساواة بين الناس، ولهذا يجب أن تنفى القومية كأساس تقوم عليه وحدة
المسلمين.
وفي مقابل هذا الاتجاه ، هناك
اتجاه آخر يقف موقفا معتدلا من القومية ، من دون أن يعدّها أساس وحدة
الأمة الإسلامية ، إذ يذهب (محمد حسن الأمين)([42])
مثلا إلى أن الانتماء القومي لا يمثل التصور المناقض للانتماء الإسلامي
، بل أن كل منهما يمثل بعدا من أبعاد هوية المنطقة وشعوبها ، وهوية
حضارتها وتاريخها ومستقبلها . كما يعتقد الشيخ (محمد مهدي الاصفي)([43])
أن القومية حالة حضارية وثقافية ولغة للتعبير عن هذه الحالة . ومن هنا
فان الشعوب والقبائل والأقوام تمثل قضايا ( وجودات ) حقيقية داخلة في
صلب التكوين الإنساني . وان الإسلام لم يدع إلى تجاوز هذه الحقائق ، بل
قام بدور توجيهي لتوظيف حالة التعددية التكوينية في الشرائح الاجتماعية
لصالح حالة التكامل الإنساني ، من خلال عملية التلاقح الحضاري على وفق
مبدأ (التعارف والتلاقي والتعامل)، وان الفكر القومي حاول توظيف هذه
الحالة بما يؤدي إلى انحياز الإنسان إلى قومه في حالات الحق والباطل ،
في حين أن الإسلام يدعو إلى نبذ هذه الحالة ويصفها بالعصبية ، ويضع
بدلا منها قضية الارتقاء بالتعددية إلى حالة الوحدة من خلال جمع الشعوب
والأمم والأقوام في أمة واحدة تقوم على أساس العقيدة ، كما قال تعالى
]إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون[([44]).
ولا بد من التأكيد هنا أن الهوية
القومية لا تمثل بعدا من أبعاد هوية الأمة، وإنما هناك هويات متعددة
حتى داخل الأمة الواحدة يعبر عنها بالانتماء . فيمكن أن يكون الشخص
منتميا إلى القومية أو المذهب أو الطائفة ، ولكن الانتماء إلى العقيدة
يتحول إلى إطار فكري ، خلافا للانتماءات الأخرى التي تظل في إطار
التصور الإسلامي ( انتماء شعور) مقّيد بالضوابط والثوابت الإسلامية .
وهكذا فان الأمة في التصور
الإسلامي هي التي تقوم على وحدة العقيدة الدينية (التي تتوزع على
منظومة فكرية وسياسية وأخلاقية وشعورية ) ، مع أهمية التمييز بين الأمة
في المنظور الديني التي هي رابطة دينية ، وبين الوحدة السياسية التي قد
تتشكل من شعوب تدخل في إطار الأمة الواحدة .
وعلى الرغم من تأكيد الإسلاميين
أهمية الرابطة الدينية في تكوين الأمة ، إلا انهم لم يغفلوا الأرض
كونها أحد مرتكزات الأمة . مع ذلك فانهم بحثوا الموضوع من زاوية ربما
تغاير الرؤية الغربية لعلاقة المواطنة بالأرض (الوطن) .
فطبقا لتصور الشيخ (شمس الدين)([45])
إن فقهاء الإسلام في السابق لم يبحثوا مسألة الأرض باعتبارها أحد ركائز
الدولة ، وإنما بحثت من منظور سياسي وآخر اقتصادي . ففي المنظور
السياسي جرى التركيز على علاقة الأرض بالدعوة والإسلام كدين ، وليس
كدولة ، وجرى تقسيم الأرض إلى دار الإسلام ودار الحرب أو دار التعاهد
والحياد . أما من الناحية الاقتصادية فقد بحثت في مجالات متعددة منها
الزراعة والفيء والغنيمة والأنفال .
ولعل من الآراء التي تلفت الانتباه
لدى الباحثين في الفكر الإسلامي ما تضّمنه الرأي القائل بان الأرض من
حيث الأصل هي إقليم واحد لدولة واحدة ، وان الأرض ملك للمسلمين ، وان
السيادة الشرعية فيها لمن يكون مسلما ، ولعدم وجود التطابق بين المفهوم
النظري والجانب العملي ، انقسمت الأرض بين المسلمين وغيرهم ، فسميت ارض
المسلمين بدار الإسلام ، وارض غيرهم بدار الكفر . ولذلك فان العلاقة
بين الدارين من حيث الأصل علاقة حرب لا تنتهي إلا بفرض السيادة
الإسلامية على دار الكفر ، وفي حالة العجز تلجأ دولة الإسلام إلى عقد
هدنة مع دار الكفر([46]).
وعند التحليل ، نجد أن هذا الرأي
لا يستند إلى نص معتد به ، بل أن النصوص المتوفرة على خلاف ذلك .
فالنصوص القرآنية تشير إلى أن الأرض مسخّرة لعموم الناس بغض النظر عن
مؤمنها أو كافرها ، هذا أولا . وثانيا على فرض صحة هذا الأصل ، فان
المراد بالمسلمين كل من سلم الانقياد لله تعالى من الديانات السماوية ،
في حين أن مفهوم دار الإسلام يرتبط بالمسلمين المؤمنين بالديانة
الإسلامية فقط من دون غيرهم من الديانات . وثالثا أن العلاقة بين
الدارين ليست علاقة حرب ، بهذا الإطلاق الاعتقادي ، وإنما هناك آراء
لها وزنها في الساحة الفكرية الإسلامية([47])
ترى بان الحرب هي الاستثناء وان الأصل هو السلام. ورابعا ، إن تبني مثل
هذا الرأي يتعارض مع مبدأ مشاعية الأرض التي يؤمن بها الإسلام .
|