|
الأربعاء :
25/03/2009
مفهوم
المواطنة في الفكر الغربي
د. بتول حسين
علوان

تضاربت آراء الباحثين حول الجذر
التاريخي لمفهوم المواطنة ، إذ أن إحدى الدراسات([1])
ترى أن هذا المفهوم من إبداع الفكر السياسي العقلاني التجريبي ، من دون
أن تحدد مدة زمنية لظهور المصطلح أو الفكرة ، في حين ترجعه دراسة أخرى([2])
إلى ظهور الدولة القومية كنموذج شائع للنظام السياسي . بينما تشير اغلب
الدراسات([3]) إلى أن هذا
المفهوم ارتبط بالفكر اليوناني القديم سواء أكان الارتباط من ناحية
إبداع المفهوم أم من ناحية الآثار المترتبة عليه ، وان لم يكن هنالك
إشارات إلى المفهوم ذاته . علما بأن هذه الدراسات وغيرها لم تغفل
التطورات التي شهدها المفهوم على صعيد النظرية والممارسة .
ووفقا لهذه الدراسات فأن
اليونانيين هم أول من كتبوا عن المواطنة وممارستها . فلقد كانت
المواطنة تشير إلى حق الفرد في المشاركة السياسية في مجتمع المدينة .
وكان مفهوم المواطنة عند بعض الفلاسفة أمثال (أفلاطون) و(ارسطو) يتصف
بالصرامة والتشدّد في الشروط ، إذ اقتصر على الرجال الأحرار فقط من
المقيمين في المدينة وهم لا يشكلون نسبة كبيرة ، إذ لم تتجاوز هذه عند
بعض الباحثين([4]) (10%)
من مجموع السكان ، أو اقل من (20%) عند آخرين([5]).
وكان وكان المعيار في عدّ الرجال
مواطنين يقوم على أساس الحرية والقدرة على تحمل الأعباء . وطبقا لهذا
المفهوم ، فقد استبعد الرجال الأحرار غير القادرين أو غير الصالحين
لإدارة دولة المدينة . كما تم استبعاد كل من النساء والأطفال والشيوخ
والأجانب والعبيد أيضا . ويعلل (ارسطو)([6])
ذلك بعدم قدرة الأطفال على تحمل أعباء المشاركة في الشؤون العامة
للمدينة لصغر سنهم ، وحاجة الشيوخ إلى الراحة مما يمنعهم من أن يكونوا
فاعلين في تقلّد المناصب العامة . أما سبب استبعاد النساء ، فأن
(ارسطو) يرى بأن تربية الأطفال والاهتمام بالواجبات المنزلية تعد من
الأمور الخاصة ، وهي في مرتبة أدنى من المهام التي يمارسها المواطنون
الرجال التي يعدّها مهام ذات طابع عام([7])
.
وفيما يخص سبب استبعاد (ارسطو) لكل
من طبقتي الأجانب والعبيد من حق المواطنة ، فهو يرى بأن الأجانب يقضون
معظم وقتهم في ممارسة الأعمال التجارية والتنقل من مكان لآخر ، وليس
لديهم الوقت الكافي للاهتمام بشؤون المدينة العامة ، في حين أن انهماك
العبيد بالأعمال الحقيرة وانشغالهم في خدمة الطبقتين الأخريين ، وعدم
توفر الوقت لديهم لممارسة أعباء وواجبات المواطنة كان السبب وراء منعه
للعبيد من التمتع بشرف المواطنة([8]).ويعلل
اليونانيون قلة عدد المواطنين في المدينة بأن عليهم أن يتعرفوا على
بعضهم البعض ، وكلما كان العدد صغيرا أصبحت العملية سهلة([9).
ويلاحظ على مفهوم المواطنة في
اليونان انه قائم على مبدأ المساواة في المجالات القانونية والسياسية
لمن يشملهم مصطلح المواطنة([10]).
كما أن هذا المفهوم لم يكن قائما على أساس الدم (النسب) وإنما كان
منطلقا من الرؤية الاجتماعية . يضاف إلى هذا قيام (المواطنة) على أساس
مبدأ التوريث، إذ أن (أبناء الأحرار) يكونون أحرارا . وكذلك يتصف
المفهوم أيضا بالجمود كونه ينحصر في طبقة معينة ، وهذا يعود إلى طبيعة
النظرية الاجتماعية القائمة آنذاك التي لا تؤمن بالحراك الاجتماعي .
وهكذا فأن مفهوم المواطنة الإغريقي كرّس نظرة اللامساواة الاجتماعية
حينما اصبح حقا مقصورا على طبقة معينة من دون أن ينتقل إلى الطبقات
الأخرى، الذي استتبع غياب فكرة إسقاط المواطنة عن أحرار المجتمع
الإغريقي .
ونظرا للنظرة الطبقية لمفهوم
المواطنة في المجتمعات اليونانية القديمة ، فأن مدى المشاركة السياسية
الفعلية قد اختلفت من مدينة إلى أخرى طبقا لاختلاف مساحة طبقة الأحرار
الصالحة للحكم في هذه المدن([11]).
هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، يلاحظ أن الفكر السياسي الإغريقي أطلق
تسمية(الرعايا) على الأصناف الذين لا يتمتعون بالمواطنة ، مع تأكيد
الفكرة الإغريقية التي تدور حول الفضيلة والصلاح في تحديد المواطن ،
الأمر الذي قاد إلى التركيز على مفهوم الواجبات التي يتعين على المواطن
القيام بها([12]).
وفي عهد الإمبراطورية الرومانية
حصل تغّير في مفهوم المواطنة ، فلقد مرّ هذا المفهوم بمرحلتين ، اعتمد
في الأولى مبدأ الانتماء إلى الوطن الخاص (روما) ، إذ اعتبر كل روماني
مواطنا ، أما سكان الأقاليم الأخرى التي تضمها الإمبراطورية فهم رعايا([13]).
وفي هذه المرحلة ظلت مفاهيم (المواطن) و(الرعايا) مستخدمة في الفكر
السياسي والممارسة السياسية ، إلا انه حصل توسيع القطاعات التي توصف
بالمواطنة ، إذ شملت كل روماني بغض النظر عن المهنة أو الطبقة التي
ينتمي إليها([14]).
إن (المواطنة الرومانية) منحت
للمواطنين الرومان امتيازات قانونية على درجة عالية من الأهمية ، منها
اختصاص المحاكم الوطنية في روما وحدها بمحاكمة المواطن الروماني وعدم
أحقية المحاكم في أي مدينة أخرى بمحاكمته([15]).
وفي هذه المرحلة اتصفت المواطنة باللامساواة بين الشعوب ، مثلما كانت
المواطنة في دول المدن الإغريقية تقوم على مبدأ اللامساواة بين أفراد
الشعب الواحد في المدينة . أما في المرحلة الثانية فقد اصبح معيار
الولاء، وليس السكن ، هو الأساس في اتصاف الفرد بالمواطنة . فقد اصبح
كل ابناء الشعوب الخاضعة للإمبراطورية مواطنين فيها ، واختفى التمييز
بين الروماني وغيره من سكان الأقاليم المفتوحة([16]).
ويعتقد أحد الباحثين([17])
أن السبب في هذه البراغماتية في السياسة الرومانية تجاه المواطنة يعود
إلى رغبة السلطة في تعزيز الولاء لروما ، إذ أن مفهوم المواطنة لم يعد
له ارتباط بالمشاركة السياسية كما كان الحال في دول المدن اليونانية ،
وإنما ارتبط بالواجب العام (أي بالمسؤوليات) ، مثل الخدمة العسكرية
ودفع الضرائب .
ولقد تراجع مفهوم المواطنة من
الناحية التطبيقية خلال العصور الوسطى الأوربية . ويعود هذا التراجع
إلى أمور معينة منها هيمنة الجانب الديني المتمثل بالكنيسة على مقاليد
السياسة خلافا للعصور السابقة ، إذ لم يعد رجل الدين هو الذي يحكم ،
وإنما الإمبراطور ، مع وجود ديانة للدولة أو الإمبراطورية . وكذلك
التطور الديمغرافي للمدن الأوربية ، إذ أخذت تجتذب عددا كبيرا من الناس
بسبب التطور الاقتصادي الذي افرز حاجة المدن إلى الموظفين . وبهذا لم
يعد التمييز بين المواطنين والرعية الذي كان سائدا في دول المدن
اليونانية وشطرا من حياة الرومان قادرا على التكيّف مع الظروف السياسية
والاقتصادية التي شهدتها أوربا لا سيما بعض مدن ألمانيا آنذاك .
وطبقا لذلك فأن مفهوم المواطنة
هو الآخر شهد تطورا من ناحية الكم من جانب ، وانحسارا من جانب آخر في
بداية الأمر ، إذ ارتبط المفهوم بالمسألة الدينية ، فالمسيحي هو
المواطن من دون غيره من أبناء المدن أو الإمبراطوريات ذوي الانتماءات
الدينية الأخرى كاليهود ، وحصرت الحقوق والامتيازات بالمسيحيين من دون
غيرهم([18]).
كما أن هذا المفهوم قد تطوّر لاحقا
ليصبح مفهوما وظيفيا بدلا من كونه مفهوما دينيا . فلقد اعتمد معيار
الفائدة في تقسيم أبناء المدن إلى مواطنين وغيرهم. فالذي يعمل عملا
مفيدا للمجتمع يعد مواطنا ، في حين أن الذي لا يعمل لا يتصف بصفة
المواطنة([19]). ومصداقا
لهذا المفهوم اصبح التجار مواطنين لما لهم من تأثير في مدنهم ، إذ
تمتعوا بامتيازات منها حق الحماية في المعاملات مع المدن الأخرى وكذلك
مع الأرستقراطيات الإقطاعية([20]).
ومع الامتيازات التي تمتع بها
المواطنون في العصور الوسطى ، فأن الواجبات الملقاة على عاتقهم أصبحت
اقل مما في السابق ، إذ اقتصرت على أداء مهام معينة ، كالدفاع عن
المدينة وقت الحرب وفي أثناء حدوث الأزمات والكوارث الطبيعية([21]).
وعند المقارنة بين مفهوم المواطنة
في عصر الإغريق ومفهومها في العصور الوسطى نجد أن المفهومين قاما على
عدم اعتماد المساواة الاجتماعية كأساس لمنح المواطنة ، بل ظل المفهوم
في العصور الوسطى كما هو الحال في عصري الاغريق والرومان في المرحلة
الاولى منه محصورا بطبقة معينة هي (طبقة التجار) ، في حين أن هذا
المفهوم توسع لدى الرومان ليشمل الشعوب الخاضعة له ، وبهذا فان مفهوم
المواطنة في العصور الوسطى ظل يعكس النظرة الضيقة للإنسان من خلال
اعتماد معايير المشاركة السياسية أو الانتماء الديني أو الاقتصادي ،
باستثناء مرحلة معينة من الإمبراطورية ، اصبح فيها المفهوم سياسيا
واتسع لكل من يدين بالولاء لهذه الدولة من خلال الخضوع لإقليم تابع
لها.
وعلى الرغم من عدم اعتماد المساواة
الاجتماعية في منح المواطنة ، إلا أن ذلك لا يعني أن المواطنين لا
يتمتعون بالمساواة أمام القانون وفي المجال السياسي ، ففي بريطانيا في
تلك العصور كان هناك مجلس يسمى مجلس (الأنداد) أو مجلس المتساوين ،
والذي يقابل مجلس اللوردات حاليا([22]).
وفي عصر النهضة حظي المفهوم باهتمام المفكرين والسياسيين .
ويمكن في هذا الصدد ملاحظة تيارين
تعاملا مع المفهوم، هما تيار فلاسفة التنوير الذين أصبحت المواطنة
عندهم ذات محتوى نظري واسع، الذين كانت لهم الأسبقية ، ثم أعقبهم
التيار الثاني الذي طور تحليلات التيار الأول بشكل جلي في مجال النظر
والواقع . ويتضح ذلك بالتفصيل الآتي :-
1- التيار الأول
:-
سعى هذا التيار إلى صياغة مفهوم
جديد للمواطنة يتلاءم مع المنظومة الفكرية لدى كل مفكر فيما يرتبط
بالمجتمع والدولة والسلطة . ولكن أصحاب هذا التيار لم يتفقوا على معيار
واحد للمواطنة ، فقد ربط (هوبز) بين الانتماء لمجموعة من الناس
والمواطنة ، مميزا بينها وبين الرعية التي تطلق على الفرد عندما يصبح
عضوا في دولة ما ، أما (جون لوك) فقد اعتبر المواطنة وليدة المجتمع
المدني الذي يمثل خروجا على حالة الطبيعة التي لم تعد الناس ليكونوا
مواطنين، وإنما المجتمع السياسي ، فهو يقول " طالما نعيش في مجتمع مدني
فلا بد أن نكتسب صفات المواطنة "([23]).
في حين ربطها روسو بالأمة ، إذ اعتقد أن كل فرد ينتمي إلى أمة يملك صفة
المواطنة([24]).
ويبدو أن هؤلاء المفكرين أرادوا
الخروج بالمواطنة من مجرد الانتماء إلى دين أو طبقة إلى مفهوم سياسي
يعتمد الأمة والدولة معيارا . فهم نظروا إلى المواطنة على أنها تكتسب
سياسيا وليس دينيا أو طبقيا كما كان شائعا في العصور الوسطى. وإذا كان
ثمة مائز بينهم فينحصر في الحاجة إلى الدولة لدى لوك وهوبز وعدم الحاجة
إليها في المواطنة عند روسو .
ولكي تكون فكرة المواطنة واضحة لدى
الناس دعا بعض المفكرين الأوربيين آنذاك إلى توعية المواطنين ولو على
نحو إجمالي بالواجبات المدنية التي تتطلبها المواطنة ، ومنها الالتزام
بالمحافظة على الوضع الراهن ، والاعتراف بالحكومة القائمة ، ومقاومة
الديماغوجية، والانضباط ومعرفة القوانين، لكي تحصل عملية الانضباط
والتقيد ضمن سلوك وتوجه معين([25]).
2- التيار الثاني
:-
لقد ساهمت الثورات الإنكليزية
والأمريكية والفرنسية عمليا في بلورة مفهوم للمواطنة يلتقي في جوانب
منه مع توجهات وأفكار فلاسفة التنوير . فلقد ظهرت في بريطانيا لائحة
الحقوق البريطانية لعام (1689) التي أعلنت عن حقوق وحريات المواطنين
ولكنها استخدمت مصطلح (subjects) أي الرعية للدلالة على المواطنة ، إذ
كان يفهم من هذه الكلمة الإشارة إلى حق الشعب في التصويت([26]).
ولكن بقيام الثورتين الأمريكية
والفرنسية وارتباطهما بمفهوم الدولة الحديثة ، وضعت أهم الأسس التي
ارتكز عليها مبدأ المواطنة الحديث . فالثورة الفرنسية، مثلا ،عملت على
إلغاء الامتيازات والألقاب التي تمتعت بها فئة من الناس في العهد
الملكي ، وأعلنت مبدأ المساواة للجميع ، وهو أهم مبادئ المواطنة، كما
أن الجمعية الوطنية الفرنسية صادقت على إعلان حقوق الإنسان وحقوق
المواطن([27]).
ومع انتشار الأفكار الثورية في
أوربا تغيرت النظرة إلى المواطنة ، إذ أصبحت تمثل أداة لتعزيز الحكومة
الشعبية والحريات الفردية والمساواة السياسية والقانونية ، التي أصبحت
مرتكزات أساسية لمفهوم المواطنة المعاصر([28]).
والحقيقة ، أن القرن الثامن عشر
افرز ثلاثة اتجاهات في مفهوم المواطنة هي([29]):-
أ- المواطنة المدنية:- وهي التي
ركزت على الحقوق الضرورية للإنسان كحق الفرد في الملكية ، والحريات
الشخصية ، والعدالة .
ب- المواطنة السياسية:- وهي الوجه
السياسي للحقوق التي يتمتع بها الفرد ومنها حق المشاركة في السلطة
السياسية .
جـ- المواطنة الاجتماعية:- وارتبطت
بالبعد الاقتصادي والاجتماعي، كحق المواطن في الضمان الاقتصادي
والاجتماعي .
وفي القرن التاسع عشر اخذ المفهوم
بالتطور من الناحية النوعية والكمية . فلقد اتسع ليشمل البالغين من
الذكور والإناث بعد أن كان مقتصرا على الذكور فقط . كما تحسنت أيضا
آليات ممارسته ، فضلا عن اتساع رقعة مراعاته جغرافيا إذ شمل الجوانب
الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والسياسية والقانونية([30]).
ولقد ساهمت في هذا التطور عوامل
أجملها أحد الباحثين([31])
بالآتي :-
1- تكوين الدولة القومية الحديثة .
2- المشاركة السياسية وتداول
السلطة سلميا .
3- إرساء حكم القانون وإقامة دولة
المؤسسات .
أن هذه العوامل قد عملت، في واقع
الأمر، على نقل المواطنة من المفهوم التقليدي ذي الجذور الإغريقية
والرومانية إلى المفهوم الحديث لها ، الذي تبلور
بجلاء عبر معظم القرن العشرين
والذي استند إلى أفكار عصر النهضة والتنوير ومبادئ حقوق الإنسان
واعتماد الشعب مصدرا للسلطات . وهكذا اصبح أحد الركائز الأساسية
للعملية الديمقراطية([32]).
وفي أواخر القرن العشرين شهد
المفهوم تطورا آخر ارتبط بظهور ما اسماه (كوبر)*بـ
(نموذج الدولة ما بعد الحديثة) التي تتميز بالخصائص الأتية([33]):-
1- التداخل ما بين الشأن الداخلي
للدولة والشأن الخارجي .
2- التدخل المتبادل في الشؤون
الداخلية والرقابة المتبادلة .
3- رفض مبدأ القوة في حل النزاعات
وسيادة حكم القانون .
4- اعتماد مبادئ الشفافية
والانفتاح المتبادل والمخاطر المتبادلة في موضوع الأمن.
ويخلص (كوبر) إلى الاعتقاد بأن
الاتحاد الأوربي وكندا نموذجان لهذا النوع من الدول ما بعد الحديثة .
وإذا ما تجاوزنا رأي هذا الباحث ،
إلى الجانب الدستوري للاتحاد الأوربي نجد أن معاهدة ماسترخت أشارت إلى
مجموعة من المبادئ الخاصة بالمواطنة ، إذ حددت المادة الأولى من دستور
الاتحاد شرعية إنشائه بأنها مستمدة من إرادة الدول الأوربية وإرادة
مواطني هذه الدول([34]).
وهذه إشارة إلى أن التعهدات الأوربية في ظل دستور الاتحاد لم تكن قائمة
على أساس إرادة الدول فقط شأنها شأن بقية المعاهدات ، وإنما كانت أيضا
نتيجة الإرادة العامة لكل المواطنين الأوربيين([35]).
والمواطنة في الاتحاد الأوربي،
طبقا للدستور ، لم تكن بديلة عن المواطنة القومية لدول الاتحاد ، وإنما
كانت مكملة لها ، فكل مواطن يحتفظ بمواطنته القومية وبما يتفرع عنها من
حقوق وواجبات ، فضلا عن تمتع المواطنين بالحقوق والتزامهم بالواجبات
التي تنشأ بموجب هذه المعاهدة([36])
. وهذا الأمر يطرح مشكلة مهمة تحتاج إلى حل ، هي مسألة الازدواج في
الولاء والحقوق بين المواطنة القومية والمواطنة الأوربية ، فلو حصل
التنازع بينهما، فأيهما يقدم ؟
ونظرة أخرى إلى مسودة الدستور توضح
بأن هناك توسعا في حقوق المواطن ، إذ أشارت إلى حق التنقل في دول
الاتحاد دون قيود ، والحق في الترشيح والتصويت في انتخابات البرلمان
الأوربي ، وفي الانتخابات المحلية للدولة العضو التي يقيم فيها المواطن
الأوربي في ظل نفس الشروط التي يخضع لها مواطنو تلك الدولة ، وكذلك
تمتع المواطن بالحماية الدبلوماسية والقنصلية من قبل سلطات أي دولة من
دول الاتحاد([37]).
ومما يلفت النظر أن مسودة الدستور
تضمنت ميثاق الحقوق الأساسية ، بحيث اصبح هذا الميثاق ملزما في الاتحاد
. ومن مزاياه أن كل القوانين واللوائح الأخرى التي سيتم تبنيها من قبل
المؤسسات الأوربية يجب ألا تتعارض مع هذا الميثاق ، وستراقب محكمة
العدل الأوربية سير الالتزام الدقيق بالميثاق لكي تحمي الحقوق الممنوحة
للمواطنين طبقا لمسودة الدستور الأوربي([38]).
ومن اجل تحديد مصطلح المواطنة في
الفكر الغربي ، لا بد أولا من تحديد مفهوم المواطن والذي يرجعه أحد
الباحثين([39]) إلى دول
المدن اليونانية القديمة ، إذ كان المواطن يعني "العضو في جماعة سياسية
معينة" .
أما (ارسطو) فانه يعرف المواطن
بأنه "الشخص الذي يشارك في صنع القرار وفي المناصب العامة"([40]).
أما اصل كلمة مواطن الإنكليزية
(citizen) فيعود إلى أصول لاتينية ، وتعني "الفرد الذي يشارك في الشؤون
المدنية"([41])، أما
معناها في اللغة الإنكليزية فهو "العضوية في مدينة صغيرة تتمتع بحكم
ذاتي أو فيها مجلس بلدي محلي"([42]).
واعتبر (جان جاك روسو) في مبدئه
العقد الاجتماعي المواطن (the citoyen)هو(المشارك في تكوين الإرادة
العامة) . أما في أيديولوجية الثورة الفرنسية فان كلمة المواطن كانت
تشير إلى الحرية المدنية ، ولهذا جسدت في إعلان حقوق الإنسان والمواطن
لعام (1789)([43]).
أما فيما يخص الاستخدام الأمريكي
لمصطلح المواطن فهو نفس الاستخدام الفرنسي له ، وتم تبنيه لتأكيد تحرر
الفرد الأمريكي من كونه رعية للملك البريطاني([44]).
فمفهوم المواطن يرتبط بالبعد الاجتماعي للإنسان ، ولكن لكي يصبح
الإنسان مواطنا لا بد من أن يكون هناك دولة ، وبوجود الدولة نستطيع أن
نتحدث عن مفهوم المواطنة .
فالمواطنة حسب اعتقاد أحد
الباحثين([45]) مصطلح
معقد ،ويعود ذلك إلى التغيير الحاصل في تعريفه من عقد لآخر ، وربما من
مدة زمنية اقصر إلى أخرى . ومع هذا التعقيد فان هناك شيئا ثابتا فيه هو
أن المواطنة تتضمن التزاما عميقا بتعريف الذات مقابل الآخر ، وتعريفه
ضمن المجتمع ، وعد مصالح المجتمع بمثابة مصلحة للفرد .
الهوامش
:
..............
[1] - علي خليفة
الكواري ، مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية ، في كتاب
المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية ، ( بيروت ، مركز
دراسات الوحدة العربية ، 2001 ) ، ص24 .
2- Jo Shaw , (( Interpreting The Concept Of European
Citizenship : Problems and Possibilites )) , In A Kershen
(ed.) , Aquestion Of Identity , Aldershot , 1998 ,
P.235.
3-Graham Smith , Citizenship Education In The UK Since 1944
, On , http :// www. Cybertext . net
.au.
4- Kenneth W. Phifer ,Citizenship , On , http:// www.
Warwick. Ac. Uk/ CRER
5-Ibid
7- Heather Dicks ,((Ancient Dead White Males And The Future
Of Feminism)) , Undergraduate Research Journal , Vol. . II
,Indiana University , 1999 , P. 135 .
10- Peter Amstuts , Visions Of Citizenship ,On, http ://
www. Vifude / Students .
11- Murray Clark Havens , (( Citizenship )) ,In The
Encyclopedia Americana , Lavinia P. Dudley , Vol. VI ,( USA
, 1980 ) , P.743 .
12- Philip Brook Manville , The Origins Of Citizenship In
Ancient Athens , ( Princeton University Press ,1990 ) ,P.63
.
13- Murray Clark Havens , OP.Cit . P743 .
17- Graham Smith , OP. Cit .
20- Murray Clark Havens ,OP.cit , P.743 .
21- Amalia D.Kessler , (( Law And Citizenship In Early
Modern France )) , Humanities Review , Vol.5 , 1997 ,P. 52 .
22- Peter Amstuts ,OP. Cit .
[23] - أمل هندي
الخزعلي، إشكالية المواطنة في الخطاب الإسلامي المعاصر ، مجلة
العلوم السياسية ، ع(21)، السنة(16)، تموز/2005، ص ص102-103.
[24] - المصدر
السابق ، ص103.
25- Graham Smith ,OP.cit .
26- Robert Shaw , The Enlightenment Concept Of Citizenship :
rights and governance in Modern and Postmodern States , on
http :// www. Cybertext .net .au .
27- Joaquin Jareno Alarco , (( A Question On Liberal
Citizenship )) ,Praxis International ,Vol.12 , No.1, April /
1992 P. 33 .
28- Murray Clark Havens , OP. Cit , P. 743 .
29- Mary O,Rourke , The Union And Its Citizenship ,Institute
Of European Affairs Conference ,Dublin , 1996 , P.36 .
[30] - علي
خليفة الكواري ، مصدر سبق ذكره ، ص29 .
[31] - المصدر
السابق ، ص25 .
[32] - المصدر
السابق ، ص29 .
* - وكيل وزير
الخارجية البريطاني لشؤون الدفاع وما وراء البحار .
33- Robert Shaw , OP.cit .
34- The History Of The European Union And European
Citizenship , On, http :// www. Hitoriasiglo 20 . org .
35- Paolo Stancnelli , The European Citizenship In The Draft
Of Constitution ,On , http :// www. En. Wikipedia .org
.wikia .
37- Jo Shaw , OP.cit , P.236 .
38- Paolo Stancaelli , OP. Cit .
39- Erik Oddvar and Jarle Weigard , The End Of Citizenship:
New Roles Challenging the Political Order ,on,
http://www.arena.uio.no.
40- The Citizen, on, http:// www. En. Wikipedia.org / wiki
.
41- أمل هنديالخزعلي، مصدر سبق ذكره ، ص102
42- J.M. Jones , Citizenship, In Encyclopaedia Britannica,
Warren E. Preece(ed), Vol.5,(USA, William Benton Publisher,
1966) , P.806 .
45- Lance Massey ,(( On the Origin of Citizenship in
Education : Isocrats , Rhetoric , and Kairos )) , Journal of
Public Affairs ,Vol.5 ,1997 , P.123.
|