الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

 السبت : 07/03/2009

عصر التنوير في اوربا

 

                  بقلم :  بول بريانس(*)
ترجمة: ظاهر المولى(**)
(خاص للمعهد)
 

                                                                   

 على الرغم من ان الحركة الثقافية المعروفة بالتنوير ترتبط عادة بالقرن الثامن عشر ، الا ان جذورها تمتد الى اعماق اكبر في التاريخ ، ولكن قبل ان نسبر اغوار تلك الجذور يجب ان نتعرف على المصطلح .

يمكن ان يعرف التنوير بأنه احدى الحركات التاريخية التي ظهرت في لندن وباريس على يد مجموعة من الكتاب والمفكرين الذين كانوا يعتقدون انهم اكثر تنوراً من اقرانهم ، وانهم وجدوا لتنوير اقرانهم ، فهم يؤمنون ان العقل البشري يمكن ان يستخدم لمواجهة الجهل والخرافة والاستبداد ويمكن ان يستغل في بناء عالم افضل. كانت اهدافهم الرئيسية دينية في مجملها (تمثلت في فرنسا بالكنيسة الكاثوليكية)  وسيطرة الطبقات الارستقراطية على المجتمع بشكل متوارث.

 خلفية تاريخية :

لمعرفة اسباب سيطرة تلك الحركة على القرن الثامن عشر لابد من الرجوع بالزمن، ويمكننا ان نختار اي نقطة بداية نريد ، ولكن لنبدأ من معالجات توماس الاكويني لمنطق ارسطو في القرن الثالث عشر ، تلك التحليلات المنطقية قادت على يد الفيلسوف اليوناني ارسطوطاليس إلى فهم العقائد المسيحية.وعلى مدى القرنين التاليين قام مفكرون اخرون بمتابعة نفس الاهداف من اجل تدعيم كل جانب من جوانب الايمان بالمنطق. وهؤلاء المفكرون كانوا يعرفون غالباً باسم (المدرسيون) (الاسكولائية) (scholastics)، الا ان فولتير يشير اليهم باسم الاطباء ويقصد بهم (اطباء اللاهوت) .

ولسوء حظ الكنيسة الكاثوليكية  فلا يمكن قصر استخدامها ادوات المنطق على الوسائل التي تفضلها الكنيسة فقط. وبعد كل هذا فقد تطورت في اثينا حضارة وثنية اعادتهم الى معتقداتها الاصلية ، وما هي الا مسألة وقت حتى تحذو كل اوربا حذوها (اثينا).  

 نهضة الانسانيين :

 في القرنين الرابع عشر والخامس عشر برز في ايطاليا وفرنسا مجموعة من المفكرين عرفوا بـ (الانسانيين) ، ولم تكن حركتهم مؤسسة معادية للدين بقدر ما  انغمست في النقاش السياسي المعاصر ، وكان اغلبهم  من اتباع الكنيسة الكاثوليكية ، لقد اعتقدوا ان عبادة الله المثلى تكون بتقدير مخلوقاته . وعلى رأس تلك المخلوقات الإنسان ، وبتقديسهم للجنس البشري وامكانياته كانوا يصرحون بانهم افضل من الكهنة السوداويين ومن الرهبان الغارقين في الرذيلة والذين يدعون الناس الى الاعتراف وطلب المغفرة. فهم يرون ان البشر كالإله ليس لانهم خلقوا على صورته فحسب بل لانهم يتشاركون معه في بعض القوى الخلاقة ، فالرسام والمهندس والموسيقي والباحث بممارستهم لنشاطاتهم العقلانية يحققون غايات سماوية.

هذا الاحتفاء بالامكانية البشرية جاء ممزوجا مع بعض السوداوية والخرافة في عصر النهضة (فقد سادت بدعة السحر في هذه المدة اكثر مما كانت عليه في العصور الوسطى) ، إذ استخدمت لمنح القوة للتراث الاوربي. كان هدف الانسانيين في عصر النهضة هو ادراك بعض الفخر الذي حظي به اليونان وروما من خلال الانفتاح الروحي والطاقات الخلاقة ، من اجل تكرار نجاحاتهم والذهاب الى ابعد مما وصلوا اليه .

لقد رسخ الاوربيون المعتقد القائل ان العادات يمكن بل يجب استخدامها من اجل تحقيق التغيير ، فمن خلال تنظيف وشحذ ادوات العصور القديمة سوف يتمكنون من اعادة تشكيل زمنهم الحاضر.

تبنى العالم غاليلو نفس هذا المنطق اذ حاول عام 1632 وبالمتابعة تثبيت نظرية كوبرنيكوس القائلة ان الارض تدور حول الشمس و الشمس ثابتة ، ولكن الكنيسة وبالخصوص المحكمة الدينية المقدسة اعترضوا على هذا الكلام لأن الانجيل يصرح علنا ان الشمس تتحرك في ارجاء السماء ، رافضين طروحات غاليلو مجبرين اياه على التراجع عما ادعاه ومنعه من التدريس مستقبلاً. وعلى الرغم من ان انتصار الكنيسة كان مؤقتا الا انه كان كافيا لاسكات غاليلو لكنه لم يكن كافيا لايقاف حركة تقدم العلم (على الرغم من ان مجمل هذا التقدم حصل في الكنيسة البروتستانتية في شمال اوربا وبعيدا عن سطوة البابا ومحكمته الدينية المقدسة) .

قبل غاليلو اي في القرن السادس عشر تحديداً  بدأ الكثير من الانسانيين اثارة العديد من الأسئلة الخطرة ، فرانسوا رابيلس راهب فرنسي وفيزياوي تاثر بالبروتستانتية ، تحدى الكنيسة بنزعته الثورية مسفها آراءها العبثية .

ميشيل  دي مونتان :

طرح ميشيل دي مونتان السؤال التالي مراراً وتكراراً ولكن بطريقة هادئة ومتزنة والسؤال هو (ماذا أعرف ؟) وهذا يعني انه ليس لدينا الحق في ان نفرض على المعتقدات الاخرى التي تعيش في بيئة ثقافية اخرى سوى الحقيقة ، متأثرا بالاكتشافات المثيرة للثقافات غير المسيحية في اماكن بعيدة مثل البرازيل، طرح دي مونتان الرأي القائل ان الاخلاق يمكن ان تكون متقاربة بدرجة ما . استنادا الى الاخلاقيات الاوربية فان اكلة لحوم البشر البرازيليين الذين يعتاشون على جثث الموتى بدل من اتلافها هم متدنون اخلاقيا قياسا بالاوربيين الذين يضطهدون ويظلمون من يتقاطع معهم ؟!

والاسهام الآخر لدى مونتان في حقل التنوير برز من جانب اخر من سؤاله الشهير (ماذا اعرف ؟) اذا لم نكن قادرين على التاكد من ان قيمنا هي قيم مستمدة من الله فلا يحق لنا فرضها بالقوة على الآخرين . فالمثقفون والبابوات والملوك ومن هم على شاكلتهم ليس لديهم الحق في أن يفرضوا على الاخرين الطاعة لتعاليم دين ما او مسلمات فلسفية ما.

ان احد اهم التناقضات في التاريخ هو ان الشك الراديكالي كان ضروريا لليقين الجديد المعروف بالعلم ،فالعالم الجيد هو الراغب في تجربة كل انواع الافتراضات المطروحة ، وان يتحدى كل انواع الفرضيات الموروثة ، ان يقترب اكثر من الحقيقة حتى يبلغ الحقيقة المطلقة ،وهذا ما كان يطمح اليه المفكرون الدينيون وهو نفسه ماكان يشك في تحققه العلماء .

 القرن السابع عشر :

لقد حاول رينه ديكارت في القرن السابع عشر ان يوظف العقل من اجل تدعيم ايمانه كما فعل المدرسيون من قبل ، ولكن بشكل اكثر صرامة عما كان عليه سابقا. اراد ان يبدأ من النقطة الاولى ومن حدود المعرفة الاولى ، وهي معرفة ذاته (انا افكر اذاً انا موجود) .

ومن هنا حاول ان يبين اسباب دفاعه عن المسيحية ، ومن اجل تحقيق ذلك ارتكب العديد من الاخطاء المنطقية ، والتي جعلت من يأتي بعده يحتاج الى وقت اطول من اجل تحليلها وفهمها ، وتاريخ الفلسفة منذ وقته لغاية بداية القرن العشرين هو بشكل جزئي قصة الابداع  المنطقي التي بدأت تقل شيئا فشيا حتى زمان لودفيج فتنكنشتاين والذي تمكن من تقويض اساسات الفلسفة نفسها.

تميز القرن السابع عشر بصيد السحرة(يقصد بالسحرة من وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية كل من يطرح آراء مخالفة لآرائها) والحروب الدينية والاستعمارية ، واتهامات البروتستانت والكاثوليك بعضهم بعضا باتباع الشيطان ، وحبس الناس لمجرد ذهابهم الى الكنيسة الخطأ او عدم الذهاب الى اي كنيسة ، كل المطبوعات كانت تخضع للرقابة من  الكنيسة والدولة او كليهما ، كانت العبودية على اوجها وخصوصا في المستعمرات الغربية من الكرة الارضية وكانت تجد من يدافع عن الظلم الذي يلحق بالعبيد من الاقطاعيين وعلى مستوى كبار رجال الدين . واي سلطة تحاول ان تواجه اي السلطتين (الكنيسة او الدولة) كانت تمنع وتعاقب ، كان هنالك الكثير من التعصب يمكن ان يلقى على حقبة العصور الوسطى (ولكن الحكومات الجديدة جعلت من ظلمها اكثر استبدادية وقوة من تلك العصور).

كان من المحتوم عاجلا ام اجلا ان يحس الاوربييون بالخشية من الاضطهاد والحروب ويثوروا باسم الحقيقة المجردة ،بالاضافة الى تحول البروتستانت الذي كانوا يقودون حملة نقد واسعة ضد الكنيسة الكاثوليكية الى الصراع فيما بينهم منقسمين الى عدة كنائس كل تدعي انها تمثل السبيل الأمثل للخلاص.

وكان طبيعيا على أناس يتقاذفهم ايمان متطلب الى إيمان آخر اكثر تطلبا منه ان يفكروا  فيما اذا كانت اي من تلك الكنائس تستحق السلطة التي تريدها ، ومن الطبيعي ان ترقى لديهم نزعة مونتان الشكية على النزعة اليقينية للوثر او كالفن.

وفى الوقت نفسه  كانت هناك قوى اخرى قوية عاملة  في أوروبا وهي القوى الاقتصادية التي كانت تتتفاعل بشكل عميق مع التيارات الفكرية.

 الخلفية السياسية والاقتصادية :

في أواخر العصور الوسطى بدأ الفلاحون بالانتقال من المناطق الريفية إلى المدن بحثا عن الحرية والازدهار. وبتطور التجارة والاتصالات خلال عصر النهضة بدأ الناس يدركون أن الأمور لا يمكن ان تستمر على ما كانت عليه منذ قرون طويلة. مواثيق جديدة قد كتبت ، حكومات جديدة قد شكلت، قوانين جديدة قد اصدرت وبدأت شراكات جديدة . على الرغم من أن كل مؤسسة تحاول ان تثبت سلطتها من خلال ادعائها المحافظة على الموروث ، كانت النزعة نحو التغيير تتزايد. ولم يكن الاتصال مع الثقافات الاجنبية هو ما اثر في الأوروبيين فقط ، ولكن كانت الثروة التي جلبوها معهم من آسيا والأمريكتين هي التي ادت الى بروز طبقة جديدة من التجار إلى الصدارة ، تلك الطبقة التي ادت الى انهاء وجود الارستقراطية القديمة المعتمدة على تملك الاراضي وظهور طبقة جديدة من التجار لهم أفكار أخرى عن نوع  العالم الذي يريدون أن يعيشوا فيه  ، كل تلك الامور أصبحت من عوامل التغيير الرئيسية ، في الفنون ، وفي السياسة ، وفي الاقتصاد.

كانوا على يقين بأن ما بلغوه كان نتيجة استحقاقهم ونتيجة العمل الشاق الذي قاموا به ، على عكس الثروة الموروثة لدى الأرستقراطيين التقليديين . ان النزعة الفردية كانت على رأس الأمور التي انتجها  عصر النهضة ، وقد اصبحت قيمة عليا. بل اصبحت  عقيدة الأوروبيين ، وحتى يومنا هذا.

ولكن كان على رأس العقبات التي تعترض سبيل إعادة تشكيل أوروبا من طبقة التجار هي نفسها التي يواجهها الفلاسفة العقلانيون : وهي حكم الملوك المطلق وهيمنة رجال الكنيسة . ومواجهة كل ذلك كان مسألة معقدة ومتعددة الأوجه ، ولكن الاتجاه العام كان واضحا وكانت ابرز مطالبه هي :

- النزعة الفردية

- الحرية وقابلية تغيير المجتمع

 - السلطة

 - التقاليد والقيم الأوروبية الأساسية.

 ولقد نجا الدين من هذا الصراع ولكنه كان أضعف مما كان عليه من قبل ،والنظام الملكي بدأ بالاضمحلال خلال مدة مائة سنة ابتداء من منتصف القرن الثامن عشر ولم يبقَ منه سوى ظل شاحب لما كان عليه سابقا.

هذه هي خلفية موجزة للتنوير في القرن الثامن عشر. لقد تغير الأوروبيون ، لكن مؤسسات أوروبا لم تكن مواكبة لهذا التغيير. الكنيسة تصر على انها المصدر الوحيد للحقيقة ، وأن جميع الذين يعيشون خارج حدودها هم ملعونون ، في حين انه كان من الواضح لأي شخص متعقل أن معظم البشر على وجه الأرض لم يكونوا مسيحيين وانهم قد بنوا حضارة عظيمة وملهمة للحضارات الاخرى . في حين كان  الكتاب والمتكلمون المسيحيون يعانون من الاضطراب نتيجة الرقابة التي كانت الكنيسة تفرضها عليهم وكانوا يسعون بكل وسيلة للتهرب من تلك الرقابة .

والأهم من ذلك ، احساس البرجوازيون بقلق شديد كونهم يدفعون ضرائب باهظة الثمن لدعم شكل المعيشة الارستقراطية التي لم يكن لها إي إسهام في المجتمع (ما عدا ربما ، رعايتها للفنون والذي كان نشاطاً شخصياً للتفاخر بأنفسهم) ،وتلك  الأرستقراطية عديمة الفائدة لم تكن مستعدة لتقاسم السلطة مع اولئك الذين يدعون الى مبدأ الثروة الوطنية.

 دور الارستقراطيين :

 ومن المثير للاهتمام أن من بين الذين ناصروا فلاسفة التنوير في فرنسا كان بعض الارستقراطيين ، اذ استطاع اولئك الفلاسفة ان يجدوا بين اوساط الارستقراطيين من يتحمس لافكارهم. يضاف الى ذلك ان الكنيسة والدولة لم تكونا على وفاق تام ، وكانت الخلافات بينهما جلية. حتى ان الملوك في بعض الأحيان كانوا يستخدمون مبدا التنوير لتقويض سلطة الكنيسة. وحقيقة الأمر أن الأرستقراطيون كانوا على علم تام بهشاشة موقفهم ، وكانوا مهتمين بتجربة افكار هي بالنسبة إليهم جديدة ومثيرة.

لقد انتقل فولتير بسهولة في هذه الأوساط الأرستقراطية ، من مشاركتهم موائد  الطعام ،ومقابلة  الملوك. وقال صراحة انه يعارض الاستبداد وعقيدة الكنيسة ، وكان يعتقد ان اي شخص ساذج يمكن له ان يدرك ان العالم يمكن بل يجب ان يتغير.

 فولتير يواجه روسو :

لم يكن كل مفكري التنوير مثل فولتير وكان من اشد خصومه في هذا المجال جان جاك روسو ، والذي كان يعتقد ان لدى الارستقراطيين الرغبة في التغيير لكنهم كانوا يعدونها امراً غير لائق لأنها تعد خيانة للقيم التقليدية. وقال صراحة  انه يعارض المسرح الذي كان شريان الحياة لفولتير ، ونأى عن الارستقراطيين الذين كان فولتير يتودد لهم ، وسعى نحو امر خطير هو الثورة الديمقراطية. في الوقت الذي كان فولتير يؤمن بان المساواة غير ممكنة التحقق ، كان روسو يعتقد ان عدم المساواة ليست امراً غير طبيعي ، بل من المستحيل ان تنتج حكومة مناسبة . في الوقت الذي سحر فولتير بالتكنولوجيا ، كان روسو يصر على انه على صواب ، حتى  وان تناقض مع نفسه. في الوقت الذي كان فولتير يؤكد على دور الذكاء والتفوق العقلي ، كان روسو يؤكد على المشاعر ، كافضل مساعد  للتنوير. وحين كان فولتير يعطي العديد من المفاهيم الأساسية الخاصة بالتنوير ، كان روسو يقدم العديد من الافكار وفي كل المجالات مثل :  التعليم ، الأسرة ، الحكومة ، والفنون ،اضافة الى امور اخرى كانت تثير انتباهه.

بالرغم من كل الاختلافات التي كانت موجودة في شخصيتيهما  ، الا انه كانت هنالك قيم مشتركة بينهما أكثر مما كانا يودان الاعتراف به. إنهما يريان ان الحكم الملكي المطلق امر خطير ورفضا الكنيسة المسيحية الأرثوذكسية. وإن كان روسو في كثير من الأحيان يبدو متدينا ، الا انه كان تقريبا على نفس القدر من التشكيك الذي كان لدى فولتير : الحد الأدنى من الايمان الذي كانا يعتقدان به هو (الربوبية ) الامر الذي ادى  في نهاية المطاف لتحويل دين اوربا والتأثير بقوة في جوانب أخرى في المجتمع الاوربي كذلك.

 التنوير في انكلترا :

وفي الوقت نفسه كانت بريطانيا العظمى قد وضعت خطتها الخاصة بالتنوير ، مدعومة بنخبة من المفكرين امثال المفكر الانجليزي جون لوك ، والاسكتلندي ديفيد هيوم ، وكثيرين آخرين. كانت انجلترا قد سبقت  بقية أوروبا بمحاولتها انهاء الملكية والقضاء على النظام الملكي ومنذ القرن السابع عشر. ورغم أن النظام الملكي قد استعيد في نهاية المطاف ،الا ان هذه التجربة خلقت بعض الانفتاح على التغيير في كثير من الأماكن التي لا يمكن اخماد حركات التنوير فيها. وقفت الكنيسة البروتستانتية الانجليزية عاجزة عن التعبير عن نفسها في الوقت الذي اتسعت فيه حدود حرية التعبير والصحافة. وقد تبادل التنويريون الفرنسيون والانجليز التأثير فيما بينهم ولم يكن فولتير هو الحلقة الوحيدة لهذا التاثير.

      قامت انكلترا بثورتها  في وقت مبكر قياسا بباقي مناطق اوربا  ، ذلك ما مكنها من المضي قدما في الطريق إلى الديمقراطية وبصورة اكثر سلاسة ، ولكن الحرية الانجليزية كانت مقيدة عند نقلها إلى فرنسا ، إذ المعارضة من جانب الكنيسة والدولة كانت في اوجها . وكانت النتيجة أنه في الوقت الذي بقيت فيه بريطانيا محتفظة بطابع التدين والورع ، اصبحت فرنسا دون باقي دول اوربا بعيدة عن الدين بعد ان اقتلعته بعنف من جذوره.

 التنوير في أمريكا :

من جهة اخرى و عبر المحيط الأطلسي ، كان العديد من قادة الفكر في المستعمرات الامريكية قد شُد انتباههم نحو التنوير.تلك المستعمرات أسسها قادة ذوو نزعات ومعتقدات دينية متعصبة ، ولكن عندما أصبح من الضروري توحدهم ضد انجلترا ، وعندما اصبح من الواضح لديهم أن لا أحد منهم يمكنه أن يتغلب على الآخرين ، وأن المرغوب فيه بالطبع هو أن نتفق على أن نختلف. كل ذلك دفعهم إلى قيادة حركة نحو الفصل بين الكنيسة والدولة مدركين أن الكنيسة لا يمكن أن تسيطر على هذه الدولة الجديدة. 

كان العديد  من قادة الثورة الأمريكية امثال جيفرسون ، واشنطن ، وفرانكلين قد تأثروا بحركة التنويرالانجليزية والفرنسية. فإن الله الذي سن مفهوم المساواة المستوحى في إعلان الاستقلال الامريكي هو نفس الرب الذي يعبده روسو ، وليس كما يوصف في الكنائس التقليدية التي لا تزال تؤيد وتدافع عن الملوك في جميع أنحاء أوروبا. قضى فرانكلين وجيفرسون وقتا في فرنسا (كونها الحليف الطبيعي لامريكا لأنها كانت العدو التقليدي لانجلترا) وذلك ما مكنهم من استيعاب تأثير التنوير في فرنسا.كانت لغة القوانين الطبيعية والحريات الفردية ومبدأ تقرير المصير والتي تسربت عميقا في النفوس الأمريكية ،  هي لغة التنوير ، وإن كانت مغلفة بغلاف رقيق يمكن تسميته بالدين المدني.

 كان هذا هو أحد الأسباب التي دفعت الأمريكيين إلى دراسة التنوير. لان مبادئه كانت جزءا من معتقداتهم. وانها حددت جزءا من ما كانوا يحلمون به ، وما يطمحون ليصبحوا عليه. والتي كانت تمنحهم بعدا جغرافيا عن الأرستقراطيين الذين كانوا ضد الثورة ، وان كانت ثورتهم أقل تأثيرا في بدايتها من مثيلتها في فرنسا.

 الكفاح في أوروبا :

 ولكننا في حاجة إلى العودة إلى بداية القصة ، لفولتير وحلفائه في فرنسا ، الذين كانوا يكافحون لتأكيد قيم الحرية والتسامح في الثقافة إذ كان توأم الاستبداد في القلاع الملكية والكنيسة(الملوك والرهبان) يعارض كل شيء  دعا اليه فولتير واقرانه تقريبا. ولان معارضة النظام الملكي علنا يمكن أن يكون قاتلا ، فكانت الكنيسة هي الهدف الاسهل. كانت الكنيسة البروتستانتية قد جعلت الجدل الديني  امرا مألوفا. وتمكن فولتير بمهارة من جعل المعتقدات المسيحية تتضارب فيما بينها.  وكانت هنالك طريقة واحدة لتقويض سلطة الكنيسة من خلال تقويض مصداقيتها ، من ثم  فان فولتير كرس جزءا كبيرا من وقته لمهاجمة  أسس العقيدة المسيحية مستوحيا حججه من الكتاب المقدس ، تجسد  الله في يسوع المسيح ، واللعن لكل الكافرين. لا شك في ان هذه المعركة كانت تلاقي هوىً في نفسه ، ولكن لم يغيب عن باله الهدف الرئيسي لها وهو إسقاط الكنيسة لزيادة الحرية المتاحة للأوروبيين.

شكل فولتير مع مجموعة من المفكرين المتمردين حركة تعرف باسم (philosophes) وكان من اعضائها  تشارلز دي مونتسكيو ، بيير باييل ، جان دي لومبيرت ، وآخرون اقل شهرة. ورغم أن (philosophe) تعني حرفيا "الفيلسوف"  فاننا نستخدم الكلمة الفرنسية في تسمية هذه المجموعة من المفكرين الفرنسيين في القرن الثامن عشر. ولأن (دينه ديدرو) كلف الكثير منهم كتابة موسوعة مرموقة لصالحه ، يمكننا ان نطلق عليهم ايضا اسم الموسوعيين (Encyclopedists).

 تراث التنوير :

 اليوم هو عصر التنوير وكثيرا ما ينظر اليه إنه مفارقة تاريخية ، لحظة وجيزة عند عدد من المفكرين الذين كانوا يعتقدون أن الكمال في المجتمع يمكن أن يبنى عن طريق التسامح والفطرة السليمة ، وإنه من العجيب ان تكون لحظة الرعب التي ولدتها الثورة الفرنسية و الاجتياح الحاسم لجماعة الرومانسيين هي ما ادت الى ظهور حركة التنوير. حتى وان اعلن المفكرون الدينيون ان التنوير قد مات وانتهى . او يرفضه الماركسيون لأنه يعد من وجهة نظرهم نقطة لتعزيز المثل العليا للبرجوازية على حساب الطبقات العاملة ، أو يرفضه نقاد ما بعد الكولنيالية لمثاليته المفرطة في عدّ المفاهيم الأوروبية حقائق عالمية ،او رفض مفكري ما بعد البنيوية (poststructuralists)  لكل معتقداته المتعلقة بمفهوم التفكير العقلي، فان التنوير لم يكن اكثر حيوية مما هو عليه الآن . فمفاهيم حقوق الإنسان كانت وما زالت نقطة جذب للشعوب المقهورة في كل مكان ،تلك المفاهيم المستلهمة من نفس فكرة القانون الطبيعي المستوحاة من افكار جيفرسون وفولتير. وأينما ما ينشب صراع ديني فان التسامح الديني المتبادل هو ما ينصح به كحل. وان مفاهيم روسو للحكم الذاتي هي مثل عليا عالمية ، دفعت أسوأ الطغاة الى إخفاء استبدادهم  والادعاء انهم يعملون وفق نفس المفاهيم . ولعل هذه الافكار هي افكار اوربية ، ولكنها أصبحت عالمية أيضا . وأيا كانت حدودها ، فقد شكلت توافقاً للروئ الدولية و المثل العليا التي بها يمكن ان تحكم الدول الحديثة.

وإذا كان عالمنا  يبدو أقرب بقليل إلى الكمال الذي كانت عليه فرنسا في القرن الثامن عشر ، فإن ذلك يعود جزئيا إلى فشلنا نحن في تقدير المكاسب التي حصلنا عليها. وايضا محاولات اعداء التنوير هدم المكاسب الهشة التي اصبحت لدينا.

بالتأكيد لم يكن فولتير مفرط التفاؤل. ولم يكن قليل الثقة او طوباويا ، بدلا من محاولة اخراج الأوروبيين من حالة التخلف والجمود القاتلة التي كانوا يعيشون فيها . وسواء  أكنا نعترف بتأثيره في هذا المجال أم لا ، فإننا ما زلنا نفكر اليوم  مثله وليس مثل أعدائه.

وفيما نسبر اعماق مؤلفاته الاكثر تاثيراً، والمعاجم الفلسفية ، من اجل البحث عن مقاطع تساعد على وضع الأسس الصحيحة لأنماط التفكير الحديثة. لننظر أيضا الى النصوص التي  لا تزال تمثل تحديا في يومنا هذا .

 ..................

(*) استاذ الادب المقارن في جامعة انديانا الامريكية

(**) مقرر قسم دراسات شرقية غربية في معهد الأبحاث والتنمية الحضارية